تخطى إلى المحتوى

أصول الإيمان

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

أيها الإخوة، أسأل الله لكم التسديد والتوفيق، والعلم النافع والعمل الصالح، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

أهمية العلم بأصول الإيمان

لا شك أن أعظم الموضوعات، وأعظم القربات التي يتقرَّب بها العبد إلى الله هو استماع العلم: "قال الله..."، "قال رسوله عليه الصلاة والسلام..."، واستماع الواجب الذي أوجبه الله تعالى على عباده. وأعظم الواجبات التي تجب على العباد: معرفة الإيمان الذي خُلِق من أجله الإنسان والجان.

فلا شك أن مَن قصَّر في ذلك، ولم يرفع بذلك رأسًا، ولم يعمل من ذلك بشيء، أو تَرَك بعض هذه الأركان أو الأصول، لا يكون من المسلمين -والعياذ بالله تعالى-. وهذا يدلُّ على أهمية هذا، وأنه أعظم الواجبات التي أوجب الله على عباده، وهو في كتاب الله تعالى، وفي سنَّة النبي صلوات الله عليه.

الأدلة على أركان الإيمان من الكتاب والسُّنَّة

والأصل في ذلك كما بيَّنه الله في كتابه العزيز في قوله تبارك وتعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ الآية [البقرة:177]. هذا هو البر الذي بيَّنه اللهُ تعالى وأوجبه على عبادِه أنه من الواجبات العظيمة وقال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:136].

فلا شك أن هذه الأصول هي أعظم الواجبات التي أمر الله تعالى بها في كتابه، قال سبحانه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ [البقرة:285]، فالله تعالى أمر بذلك، وقال تعالى: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70]، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ [القمر:49]. هذه الآيات تدلُّ مع حديث جبريل على هذه الأصول التي تجب على المسلم أن يعمل بها.

في حديث عمر: جاء جبريل إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا محمد، أَخبِرني عن الإسلام. فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتُقيم الصلاة، وتُؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. فقال: صدقت. قال الصحابة: عَجِبْنا له يَسْأله ويُصدِّقه. قال: فأَخبِرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. فأَخبِرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. ثم انطلق، قال عمر: فلبثتُ مليًّا. قال: يا عمر، أتدري من السائل؟. قلت: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم[1]رواه مسلم: 8..

هذا الحديث هو الدِّين كله: أصوله وفروعه؛ ولهذا قال: أتاكم يعلمكم دينكم، ومن ضمن هذا الدِّين هذه الأركان التي سمعتموها.

الأصل الأول: الإيمان بالله تعالى

فالركن الأول أو الأصل الأول من هذه الأصول: هو الإيمان بالله تعالى، هذا هو الأصل الأول: أن يؤمن العبد بالله تعالى.

وهذه أصول أهل السُّنَّة والجماعة، فإن أهل السُّنَّة يسيرون على أصولٍ ثابتة وواضحة في الاعتقاد والعمل والسلوك، وهذه الأصول مستمدة من كتاب الله تعالى، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن أعمال الصحابة والتابعين ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين. فالإيمان بالله تعالى هو الأصل الأول.

والإيمان: هو الاعتقاد الجازم أن الله تبارك وتعالى هو الخالق الرازق المدبر له الأسماء الحسنى والصفات العُلى؛ إنه تبارك وتعالى المستحق للعبادة. هذا هو معنى الإيمان بالله تعالى، ويتضمن هذا الإيمان بالله أربعة أمور:

الإيمان بوجود الله تعالى

الأمر الأول من هذه الأمور التي تجب على المسلم: الإيمان بوجود الله تعالى، وأن الله موجود، وهو يدخل في توحيد الربوبية؛ وقد دلَّ على ذلك أمور:

أولًا: دلالة الفطرة

الأمر الأول: الفطرة التي خُلِق الإنسان عليها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما مِن مولودٍ إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدَانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه[2]رواه البخاري: 1358، ومسلم: 2658.. دلَّ ذلكم على أن الناس قد فُطِروا على الإيمان بالله تعالى، وخُلِقوا على ذلك، وإنما جاءتهم الشياطين -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام- فاجتالتهم عن دينهم[3]رواه مسلم: 2865..

ثانيًا: دلالة العقل

قال الله تبارك وتعالى: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ۝ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ [الطور:35-36]. وهذا دلالة العقل على وجود الله تعالى وأنه المستحق للعبادة؛ ولهذا قال جُبَير بن مطعم حينما سمع هذه الآية يتلوها النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وكان مشركًا، قال: كاد قلبي أن يطير[4]رواه البخاري: 4854، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي[5]رواه البخاري: 4023. حينما سمع هذه الآية: أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ۝ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ [الطور:35-36]، قال حينما سمع هذه الآية: كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي. وأسلم .

هذا يدلُّ على عظم القرآن، وأن الله تعالى أنزله هُدًى وشفاء، فهو حينما سمع هذه الآية وقر الإيمان في قلبه كما قال .

ثالثًا: دلالة الشرع

ودلالة الشرع الذي أمَر الله تعالى به على وجود الله تعالى، فإن الله أرسل الرسل، وأنزل الكتب، يدعون إلى ذلك، يُعلِّمون الناس، بل والجن، يُعلِّمونهم عبادة ربهم تبارك وتعالى. وهذا هو الذي أمر الله تعالى عباده به في هذه الكتب، وعلى ألسنة هؤلاء الرسل عليهم الصلاة والسلام. 

