تخطى إلى المحتوى

فتنة الدنيا والمال

إنَّ الحمدَ للهِ، نحمده ونستعينه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا، مَن يَهدهِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له.

وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أمَّا بعد:

فأشكرُ اللهَ تعالى على نِعَمِه التي لا تُحصى، ومنها: الحضورُ إلى هذا المكان، ومقابلةُ هذه الوجوه التي أسألُ اللهَ أن يجمعنا وإياكم في جنات النعيم؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ.

ولا شك أن الشكر لله تعالى ثم لمن قام على هذه السلسلة المباركة التي بينها الإخوان سلسلة: "فتنة الشبهات، وفتنة الشهوات"، وفتنة الشهوات، وفتنة النساء، وفتنة وسائل الاتصال الحديثة، والعصمة من الفتن، وفتنة الدنيا والمال، والموضوع المخصص لي من قبل المسؤولين عن هذه السلسلة هو: "فتنة الدنيا وفتنة المال".

معنى الفتنة، وبيان أصلها

لا شكَّ أنَّ الإنسانَ حينما يسمعُ الفتنةَ يظنُّ بأنَّ هذا فيه نهيٌ عن المال، ونهيٌ عن الاكتساب، ونهيٌ عن هذه الأحوال، ولا بدَّ للإنسان أن يعرفَ معنى الفتنة.

الفتنةُ في الحقيقة هي أصلٌ عظيم، ومعناه: الاختبارُ والامتحانُ والتمحيص، يُقال: فَتَنتُ الفِضَّةَ على النار إذا خلَّصتُها، وهو إدخالُ الذهبِ في النار لتظهرَ جودتُه من رداءتِه، هذا هو معنى الفتنة: الاختبار، لكنَّ الذي يحصلُ في النهاية هو ما يُنتجه هذا الاختبار، فإن أنتجَ هذا الاختبارُ والامتحانُ ما يُحبُّه اللهُ تعالى ويرضاه كان محبوبًا، وإن أنتجَ هذا الاختبارُ وهذا الامتحانُ ما يُبغضُه اللهُ تعالى ويأباه فهو المذموم.

معاني الفتنة في القرآن

وهذا هو في الغالب العُرف، العُرفُ أنَّ الفتنةَ تُطلقُ على المكروه إلا إذا حُدِّدت،  فجاءت الفتنةُ بمعنى الكفر، قال اللهُ : وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة:217]، أي: ردُّكم الناسَ إلى الكفر هو أكبرُ من القتل؛ فالشركُ أكبرُ من القتل.

وجاءت بمعنى الإثم، كقوله تعالى: أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا [التوبة:49]، إذن؛ هذا هو من المعاني التي توصلُ إلى هذا المكروه.

وجاءت الفتنةُ على أصلها، يعني: على حقيقتِها، وهي: الاختبارُ والامتحان، كما قال اللهُ تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ [التغابن:15]، هذا المقصود، أموالُكم وأولادُكم فتنة. ليس معنى ذلك أنَّ هذا محرَّم، وإنَّما هذا اختبارٌ وتمحيص.

هل يقومُ الإنسانُ بما أوجبَ اللهُ تعالى عليه نحو هذه الأموال، ونحو هؤلاء الأولاد أم يُقصِّر؟ فهذا اختبارٌ وامتحان؛ ولهذا قال اللهُ تعالى: الم ۝ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:2-3].

إذن؛ هذا هو الاختبارُ والتمحيص، واللهُ هو يعلم، لا تخفى عليه خافيةٌ، يعلمُ المتقي، ويعلمُ القائمَ بما أوجبَ الله، ويعلمُ الذي لا يقومُ بذلك، لكن حتى تقومَ الحُجَّةُ على الناس، وحتى يعلمَ الناسُ هذا؛ ولهذا جاءت الفتنةُ بمعنى الإحراقِ بالنار: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [البروج:10] أي: حرقوهم، ولذلك جاء أعوذ بك من فتنة النار[1]رواه البخاري: 6376، ومسلم: 589.، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، وجاءت بمعنى: الإزالة والصرف عن الشئ في قوله : وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [الإسراء:73] أي: يصرفونك عن هذا ويردونك.

إذن؛ الفتنةُ جاءت لمعانٍ، وجاءت لفظةُ الفتنةِ بمعنى: الاختبار. وأعوذُ بك من فتنةِ النار، والاختبارِ والامتحانِ مع زوالِ الصبر.

والخلاصة: أن معنى الفتنة هو الاختبارُ والامتحان، فإذا أنتجت هذه الفتنةُ ما يُحبُّه اللهُ تعالى ويرضاه كان ذلك محبوبًا، وإن أنتجت وأثمرت ما يُبغضُه اللهُ تعالى كان ذلك مكروهًا، لكنَّ العُرفَ السائدَ والمعروفَ أنَّ الفتنةَ تُطلقُ على المكروه في الغالب.

استعاذة النبي   من الفتن

ولهذا بيَّن النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام ذلك، فمن هذا استعاذ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام من فتنة الدنيا، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، في أحاديثَ كثيرة. 

الاستعاذة من خمس بعد الصلاة

ومنها: عن سعد بن أبي وقاصٍ  عن النبيِّ أنَّه كان يتعوَّذ في دبرِ كلِّ صلاة، وفي رواية: كان النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام يُعلِّمُنا هؤلاء الكلمات كما تُعلَّمُ الكتابة، يُعلِّمُهم هؤلاء الكلمات كما تُعلَّمُ الكتابة حتى يقولوها في صلاتهم، وينبغي لنا جميعًا أن نحفظَ هذه الكلمات حتى نقولَها في صلاتنا.

فكان يُعلِّمُهم عليه الصلاةُ والسلام: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من البخل، وأعوذُ بك من الجبن، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العمر، وأعوذُ بك من فتنةِ الدنيا، وأعوذُ بك من عذابِ القبر[2]رواه البخاري: 6390.، خمسُ كلمات: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من البخل، البخلُ: هو داءٌ عظيم، وفتنةٌ عظيمة، تصرف إلى المكروه، يجعلُ الإنسانَ يبخل بما أوجب الله عليه، ولا يقوم بما أوجب الله عليه من النفقات، وأعوذ بك من الجبن، الجبن: هو ضد الشجاعة؛ فيكون الإنسان يخاف من إظهار الحق، ويخاف الجهاد في سبيل الله، فهو جبن وذُلٌّ وتعاسةٌ في الدنيا والآخرة؛ ولهذا استعاذ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام من هذا، قال: وأعوذُ بك من الجبن، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العمر.

أرذلُ العمر، هو: الذي لا يُكتبُ فيه حسناتٌ، وإنَّما يكونُ الإنسانُ في الهرم، لا يستفيدُ من حياتِه، موتُه خيرٌ له من حياتِه.

الهرم: إذا بلغَ الإنسانُ الهرم لا يستطيعُ أن يقومَ بما أوجبَ الله عليه، ويكونُ عالةً على الناس كالصغير، فلا فائدةَ فيه.

