تخطى إلى المحتوى

الذكر وفضله

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأشكر الله تعالى أن وَفَّقَ للوصول إلى هذا المكان المبارك في هذه البلاد؛ في خميس البحر التابعة لمنطقة أَبْهَا.

ثم أشكر الإخوان الذين أعانوني على ذلك ودَلُّوني على هذا الخير: مكتب الدعوة في هذه المنطقة، فجزاهم الله خيرًا، وضاعف مَثُوبتهم، وجعلني وإياكم وإياهم من الهُدَاة المُهْتَدين الذين يدعون للخير، ويكونون مفاتيح للخير، مغاليق للشر، ويكتب لهم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام: مَن دلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله[1]رواه مسلم: 1893..

أهمية الذكر

لا شكَّ أن موضوع المحاضرة -كما سمعتُم- موضوعٌ مُهمٌّ؛ لأن الله تعالى حَثَّ عليه، ورَغَّب فيه، ورَغَّب فيه النبي صلوات الله وسلامه عليه، وعمل به صلوات الله وسلامه عليه، فهو موضوعٌ مُهمٌّ جدًّا، يُنْقِذ من عذاب الله تعالى، ويرفع الله تعالى به الدَّرجات، ويُقِيل الله تعالى به العَثَرات، ويُكَفِّر به السيئات: ألا وهو ذِكْر الله تعالى.

ومن أعظم فضائله: أنَّ الله تعالى يَذْكُر الذَّاكرين، وهذا شرفٌ عظيمٌ للعبد المسلم: أن يذكره الله تعالى في المَلَأ الأعلى عند الملائكة، وهذا من فضل الله تعالى، كما قال الله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، فالله تعالى أمر بذكره.

وسائل الذكر

ذِكْر الله تعالى يكون باللسان، ويكون بالقلب، ويكون بالجوارح، فهذا يكون من ذِكْر الله تعالى، وجميع الأعمال على هذا تدخل في ذِكْر الله تعالى؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: الدنيا ملعونةٌ، ملعونٌ ما فيها إلا ذِكْرَ الله وما وَالَاه، أو عالِمًا، أو مُتَعَلِّمًا[2]رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 74..

ملعونةٌ مذمومةٌ، مَبْغُوضةٌ عند الله تعالى.

إلا ذِكْر الله وما وَالَاه أي: من الأعمال الصالحة.

والعلماء والمُتعلِّمون يدخلون في هذا الفضل العظيم، حتى لو كانت الأعمال مُباحةً، ويقصد بها المسلمُ وجهَ الله تعالى والدار الآخرة؛ فإنه يدخل فيما وَالَاه.

كل شيءٍ يريد الإنسانُ به وجهَ الله تعالى والدار الآخرة، حتى الطعام والشراب والعمل من أجل الدنيا -أي: من أجل أن يُغْنِي نَفْسَه، ويُعِفَّ نفسه عن الناس، ويقوم بالنَّفقات التي أوجب الله تعالى عليه بِنِيَّةٍ صالحةٍ- يكون ذلك من ذكر الله تعالى، ويكون مما وَالَاه.

فضائل الذكر

الله تعالى يقول: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، والله تعالى إذا ذَكَرَ العبدَ فهذا شرفٌ له في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن صَلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[3]رواه مسلم: 384.، أي: ذَكَره عشر مراتٍ عند الملائكة.

والصواب في الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام: أنها الطلب من الله تعالى أن يُثْنِي على عبده في الملأ الأعلى عند الملائكة، كما قال أبو العالية: "صلاة الله تعالى: ثناء الله تعالى على عبده في الملأ الأعلى، وصلاة الملائكة الاستغفار".

فالله تعالى يذكر العبد باسمه إذا صلَّى على النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك إذا ذكره: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ، وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ۝ وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ۝ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا [الأحزاب:41- 43].

والله تعالى أمر بذكره كثيرًا ، وبَيَّنَ الله تعالى في آياتٍ كثيرةٍ فضلَ هذا الذكر، وبَيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا حَثَّ النبي صلوات الله وسلامه عليه على الذكر وبَيَّنَ فضله.

والله تعالى جعل الذَّاكرين الله تعالى والذَّاكرات من أعظم الناس في الحصول على الأجور العظيمة: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الأحزاب:35]، فبعد أن ذكر أصناف المؤمنين والمؤمنات وغيرهم من أهل الطاعة قال: وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، والنبي عليه الصلاة والسلام بَيَّنَ فضل الذكر.

ومهما بقي الإنسان يتكلم في فضل ذكر الله تعالى لا يمكن أن يُحْصِي ذلك، ولا يُحِيط به؛ لأن ما في القرآن الكريم وما في سُنة النبي عليه الصلاة والسلام كثيرٌ في هذا؛ ولهذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه: مثل الذي يذكر ربَّه والذي لا يذكر مَثَلُ الحيِّ والميت[4]رواه البخاري: 6407. هذا في الحديث الصحيح.

مَثَّلَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام الذاكر لله تعالى والذي لا يذكر الله تعالى كمثل الحيِّ والميت؛ فالذي يذكر الله تعالى حيٌّ حياةً عظيمةً، والذي لا يذكر الله تعالى كالميت لا حِرَاك فيه، ولا فائدة فيه، ولا عمل له، انقطعتْ أعماله، لا خير يُجْنَى منه بعد موته.

وفي روايةٍ أخرى: مَثَل البيت الذي يُذْكَر الله فيه والبيت الذي لا يُذْكَر الله فيه مَثَلُ الحيِّ والميت[5]رواه مسلم: 779..

البيت الذي يُذْكَر الله فيه كمثل الحيِّ، فيه حياةٌ؛ يُقْرَأ فيه القرآن، ويُذْكَر فيه الله تعالى، ويُؤْمَر فيه بالمعروف، ويُنْهَى فيه عن المنكر، ويُبْتَعد عن المُحرمات في هذا البيت، هذا مثل الحيِّ.

أما الآخر -البيت الذي لا يُذْكَر الله فيه- فهو كالقبور، فلا فائدة في هذه القبور، فهي قبورٌ ميتةٌ، لا حياة فيها، ولا حياة لأهلها؛ ولهذا مثَّل النبي عليه الصلاة والسلام هذا المثال العظيم.

وبَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربِّه تبارك وتعالى أن الله تعالى يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فالله معك إذا ذكرتَه؛ معك بتوفيقه، ومعك بعلمه، ومعك بتسديده، ومعك بإعانته، ومعك بتثبيته وتوفيقه ونُصْرَته: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي[6]رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675..

الله تعالى له نفسٌ، لكنها تليق به سبحانه، ليست كَأَنْفُسِ العباد: تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ [المائدة:116]، نفس الله تعالى تليق به : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

فإن ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي فَكَّرَ في عظمة الله، فَكَّرَ بنفسه أن الله على كل شيءٍ قديرٌ، فَكَّرَ بنفسه أنه يُثِيب الطَّائعين، ويستحق العقوبة مَن عَصَاهُ.

هذا ذِكْرٌ، فهو يذكر الله تعالى بالنفس بدون ذِكْر اللسان؛ لأن الذكر قد يكون باللسان، وقد يكون بالقلب، والأفضل أن يكون باللسان والقلب.

درجات الذكر

الذكر ثلاث درجاتٍ -كما ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى-:

  1. ذِكْرٌ بالقلب واللسان: يَذْكُر بلسانه، ويُوافق قلبُه لسانَه، يتواطأ القلبُ مع اللسان.
    فهذا أعلى درجات الذكر: يذكر الله بلسانه، والقلب يتواطأ مع اللسان في التَّفكير في المعاني.
  2. ذِكْرٌ بالقلب وحده: يتفكر في خلق الله، وفي عظمة الله، وفي قُدْرَة الله، وأن الله المُستحق للعبادة، وأنه إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن؛ فيكون، وأنه بيده ملكوت كل شيءٍ، وأنه هو المُعِزُّ، المُذِلُّ، المُعْطِي، المانع، الخافض، الرافع: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ ۝ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49- 50].
    فَكَّر بقلبه بدون لسانه، فهذا ذِكْرٌ لله تعالى، يُفَكِّر في قوله تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آل عمران:26].
    فَكَّر تفكيرًا بدون لسانٍ، فهذا ذِكْرٌ لله تعالى، فالله تعالى يَذْكُره في نفسه، وهذا الذكر يكون بالقلب، وهو أفضل من ذِكْر اللسان وحده
    .
  3. ذِكْر اللسان وحده: يذكر الله بلسانه، ولكن لا يُفَكِّر في المعاني، ولا يُدِير ذلك على قلبه، فهذه الدرجة الثالثة: ذِكْرٌ لله تعالى لكنه من الدرجة الثالثة.

الدرجة الأولى: ذِكْر اللسان مع القلب.

والدرجة الثانية: ذِكْر القلب وحده.

والدرجة الثالثة: ذِكْر اللسان الذي لا يتواطأ معه القلب، فالله تعالى يقول: فإن ذَكَرَني في نفسه ذكرتُه في نفسي، وإن ذكرني في مَلَإٍ ذكرتُه في مَلَإٍ خيرٍ منهم.

تَذْكُر الله تعالى عند قومٍ من الناس؛ قل بأن الله عظيمٌ، والله على كل شيءٍ قديرٌ، وهو المُستحق للعبادة، أو سَبِّحُوا ربَّكم تبارك وتعالى، أو اذكروا الله تعالى.

فأنت تذكر الله؛ تذكر عظمة الله، وأن الله بيده كل شيءٍ، وتذكر فضل الله تعالى على عباده، وأنه يُحب المُحسنين، ويُبْغِض الكافرين، فهذا ذِكْرٌ لله تعالى، والله تعالى يذكرك في مَلَإٍ خيرٍ منهم؛ عند الملائكة، وهذا من فضل الله على عبده المؤمن الذَّاكروإن ذَكَرَني في مَلَإٍ ذكرتُه في مَلَإٍ خيرٍ منهم، وإن تَقَرَّب إليَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إليه ذراعًا، لو تقرَّب إليه بالعبادة والطاعة والخير شبرًا تقرَّب الله تعالى له ذراعًا، وإن تَقَرَّب إليَّ ذراعًا تَقَرَّبْتُ إليه بَاعًا، وإن أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً[7]رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675..

والله تعالى على عرشه مُسْتَوٍ استواءً يليق بجلاله، لا يختلط بعباده، بائنٌ من خلقه، لكنه مع عباده المؤمنين بتوفيقه وتسديده وإعانته، فهو قريبٌ من عباده، قريبٌ في عُلُوِّه، وهو على عرشه مُسْتَوٍ استواءً يليق بجلاله.

"عَلِيٌّ في دُنُوِّه" يعني: إذا دَنَا من عباده فهو عَلِيٌّ على عرشه، مُسْتَوٍ استواءً يليق بجلاله؛ ولهذا الله تعالى قد أحاط بكل شيءٍ، وهو أمام العبد وهو يُصلي، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الرجل إذا دخل في صلاته أقبل الله بوجهه، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف عنه أو يُحْدِثَ حَدَثًا[8]رواه ابن خزيمة في "صحيحه": 924..

الله قِبَل وجه عبده، وهو على عرشه مُسْتَوٍ استواءً يليق بجلاله، ما دام أن الكرسي -الذي هو موضع القدمين- وَسِعَ السماوات والأرض: وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ [البقرة:255]، فهو أعظم من ذلك الكرسي، والكرسي موضع القدمين كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما.

لهذا جاء في الخبر: ما السماوات السَّبع في الكرسي إلا كدراهم سبعةٍ أُلْقِيَتْ في تُرْسٍ[9]رواه أبو الشيخ في "العظمة": 2/ 587.، والتُّرْس: هو ما يُتَّقَى به من السلاح والنَّبْل.

وجاء: ما الكرسي في العرش إلا كَحَلقَةٍ من حديدٍ أُلْقِيَتْ بين ظَهْرَي فَلَاةٍ من الأرض[10]رواه أبو الشيخ في "العظمة": 2/ 587..

الله أكبر!

هذا يدل على عظمة الله.

وانظر الأثر الآخر: "ما السماوات السبع والأَرَضُون السبع وما فيهما في يد الله إلا كَخَرْدَلَةٍ في يد أحدكم"[11]رواه عبدالله بن أحمد في "السنة": 1090 عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما..

هذا يدل على عظمة الله، فالله تعالى مُحِيطٌ بكل شيءٍ، وأكبر من كل شيءٍ، فلا يتصور الإنسان أنه كالمخلوقات، تعالى الله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

قال: ومَن أتاني يمشي أتيتُه هَرْوَلَةً، هذا من فضل الله تعالى على عباده الذَّاكرين.

