إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له، ومن يضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أمَّا بعد:
فأشكرُ اللهَ تعالى على توفيقِه وامتنانه وتيسيرِه إلى الوصولِ إلى هذا المكانِ المبارك، ثم أشكرُ الإخوةَ القائمين على مركزِ الدعوة -دعوةِ الجالياتِ في محافظةِ المذنبِ في القصيم- على إعانتِهم لنا على الخير، وحرصِهم على الخير، وتعليمِ الناسِ الخير.
جعلنا اللهُ وإيَّاكم وإيَّاهم هُداةً مهتدين، غيرَ ضالين ولا مضلِّين، ورزقنا وإيَّاكم وإيَّاهم العلمَ النافعَ، والعملَ الصالحَ، والهدى والتوفيقَ لما يحبُّه ويرضاه.
لا شكَّ أنَّ هذا الموضوعَ: "أصولٌ مهمَّةٌ في حياةِ المسلم" من أعظمِ الواجباتِ التي ينبغي للمسلم أن يُعنى بها؛ لأنَّه إذا عُني بها كان من المفلحين، ومن الفائزين والسعداء الذين يعملون بالعلمِ النافع، ويرجون من الله تعالى الثوابَ على هذا العلم، واللهُ تعالى لا يضيعُ أجرَ من أحسن عملًا.
لا شكَّ أنَّ هذه الأصولَ المهمَّة من أعظمِها الأصولُ الثلاثة التي يجب على المسلم أن يعرفَها ويتعلَّمَها ويعملَ بها: معرفةُ العبدِ ربَّه، ودينَه، ونبيَّه محمدًا عليه الصلاة والسلام بالأدلة.
هذه أسئلةُ القبر التي يُسأل عنها الإنسانُ في قبرِه، فتنةُ القبر، يُفتن الإنسانُ، بل يُفتن الناسُ في قبورِهم؛ فيُقال للإنسان: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟
ثلاثةُ أسئلةٍ إذا حقَّقها في الدنيا، وعمل بما تقتضيها، وفَّقه اللهُ تعالى للإجابة، وإن لم يحقِّقها، ولم يعمل بها حتى لو حفظها، لم يُوفَّق للإجابة؛ لهذا يأتي ملكان، كما بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام، يأتي الإنسانَ إذا قُبر في قبرِه ملكان، فينتهرانِه، فيقولان: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟
فالمؤمنُ يقول: ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمدٌ ، فيُنتهر مرةً أخرى: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟ فيقول: "ربِّي الله، وديني الإسلام، ونبيِّي محمدٌ عليه الصلاة والسلام"؛ فيُفتح له بابٌ إلى الجنة، وبابٌ إلى النار، فيُقال له: انظر إلى مقعدِك من النار، أبدلك اللهُ بهذا، انظر إلى مقعدِك من النار لو عصيتَ الله، أبدلك اللهُ به هذا، أي: في الجنة، ثم يُفتح له في قبرِه مدَّ البصر، ويأتيه شابٌّ طيِّبُ الريح، طيِّبُ المنظرِ والوجه، فيقول: من أنت؟ ووجهُك الوجهُ الذي يجيءُ بالخير -أو كما قال- فيقول: أبشرْ بالذي يسرُّك، أنا جليسُك، أنا عملُك الصالح. فوالله، لقد علمتُ أنك سريعٌ في طاعةِ الله، بطيءٌ في معصيةِ الله.