إن وقفَ اللسانُ عن طاعةِ اللهِ تعالى، ووقفت الجوارحُ عن التعبُّد لله تعالى، ولم يستفد فحينئذٍ يكونُ هذا هو الأرذل، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العمر، وأعوذُ بك من فتنةِ الدنيا. الفتنةُ هنا تُطلقُ على المكروه، وليس معنى ذلك أنَّه يستعيذُ من المال، ويستعيذ من الدنيا، وإنَّما الفتنةُ التي تُعرَفُ بالمكروه.

فإنَّ الدنيا إذا فُتِنَ بها الإنسان، ولم يتجاوز الاختبار والامتحان هلك وخسر في الدنيا والآخرة؛ فالنبيُّ عليه الصلاةُ والسلام يستعيذُ من المكروه.

وأعوذُ بك من عذابِ القبر، وعذاب القبر: هو أمرٌ عظيم، بيَّن النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام أنَّ القبر روضةٌ من رياضِ الجنة، أو حفرةٌ من حُفَرِ النار؛ فلهذا قال عليه الصلاةُ والسلام: وأعوذُ بك من عذابِ القبر، وهو أولُ منزلٍ ينزلُه الإنسان عند ارتحالِه من هذه الدنيا.

ولهذا كان عثمانُ إذا وقفَ على القبر بكى، ولا يبكي إذا ذُكرتِ الجنةُ والنار! فقيل له: أنت تبكي من هذا، وتذكر الجنةَ والنار فلا تبكي؟! قال: إن هذا هو أول منزلٍ من منازل الأخرة، وإني سمعت النبي عليه الصلاة والسلام يقوله[3]رواه الترمذي: 2308، وابن ماجه: 4267، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 1684.، أو كما بين النبي عليه الصلاة والسلام، أمره عظيم، هذا عذاب القبر يستعيذُ منه عليه الصلاةُ والسلام في كلِّ صلاة، وهذا واجبٌ عند بعض أهلِ العلم أن يستعيذَ الإنسانُ من أربعٍ كما ستأتي.

الاستعاذة من أربع قبل السلام

فعذابُ القبر ينبغي للمسلم أن يستعيذَ منه في كلِّ صلاة؛ ولهذا يستعيذُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام في كلِّ صلاةٍ قبل السلام من هذه الأربعة التي ستسمعونها قال: إذا تشهَّد أحدُكم فليستعذْ بالله من أربعٍ، يقول: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذابِ جهنم، ومن عذابِ القبر، ومن فتنةِ المحيا والممات، ومن شرِّ فتنةِ المسيحِ الدجَّال[4]رواه مسلم: 588.، هذه أربعٌ: يستعيذُ بالله من عذابِ جهنم، ومن عذابِ القبر، جهنم هي دارُ الكافرين، دار المجرمين وأعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، فتنة المحيا والممات هي: ما يعرض للإنسان من ولادته إلى أن ينتقل من هذه الحياة الدنيا، فهذه فتنة المحيا، والاستعاذة من المكروه لا من الاختبار والامتحان، وإنما هذا حاصل، وإنما يستعيذ مما يؤديه الفتنة والاختبار إلى المذموم؛ فيستعيذُ مما يُذمُّ من شهواتِ الدنيا التي تُخرجه عن طاعةِ اللهِ تعالى، ومن الفتنِ المضلَّة، ومن غير ذلك.

فهذه أمورٌ يجبُ على المسلم أن يُعنى بها.

أولًا: أن يستعيذَ بالله من هذه الخمس التي علَّمها سعدٌ .

وكان يُعلِّمُها بنيه، وبيَّن بأنَّه كان يستعيذُ في آخرِ الصلاة: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من الجبن، وأعوذُ بك من البخل، وأعوذُ بك من أن أُرَدَّ إلى أرذلِ العمر، وأعوذُ بك من فتنةِ الدنيا، وأعوذُ بك من عذابِ القبر[5]رواه البخاري: 6390.، ويقول: وأعوذ بك من عذاب جهنم، وإن قال: عذاب القبر، ورد هذا، وورد هذا: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذابِ جهنم، ومن عذابِ القبر، ومن فتنةِ المحيا والممات[6]رواه مسلم: 588.، فتنةُ الممات: ما يحصلُ للإنسان في قبره: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟

فليس ذلك أنَّه يستعيذُ من هذا ألَّا يُجرى عليه، وإنَّما الاستعاذةُ من الوقوعِ في المكروه وعدمِ الإجابة، فهو من عذابِ فتنةِ القبر.

وكذلك بيَّن النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام في الحديثِ الآخر: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من عذابِ القبر، ومن فتنةِ المسيحِ الدجَّال، ومن فتنةِ المحيا والممات، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من المأثمِ والمغرم[7]رواه البخاري: 832، ومسلم: 589.، وهذه الأمور ينبغي للمسلم أن يُعنى بها حتى يحصلَ على ما يكونُ له خيرٌ في الدنيا والآخرة.

الدعاء بالوقاية من مضلات الفتن

أمَّا الفتنُ المضلَّة التي لا خيرَ فيها، بل هي المحظورة، فمنها: دعاءُ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام لعائشة، يُعلِّمُها عليه الصلاةُ والسلام، ويدعو لها: اللهمَّ اغفرْ لها ذنبَها، وأذهبْ غيظَ قلبِها، وأعِذْها من مُضِلَّاتِ الفتن[8]رواه ابن عساكر في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين": الحديث الثالث والعشرون، وحسنه، وله شاهد من عن أم سلمة … Continue reading؛ فينبغي لك أن تحفظَ هذا الدعاء حتى تدعوَ به، تقول: "اللهمَّ اغفرْ لي ذنبي، وأذهبْ غيظَ قلبي، وأعِذْني من مُضِلَّاتِ الفتن"، هذه دعواتٌ عظيمةٌ ينبغي للمسلم أن يُعنى بها.

ومُضِلَّاتُ الفتن: هي التي تُخرجُ الإنسان من الطاعةِ إلى المعصية، ومن الإسلام إلى الكفر، ومن الأمورِ المحبوبةِ إلى الأمورِ المكروهة.

وكان عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ يقول: "لا يقلْ أحدُكم: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من الفتنة؛ فليس أحدٌ إلَّا وهو مشتملٌ على فتنة، ولكن يقول: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بك من مُضِلَّاتِ الفتن، كما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن: 15]؛ فأيُّكم مُستعاذٌ فليستعذْ بالله من ضلالات الفتن".

وهذا يقوله ابنُ مسعود لكن النبيَّ جاء في أحاديثَ أُخرى أنَّه كان يستعيذ من الفتن، والمقصودُ: المكروهة.

"يومٌ من الأيام كان النبي في حائطٍ من حيطان المدينة، وكان على راحلته، فاضطربت هذه الراحلة التي كان عليها، إمَّا فرسٌ أو بغلةٌ، لا أذكر، فاضطربت؛ فنَظَر، وإذا ستةٌ في هذا الحائط، قال: لِمَن هذه الأقبر؟ قالوا: ماتوا في الإشراك يا رسولَ الله، قال: إنَّ هذه الأمَّةَ تبتلى في قبورها، وبين عليه الصلاة والسلام أنه لولا ألا يتدافن الناس لدعا أن يسمعهم من عذاب القبر، ثم قال: تعوذوا بالله من الفتن، فقالوا: نعوذُ بالله من الفتن، قال: تعوَّذوا بالله من عذاب القبر، قالوا: نعوذُ بالله من عذاب القبر، قال: تعوَّذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، قالوا: نعوذُ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن"[9]رواه مسلم: 2867.، وهذه الفتنُ المكروهة التي تُوصِلُ الإنسانَ إلى الهلاك، وإلى الدمار، وإلى فتنة الضلالة، والعياذُ بالله تعالى.