رابعًا: دلالة الحس والمشاهدة

ويدلُّ على ذلك الحسُّ والمشاهدة؛ فإنه لا يُحصى مَن استجاب الله دعاءهم، حينما دَعَوْه في الاستسقاء أو في الأمور المُلِمَّة أو غير ذلك، استجاب الله دعاءهم، فدلَّ ذلك على وجود الله تبارك وتعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء:76]، وغير ذلك.

قصة الاستسقاء

وفي صحيح البخاري ومسلم: عن أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يخطب الناسَ يوم الجمعة على المنبر، فدخل رجلٌ من باب المسجد، فقال: يا رسول الله، هلكتِ الأموال وانقطعت السُّبُل؛ فادعُ اللهَ أن يُغيثنا. أو قال: هلك المال، وجاع العيال، فادعُ الله أن يغيثنا. فرفع رسول الله يديه، ودعا عليه الصلاة والسلام: اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثناقال أنس : فوالذي نفسي بيده، ما وضعها -أي ما وضع يديه- حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل مِن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. قال: فمُطرنا، فوالله ما رأينا الشمس سبتًا -أي: أسبوعًا لم يروا الشمس، والمطر على المدينة-.

قال: فدخل رجلٌ في الجمعة الأخرى من باب المسجد، والنبي عليه الصلاة والسلام قائم يخطب، قال الرجل: يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فادعُ الله يُمسِكها عنا. فرفع رسول الله يديه وقال: اللهم حَوَالَيْنا ولا علينا، وفي بعض الروايات: اللهم على الظِّرَاب والآكَام وبطون الأودية، قال: فما يُشير بيده إلى السحاب إلا انفرج السحاب مع يد النبي عليه الصلاة والسلام[6]رواه البخاري: 1014، ومسلم: 897.. هذا يدلُّ على وجود الله، وأن الله تعالى هو الذي أجابه، وهو الذي أزاح هذا السحاب؛ فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

آيات الأنبياء ومعجزات النبي

وكذلك يدلُّ على ذلك: آيات الأنبياء التي تُسمى المعجزات، التي يراها الناس على أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ فإنهم قد أعطاهم الله تعالى الآيات الباهرات التي تدلُّ على أن الله أرسلهم، وتدلُّ على قدرة الله تعالى.

فمن ذلكم: القرآن العظيم؛ فإنه المعجزة العظمى والآية الكبرى للنبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا [الإسراء:88]، تحدَّاهم الله تعالى بالقرآن، ثم تحداهم أن يأتوا بعشرِ سورٍ مِن مثله، ثم تحداهم بأن يأتوا بسورةٍ مِن مثله، فعجزوا. فهذا هو الآية العظمى.

ومن ذلك: خروج الماء مِن بين أصابعه عليه الصلاة والسلام في الحديبية، فإن الماء قلَّ عند الناس ولم يجدوا ما يتوضؤون به ولا يشربون، فجاؤوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام وَضَع يده في رَكِيَّة، وخرج الماء كالعيون مِن بين أصابعه عليه الصلاة والسلام، قيل: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا ألفًا وخمسمئة أو ألفًا وأربعمئة، شربوا وتوضؤوا مِن بين أصابع النبي عليه الصلاة والسلام[7]رواه البخاري: 3576، ومسلم: 2279..

وهذا يدلُّ على قدرة الله الباهرة، وأنَّ اللهَ أعطاه الآيات المعجزات التي تدلُّ على صدقه عليه الصلاة والسلام، وهذا من العلامات التي تدلُّ على صدقه.

شهادة الحجر له؛ فقد ثبت في "صحيح مسلم": أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إني لأعرف حجرًا كان يُسلِّم عليَّ في مكة قبل أن أُبْعَث، يقول: السلام عليك يا رسول الله[8]رواه مسلم: 2277. حجر. هذا يدلُّ على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، ويدلُّ كذلك على وجود الله، وأن الله على كل شيء قدير.

وكان في طريقه عليه الصلاة والسلام في يومٍ من الأيام، فجاء إليه أعرابيٌّ ودعاه للإسلام، فقال: مَن يشهد لك؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: تشهد لي هذه السَّلَمة، شجرة من شجر البوادي، فدعاها النبي عليه الصلاة والسلام، فجاءت تَعُقُّ الأرض حتى وقفت أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وشهدت له، ثم رجعت مكانها، فأسلم الأعرابي، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رأيتَ أمرًا عجيبًا، شجرةً تَعُقُّ الأرض ثم تَشْهد للنبي عليه الصلاة والسلام، ثم ترجع إلى مكانها. هذا رواه الدارمي وغيره[9]رواه الدارمي في "مسنده": 16، وأبو يعلى في "مسنده": 5662، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5925.، وهو يدلُّ على قدرة الله تعالى، وأن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

الإيمان بالربوبية

الأمر الثاني مما يدلُّ على الإيمان به : الإيمان بالربوبية التي تجب بحق الله تعالى.