فضل مجالس الذكر

بَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام فضل الذِّكر في مواضع كثيرةٍ، منها: مجالس الذِّكر التي أنتم فيها الآن؛ ثبت في "صحيح البخاري" وكذلك في "صحيح مسلم": أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن لله ملائكةً يلتمسون حِلَقَ الذِّكر، حتى إذا وجدوا بُغْيَتَهم حَفُّوا هذه الحِلَق إلى السماء، فيسألهم الله تعالى -وهو يعلم -: ما يقول عبادي؟ قالوا: يُسَبِّحُونك ويُكَبِّرُونك ويحمدونك ويُمَجِّدُونك، فيسألهم: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، قال: وهل رأوا جنتي؟ يقولون: لا والله يا ربِّ ما رأوها، قال: فكيف لو أنهم رأوها؟ قالوا: لو أنَّهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طلبًا، وأعظم فيها رغبةً، قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُون؟ قالوا: من النار، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا والله ما رأوها، قال: فكيف لو رأوها؟ قالوا: لو رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا، وأشدَّ لها مخافةً، قال: فَأُشْهِدُكم أني قد غفرتُ لهم، يقول مَلَكٌ من الملائكة: ربِّ، فيهم فلانٌ ليس منهم، إنما جاء لحاجةٍ.

سبحان الله!

ليس من باب الاعتراض، الله يعلم ذلك، فيقول الله تعالى: وله غفرتُ، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسهم[12]رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.، رواه البخاري ومسلمٌ.

فلو لم تَحْصُلوا أنتم وغيركم على فائدةٍ من حلقات العلم إلا هذه الفائدة لكانت كافيةً في الفضل والثواب العظيم، لكن يحصل غير ذلك، يحصل غير المغفرة؛ ولهذا ثبت في الحديث الآخر الذي صححه الألباني رحمه الله تعالي: ما جلس قومٌ يذكرون الله ​​​​​​​ أي: في مجلسٍ من المجالس إلا ناداهم مُنَادٍ من السماء: قوموا مغفورًا لكم، فقد بُدِّلَتْ سيئاتكم حسناتٍ[13]رواه أحمد: 12453، والطبراني في "المعجم الأوسط": 1556 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1504.، هذا فضلٌ آخر: أن السيئات تُبَدَّل حسناتٍ.

وأنا -والعلم عند الله تعالى- لم أسمع أحدًا قال بهذا، لكن يُؤْخَذ من هذا الحديث -والعلم عند الله تعالى- أن الذي يحضر الحلقات وليست له نيةٌ في الأجر، وإنما دخل لحاجةٍ؛ عَمَّتْهُ الرحمة، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: إنما الأعمال بالنيات[14]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.، والعلم عند الله تعالى أن هذا مُسْتَثْنًى من النية: جاء لحاجةٍ، أراد بعض الشيء من شخصٍ في الحلقة، وجلس مع الناس، وصلَّى مع الناس يريد فلانًا، فَعَمَّهُ الله بالرحمة: وله غفرتُ، هم القوم لا يَشْقَى بهم جليسهم، هذا من فضل الله تعالى، ومن فضل حلقات العلم.

ومن فضلها: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلتْ عليهم السَّكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمَن عنده[15]رواه مسلم: 2699.، هذا فضلٌ عظيمٌ.

وفي حديثٍ آخر يكون عامًّا حتى في البيوت، قال: لا يقعد قومٌ -هذه روايةٌ لمسلمٍ- يذكرون الله ​​​​​​​ سواء قعدوا في البيوت، أو في الصحراء، أو في أي مكانٍ إلا حَفَّتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمَن عنده[16]رواه مسلم: 2700.، رواه مسلمٌ، وهذا من فضل الله تعالى.

والسكينة -كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى- هي نوعٌ من أنواع الملائكة، والرحمة أمرها عظيمٌ.

وهذه السكينة -والله أعلم- غير السكينة التي هي الهدوء والتزام الآداب، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا أُقِيمَت الصلاة فلا تَأْتُوها تَسْعُون، وَأْتُوها تمشون، وعليكم بالسكينة والوقار، فما أدركتُم فَصَلُّوا، وما فَاتَكُم فَأَتِمُّوا[17]رواه البخاري: 636، ومسلم: 602..

هنا السكينة تعني: الأدب، والوقار، والهدوء، وعدم العجلة.

وهذا من فضل الله تعالى على عباده في ذكر الله تعالى.

والمجالس التي لا يُذْكَر الله فيها تكون حسرةً وندامةً على أهلها في الدنيا والآخرة؛ أولًا: لأنهم يتفرقون كما لو تفرَّقوا عن جِيفَة حمارٍ، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام: ما من قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يذكرون الله فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمارٍ، وكان لهم حسرةً[18]رواه أبو داود: 4855، وأحمد: 9052، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1514.، وفي الحديث الآخر: ما اجتمع قومٌ بمجلسٍ لم يذكروا الله فيه، ولم يُصَلُّوا على نبيهم إلا كان عليهم تِرَةً أي: حسرةً يوم القيامة[19]رواه الترمذي: 3380، وأحمد: 10278، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1512..

فَذِكْر الله تعالى له شأنٌ عظيمٌ، وينبغي للعبد المؤمن أن يُعْنَى بذكر الله تعالى، وينظر إلى الفضل؛ حتى يجتهد في هذا الخير العظيم، ويكون من الذَّاكرين الله تعالى والذَّاكرات.

مواطن الذكر وأحواله

الذكر له مواطن ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في جملة الأحاديث، وكذلك القرآن الذي أنزله الله تعالى، وله أحوالٌ: مُطلقةٌ ومُقيَّدةٌ.

الذكر المُطلق

المُطلقة أي: في أيِّ وقتٍ، يذكر الله تعالى في أي وقتٍ، مثل قول النبي عليه الصلاة والسلام: لَأَنْ أقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس[20]رواه مسلم: 2695..

هذا فضلٌ عظيمٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر؛ أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمس هذا ذِكْرٌ مُطلقٌ يقوله الإنسان في أيِّ وقتٍ.