مظاهر الفتن المضلة

ومُضِلَّاتُ الفتن منها:

الصدُّ عن السبيل مع ظن الهداية

أنَّ الإنسانَ ربَّما يصدُّ عن سبيل الله وهو يحسب أنَّه من المهتدين، يضل عن الطريق، ويظن أنه مهتدٍ، وهذا من الفتن المضلة؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ۝ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ ۝ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الأحزاب:37].

هذا هو من مُضِلَّات الفتن: أنَّ الإنسانَ إذا أعرض عن الله، وأعرض عن طاعة الله، وأعرض عمَّا أوجب الله عليه، وعمل ما حرَّم الله عليه، ويرى بأنَّه على الحق، وأنَّه مهتدٍ؛ فهذه من الفتن المُضِلَّة، والعياذُ بالله تعالى؛ ولهذا قال: وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا [الزخرف:36].

فإذا عَشَا؛ تعامى عن ذكر الله تعالى وعن القرآن، وأعرض عن القرآن قيَّض الله له شيطانًا لعمله السوء.

اللهُ يهدي من يكون أهلًا للهداية، ويُضِلُّ من كان أهلًا للغواية؛ فهو  يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون.

يعلم بأنَّ هذا الإنسان لا يستحقُّ الهداية، بل هو من أهل الضلالة، والعياذُ بالله، وليس أهلًا لها.

تزيين سوء العمل

ولهذا قال الله تعالى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [الصف:5]، نسألُ الله العافية.

فالإنسان إذا زاغ عن الحق، وأعرض، وتعاشى عنه، وتعامى عنه، وأعرض عن ذكر الله، قيَّض الله له شيطانه؛ فتنةً، جزاءً وفاقًا، فيكون الشيطان قرينَه، يدلُّه على كلِّ شرٍّ بسبب أعماله، فهو له قرين، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ، هذا الشيطان يُضِلُّه عن طريق الهدى، ومع ذلك يرى بأنَّه على الحق، وأنَّ الناس كلَّهم على الباطل، والعياذُ بالله تعالى.

هذا والله، من أعظم مضلات الفتن: لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ ۝ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ [الزخرف:37] إذن؛ يتبرأ منه يوم القيامة، كما قال الله تبارك وتعالى عن الظالمين: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف:67].

وبيَّن بأنَّ الإنسانَ يتبرَّأ من قرينه يوم القيامة، فلا شكَّ أنَّ هذا يتبرَّأ من هذا القرين، ولكن لا حيلة له؛ لأنَّه أعرض عن طاعة الله تعالى.

وقال الله تعالى: أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [فاطر:8].

أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ، هذه فتنة من أعظم الفتن: أنه يعمل الأعمال السيئات والجرائم ويرى بأنه هو الذي على الحق، يُزيَّن له عمله - نسأل الله العافية - فهذا زُيِّن له سوء عمله، وصُدَّ عن السبيل، قال الله : وَكَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ [غافر:37]، في هلاك، في دمار، في خسار؛ لأنَّه زُيِّن له سوء عمله، والعياذُ بالله تعالى.

اتباع الهوى

قال الله تعالى في أعظم الفتن: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ [الجاثية:23]. نسأل الله العفو والعافية.

أُغلِقَت عليه أبوابُ الهداية إذا اتَّخذ إلهَه هواه، يعني: يذهب ويعمل ويتصرَّف على حسب ما يرى، وعلى حسب ما يهواه؛ فحينئذٍ تُطمَس بصيرته - نسألُ الله العافية - وخَتَمَ الله على سمعه وعلى قلبه، وخَتَمَ الله على سمعه؛ فلا يسمع الحق، ولا يستلذُّ الحق، وعلى بصره، وعلى قلبه؛ فلا يستفيد الخير، ولا يفقه شيئًا، وجعل على بصره غشاوة، لا يرى آيات الله المعجزات الباهرات، وإنَّما لا يستفيد من هذا البصر، فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ، أُغلِقَت عليه أبوابُ الهداية، هذا هو أعظمُ فتن الدنيا، والعياذُ بالله تعالى.

ضلال السعي مع حسبان إحسان الصنع

قال الله تعالى: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103]، هذا والله، من أعظم الفتن المُضِلَّة: أنَّه يعمل أعمالًا سيِّئةً، ويرى بأنَّه يُحسن صُنعًا. 

ذكر العلماءُ رحمهم الله تعالى أنَّ الصحابة  تأوَّلوا هذه الآية فيمن يتعبَّد بغير شريعة الله التي بعث بها الله تعالى رسولَه من المشركين، وأهل الكتاب، والرهبان، وفي أهل الأهواء من هذه الأمَّة، كالخوارج وغيرهم الذين أمر النبيُّ بقتالهم.

قال فيهم: يخرج فيكم قومٌ تحقرون صلاتَكم مع صلاتهم، وصيامَكم مع صيامهم، وعملَكم مع عملهم، يقرؤون القرآن، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرميَّة[10]رواه البخاري: 5058، ومسلم: 1064.، إذن؛ هذا من الفتن المُضِلَّة، هؤلاء يظنُّون بأنَّهم على هدى؛ ولهذا قال الله تعالى فيهم: قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ۝ الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف:103].

فتنة التنافس في الدنيا

التحذير من زهرة الدنيا

خامسًا: من فتنة الدنيا التنافسُ الموصلُ إلى الهلاك، وليس المقصودُ النهيَ عن الدنيا، المنهيُّ عنه هنا التنافسُ فيها الذي يُوصِلُ إلى الهلاك، وهذا ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام عن أبي سعيد الخدري عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حدثهم ذات يومٍ على المنبر، وجلسوا حوله فقال: إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من  زهرة الدنيا وزينتها، فقال رجلٌ: "يا رسولَ الله، أوَ يأتي الخيرُ بالشر؟" زهرةُ الدنيا خير، أيأتي هذا الخيرُ بالشر؟ 

خير المال وشرّه

ثم قال : إنَّه لا يأتي الخيرُ بالشر، إلى أن قال: إنَّ هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فنِعْمَ صاحبُ المسلم، أي: نعم هذا المالُ صاحبُ المسلم، هذا مدحٌ للمال، فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل، أو كما قال النبيُّ : وإنَّه من يأخذه بغير حقِّه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة[11]رواه البخاري: 1465، ومسلم: 1052.، هذا الذي يأخذ المال بغير حقِّه فإنَّه كالذي يأكل ولا يشبع، ومع ذلك يكون شهيدًا عليه يوم القيامة، أمَّا إذا استخدمه فيما يعود عليه بالنفع في الدنيا والآخرة: في النفقة على الأولاد، في النفقة على الأقرباء والوالدين، فيما ينفع، في الأمور المباحة، في الاستغناء عن الناس، في أمورٍ يحبُّها الله تعالى، فإنَّ هذا نعم المعونة هو، وهذا مدحٌ للمالك، كما بيَّن النبيُّ في الحديث الآخر في لفظ البخاري: وإنَّه من يأخذه بغير حقِّه كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة. وفي لفظ آخر عند البخاري: إنَّ أكثرَ ما أخافُ عليكم ما يُخرج الله لكم من بركات الأرض، قيل: وما بركات الأرض؟ قال: زهرةُ الدنيا، إلى أن قال: وإنَّ هذا المالَ حُلوَةٌ، من أخذه بحقِّه ووضعه في حقِّه فنِعْمَ المعونةُ هو، ومن أخذه بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع[12]رواه البخاري: 6427، وبنحوه مسلم: 1052.