الإيمان بالربوبية: وهو أن الله هو الرب الخالق، المالك المدبر الرازق؛ قال الله : ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13].

فالمُلك لله، والخلق لله، يخفض ويرفع، يعطي ويمنع، وغير ذلك مما يختص بالربوبية ؛ لذلك اختص الله بهذه الآية: ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ۝ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [فاطر:13-14]. وهذا يدلُّ على عظمة الله تعالى.

قوله: مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ [فاطر:13]، القطمير: هو لِفَافة النواة الرقيقة التي تكون النواة بداخلها، أي: نواة التمر، ما يملك أحدٌ مِن هذه الأمور شيئًا، وإنما المُلْك لله، والخلق لله تبارك وتعالى.

وهذا توحيد الربوبية، وكلُّ الناس يؤمنون بذلك، حتى المشركون؛ ولهذا قال الله : وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، الله الذي خلقه، ولكن هناك من الناس من يجحد ذلك بلسانه وهو يُقِرُّ بقلبه؛ كما قال الله عن فرعون وآل فرعون: وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا [النمل:14]، فهم وإن جحدوا بألسنتهم فهم يُقِرون بقلوبهم.

الإيمان بالألوهية

الأمر الثالث مما يجب في حق الله تعالى: الإيمان بالألوهية، العبادة، وأن الله هو مستحقٌّ للعبادة وحده ، هو الذي يستحق العبادة، لا إله إلا هو، ولا رب سواه؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30]. 

فهو الله المستحق للعبادة دون ما سواه؛ لكونه خالق العباد، والمحسن إليهم، والقائم على أرزاقهم، والعالم بسرهم وعلانيتهم، لا يخفى عليه من أمورهم شيء، والقادر على إثابة مطيعهم وعقاب عاصيهم؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذارايات:56-58]، وقال : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ۝ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:21-22].

وقد أرسل الله الرسل عليهم الصلاة والسلام وأنزل الكتب لبيان هذا التوحيد، توحيد العبادة والدعوة إليه؛ قال الله : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ [النحل:36]، وقال سبحانه: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الانبياء:25]، وقال: شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [آل عمران:18].

كل من اتخذ إلهًا مِن دون الله فإلهيته باطلة، قال الله تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [لقمان:30]، وقال أيضًا: وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [البقرة:163].

فلا شك أن هذا من الأمور التي أمر الله تعالى بها، وقد أبطل الله اتخاذ المشركين إلهًا من دونه، وقد بيَّن ضعفها مِن كلِّ وجهٍ فقال: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ۝ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ [سبأ:22-23].

إذن: المُلك لله، والخلق لله، وهو الذي يستحق العبادة؛ فالعبادة حق الله تعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لمعاذٍ: حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا[10]رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30..

الإيمان بالأسماء والصفات

الأمر الرابع مما يجب على العبد في حق الله تعالى: الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العُلى.

فأهل السُّنَّة والجماعة يُثبتون ما أثبته اللهُ تعالى لنفسه، وما أثبته له رسولُه عليه الصلاة والسلام، مِن غيرِ تحريفٍ ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ويُمِرونها كما جاءت، يُمرون هذه الصفات كما جاءت؛ فإن هذا هو اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة: يُمرون الصفات كما جاءت، كما بيَّن أهل العلم ذلك؛ ولهذا يؤمنون بها ويمرونها كما جاءت مع الإيمان بما دلَّت عليه من المعاني.

فكل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام، مِن جميع الأسماء والصفات، يَثبت الوجه اللائق به سبحانه إثباتًا مفصلًا، على حد قوله سبحانه وهو السميع البصير، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله عليه الصلاة والسلام، نفيًا إجماليًّا غالبًا على حد قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11].

والنفي يقتدي إثبات ما يضاده من الكمال، فكلُّ ما نَفَى الله عن نفسه من النقائص فكل هذا يدلُّ على ضده من الكمال، وقد جمع الله النفي والإثبات في آية واحدة: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

هذا هو الذي يعتقده أهل السُّنَّة والجماعة، والله تعالى بيَّن ذلك في كتابه، وقد بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه ذلك؛ ولهذا قال الوليد بن مسلم رحمه الله تعالى: سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي فيها ذكر الرؤية، فقالوا: أَمِرُّوها كما جاءت، بلا كيف، مع الإيمان بمعانيها.

وقد ذَكَر أهلُ السُّنَّةِ كلامَ الأئمة على قوله : الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، وأن ذلك يدلُّ على علوِّ الله على خلقه، كما قال سبحانه: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ [فاطر:10]، وقال : وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً [الأنعام:61].

وقال أبو القاسم اللالكائي رحمه الله تعالى: "فدلَّت هذه الآية أنه تعالى في السماء، وعلمه محيط بكلِّ مكانٍ من أرضه وسمائه".

وقال: "روى ذلك من الصحابة عمر وابن مسعود وابن عباس وأم سلمة -وروى ذلك من الصحابة وغيرهم -. ومن التابعين: ربيعة بن أبي عبدالرحمن، وسليمان التيمي، ومقاتل بن حيان، وبه قال من الفقهاء: مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل".

"وسئل ربيعة بن أبي عبدالرحمن عن قوله: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومِن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق".