وفي الحديث الآخر: استَكْثِرُوا من ‌الباقيات ‌الصالحات، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: المِلَّة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: المِلَّة، قيل: وما هي يا رسول الله؟ قال: التَّكبير، والتَّهليل، والتَّسبيح، والتَّحميد، ولا حول ولا قوة إلا بالله[21]رواه أحمد: 11713، وابن حبان: 840، وقال محققو "المسند": حسنٌ لغيره..

إذن هذه الباقيات الصالحات، أي: من الباقيات الصالحات، وهذا الذكر خمس كلماتٍ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وفي حديثٍ آخر يقول: أحبُّ الكلام إلى الله أربعٌ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ‌لا ‌يَضُرُّكَ ‌بِأَيِّهِنَّ ‌بدأتَ[22]رواه مسلم: 2137.، هذا يُقال له: ذِكرٌ مُطلقٌ، في أي وقتٍ لا بأس.

ومن الذِّكر المُطلق قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرِسَتْ له نخلةٌ في الجنة[23]رواه الترمذي: 3464، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1540.، رواه الترمذي، وصححه الألباني رحمه الله تعالى.

نخلةٌ، لكنك ما تراها، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرنا بذلك، وهذا من فضل الله على عباده: نخلةٌ في الجنة.

وقال عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: أَيَعْجِزُ أحدكم ‌أن ‌يكسب ‌كل ‌يومٍ ألف حسنةٍ؟ فسأله سائلٌ من جُلَسَائه: كيف يكسب أحدنا ألف حسنةٍ؟ قال: يُسَبِّح مئة تسبيحةٍ؛ فَيُكْتَبُ له ألف حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألف خطيئةٍ[24]رواه مسلم: 2698..

الله أكبر!

ما يستغرق وقتًا ولا دقيقة واحدة، فهذا من الذكر المُطلق: "سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله"، ولا دقيقة، فيكسب ألف حسنةٍ، أو يُحَطُّ عنه ألف خطيئةٍ، وهذا من فضل الله تعالى على عباده، فهذا من الذِّكر المُطلق في أي وقتٍ.

كان أبو موسى الأشعري  يمشي بجانب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يقول في نفسه: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، في نفسه، فقال: يا عبدالله بن قيس، ألا أَدُلُّك على كنزٍ من كنوز الجنة؟ قلتُ: بلى يا رسول الله. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله[25]رواه البخاري: 6384، ومسلم: 2704.، كأنَّ الوحي أتاه عليه الصلاة والسلام.

هذا كنزٌ من كنوز الجنة: "لا حول ولا قوة إلا بالله" لا تَحَوُّل من حالٍ إلى حالٍ إلا بِقُدرة الله تعالى، لا من صحةٍ إلى مرضٍ، ولا من مرضٍ إلى صحةٍ، ولا من غِنًى إلى فقرٍ، ولا من فقرٍ إلى غِنًى، ولا من عِزٍّ إلى ذُلٍّ، ولا من ذُلٍّ إلى عِزٍّ، ولا من حياةٍ إلى موتٍ، إلى غير ذلك.

"لا حول ولا قوة إلا بالله" هذه كنزٌ من كنوز الجنة، يقوله النبي عليه الصلاة والسلام.

وبَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم[26]رواه البخاري: 6682، ومسلم: 2694..

هذا من فضل الله، وختم بها البخاري رحمه الله تعالى كتابه "الصحيح" في آخر الكتاب، وهذا يدل على فضل الذكر، وأن الذاكر لله تعالى يحصل على الثواب العظيم والأجر الكبير الذي يسبق به مَن كان دونه، يمشي والناس نائمون، يُسْرِع والناس جالسون، بالطاعات والخير، بذكر الله تبارك وتعالى.

هذا يُقال له: ذِكْرٌ مُطلقٌ، في أي وقتٍ يذكر الله تعالى، في أي وقتٍ، ذِكْرٌ مُطلقٌ بدون تقييدٍ.

وغير ذلك من الأذكار التي بَيَّنَها النبي عليه الصلاة والسلام، وبَيَّن فضلها صلوات الله وسلامه عليه.

الذكر المُقيد

من الأذكار المُقيَّدة بأوقاتٍ مُحددةٍ أو في أماكن مُحددةٍ قوله عليه الصلاة والسلام عند نزول الإنسان في بيتٍ أو في طريقٍ أو في مكانٍ: مَن نزل منزلًا ثم قال: أعوذ بكلمات الله التَّامات من شَرِّ ما خلق، لم يَضُرَّه شيءٌ حتى يرتحل من منزله ذلك[27]رواه مسلم: 2708.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا ... في الأماكن، فإذا قلتَ هذا الذكر حفظك الله تعالى، مع الحصول على الأجر والثواب، فأنت تحصل على الغنيمتين: تحصل على ذِكْر الله، وتحصل على السلامة.

ومن الأذكار المُقيَّدة: أذكار الاستيقاظ من النوم، فإنَّ الإنسان إذا استيقظ من نومه يذكر الله تعالى.

والأذكار كثيرةٌ، لكني أقتصر على بعضها التي بَيَّن فيها النبي عليه الصلاة والسلام الفضل، فكل ذِكْرٍ تَذْكُر به الله تعالى لك عليه الثواب العظيم من الله؛ لأنك اقتديتَ بالنبي عليه الصلاة والسلام وذكرتَ الله تعالى، لكن من أذكار الاستيقاظ من النوم قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن تَعَارَّ من الليل قيل: استيقظ مع صوتٍ، مَن تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

العلي العظيم زادها ابن ماجه، وأصل الحديث في البخاري، ثم دعا: رَبِّ اغفر لي؛ غُفِرَ له، أو دعا استُجِيبَ له، فإن قام فتوضأ ثم صلَّى قُبِلَتْ صلاته[28]رواه البخاري: 1154، وابن ماجه: 3878..

هذا فضلٌ عظيمٌ، وثوابٌ كبيرٌ ... لا يفوتنَّك هذا الذكر العظيم، فينبغي للمسلم ألا يفوته عند الاستيقاظ من النوم: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن استغفرتَ الله غَفَرَ لك، فإن دعوتَ الله استجاب الله دعاءك، فإن قُمْتَ وتوضأتَ وصلَّيتَ قُبِلَتْ صلاتك.

هذا من فضل الله تعالى على عباده، هذا من أذكار الاستيقاظ من النوم، ثم ذكر الصباح والمساء، وأذكار الصلوات، وأذكار الأذان.