وفي مسند الإمام أحمد عن النبيِّ أنَّه قال: يا عمرو، نِعْمَ المالُ الصالحُ للرجل الصالح[13]رواه أحمد: 17802، وابن حبان: 3210، وصححه محققو المسند.، وفي لفظ الأدب المفرد: نِعْمَ المال الصالح للمرء الصالح[14]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 299.

الخشية من التنافس المهلك

هذا فيه مدحٌ للمال إذا كان حلالًا، وكان مع الرجل الصالح.

وبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام أبا عبيدة بن الجراح  إلى البحرين؛ يأتي بجزيتها - البحرين كانت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام الإحساء وما جاورها - فجاء بالجزية، وحضر إلى النبي عليه الصلاة والسلام فحضر الأنصار الصبح مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما انصرف من صلاة الصبح تعرضوا له، جاءوا إليه بالطريق، فتبسم عليه الصلاة والسلام تبسمًا؛ رأى بأنهم صلوا معه ويريدون شيئًا؛ فتبسم عليه الصلاة والسلام قال: أظنكم سمعتم بقدوم أبي عبيدة، وأنه جاء بشيءٍ، قالوا نعم يا رسول الله، قال فأبشروا، وأملوا - بشرهم - قال أبشروا، وأملوا ما يسركم؛ هذا من كرمه عليه الصلاة والسلام، فوالله، ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم؛ فتنافسوها كما تنافسوها؛ فتهلككم كما أهلكتهم[15]رواه البخاري: 3158، ومسلم: 2961.، وفي رواية فتلهيكم كما ألهتهم[16]رواه مسلم: 2961.

هذا هو المنهي عنه، التنافس في الدنيا حتى تهلك الناس، بمعنى: القتل من أجل المال، هذا هلاك، أكل أموال الناس هلاك، أكل الربا من أجل المال هلاكٌ ودمارٌ، الكذب والغش والخيانة والتدليس من أجل المال هذا هلاك، تنافسٌ في المال. 

تغير الأحوال بعد القرون المفضلة

في حديث عمران يرفعه: خيركم قرني ثم الذين يلونهم[17]رواه البخاري: 2651، ومسلم: 2535.، قرن النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثلاثة؛ إذ قال : خيركم قرني، هذا القرن الأول، ثم الذين يلونهم، التابعون، ثم الذين يلونهم، أتباع التابعين، ثم يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون[18]رواه البخاري: 6695، ومسلم: 2535.

هذه القرون الثلاثة المفضلة عند أهل العلم الذين أثنى عليهم النبي عليه الصلاة والسلام، الصحابة قرن النبي عليه الصلاة والسلام، والصحابة معه، ثم التابعون، ثم أتباعهم، أما بعدهم، بعد ثلاث مئة سنة فإنه قال: ثم يكون بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون، يظهرون الشهادة، وهي ما طلبت منهم، وقد يكون الإنسان له أن يظهر الشهادة إذا بطل الحق؛ فلو رأيت أحدًا من عباد الله اعتدى على مسلمٍ، ولم يشهد له أحدٌ من الناس، ويضيع حقه، ويُظلَم فحينئذٍ: اشهد حتى لو لم تستشهد، اشهد بهذا، ولكن المذموم أنه يشهد على باطلٍ أو يشهد وهو لا يُحتَاج إليه، في غنى عن شهادته، ثم يظهر بعدهم قومٌ يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، خونةٌ في القرون التي بعد هذه القرون الثلاثة، وينذرون ولا يفون، ينذر ويكثر النذر ولا يفي بالنذر، والنذر واجبٌ الوفاء به بطاعة الله؛ من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه[19]رواه البخاري: 6696.

إذن؛ هذا يدلُّ على أن الذي ينذر ولا يفي بالنذر فإنه من المذمومين الذين ذمهم النبي عليه الصلاة والسلام، وينذرون ولا يفون، ويظهر فيهم السِّمَن، يكونون عظام البطون، وعظام الأجساد بما عليهم من الدنيا، وهذا كما ذكر العلماء لا يكون على ظاهره على كل حال، قد يكون الإنسان سمينًا ولكن نفع الله تعالى به البلاد والعباد، أو عنده مرضٌ، لكن في الغالب أن السِّمنة تأتي من الترف، وتأتي من عدم التفكير في الآخرة، وتأتي من عدم الاهتمام بأمور الآخرة، وتأتي من عدم الخوف من الله تعالى، لكن هذا لا يكون على أحواله كلها، قد يكون الإنسان سمينًا، ويدفع الله تعالى به.

وعن قيس بن أبي حازم، قال: دخلنا على خباب، نعوده، وقد اكتوى سبع كيات، فقال: "إن أصحابنا الذين سلفوا مضوا ولم تنقصهم الدنيا، وإنا أصبنا ما لا نجد له موضعًا إلا التراب، ولولا أن النبي نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به"، ثم أتيناه مرة أخرى، وهو يبني حائطًا له، ثم قال: "إن المسلم يؤجر في كل شيءٍ ينفعه إلا في شيءٍ يجعله في هذا التراب"[20]رواه البخاري: 5672.، يقول: الذي يجعل بهذا التراب لا ينفعه في الآخرة، وهذا كذلك يحتاج إلى تفصيل، إذا أنفق نفقةً في سبيل الله، إذا أنفق نفقةً على عياله، إذا أنفق نفقةً على زوجته، إذا أنفق نفقةً على والديه، إذا أنفق على الفقراء والمساكين، إذا ادَّخَر مالًا استغنى عن الناس؛ وليكون من الذين يؤدون ما أوجب الله عليهم، ويؤدي زكاته، هذا لو كان عنده مال قارون، وهو يقوم بالواجبات لا يذم، لكن الذي يذم الذي لا يقوم بالواجبات، قال: إلا بشيءٍ يجعله في هذا التراب. 

التراب: البنيان، فإذا جعله في التراب، قال: لا يثاب عليه، لكن هذا لا يقال بأنه محرمٌ، بل من المباحات، لكن الثواب لا يثاب عليه إلا إذا قصد به الخير، فإذا قصد به خيرًا أثيب عليه.