وقال رجلٌ للإمام مالكٍ رحمه الله تعالى: "يا أبا عبدالرحمن، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، كيف استوى؟ فقال: الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني أخاف أن تكون رجلًا ضالًّا"، فأَمَر به فأُخرج.

وهذا يدلُّ على عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة في استواء الله تعالى على عرشه، وأنه يليق بجلاله .

وقيل لأبي عبدالله أحمد بن حنبل رحمه الله: "آللهُ فوق السماء السابعة على عرشه، بائنٌ مِن خلقه، وقدرتُه وعِلمُه في كلِّ مكانٍ؟ قال الإمام أحمد: نعم، على العرش، وعلمه لا يخلو منه مكان". وفي رواية أنه سئل عن قوله: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد:4]، فقال: "علمه في كل مكان".

وهذا يدلُّ على هذه العقيدة الصحيحة، عقيدة أهل السُّنَّة والجماعة، وأن الله مستوٍ على عرشه استواءً يليق بجلاله. وهكذا الصفات الأخرى: له وجهٌ لا كوجوهنا، وله يدان لا كأيدينا، فالإثبات بجلاله، وله صفات لا كصفات خلقه، له سمعٌ لا كأسماعنا، وبصرٌ لا كأبصارنا، يليق بجلال الله .

أما العِباد فصفاتهم لهم، وهي ضعيفة، لكن هذه الصفات إذا أُضيفت لله تعالى فإنها تليق بجلال الله تعالى.

والمعية معيتان:

معية العلم والإحاطة، فالله تعالى يقول: وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ [الحديد:4]، معكم بعلمه، لا يخفى عليه خافية، مستوٍ على عرشه استواء يليق بجلاله، وهو مع العباد، مع الكفار، مع المؤمنين، مع غيرهم، مع جميع المخلوقات عِلمُه، لا يخفى عليه من أعمالهم شيء.

ومعية خاصة يقال لها "معية التوفيق والتسديد والنصرة"، وهي معية خاصة بالمؤمنين: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ [النحل:128]؛ فالله تعالى معهم بعلمه، ومعهم بتوفيقه، ومعهم بتسديده، ومعهم بإلهامه ، وبنصرته .

الأصل الثاني: الإيمان بالملائكة

لا شك أن من الإيمان بالله : الإيمان بالملائكة. هذا الأصل الثاني من أصول الإيمان، الأصل الأول الإيمان بالله، والأصل الثاني الإيمان بالملائكة. فالإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:

الإيمان بوجودهم وأسمائهم

الأمر الأول: الإيمان بوجودهم، وأن الملائكة موجودون الآن لكن لا نراهم، الله أخبرنا بهم ونحن لا نراهم، فهو أخبرنا بأعمالهم وأخبرنا ببعض صفاتهم. فالإيمان بالملائكة يكون بالإيمان بوجودهم إجمالًا، أي نؤمن بكلِّ مَلَكٍ خلقه الله. وتفصيلًا أي: نؤمن بما أخبَر اللهُ تعالى به من الملائكة بأسمائهم، كجبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وملك الموت، وغير ذلك مما أخبر الله تعالى به من هذه الأسماء.

وأسماء الملائكة وعددهم كثير، كما سيأتي.

الإيمان بصفاتهم

والإيمان كذلك بما عَلِمْنا مما أخبر به الله عن بعض صفات الملائكة، ومنها صفات جبريل، النبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن جبريل له ستمئة جناح[11]رواه البخاري: 3232، ومسلم: 174.، الجناح يسد الأفق. وهذا الإيمان بصفاته.

وجاء في الحديث الآخر: أُذِنَ لي أن أتحدث عن مَلَكٍ مِن حملة العرش، ما بين شَحْمةِ أذنِه وعاتقِه مسيرة سبعمئة سنة[12]رواه أبو داود: 4727، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 854.، خَفْق الطير[13]رواه الطبراني في "المعجم الأوسط: 6503، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 853.. أو كما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام.

وهذا يدلُّ على عِظَم الملائكة، وأنَّ الله تعالى خلقهم، ولهم هذه الصفات العظيمة.

الإيمان بأعمالهم

كذلك الإيمان بما عَلِمْنا من أعمالهم، الملائكة لهم أعمال، وأخبرنا الله تعالى ببعض أعمالهم، فمن أعمالهم: التسبيح كما قال الله : وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ۝ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [الأنبياء:19-20]. فهذا من أعمال الملائكة.

وعن أبي ذَرٍّ  يرفعه: إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابِعَ إلا ومَلَكٌ واضِعٌ جبهته لله ساجدًا. رواه الترمذي[14]رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190، وأحمد: 21516، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2449..

موضعُ أربعِ أصابِعَ في السماء إلا ومَلَكٌ ساجدٌ لله ونحن لا نراه! ولكن يجب علينا الإيمان بما أخبرنا الله به وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وهذا يدلُّ على كثرتهم.

وقد ثبت أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام حينما عُرج به رأى البيتَ المعمور، وقد أسند إبراهيمُ ظهرَه إليه، يطوف بهذا البيت سبعون ألف مَلَكٍ كلَّ يومٍ آخِرَ ما عليهم، يعني لا يعودون إليه مرةً أخرى إلى يوم القيامة[15]رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.. وهذا يدلُّ على كثرة الملائكة، وأنهم كثير، وأنه لا يُحصِي عددَهم إلا اللهُ .