فمن ذلكم: أذكار الأذان؛ قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا قال المُؤذن: الله أكبر، الله أكبر. فقال أحدكم: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله. قال: أشهد أن لا إله إلا الله. ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. قال: أشهد أن محمدًا رسول الله. ثم قال: حيَّ على الصلاة. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: حيَّ على الفلاح. قال: لا حول ولا قوة إلا بالله. ثم قال: الله أكبر، الله أكبر. قال: الله أكبر، الله أكبر. ثم قال: لا إله إلا الله. قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة[29]رواه مسلم: 385.، رواه مسلمٌ.

الله أكبر!

هذا من فضل الله على عباده، فإذا تابعتَ الأذان، ثم قلتَ: "لا إله إلا الله" من قلبك دخلتَ الجنة، هذا من فضل الله تعالى.

ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قال: مَن قال حين يسمع المُؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمدٍ رسولًا، وبالإسلام دينًا؛ غُفِرَ له ذنبه[30]رواه مسلم: 386.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، رواه مسلمٌ.

هذا من فضل الله، لكن كثيرًا من الناس محرومٌ، حُرِمَ هذا الخير.

كثيرٌ من الناس يُحْرَم هذا الخير، فالمُؤذِّن يُؤذن وهو يتكلم في الدنيا وفي غيرها، ولا يُتابع هذا الفضل العظيم والثواب الكبير.

ينبغي للعبد المسلم إذا أذَّن المُؤذن أن يُتابعه؛ ولهذا يذكر ابن جُرَيجٍ أن السلف كانوا إذا أذَّن المُؤذن أَنْصَتُوا كما يُنْصِتُون للقرآن -الله أكبر!- لعلمهم بهذا الفضل العظيم والثواب الكبير.

وبَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام: إذا سمعتُم المُؤَذِّن فقولوا مثلما يقول، ثم صَلُّوا عليَّ، فإنَّه مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سَلُوا الله لي الوسيلة، فإنَّها منزلةٌ في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلة حَلَّتْ له الشفاعة[31]رواه مسلم: 384.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فالسُّنة أن يُبادر بهذه الأذكار، يقول مثلما يقول المُؤذن، فإذا انتهى المُؤذن يُصَلِّي على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم يقول: اللهم ربَّ هذه الدعوة التَّامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وَابْعَثْهُ مقامًا محمودًا الذي وعدتَه[32]رواه البخاري: 614.، وزاد البيهقي: إنك لا تُخْلِف الميعاد[33]رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 1954.، وهذه الزيادة -كما ذكر شيخنا ابن باز رحمه الله- زيادة ثقةٍ، فهي مقبولةٌ على منهج الحافظ ابن حجر رحمه الله والحافظ العراقي والنَّووي، فزيادة الثقة مقبولةٌ ما لم يُخالف مَن روايته أوثق، وهذا من فضل الله تعالى.

ثم كذلك أذكار الطهارة؛ فعثمان توضأ ثلاثًا ثلاثًا حتى أَسْبَغَ الوضوء، ثم قال: قال رسول الله : مَن توضأ نحو وضوئي هذا، ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّث فيهما نفسه؛ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه[34]رواه البخاري: 159، ومسلم: 226.، هذا فعلٌ.

والقول: ما منكم من أحدٍ يتوضَّأ فَيُسْبِغُ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا عبدالله ورسوله إلَّا فُتِحَتْ ‌له ‌أبواب ‌الجنة ‌الثمانية يدخل من أَيِّهَا شاء[35]رواه مسلم: 234.، وزاد الترمذي: اللهم اجعلني من التَّوابين، واجعلني من المُتَطَهِّرين[36]رواه الترمذي: 55.، وعند النَّسائي: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، هذه يُطْبَع عليها بطابعٍ لا يُفْتَح إلى يوم القيامة[37]رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9829، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6170.؛ لِعِظَم هذا الأجر وهذا الثواب الكبير.

كذلك من الفضائل العظيمة: أن الإنسان إذا خرج من بيته وقال: "بسم الله، توكَّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَم، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَل عليَّ"، فمن ثواب ذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام بَيَّنَ أن العبد إذا خرج من بيته وقال: "بسم الله، توكَّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله"، قال شيطانٌ لشيطانٍ آخر: كيف لك برجلٍ قد هُدِيَ وكُفِيَ وَوُقِيَ؟[38]رواه أبو داود: 5095 واللفظ له، وابن حبان: 822، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 499.، هُدِيتَ إلى الخير، وكُفِيتَ الشر، وَوُقِيتَ كذلك من الشرِّ.

كثيرٌ من الناس يخرج من بيته ولا يذكر الله، ويموت!

هذا لا يُقال بأنه واجبٌ أو فريضةٌ فرضها الله تعالى، لكن يُقال: إنه خيرٌ وغنيمةٌ فَوَّتها الإنسان على نفسه.

في بعض الروايات تقول أم سلمة رضي الله عنها: ما ‌خرج ‌رسول الله من بيتي قطُّ إلا رفع طَرْفَه إلى السماء فقال: اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَمَ، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَلَ عَلَيَّ[39]رواه أبو داود: 5094 واللفظ له، والترمذي: 3427، وصححه الألباني في "هداية الرواة": 2376.، فهذا فضلٌ عظيمٌ.

كذلك عند دخول المنزل، فإذا دخل الإنسان بيته ولم يذكر الله تعالى قال الشيطان: "أَدْرَكْتُم المَبِيت"، تأتي معه شياطين من خارج المنزل، فإذا جاؤوا عند المنزل ودخل ولم يَقُلْ: "بسم الله" قال: "أَدْرَكْتُم المَبِيت"، فالشياطين يبيتون في البيوت التي لا يُذْكَر الله تعالى فيها.

فإذا أكل الطعام ولم يُسَمِّ قال الشيطان: "أَدْرَكْتُم المَبِيت والعَشَاء" كلها.

أما إذا سَمَّى عند دخول بيته فإن الشيطان يقول من أول وَهْلَةٍ: "لا مَبِيتَ لكم ولا عَشَاء"[40]رواه مسلم: 2018..

كثيرٌ من الناس تَبِيت معه الشياطين في بيته -نسأل الله العافية- فيدخل ولا يُسَمِّي، ويَغْضَب ويَلْعَن ويَسُبّ؛ لأن الشياطين دخلتْ معه.