أضرب مثلًا: إنسانٌ بنى بيتًا لأهله، بنى عمارةً؛ لينفق أموالها على أهله؛ وليستغني عن الناس؛ وليقوم بما أوجب الله عليه، هذا يكتب له الثواب عند الله على نيته، لكن بناها من أجل التجارة، ومن أجل تكثير الأموال مع القيام بالواجبات هذا ليس من المحرم، ولكن لا يثاب عليه، يعني: من الأمور المباحة يثاب الإنسان على النِّيَّة، ولا يعاقب عليه الإنسان إذا لم ينوِ، وإذا قام بالواجب الذي أوجب الله عليه؛ فينبغي للمسلم أن يُعنى بهذا، الله تعالى قال: فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [فاطر:5]. 

والغرور: هو الشيطان، بيَّن الله تعالى أن الشيطان لكم عدو؛ فاتخذوه عدوًا.

ذمُّ عبادة الدينار والدرهم

وعن أبي هريرة يرفعه أن رسول الله قال: تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أُعطِي رضي، وإن لم يُعطَ سخط، تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش[21]رواه البخاري: 2887.، هذا الحديث يدلُّ على أن معنى "تعس" يعني: عثر على وجهه، "وانتكس" بعد أن عثر على وجهه، وقع على رأسه، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش، إذا جعل هذه الأمور من أجل الدنيا، ومن أجل المعاصي، ومن أجل البعد عن طاعة الله تعالى، ولا ينظر إلى ما في الآخرة، وليس له همٌّ في الآخرة، ولا يفكر في ذلك، وإنما يريد الدنيا، لا يريد غيرها، وهذا هو المذموم، فتعس عبد الدينار، يعني: كأنه عبدٌ لهذا الدينار، الحافظ هو الذي يقوم على ما أمر به، فإذا حافظ عليه كان كالعبد، لا نية له في الآخرة، ولا نية له في الثواب، ولا يرغب في الثواب، ولا يرغب في الأجر، إنما يريد الدنيا ولو كان ذلك حرامًا، فهذا هو الذي تنطبق عليه دعوة النبي عليه الصلاة والسلام: تعس وانتكس، ومع انتكاسه على رأسه قال: وإذا شيك فلا انتقش، يعني: ما يستطيع أن ينتقش بالمنقاش، هذي دعوةٌ من النبي عليه الصلاة والسلام لمن كان هذا حاله، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة. 

طبيعة الإنسان في حب المال

وعن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه قال: لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى ثالثًا،  ولا يملأ جوف ابن آدم إلا الترابُ، ويتوب الله على من تاب[22]رواه البخاري: 6436، ومسلم: 1048.، رواه البخاري ومسلمٌ، وفي لفظٍ آخر: لو أعطي ابن آدم واديًا مليئًا من الذهب أحب إليه ثانيًا، ولو أعطي ثانيًا أحب إليه ثالثًا، ولا يسد جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب[23]رواه البخاري: 6438.، التراب في القبر، وفي روايةٍ أخرى: ولا يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب[24]رواه البخاري: 6439، ومسلم: 1048.، هذا المقصود: أن الإنسان لا يمكن أن ينتهي من هذا، ولكن عليه أن يتوب إلى الله تعالى، وأن يلتزم بما أوجب الله عليه: من القيام بالواجبات، ومما يحبه الله تعالى ويرضاه. أما كونه لا يقتنع من هذا المال ويحبه؛ هذا فطرةٌ عند الإنسان، في الغالب أنه يحب أن يكون عنده مالٌ لكن على حسب نيته، يكون خيرًا أو يكون شرًّا، فإذا كان نيته للخير فهو على خير، نيته للشر فهو على شرٍّ، والعياذ بالله تعالى.

البركة في الأخذ عن طيب نفس

وعن حكيم بن حزام قال: سألت النبي فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، فقال: يا حكيم، إن هذا المال حلوةٌ خضرةٌ، فمن أخذه بطيب نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يُبارَك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خيرٌ من اليد السفلى[25]رواه البخاري: 6441، ومسلم: 1035..

اليد العليا: هي المعطية، واليد السفلى: هي الآخذة، وابدأ  -في الرواية الأخرى- بمن تعول[26]رواه البخاري: 1426، ومسلم: 1034.، هذا يدلُّ على أن الإنسان إذا أعطى فيده العليا خيرٌ من الآخذة كما بين النبي عليه الصلاة والسلام.

حقيقة ملكية الإنسان للمال

المال الحقيقي هو ما قُدِّم للآخرة

وأما ما يدلُّ على أن بعض الناس ربما يغفل عن آخرته وينساها، ويجمع لهذه الدنيا، ولا ينتبه للأعمال ما قاله النبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من مالِه؟ قالوا: "يا رسولَ الله، ما مِنَّا أحدٌ إلَّا مالُه أحبُّ إليه" - كلُّنا يحبُّ المال أحب من أموالِ وارثينا - قال: فإن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر[27]رواه البخاري: 6442.، مالك الحقيقي هو الذي قدمته: زكاة، صدقة، هذا هو مالك، أما البقية فهو للورثة.

ما ينتفع به الإنسان حقيقةً من ماله

وقال عليه الصلاة والسلام: يقول ابنُ آدم: مالي، مالي. عن مطرِّفِ بنِ عبدِ الله قال: أتيتُ النبيَّ وهو يقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، يقرأ سورةَ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، قال: يقول ابنُ آدم: مالي، مالي، وهل لك من مالِك يا ابنَ آدم إلَّا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ؟![28]رواه مسلم: 2958.، وفي الحديث الآخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : يقول العبد: مالي، مالي، إنَّما له من مالِه ثلاث: ما أكلَ فأفنى، أو لبسَ فأبلى، أو أعطى فأقنى، يعني: أرضى، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ، وتاركه للناس[29]رواه مسلم: 2959.

المكثرون في الدنيا هم المقلون في الآخرة

هكذا يقول النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وممَّا يدلُّ على ذلك أنَّ الإنسان ينبغي له أن يُعنَى بآخرته، ولا ينسى نفسَه؛ لقول النبيِّ عليه الصلاة والسلام في الحديث: المُكثِرون هم المُقِلُّون[30]يأتي تخريجه.، وقال تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ۝ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15]، قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: إنَّ المُكثِرين هم المُقِلُّون يوم القيامة، أصحابُ الأموال الطائلة، أصحابُ الأموال التي لا تُحصى، هم الأقلُّون يوم القيامة إلَّا استثناء، إلَّا من أعطاه الله تعالى خيرًا فنفح فيه يمينَه وشمالَه وبين يديه ووراءَه، وعمل فيه خيرًا[31]رواه البخاري: 6443، ومسلم: 94.، رواه البخاري.

إذن؛ قال عليه الصلاة والسلام : إنَّ المُكثِرين هم الأقلُّون يوم القيامة، إلَّا من نفح الله تعالى له مالًا، فأعطاه من أمامه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقام بما أوجب الله تعالى عليه.

وكان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول: هم الأخسرون وربِّ الكعبة، هم الأخسرون وربِّ الكعبة. فقال أبو ذرٍّ: من هم يا رسولَ الله؟ قال: الأكثرون أموالًا إلَّا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، من بين يديه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، وقال: وقليلٌ ماهم[32]رواه البخاري: 6638، ومسلم: 94.، أو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام.