ومن أعمال جبريل أنه يأتي بالوحي إلى الأنبياء، وإسرافيل مُوكَّل بالنفخ في الصُّور، ومَلَكُ الموت مُوكَّلٌ بقبض الأرواح. وغير ذلك من هذه الوظائف لهؤلاء الملائكة.

والخلاصة أنه يجب وجوبًا على كلِّ مسلمٍ أن يؤمن بالملائكة، وأن لهم أعمالًا، وأن الله تعالى خلقهم لا يعصونه ويفعلون ما يؤمرون وما يأمرهم الله تعالى به، وعددهم لا يعلمه إلا الله. نؤمن بذلك كله، ومنهم مُنكَرٌ ونكير، يسألان الإنسانَ في قبره. ومنهم حفظة، ورقيب وعتيد، وغير ذلك، يجب الإيمان بذلك كله؛ لأن الله تعالى أخبر به.

الأصل الثالث: الإيمان بالكتب

الأصل الثالث من أصول الإيمان: الإيمان بالكتب التي أنزلها الله تعالى على الأنبياء؛ يجب الإيمان بالكتب إجمالًا، وأن الله أنزلها على أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام لبيان الحقيقة، وبيان عبادته ، والدعوة إليه؛ ولهذا قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ [الحديد:25].

وكذلك قال يبين ذلك في كتابه، فنؤمن على سبيل التفصيل بما سمَّى اللهُ تعالى من هذه الكتب، كالتوراة، والإنجيل، والزبور، والقرآن أعظم هذه الكتب وهو المهيمن عليها والمصدق لها.

فيجب على المؤمن أن يؤمن بها، وأنَّ الله أنزلها، وأنها حق في عهدها، في وقتها، أنزلها الله تعالى يبين للناس عبادته تبارك وتعالى وحده.

الأصل الرابع: الإيمان بالرسل

الأصل الرابع: الإيمان بالرسل عليهم الصلاة والسلام؛ فالإيمان بالرسل: يُصدِّق المسلم تصديقًا جازمًا أنَّ الله أرسل الرسل لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، فيجب الإيمان بهم إجمالًا وتفصيلًا، فيجب الإيمان بهم على وجه الإجمال. ويجب الإيمان بمن سَمَّى الله منهم تفصيلًا، وقد سمَّى في القرآن خمسةً وعشرين نبيًّا، قال الله : رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165].

فيؤمن العبد أنَّ مَن أجاب الرسل فاز بالسعادة في الدنيا والآخرة، ومَن خالفهم باء بالخَيْبة والندامة وخسر في الدنيا والآخرة، وأفضل هذه الرسل: محمد عليه الصلاة والسلام.

الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر

الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر وأن الله تعالى جعل يومًا آخر للفصل بين العباد؛ فالإيمان باليوم الآخر يدخل فيه الإيمان بكلِّ ما أَخْبر الله به، وما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام.

الجزاء بعد الموت

فمن ذلكم قول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا وُضِعَتِ الجنازة فاحتَمَلها الرجال على أعناقهم، فإن كانت صالحة قالت: قدِّموني قدموني، وإن كانت غير صالحة قالت: يا ويلها، أين تذهبون بها؟ يَسْمع صوتَها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان، ولو سمعه الإنسان لصَعِق، أي: لَأُغمي عليه[16]رواه البخاري: 1314..

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: أَسْرِعوا بالجنازة؛ فإنها إن تكن صالحة فخيرٌ تُقدِّمونها إليه، وإن تكن غير ذلك فشرٌّ تضعونه عن رقابكم[17]رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944. أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

فتنة القبر

والإيمان بفتنة القبر وأن الناس يُمتحنون في قبورهم[18]رواه البخاري: 6366، ومسلم: 586.: إذا مات العبد فإنه يأتيه ملكان شديدَا الانتهار، فيقولان له: مَن ربك؟ وما دِينك؟ ومَن نبيُّك؟[19]رواه أبو داود: 4753، وأحمد: 18534، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1676..

يُمتحن الناس في قبورهم كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن يقول: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمدٌ عليه الصلاة والسلام. والكافر يقول: ها، ها، لا أدري، سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلته. فيُقال له: لا دَرَيْتَ ولا تَلَيْتَ. ويُضرَب بمِطْرقةٍ من حديد، فيَصيح صيحةً يسمعها كلُّ شيءٍ إلا الإنسان، وفي رواية: يسمعها مَن يليه إلا الثَّقَلَين[20]رواه البخاري: 1338..

هذا أمر عظيم يجب الإيمان به، والإيمان بما أخبر الله تعالى به من عذاب القبر ونعيمه؛ ولهذا قال الله في فتنة القبر: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [ابراهيم:27].

فالمؤمن يؤمن بذلك، بل يجب عليه الإيمان بذلك، يجب عليه أن يؤمن بنعيم القبر وعذابه؛ فإن الله تعالى قد أثبت عذاب القبر، وأثبته النبي عليه الصلاة والسلام، وأن العذاب على الروح وكذلك النعيم على الروح، والجسد يصله من النعيم والعذاب ما اللهُ تعالى به عليم؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: نسَمةُ المؤمن طائرٌ يَعْلُق في أشجار الجنة حتى يُرجِعَها الله تعالى إلى جسده يوم يبعثه[21]رواه النسائي: 2073، وابن ماجه: 4271، وأحمد: 15787، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2373..