كذلك إذا ذهب إلى المسجد ينبغي له أن يُعْنَى بالفضل والثواب، ويُحافظ على الأذكار التي تُقال، ومنها هذا الدعاء: إذا خرج من بيته قال: "بسم الله، توكَّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ، أو أَظْلِمَ أو أُظْلَم، أو أَجْهَلَ أو يُجْهَل عَلَيَّ"، وإن قال: "اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، وفي سمعي نورًا، وفي بصري نورًا، ومن فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، ومن خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، وعن يميني نورًا، وعن شمالي نورًا، وعَظِّمْ لي نورًا، واجعل في شعري نورًا، وفي بَشَرِي نورًا، وفي لَحْمِي نورًا، وفي نفسي نورًا، واجعل لي نورًا، واجعلني نورًا، واجعل في قبري نورًا، وزدني نورًا"، هذا فضلٌ عظيمٌ وثوابٌ كبيرٌ.

وإذا دخل المسجد قال: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"، فإذا قال هذا الذكر قال الشيطان: حُفِظَ مني سائر اليوم[41]رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1606.. انتهى، ما لنا سبيلٌ عليه حينما يقول: "أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم"، فيُقال بأنك تُحْفَظ بهذا في سائر اليوم، وهذا من فضل الله تعالى.

فإذا صلَّيتَ الصلوات التي فرض الله عليك، وذَكَرْتَ الأذكار أدبار الصلوات، بَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام فضائلها؛ فمن سُنة النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان إذا سلَّم من الصلاة قال: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإكرام، ثم ينصرف إلى الناس[42]رواه مسلم: 591، 592.، ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ ثلاث مراتٍ[43]رواه البخاري: 6473، ومسلم: 593..

ينبغي للمسلم أن يُحافظ على هذا، ثم يُسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويُكبِّر الله ثلاثًا وثلاثين، قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سبَّح الله في دُبُر كلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحَمِدَ الله ثلاثًا وثلاثين، وكَبَّرَ الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعةٌ وتسعون، وقال تمام المئة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ؛ غُفِرَتْ خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البحر[44]رواه مسلم: 597.، رواه مسلمٌ.

لو كانت مثل رَغْو البحر.

كثيرٌ من الناس محرومون من هذا الخير: تُحَطُّ الخطايا ولو كانت مثل زَبَد البحر.

وثبت من طرقٍ عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بَيَّنَ أن: مَن قرأ آية الكرسي في دُبُر كل صلاةٍ مكتوبةٍ لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت[45]رواه النَّسائي في "السنن الكبرى": 9848، والطبراني في "المعجم الكبير": 7532، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.

الحائل بينك وبين الجنة الموت إذا حافظتَ على قراءة آية الكرسي دُبُر كل صلاةٍ، وهذا من فضل الله على عباده.

ولهذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في بعض كتبه أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ما تركها من وقت أن بَلَغَتْهُ.

هذا من فضل الله تعالى، دُبُر الصلاة المفروضة، من فضله العظيم، فالإنسان لا يَحْرم نفسه هذا الخير، والأذكار الأخرى أدبار الصلوات ينبغي له أن يُحافظ عليها؛ حتى يحصل على الثواب العظيم.

كذلك أذكار الصباح وأذكار المساء، قال النبي عليه الصلاة والسلام لبعض أصحابه: قُلْ، فلم يَقُلْ شيئًا، ثم قال: قُلْ، فلم يَقُلْ شيئًا، ثم قال: قُلْ، فقال: ما أقول يا رسول الله؟ قال: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ والمعوذتين حين تُمسي وحين تُصبح ثلاث مراتٍ تكفيك من كل شيءٍ[46]رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649..

الله أكبر!

تكفيك من كل شيءٍ من الشيطان، ومن المصائب، ومن البلايا، إذا قرأتَها ثلاث مراتٍ إذا أصبحتَ، وثلاث مراتٍ إذا أمسيتَ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ [الفلق]، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ [الناس]، تُقْرَأ في الصباح ثلاثًا، وفي المساء ثلاثًا، وتُقْرَأ كذلك أدبار الصلوات مرةً مرةً.

كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شرِّ ما صنعتُ، أَبُوءُ لك بنعمتك عليَّ، وأَبُوءُ بذنبي، "أَبُوء" يعني: أعترف، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فإن قالها إذا أصبح ومات قبل أن يُمْسِي كان من أهل الجنة، وإن قالها إذا أمسى ومات قبل أن يُصبح كان من أهل الجنة[47]رواه البخاري: 6306..

هذا فضلٌ عظيمٌ، وثوابٌ كبيرٌ.

قال: مَن قال: ‌بسم ‌الله ‌الذي ‌لا ‌يَضُرُّ ‌مع ‌اسمه ‌شيءٌ ‌في ‌الأرض، ‌ولا ‌في ‌السماء، ‌وهو ‌السَّميع ‌العليم، ثلاث مراتٍ، لم تُصِبْهُ فَجْأَةُ بلاءٍ حتى يُصبح، ومَن قالها حين يُصبح ثلاث مراتٍ لم تُصِبْهُ فَجْأَةُ بلاءٍ حتى يُمسي[48]رواه أبو داود: 5088 واللفظ له، والترمذي: 3388، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6426..

هذا جمع بين الغنيمتين، بين الحُسْنَيين؛ بين الفضل والثواب الذي يحصل عليه، وبين النَّجاة من البلايا التي تحصل له في الدنيا؛ لأن ذِكْر الله تعالى يحصل الإنسانُ به على الخير العاجل والآجل، وهذا من فضل الله تعالى على عباده.

إذا رأيتَ إنسانًا مُبْتَلًى بحادثٍ أو مصيبةٍ -خاصةً في المعاصي والسيئات والجرائم- وقلتَ: الحمد لله الذي عافاني مما ابتَلَاكَ به، وفَضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا[49]رواه الترمذي: 3431، وابن ماجه: 3892، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3392.، لا يُصيبك ذلك البأس دائمًا إلى الموت، ما يُصيبك.

لكن لا تُسْمِعْ هذا المُصَابَ، ربما بعض الناس يقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتَلَاكَ به"، لا، قُلْهُ في نفسك: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتَلَاكَ به، وفَضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا"، لو لَزِمْتَ هذا الخير عندما ترى مُبْتَلًى لا يُصيبك ذلك البلاء.