النهي عن التخوض في مال الله بغير حق

وممَّا يدلُّ على عِظَم الأمر أنَّ بعضَ الناس ربَّما يتخوَّض في مال الله، حتى ولو كان مالَك لا يجوز أن تُسرف فيه وتبذله بغير حقِّه.

بلغني أنَّ بعضَ الناس إذا تزوج فإنَّه يقول: "أنا أجعل الوليمة في البيت أو باستراحة أو غير ذلك؟! لا، لا بدَّ أن تكون في قصر بخمس مئة ألف، أو في فندق، أو غير ذلك".

عن خولةَ الأنصاريَّة رضي الله عنها قالت: سمعتُ رسول الله يقول: إنَّ رجالًا يتخوَّضون في مال الله بغير حقٍّ؛ فلهم النار يوم القيامة[33]رواه البخاري: 3118.؛ فانتبه يا عبدَ الله، لا تتخوَّض في مال الله إلَّا بحقٍّ، لا بأس أن تستمتع بهذا المال فيما أباح الله لك، وتقوم بما أوجب الله عليك، وتؤدِّي الزكاة، لكن كونك تجعل هذه الأموال في باطلٍ، وفي الحرام الذي حرَّم الله عليك، فإنَّ هذا يدخل في هذا الحديث الذي بيَّنه النبيُّ صلواتُ الله وسلامُه عليه.

وفي حديث أبي ذرٍّ قال : يا أبا ذرٍّ، ما يسرُّني أن عندي مثل أُحدٍ ذهبًا، تمضي عليه ثالثة، وعندي منه دينارٌ، إلَّا شيئًا أرصده لدَيْنٍ إلَّا أن أقول به في عباد الله هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه. ثم قال: إنَّ الأكثرين هم الأقلُّون يوم القيامة، إلَّا من قال هكذا، وهكذا، وهكذا، عن يمينه، وعن شماله، ومن خلفه، قال : وقليلٌ ما هم[34]رواه البخاري: 6444، ومسلم: 94.، أو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام؛ ولا شكَّ أنَّ هذا يدلُّ على أنَّه يجب على العبد أن يحذر، يحذر ممَّا يشغله عن الآخرة، ويستفيد من أمواله في الدنيا قبل أن تُورَث ولا يُحسن إليه، لا يُقال: يُبذِّر، يستفيد من أمواله الصالحة.

لو دفع الزكاة التي أوجب الله تعالى عليه، وقام بها، وأدَّاها لأهلها على الوجه الذي أمر الله به: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]. 

إذا كانت عنده أموالٌ طائلة، وأخرج الزكاة وأعطاها أهلَها: بعضُ الناس يُخرج الزكاة بالملايين، ولكنَّه لا يصرفها في أهلها، يصرفها على حسب الرغبات، وعلى حسب الهوى، وعلى حسب الأمور قد يعطيها الأغنياء من أقاربه، وقد يعطيها أناسًا لا يستحقُّونها، وهذا لا يُقال بأنَّه قام بالواجب، وإنَّما يُقال بأنَّه لم يؤدِّ ما أوجب الله تعالى عليه.

الغنى الحقيقي هو غنى النفس

وعلى العبد أن يعلم بأنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: ليس الغِنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس[35]رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.، فأنت يا عبدالله، لا تقل: "أنا فقير، ما عندي شئ"، فأنت إذا كان عندك قوت يومك وليلتك فكأنما حيزت لك الدنيا بحذافيرها؛ من أصبح منكم آمنًا في سربِه، معافًى في بدنه، عنده قوتُ يومه، فكأنَّما حِيزَت له الدنيا بحذافيرها[36]رواه الترمذي: 2346، وابن ماجه: 4141، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 6042.، أو كما جاء في الخبر.

فعليك أن تعلم: إذا أغناك الله عن الناس، وكنتَ معافًى في البدن، وفي وطنك؛ فعليك أن تعلم بأنَّك في راحةٍ وفي سعادةٍ، هذا هو ما أحببتُ أن أقوله.

حقيقة الحياة الدنيا وفتنة المال

الخلاصة: الأمر أنَّ الإنسان يجب عليه أن يحذر الفتنة، وهي الوقوع فيما حرَّم الله تعالى، وأن يقوم بما أوجب الله عليه في هذا المال من القيام بالصدقات والزكاة، ومن القيام بما أوجب الله عليه من النفقات، وإكرام الضيف، وغير ذلك ممَّا يحبُّه الله تعالى ويرضاه.

قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: ما من يومٍ يخرج إلَّا ينزل فيه ملكان، يقول أحدُهما: اللهمَّ أعطِ منفقًا خلفًا، والآخر يقول: اللهمَّ أعطِ ممسكًا تلفًا[37]رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.، فهكذا ينبغي للمسلم.

وخلاصةُ الأمر: أختم كلامي بحقيقة الدنيا، وليس معنى ذلك التنفير عن الدنيا، وإنَّما معنى ذلك أن تعرف حقيقتها، وأن تعرف هُويَّتها التي تقمَّصت هذه الدنيا.

يقول الله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ ۝ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ۝ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ [آل عمران:14]. 

وقال تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّىٰ إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس: 24]. 

هذه الدنيا، ضربها الله تعالى مثلًا كالمطر ينزل من السماء، فإذا نزل من السماء أنبتت الأرض الكَلَأَ والعشب الكبير، وما هي إلَّا أيَّام، ثم يصفر، ثم يكون حطامًا، كذلك أنتَ، الشباب ما هو إلَّا أيَّام، كذلك الجاه، من كان عنده جاهٌ أو رتبةٌ أو مرتبةٌ، ما هي إلَّا أيَّامٌ ثم يتركها.

مثلُ الحياة الدنيا، كذلك الحياة ما هي إلَّا أيَّام ثم ينتقل إلى الآخرة، كما قال الله تعالى: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ [الكهف:45]. 

إذن؛ هذا مثلُ ما ينزل من السماء كما تقدَّم، قال الله تبارك وتعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20]، وقال بعد ذلك: سَابِقُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ [الحديد:21]. 

إذن؛ هذا يدلُّ على أنَّ من سبق إلى الخيرات فهو يكون من السعداء في الدنيا والآخرة.

قال الله : وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ أَفَلَا تَعْقِلُونَ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص:60]

المنهج النبوي في التعامل مع الدنيا

وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام في قوله عليه الصلاة والسلام حينما كان مضطجعًا تحت شجرة، فجاء إليه عمر، وصار ينفض التراب عن جنبه عليه الصلاة والسلام، ويقول: ألا أخبرتنا حتى نجعل لك فراشًا وثيرًا؟" أو كما قال، وصار ينفض التراب عن جنبه عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: ما لي وللدنيا؟ هذا رسولُ الله ، ما لي وللدنيا؟ إنَّما أنا كمثل راكبٍ سار في يومٍ صائفٍ؛ فاستظل تحت شجرةٍ ساعةً من النهار، ثم راح وتركها[38]رواه الترمذي: 2377، وابن ماجه: 4109، وأحمد: 2744، من حديث ابن مسعود ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 438.، وهكذا راح وتركها عليه الصلاة والسلام، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، كذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام: لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناحَ بعوضةٍ، ما سقى كافرًا منها شربةَ ماء[39]رواه الترمذي: 2320، وابن ماجه: 4110، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5292.، هذا يدلُّنا على أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام بيَّن لنا ما يعود علينا بالنفع في الدنيا والآخرة، وبيَّن بقوله : ألَا إنَّ الدنيا ملعونة، ملعونة، أي: مذمومة، ألَا إنَّ الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها إلَّا ذكرَ الله، وما والاه، وعالِمًا أو متعلِّمًا[40]رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه  الألباني في "صحيح الجامع": 1609.