وقال في الشهداء: أرواحهم في أجواف طير خضر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش[22]رواه مسلم: 1887.، فالله تعالى بيَّن لنا، وبيَّن لنا النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ عذاب القبر حقيقة، وأنه يجب الإيمان به، وكذلك نعيم القبر؛ فعلى المسلم أن يؤمن بذلك إيمانًا لا شك فيه، فإنْ شك فلا يكون من المسلمين؛ لأنه كذَّب الله وكذَّب النبيَّ عليه الصلاة والسلام.

فالناس في قبورهم من عهدِ آدم إلى الآن، إلى قيام الساعة، كلهم في القبور، أرواحهم إما في الجنة وإما في النار، أهلُ الجنةِ أرواحُهم في الجنة ولها علاقة بأجسادها في قبورهم، وأهل النار أرواحهم في النار -والعياذ بالله- وكذلك هذه الأرواح لها علاقة بأجسادها، ينال الجسد من النعيم والعذاب ما الله تعالى به عليم، والله على كل شيء قدير؛ فيجب الإيمان بذلك.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله من عذاب القبر، عليه الصلاة والسلام، في جميع الصلوات؛ ولهذا قال: إذا تشهَّد أحدكم فليستعِذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال[23]رواه مسلم: 588..

البعث والقيامة الكبرى

الإيمان بالقيامة الكبرى، حين ينفخ إسرافيل في الصور النفخة الأولى، كما قال الله : وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68].

فبعد خروج الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج الدابة، وطلوع الشمس من مغربها، وثلاث خسوفات: خسف بالمشرق، وخسف بالمغرب، وخسف بجزيرة العرب، ونار تخرج من قعر عَدَنٍ تَسُوق الناس إلى المحشر. بعد هذه العلامات الكبرى تقوم الساعة، ويُنفخ في الصور، ثم تنبت أجساد العباد، تقوم الساعة الكبرى.

كما بيَّن الله تبارك وتعالى في ذلك في النفخ في الصور، فإذا نُفِخَت النفخة الثانية فإن الأرواح تدخل في الأجساد، كما قال الله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ [الزمر:68]، فيخرجون من قبورهم حفاةً عراةً غُرْلًا[24]رواه البخاري: 3349، ومسلم: 2859.. حفاة: غير منتعلين، عراة: ليس عليهم ثياب، غُرْلًا: غير مختونين.

الميزان ونشر الصحف

هكذا يخرجون من قبورهم، ويأتون إلى عَرَصات القيامة التي أخبر الله تعالى بها، فتُنصب الموازين التي قال الله تعالى فيها: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ [المؤمنون:102- 103].

وتُنشر الدواوين، وتتطاير الصحف، فآخِذٌ كتابَه بيمينه، وآخِذٌ كتابَه بشماله من وراء ظهره؛ كما قال الله تبارك وتعالى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ۝ إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ۝ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ۝ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ۝ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ۝ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ۝ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ۝ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ۝ يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ۝ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ۝ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ۝ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ۝ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ۝ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ الآية [الحاقة:19-32]. هذا يحصل يوم القيامة كما أخبر الله تعالى بذلك.

الحساب

ومن هذه الأمور: الحساب؛ فإنَّ الله يُوقِف عباده على أعمالهم قبل الانصراف من المحشر، فيجد كلُّ إنسانٍ عملَه: يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا [آل عمران:30]، وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا [الكهف:49].

الحوض

ومِن هذه الأمور التي يجب الإيمان بها من أمور الآخرة: الحوض؛ فيجب التصديق الجازم بأنَّ حوض النبي عليه الصلاة والسلام في عَرَصات القيامة: ماؤه أشدُّ بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، ورِيحه أطيب من ريح المسك، آنيته كعدد نجوم السماء، مَن شرب منه شربةً لم يظمأ بعدها أبدًا، طوله شهر أي مسيرة شهر وعرضه شهر، مَن شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا[25]رواه مسلم: 2300..

أسأل الله بوجهه الكريم أن يجعلني وإياكم ممن يشربون مِن هذا الحوض، حوض النبي عليه الصلاة والسلام، شربةً لا نظمأ بعدها أبدًا؛ إنه على كل شيء قدير.

ولكلِّ نبيٍّ حوضٌ، ولكن أعظم الأحواض حوض النبي عليه الصلاة والسلام يَصُب فيه مِيزابان من الكوثر الذي أُعْطِيَه النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، صلوات الله وسلامه عليه.

أهوال يوم القيامة

ومن ذلكم: يؤمن العبد بأن يوم القيامة فيه أهوالٌ عظيمة: تدنو الشمس من رؤوس العباد مِقدارَ مِيل، ويَعْرق العِباد في هذا اليوم: فمنهم من يعرق إلى كَعْبَيْه، ومنهم من يكون العرق إلى رُكْبَتَيْه، ومنهم من يكون العرق إلى تَرْقوته، ومنهم من يُلجِمه العرق إلجامًا[26]رواه مسلم: 2864.. والله على كل شيء قدير، كلُّ إنسان في عَرَقِ نفسه، وهذا يدل على قدرة الله .