أما المعاصي والجرائم فلا بأس أن تقول ذلك لو كان الإنسان مُصِرًّا على المعاصي، مُجَاهِرًا بها، ولم يَنْقَدْ لذلك، ولم يَمْتَثِل، ولم يَنْتَهِ بعد النَّهي، فلا بأس أن تقول: "الحمد لله الذي عافاني مما ابتَلَاكَ به، وفَضَّلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلًا"، إذا كان من أهل المعاصي والسيئات والجرائم التي يُجاهر بها، أما إذا لم يُجاهر بها ... فَقُلْهَا في نفسك، ولا تُسْمِعْهُ إياها.

هذا من فضائل الذكر للعبد المسلم: أن يكون في حِفْظ الله تعالى، وفي كَلَاءَته، وفي رعايته .

حتى الصلاة من الذكر؛ ولهذا بَيَّنَ النبي عليه الصلاة والسلام أن مَن صلَّى الفجر فهو في ذِمَّة الله حتى يُمسي[50]روى مسلم: 657 عن جُنْدب بن عبدالله  قال: قال رسول الله : مَن صلَّى الصبح ‌فهو ‌في ‌ذِمَّة ‌الله.، يعني: في حِفْظ الله، في رعاية الله، في كَلَاءَة الله تعالى.

ولا شكَّ أن الذكر له فضلٌ عظيمٌ، وثوابٌ كبيرٌ في الدنيا والآخرة، ولصاحبه المنازل العُلَا عند الله تعالى إذا كان صادقًا، مُخْلِصًا في ذِكْره.

وعلى الإنسان أن يسأل الله التوفيق، فالتوفيق بيد الله، وانشراح الصدر لهذا الخير بيد الله: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ [القصص:56]؛ ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في صلاة الليل -ولا بأس أن يقول هذا الإنسانُ في صلاة النهار؛ في الفرائض أو في غيرها-: اللهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهْدِنِي لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي مَن تشاء إلى صراطٍ مُستقيمٍ[51]رواه مسلم: 770..

هذا من فضل الله، فالمسلم يسأل الله الهداية، ويسأل الله التوفيق والإعانة؛ لأن الله تعالى هو الذي يُعِين العبد ويُوَفِّقه ويشرح صدره للخير؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا معاذ، والله إني لَأُحبك، أُوصِيكَ يا معاذ: لا تَدَعَنَّ في دُبُر كل صلاةٍ تقول: اللهم أَعِنِّي على ذِكْرك وشُكرك وحُسن عبادتك[52]رواه أبو داود: 1522 واللفظ له، والنسائي: 1303، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1362.، تسأل الله دُبُر كل صلاةٍ، فالنبي عليه الصلاة والسلام أوصى معاذًا  بهذا الفضل.

أنت تدعو الله تعالى أن يُعِينك على ذكره وشُكره وحُسن عبادته.

الله أكبر!

هذا من فضل الله تعالى على عبده، فلا تَدَعَنَّ هذا الدعاء، والأفضل أن يكون قبل السلام، قبل أن تُسلِّم تقول: "اللهم أَعِنِّي على ذكرك وشُكرك وحُسن عبادتك".

قال أبو بكرٍ لرسول الله : "عَلِّمْنِي دعاءً أدعو به في صلاتي"، وفي رواية مسلمٍ: "وفي بيتي"، فقال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك، وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم[53]رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705..

فيا عبدالله، لا تَنْسَ هذا الفضل العظيم، والثواب الكبير، وتسأل الله التوفيق والتَّسديد والإعانة.

أعظم الذكر

أعظم الذكر مطلقًا الذي ينبغي أن يستقرَّ في ... الإنسان هو كلام الله تعالى: القرآن العظيم، هو أعظم الذكر، كلام الله تعالى المُنَزَّل، تكلَّم به سبحانه، وأنزله على رسوله عليه الصلاة والسلام، سمعه جبريل ، فهو كلام الله تعالى: حروفه ومعانيه، منه بدأ، وإليه يعود، فهو أعظم الذكر؛ ولهذا: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول: "الم" حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ، ولامٌ حرفٌ، وميمٌ حرفٌ[54]رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416..

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أيُّكم يُحب أن يَغْدُوَ كل يومٍ إلى بُطْحَان أو إلى العقيق واديان بالمدينة، فيأتي منه بناقتين كَوْمَاوَيْن في غير إثمٍ ولا قطع رَحِمٍ؟ قالوا: يا رسول الله، نُحب ذلك. قال: أفلا يَغْدُوَ أحدكم إلى المسجد فَيَعْلَم أو يقرأ آيتين من كتاب الله ​​​​​​​ ​​​​​​​​​​​​​خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومن أعدادهنَّ من الإبل؟[55]رواه مسلم: 803..

الإبل الآن بعضها يصل إلى الملايين، فيقرأ آيةً واحدةً خيرٌ له من ناقةٍ، مع العلم بأن الذَّرة من الحسنات خيرٌ من الدنيا وما فيها، لكن هذا للتَّقريب للناس، فكم في القرآن من آيةٍ؟

فوق ستة آلاف آية، فإذا ختم القرآن يكون أفضل من ستة آلاف ناقةٍ.

هذا من فضل الله تعالى على عباده، هذا القرآن العظيم كلام الله تعالى، ينبغي للمسلم أن يُعْنَى به، ويتدارسه، ويقرأ القرآن ويتلوه، ويسأل الله تعالى أن يشرح صدره لقراءته، فهو أعظم الذكر.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا أن يجعلني وإياكم من الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه.

وأُحِبُّ قبل أن أختم كلامي أن أُوَجِّه طلبًا للإخوان: أن يُشاركوا في هذا الخير العظيم، وهذا الثواب الكبير، وهو دعم الوقف الدعوي في هذه المحافظة -الوقف التابع لمكتب الدعوة- فإن هذا الوقف من الأعمال الصالحة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[56]رواه مسلم: 1631..

تُقَدِّم ريالًا، تُقَدِّم مئةً، تُقَدِّم أكثر، تُقَدِّم أقلَّ: لا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا[57]رواه مسلم: 2626.، تَحْصُل على هذا الثواب العظيم.

كل ما يأتي من هذه الأوقاف يُنْفَق في سبيل الله يأتيك وأنت في قبرك، وأنت عند ربك، انقطعت الأموال، ما يبقى معك إلا عملك الصالح.