إذن؛ ما بقي، الشيء كلُّه بالخير، الدنيا كلُّها مذمومة، وفي دمارٍ، ملعونة، إلَّا ذكرَ الله: القرآن، والحديث، والصلاة، والصيام، والزكاة، والأعمال الصالحة، برُّ الوالدين، قراءةُ القرآن، الإحسانُ إلى الناس، الأخلاقُ الحسنة، الأعمالُ الصالحة، الأعمالُ الطيِّبة، الإنفاقُ على المساكين، الإنفاقُ على الأهل، كلُّها من الأعمال الصالحة، حتى ما ينفق الرجل على زوجته؛ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: إنَّك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجهَ الله تعالى إلَّا أُجِرتَ عليها، حتى ما تجعل في فِيِّ امرأتك[41]رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628.، بل قال عليه الصلاة والسلام: إذا أنفق الرجل على أهلِه يحتسبها فهي له صدقة[42]رواه البخاري: 55، ومسلم: 1002.

كم من الملايين بُذِلَت بدون نيَّة؟! 

لو تذهب وتأخذ هذه الأموال أو هذه العقارات وتحتسبها تكون لك صدقة.

الله أكبر! الله أكبر! 

فإن لم تنوِها في الخير فقمتَ بالواجب، والحمد لله، فإن لم تنوِ أن تقوم بالواجب فأنت في مباح، إن لم تأتِ بشيءٍ فيه تبرير لكن النيَّة؛ فعليك أن تنوي من الآن نيَّةً مطلقةً إلى أن تموت جميع ما تأتيه أن يكون لله تعالى، في النفقة على الأولاد، في النفقة على الزوجات، في النفقات الأخرى، وأن تقوم بالواجبات التي أوجب الله عليك.

ثم تنوي تفصيلًا إن استطعتَ إلى ذلك سبيلًا، كل ما تأتي، وكل ما تعمل من أعمال، أو تنفق النفقة، تنوي في قلبك بأنَّ هذه صدقةٌ ترجو ثوابها عند الله تعالى، وهذا - والله - هو الرابح، وهو الفائز، نسأل الله أن يوفِّقنا وإيَّاكم لما يحبُّ ويرضى.

والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: إلَّا ذكرَ الله، وما والاه ولا يوالي ذكرَ الله إلا الأعمال الصالحة، الأعمال التي ينوي بها الإنسان الخير.

أنت في وظيفة، ذهبتَ إلى وظيفتك، هذه الوظيفة إذا ذهبتَ إليها ونويتَ بأنَّك تريد أن تخدم المسلمين، نويتَ أن تُغني نفسك عن الناس، نويتَ أن تخدم الإسلام، فأنت في هذا في عملٍ صالح، نيَّة صالحة.

هذا ممَّا يوالي ذكرَ الله تعالى، وعالِمًا أو متعلِّمًا، سواء تتعلَّم أنت العلم، أو العالِم الذي يعلِّم الناس الخير.

وما سوى ذلك فهو مذموم، كما بيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام.

ثمرة إيثار الآخرة على الدنيا

وأبشِّركم بشارةً عظيمةً لمن وفَّقه الله تعالى بقوله عليه الصلاة والسلام: من كانت الآخرةُ همَّه جمع الله شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة، ومن كانت الدنيا همَّه فرَّق الله شمله، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلَّا ما قُدِّر له[43]رواه الترمذي: 2465، وابن ماجه: 4105، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3169.، هذا رواه الترمذي.

وهذا يدلُّ المؤمن على أنَّه على خير إذا نوى الآخرة، جميع ما تأتي وتذر، عليك أن تنوي به الأعمال الصالحة.

قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: يقول ربُّكم تبارك وتعالى: يا ابنَ آدم، تفرَّغ لعبادتي أملأْ قلبَك غنى، وأملأْ يديك رزقًا، يا ابنَ آدم، لا تباعدْ عني؛ فأملأَ قلبَك فقرًا، وأملأَ يديك شُغلًا[44]رواه الترمذي: 2466، وابن ماجه: 4107  وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3165.، رواه الحاكم، وصحَّحه الحاكم رحمه الله تعالى، وصحَّحه الألباني رحمه الله تعالى.

هذا يدلُّ على أنَّ الإنسان إذا اشتغل بطاعة الله، وعمل بالأسباب، ملأ الله تعالى قلبه ويديه رزقًا، مع العمل بالأسباب، مع الأخذ بالأسباب، مع التوكُّل على الله، مع التوفيق.

وعن أبي موسى الأشعري  أنَّ رسولَ الله قال: من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه؛ فآثروا ما يبقى على ما يفنى[45]رواه أحمد: 19697، وابن حبان: 709، وحسنه محققو المسند.

الله أكبر! رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

والمعنى: من أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، إذا أحبَّ الدنيا وكانت كلُّها في قلبه، لا يحبُّ إلَّا لها، ولا يُبغض إلَّا لها، لا يرجو ثوابَ الله، ولا يخشى عقابَ الله؛ فهذا يضرُّ بآخرته، والعياذ بالله تعالى.

ومن أحبَّ آخرته أضرَّ بدنياه، أحبَّ الآخرة، قام بما أوجب الله، وابتعد عمَّا حرَّم الله، فإنَّ هذا سينقص بعض الشئ، لكن هذا يكون له سعادة أبدية عند الله تعالى، والعاقبة الحميدة له في الدنيا والآخرة؛ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا [الطلاق:2]. 

وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: حلاوة الدنيا مُرَّة الآخرة، ومرة الدنيا حلاوة الآخرة[46]رواه أحمد: 22899، والحاكم: 8097، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3155.

وصايا عملية للسلامة من فتنة المال

فعليك - يا عبدَالله - أن تتَّقي الله تعالى، وأن تراقب الله تعالى، وأن تستعيذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن تقوم بما أوجب الله عليك نحو هذا المال: من القيام بالزكاة، ومن القيام بما أوجب الله عليك فيه من الصدقة على الفقراء والمساكين، من الإنفاق على الوالدين وعلى الأهل وعلى الأضياف، وفي سبل الخير، وغير ذلك ممَّا ينفعك، كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: من بنى لله مسجدًا بنى الله له بيتًا في الجنة[47]رواه البخاري: 450، ومسلم: 533.