وهذا اليوم فيه سبعةٌ يُظلهم الله في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظله كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام: سبعةٌ يُظِلُّهم اللهُ في ظلِّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظلُّه: إمام عادل، وشابٌّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قَلْبُه مُعلَّق بالمساجد، ورجلان تحابَّا في الله اجتمعا عليه وتفرَّقا عليه، ورجلٌ دَعَتْه امرأةٌ ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله، ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها حتى لا تَعْلمَ شمالُه ما تُنفق يمينُه، ورجلٌ ذَكَر اللهَ خاليًا ففاضت عيناه[27]رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031.. هذا يكون كذلك في عَرَصات القيامة، يوم القيامة.

الصراط والقنطرة

كذلك في هذا الموقف: الصراط وبعده القنطرة، وبعد ذلكم الجنة أو النار؛ فيجب على العبد أن يؤمن بالصراط، وأنه منصوبٌ على مَتْنِ جهنم، أَحَدُّ من السيف وأدَقُّ من الشعر، يمر الناس عليه على حسب أعمالهم، فمَن كان سريعًا في طاعة الله فهو يكون سريعًا على هذا الصراط، فمِنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأَجَاوِيد الخيل، ومنهم من يمر كالرِّكَاب، ومنهم من يَعْدو عَدْوًا، ومنهم مَن يَزْحف زحفًا، ومنهم مَن يسقط في جهنم -والعياذ بالله تعالى-، فإذا كان سريعًا في الدنيا في طاعة الله كان سريعًا على هذا الصراط يوم القيامة[28]رواه البخاري: 7439، ومسلم: 183.. فالمسلم يجب عليه أن يؤمن بذلك.

ثم قنطرتهم بعد الصراط، يقف عليها المؤمنون، يُقتص لبعضهم من بعضٍ، فإذا نُقُّوا أُذِنَ لهم ودخلوا الجنةَ بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أول من يدخل الجنة، النبي عليه الصلاة والسلام أول من يدخل الجنة، وأول الأمم دخولًا للجنة أمتُه عليه الصلاة والسلام.

الشفاعة والمقام المحمود

والشفاعات، الشفاعة العظمى يوم القيامة، المقام المحمود للنبي عليه الصلاة والسلام؛ الناس يأتون إلى الأنبياء حينما يشتدُّ بهم الكرب: فيأتون إلى آدم فيقول: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوحٍ. فيأتون نوحًا -عليه الصلاة والسلام- فيقول: اذهبوا إلى غيري، إنَّ ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيذهبون إلى موسى، فكذلك يقول: اذهبوا إلى غيري، نَفْسي نَفْسي. فيذهبون إلى عيسى، ثم يقول عيسى: اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد -عليه الصلاة والسلام-، فيأتون إلى النبي -محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام- فيقول: أنا لها -اللهم صلِّ وسلِّم عليه- ويسجد -عليه الصلاة والسلام- يستأذن ربَّه، فيُلهمه الله تعالى محامد يُثني على ربِّه بها، فيقول الله تعالى: ارفع رأسك، وسَلْ تُعْطَ، واشفع تُشفَّع. فيقول: ربي، أمتي أمتي. فيقول: أَدْخِل مِن أمتك مَن لا حساب عليه مِن الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب[29]رواه البخاري: 3340، ومسلم: 194..

هذه الشفاعة العظمى خاصة بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام، وشفاعته في عمِّه أبي طالب خاصة به عليه الصلاة والسلام؛ فإن أبا طالب في نار جهنم ولكنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام شَفَع له فهو في ضَحْضَاحٍ من النار يَغْلي منه دماغه[30]رواه البخاري: 6564، ومسلم: 209. -نسأل الله العفو والعافية-. هذه خاصة بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام، وشفاعته في دخول الناس الجنة.

إذن: هذه ثلاث شفاعات خاصة بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام لا يشترك معه فيها غيره عليه الصلاة والسلام، أمَّا الشفاعاتُ الأخرى فيشترك معه الأنبياء، والملائكةُ، والنبيون، والأفراد، فيشفع فيمن كان في قلبه مثقالُ شعيرةٍ من الإيمان أن يدخل الجنة، ثم يشفع فيمن كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ أو خردلةٍ من الإيمان، ثم يشفع فيمن كان في قلبه أدنى حبةٍ من خردلةٍ من إيمان، ثم يشفع فيمن قال: "لا إله إلا الله"، ثم يقول الله تعالى: شَفَعَتِ الملائكةُ، وشفعَ النبيون، وشفعَ المؤمنون، ولم يبقَ إلا أرحمَ الراحمين. فيقبض قبضةً من النار فيُخرج منها أقوامًا لم يعملوا خيرًا قطُّ[31]رواه مسلم: 183.. هذا يدلُّ على عِظَم الأمر.