كنتُ في هذا اليوم سمعتُ قصةً عجيبةً في الإنسان الذي يجمع الأموال ولا ينتفع بها: أخبرني مَن أَثِقُ به في هذا اليوم من أقربائي أن رجلًا -وأنا أعرف هذا الرجل- لا يأتي له أولادٌ، وهو كبيرٌ في السنِّ، وعقيمٌ، لا زوجة، ولا ولد، ورجلٌ صالحٌ يُنْفِق في سبيل الله، ولكن قبل الموت قال الوكيل على ما له من بعض الأموال: عندنا لك 80 ألف ريال، ماذا نعمل بها؟

فَوَفَّقه الله لقول الحقِّ، ولو قال: "الثلث" لا بأس، لكنه عامِّي، ويُحب الخير، ولا يدري.

قال: اجتَمِعُوا، فإن توافقتُم فاجعلوها في المسجد، وإن اختلفتُم فَكُلُوها، وتأكلكم الدنيا بعدها، أو كما قال: خُذُوها.

وبعد أن مات اجتَمَعُوا، فاختلفوا، وأرادوا أن يتقاتلوا على هذه الثمانين، بل أعظم من ذلك أن بعضهم قال: أين ذَهَبَتْ عصاه؟ كان معه عصًا، قلتُ: أسأل: العصا من ذهبٍ؟ قال الذي يُخبرني: والله ليست من ذهبٍ، وإنما هي عصًا من خشبٍ. قال: وأين العصا؟ قالوا: مع امرأةٍ ضعيفةٍ، رِجْلُها مكسورةٌ، أو لها رِجْلٌ صناعيةٌ.

فجاءت العجوز وَرَمَتْ بالعصا، وقالت: هذه العصا.

يقول لي المُخْبِر: والله ما رَدُّوا عليها العصا، أخذوها، حتى العصا!

فلا تَحْقِرَنَّ من المعروف شيئًا، فإنك إذا متَّ يا ابن آدم ما ينفعك إلا عملك الصالح.

يقول النبي عليه الصلاة والسلام: يقول ابن آدم: مالي، مالي. وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أو تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ[58]رواه مسلم: 2958.، وفي روايةٍ: وما سوى ذلك فهو ذاهِبٌ وتاركه للناس[59]رواه مسلم: 2959..

فالعصا ما سمحوا للعجوز الضعيفة أن تتعكز عليها، فقالت: خُذُوا عصاكم.

الله أكبر!

فأنت لا ينفعك إلا عملك الصالح، فَبَادِرْ بالمشاركة في هذا الوقف.

أسأل الله تعالى لِمَن شارك في هذا الوقف أن يُوَفِّقه، وأن يُعِينه، وأن يُبْدِلَه خيرًا مما أنفق، وأن يُضَاعِف له الأجر والثواب، وأن يُصْلِح ذُريته وعمله وقلبه، وأن يُصْلِح ذُرِّيات الجميع وقلوبهم وأعمالهم، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه مسلم: 1893.
^2 رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 74.
^3, ^31 رواه مسلم: 384.
^4 رواه البخاري: 6407.
^5 رواه مسلم: 779.
^6, ^7 رواه البخاري: 7405، ومسلم: 2675.
^8 رواه ابن خزيمة في "صحيحه": 924.
^9, ^10 رواه أبو الشيخ في "العظمة": 2/ 587.
^11 رواه عبدالله بن أحمد في "السنة": 1090 عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما.
^12 رواه البخاري: 6408، ومسلم: 2689.
^13 رواه أحمد: 12453، والطبراني في "المعجم الأوسط": 1556 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1504.
^14 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^15 رواه مسلم: 2699.
^16 رواه مسلم: 2700.
^17 رواه البخاري: 636، ومسلم: 602.
^18 رواه أبو داود: 4855، وأحمد: 9052، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1514.
^19 رواه الترمذي: 3380، وأحمد: 10278، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1512.
^20 رواه مسلم: 2695.
^21 رواه أحمد: 11713، وابن حبان: 840، وقال محققو "المسند": حسنٌ لغيره.
^22 رواه مسلم: 2137.
^23 رواه الترمذي: 3464، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1540.
^24 رواه مسلم: 2698.
^25 رواه البخاري: 6384، ومسلم: 2704.
^26 رواه البخاري: 6682، ومسلم: 2694.
^27 رواه مسلم: 2708.
^28 رواه البخاري: 1154، وابن ماجه: 3878.
^29 رواه مسلم: 385.
^30 رواه مسلم: 386.
^32 رواه البخاري: 614.
^33 رواه البيهقي في "السنن الكبرى": 1954.
^34 رواه البخاري: 159، ومسلم: 226.
^35 رواه مسلم: 234.
^36 رواه الترمذي: 55.
^37 رواه النسائي في "السنن الكبرى": 9829، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6170.
^38 رواه أبو داود: 5095 واللفظ له، وابن حبان: 822، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 499.
^39 رواه أبو داود: 5094 واللفظ له، والترمذي: 3427، وصححه الألباني في "هداية الرواة": 2376.
^40 رواه مسلم: 2018.
^41 رواه أبو داود: 466، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1606.
^42 رواه مسلم: 591، 592.
^43 رواه البخاري: 6473، ومسلم: 593.
^44 رواه مسلم: 597.
^45 رواه النَّسائي في "السنن الكبرى": 9848، والطبراني في "المعجم الكبير": 7532، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1595.
^46 رواه أبو داود: 5082، والترمذي: 3575، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 649.
^47 رواه البخاري: 6306.
^48 رواه أبو داود: 5088 واللفظ له، والترمذي: 3388، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6426.
^49 رواه الترمذي: 3431، وابن ماجه: 3892، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3392.
^50 روى مسلم: 657 عن جُنْدب بن عبدالله  قال: قال رسول الله : مَن صلَّى الصبح ‌فهو ‌في ‌ذِمَّة ‌الله.
^51 رواه مسلم: 770.
^52 رواه أبو داود: 1522 واللفظ له، والنسائي: 1303، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1362.
^53 رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705.
^54 رواه الترمذي: 2910، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1416.
^55 رواه مسلم: 803.
^56 رواه مسلم: 1631.
^57 رواه مسلم: 2626.
^58 رواه مسلم: 2958.
^59 رواه مسلم: 2959.