كثيرٌ من الناس عنده مليارات لكن ما يستطيع أن يخرج الزكاة؛ لبخله، أخبرنا سماحة شيخنا رحمه الله تعالى ابن باز عن رجلٍ عنده أموالٌ طائلة، وهذا يظهر، والله أعلم، كان قبل البنوك، قال: عنده أموال، وكانت هذه الأموال في بيته، وأراد أن يُخرج الزكاة، فلم يستطع أن يُخرج الزكاة؛ لأنَّها تنقص.

الإنسان إذا كان عنده عشرة ملايين أو مئة مليون مثلًا، وزكاة مئة مليون كم تساوي؟

قسِّمها على أربعين، والناتج هو الزكاة، إذن؛ هذه تكون أموالًا عظيمة، وربَّما يكون أكثر من ذلك.

فإذا أخرج هذه الزكاة نقص رأسُ المال، فهو يكون بخيلًا على هذا، فالرجل هذا أراد أن يُخرج الزكاة ولكنَّه ما استطاع؛ لبخلِه، لكن عنده إيمان، وعنده خيرٌ في قلبه، فأخذ يصيح داخل البيت، رفع صوته بالصياح العظيم، يصيح داخل البيت صياحًا عظيمًا حتى سمعه من كان خارج البيت، ودخلوا عليه، فقال: يا إخوان، ادخلوا إلى هذه الغرفة، فأحصوا أموالي، وأخرجوا زكاتها، والله ما استطعتُ أن أُخرج زكاتها.

قال شيخُنا ابن باز رحمه الله: فدخلوا، وأحصَوا الأموال، وأخرجوا الزكاة.

ما استطاع لبخلِه، والعياذ بالله تعالى، ومع ذلك عنده خوفٌ من الله.

فبعضُ الناس لا يستطيع أن يُخرج الزكاة، على أقلِّ الأحوال قم بما أوجب الله عليك في هذا المال.

من زكاة، من نفقات، بعض الناس يبخل على والديه، يبخل على أولاده فيما أحل الله، أنا لا أقول: بذِّر، لا، بل عليك أن تنفق النفقة التي يحبها الله تعالى في حدود ما يلزمك من هذه النفقات، ولكن عليك أن تعلم بأنَّك مسؤول عن هذا المال يوم القيامة، مسؤولٌ عنه، يسألك الله تبارك وتعالى: لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسأل عن أربعٍ: عن شبابه فيم أبلاه؟ وعن عمره فيم أفناه؟ وعن مالِه من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟ وعن علمه فيم فعل؟[48]رواه الترمذي: 2417، والدارمي: 554، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7300.

الله أكبر! الله أكبر! 

من أين اكتسبه؟ وفيم أنفقه؟

أربعٌ، لا تزولُ قدما عبدٍ يوم القيامة، يظل واقفًا حتى يجيب عن الأربع.

فأنت مسؤول أمام الله ؛ فاتَّقِ الله.

لا يجمع الإنسان الأموال ثم يموت، ثم يأتي بعده أناس يستخدمونها في أمورٍ الله أعلم بها.

والنبيُّ عليه الصلاة والسلام بعضُ أصحابه أراد أن يُوصي بماله، فقال: الثلث؟

قال عليه الصلاة والسلام: الثلث، والثلث كثير؛ إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالةً يتكفَّفون الناس[49]رواه البخاري: 3936، ومسلم: 1628.، هذا مطلوب، كونه يتركهم أغنياء هذا مطلوب، لكن بعض الناس يتركهم أغنياء، وأمواله تُغني الدولة، بل يكون ممكنًا عنده ما يُغني بعض الدول الفقيرة، ما هو بأُسرتِه، ويكون بخيلًا في الزكاة، ويكون بخيلًا فيما أوجب الله تعالى عليه.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العُلى أن يجعلني وإيَّاكم ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، وأن يوفِّقنا وإيَّاكم لطاعته، وأن يُعيذنا وإيَّاكم من شرور وسيِّئات أعمالنا، ومن همزات الشياطين؛ إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير، وأن يهدينا لما يحبُّ ويرضى، وأن يُصلح قلوبنا وأعمالنا وأزواجنا وذريَّاتنا وجميع المسلمين.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 6376، ومسلم: 589.
^2, ^5 رواه البخاري: 6390.
^3 رواه الترمذي: 2308، وابن ماجه: 4267، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 1684.
^4, ^6 رواه مسلم: 588.
^7 رواه البخاري: 832، ومسلم: 589.
^8 رواه ابن عساكر في "الأربعين في مناقب أمهات المؤمنين": الحديث الثالث والعشرون، وحسنه، وله شاهد من عن أم سلمة رضي الله عنها رواه أحمد: 26576، والطبراني في "الدعاء": 1439.
^9 رواه مسلم: 2867.
^10 رواه البخاري: 5058، ومسلم: 1064.
^11 رواه البخاري: 1465، ومسلم: 1052.
^12 رواه البخاري: 6427، وبنحوه مسلم: 1052.
^13 رواه أحمد: 17802، وابن حبان: 3210، وصححه محققو المسند.
^14 رواه البخاري في "الأدب المفرد": 299.
^15 رواه البخاري: 3158، ومسلم: 2961.
^16 رواه مسلم: 2961.
^17 رواه البخاري: 2651، ومسلم: 2535.
^18 رواه البخاري: 6695، ومسلم: 2535.
^19 رواه البخاري: 6696.
^20 رواه البخاري: 5672.
^21 رواه البخاري: 2887.
^22 رواه البخاري: 6436، ومسلم: 1048.
^23 رواه البخاري: 6438.
^24 رواه البخاري: 6439، ومسلم: 1048.
^25 رواه البخاري: 6441، ومسلم: 1035.
^26 رواه البخاري: 1426، ومسلم: 1034.
^27 رواه البخاري: 6442.
^28 رواه مسلم: 2958.
^29 رواه مسلم: 2959.
^30 يأتي تخريجه.
^31 رواه البخاري: 6443، ومسلم: 94.
^32 رواه البخاري: 6638، ومسلم: 94.
^33 رواه البخاري: 3118.
^34 رواه البخاري: 6444، ومسلم: 94.
^35 رواه البخاري: 6446، ومسلم: 1051.
^36 رواه الترمذي: 2346، وابن ماجه: 4141، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 6042.
^37 رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.
^38 رواه الترمذي: 2377، وابن ماجه: 4109، وأحمد: 2744، من حديث ابن مسعود ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 438.
^39 رواه الترمذي: 2320، وابن ماجه: 4110، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5292.
^40 رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه  الألباني في "صحيح الجامع": 1609.
^41 رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628.
^42 رواه البخاري: 55، ومسلم: 1002.
^43 رواه الترمذي: 2465، وابن ماجه: 4105، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3169.
^44 رواه الترمذي: 2466، وابن ماجه: 4107  وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3165.
^45 رواه أحمد: 19697، وابن حبان: 709، وحسنه محققو المسند.
^46 رواه أحمد: 22899، والحاكم: 8097، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3155.
^47 رواه البخاري: 450، ومسلم: 533.
^48 رواه الترمذي: 2417، والدارمي: 554، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7300.
^49 رواه البخاري: 3936، ومسلم: 1628.