الجنة والنار

ثم الجنة والنار: يجب على العبد المسلم أن يعتقد اعتقادًا جازمًا أن الجنة والنار مخلوقتان لا تَفْنيان، والجنة دارُ أوليائه، والنار دار أعدائه. وأهل الجنة فيها مُخلَّدون، وأهل النار من الكفار مُخلَّدون. والجنة والنار موجودتان الآن، وقد رآهما النبيُّ عليه الصلاة والسلام في ليلة الإسراء[32]رواه البخاري: 5610، ومسلم: 162، وأبو داود: 4878.، وكذلك في صلاة الكسوف[33]رواه البخاري: 86، ومسلم: 905.، صلوات الله وسلامه عليه.

رؤية الموت يوم القيامة

ومن ذلكم: أن الله تعالى يُري الناسَ بين الجنة والنارِ الموتَ في صورةِ كبشٍ أَمْلَح، فيراه أهل الجنة ويراه أهل النار، ثم يُذبَح بين الجنة والنار، ويقال: يا أهل الجنة، خلودٌ فلا موت. ويا أهل النار، خلودٌ فلا موت[34]رواه البخاري: 4730، ومسلم: 2849.، فيزداد أهل النار حزنًا إلى حزنهم، ويزداد أهل الجنة فرحًا إلى فرحهم، يعلمون بأنه لا موت.

الأصل السادس: الإيمان بالقدر خيره وشره

الأصل السادس هو الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، ويتضمن أربعةَ أمورٍ:

مراتب القدر

  • الإيمان بأن الله تعالى عَلِم أحوالَ العباد وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم وما كانوا يعملون، يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف كان، لا يخفى عليه شيء: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التوبة:115]، كما قال: لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا [الطلاق:12].
  • الأمر الثاني: الإيمان بكتابة المقادير، وأنَّ الله كتب كلَّ شيءٍ، كما عَلِم كل شيء فقد كتب كل شيء، كما قال تعالى: وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ [يس:12]، وقال سبحانه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ [الحج:70]، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: كَتَب اللهُ مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلق السماواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة[35]رواه مسلم: 2653.. فلا بد من الإيمان بهذه الأمور.
  • الأمر الثالث مما يتعلق بالقدر: الإيمان بمشيئة الله تعالى النافذة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله : وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [التكوير:29]، وقال أيضًا: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].
  • الأمر الرابع: الإيمان بأنَّ الله الخالقُ لكلِّ شيءٍ، وما سواه مخلوق؛ فاللهُ خالق العباد وخالق أفعال العباد، كما قال : اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [الزمر:62].

شمولية الإيمان

ويدخل في الإيمان بالله : الإيمان الصادق بجميع ما أخبر الله به، وما أخبر به النبي ، وبجميع ما فَرَض الله عليهم من أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وأركان الإحسان، وجميع ما جاء عن الله تعالى وعن النبي عليه الصلاة والسلام؛ فلا بد من الإيمان بذلك إيمانًا لا شك فيه، وبهذا يكون العبد مؤمنًا بالله تعالى، ومؤمنًا بهذه الأصول.

أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلني وإياكم من الذين يؤمنون إيمانًا كاملًا باليقين الصادق بهذه الأركان وبغيرها مما أخبر الله تعالى به وأخبر به النبي عليه الصلاة والسلام. وأسأله تبارك وتعالى أن يتقبَّل مني ومنكم ومن جميع المسلمين؛ إنه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه مسلم: 8.
^2 رواه البخاري: 1358، ومسلم: 2658.
^3 رواه مسلم: 2865.
^4 رواه البخاري: 4854
^5 رواه البخاري: 4023
^6 رواه البخاري: 1014، ومسلم: 897.
^7 رواه البخاري: 3576، ومسلم: 2279.
^8 رواه مسلم: 2277.
^9 رواه الدارمي في "مسنده": 16، وأبو يعلى في "مسنده": 5662، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5925.
^10 رواه البخاري: 2856، ومسلم: 30.
^11 رواه البخاري: 3232، ومسلم: 174.
^12 رواه أبو داود: 4727، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 854.
^13 رواه الطبراني في "المعجم الأوسط: 6503، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 853.
^14 رواه الترمذي: 2312، وابن ماجه: 4190، وأحمد: 21516، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2449.
^15 رواه البخاري: 3207، ومسلم: 164.
^16 رواه البخاري: 1314.
^17 رواه البخاري: 1315، ومسلم: 944.
^18 رواه البخاري: 6366، ومسلم: 586.
^19 رواه أبو داود: 4753، وأحمد: 18534، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1676.
^20 رواه البخاري: 1338.
^21 رواه النسائي: 2073، وابن ماجه: 4271، وأحمد: 15787، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2373.
^22 رواه مسلم: 1887.
^23 رواه مسلم: 588.
^24 رواه البخاري: 3349، ومسلم: 2859.
^25 رواه مسلم: 2300.
^26 رواه مسلم: 2864.
^27 رواه البخاري: 660، ومسلم: 1031.
^28 رواه البخاري: 7439، ومسلم: 183.
^29 رواه البخاري: 3340، ومسلم: 194.
^30 رواه البخاري: 6564، ومسلم: 209.
^31 رواه مسلم: 183.
^32 رواه البخاري: 5610، ومسلم: 162، وأبو داود: 4878.
^33 رواه البخاري: 86، ومسلم: 905.
^34 رواه البخاري: 4730، ومسلم: 2849.
^35 رواه مسلم: 2653.