أمَّا الفاجرُ والكافرُ والمنافقُ فإنَّه يُقال: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟ فلا يُهدى لذلك، فيذكرُ محمدًا، يقول: "سمعتُ الناسَ يقولون شيئًا فقلتُه"؛ فيُضرب بمطرقةٍ من حديد، لو ضُرب بها جبلٌ لكان ترابًا؛ فيكون ترابًا، ثم يعود مرةً أخرى يُضرب؛ فيصيحُ صيحةً يسمعُها كلُّ شيءٍ إلا الجن والإنس، ولو سمع الإنسانُ -في الحقيقة- لحصل له شيءٌ عظيم، ثم يُضيَّق عليه قبرُه حتى تختلفَ أضلاعُه، ويُفتح له بابٌ إلى النار، وبابٌ إلى الجنة، فيُقال: انظر إلى مقعدِك من الجنة لو أطعتَ الله، أبدلك اللهُ به هذا؛ فيقول: "ربِّ، لا تُقِم الساعة"، ويقول المؤمن: "ربِّ، أقم الساعة"؛ كيما يرجعَ إلى أهلِه ومالِه، أي: ليحصلَ على النعيم الكامل، وهذا يقول: "ربِّ، لا تُقِم الساعة"[1]رواه أبو داود:4753، وأحمد: 18534، واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1676..
فهذه الأسئلةُ الثلاثة يُقال لها: "الأصولُ الثلاثة"، معرفةُ العبدِ، من ربُّك؟ ينبغي للمسلم أن يعرفَ من ربُّك، إذا قيل لك: من ربُّك؟ فقل: ربِّي الله، الذي ربَّاني وربَّى جميعَ العالمين بنعمِه، وهو معبودي، ليس لي معبودٌ سواه.
ويُحقِّق ذلك، بم عرفتَ ربَّك؟ يقول المسلم: عرفتُه بآياتِه ومخلوقاتِه، ومن آياتِه: الليلُ والنهار، والشمسُ والقمر، ومن مخلوقاتِه: السماواتُ والأرضُ وما فيهما وما بينهما. هكذا ينبغي للمسلم.
ومن نبيُّك؟ النبيُّ محمدُ بنُ عبدِالله بنِ عبدِ المطلب بنِ هاشم، وهاشمٌ من قريش، وقريشٌ من العرب، والعربُ من ذريةِ إسماعيلَ بنِ إبراهيم عليه وعلى نبيِّنا أفضلُ الصلاة وأتمُّ التسليم.
هكذا، نُبِّئ بـ"اقرأ"، وأُرسل بـ"المدثر"، وبلدُه مكة، بُعث على رأس الأربعين عليه الصلاة والسلام، بقي في مكة، عاش سنواتٍ يدعو إلى التوحيد، ثم أُسري به عليه الصلاة والسلام إلى بيتِ المقدس، ثم عُرج به إلى السماواتِ العُلى عليه الصلاة والسلام إلى مكانٍ يُسمع فيه صريفُ الأقلام فوق السماءِ السابعة، وفُرضت عليه الصلواتُ الخمس، ثم رجع إلى مكة عليه الصلاة والسلام من ليلتِه عليه الصلاة والسلام، ثم بقي يصلِّي في مكة ثلاثَ عشرةَ سنةً يدعو إلى التوحيد، وفرضت عليه الصلاة قبل الهجرة بثلاث سنوات، ثم هاجر إلي المدينة، وفرضت عليه شرائع الإسلام المتبقية في المدينة؛ من الجهاد والصيام وغيره من شرائع الإسلام.
بقي بالمدينة عشر سنوات عليه الصلاة والسلام ثم توفي عليه الصلاة والسلام، ما من خير إلا دلَّ أمته عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، دينُه باقٍ، مات عليه الصلاة والسلام إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ [الزمر:30]، دينُه باقٍ بعد موتِه، من أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، عليه الصلاة والسلام.
إذا قيل للعبد: ما دينُك؟ يقول: ديني الإسلام، وهو الاستسلامُ لله بالتوحيد، والانقيادُ له بالطاعة، والبراءةُ من الشرك وأهلِه، هذا هو الإسلام.
ومن الأصول التي ينبغي للمسلم أن يعلمها، وهي داخلةٌ في هذه الأصول، لكن من باب التفصيل: المسائلُ الأربع التي ذكرها شيخُ الإسلام محمدُ بنُ عبدِالوهاب رحمه الله تعالى في أول هذه الأصول الثلاثة:
اعلم رحمك الله أنَّه يجب على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أن يتعلَّم أربعَ مسائل، ويعملَ بهنَّ:
- المسألةُ الأولى: العلم، ثم فسَّر ما هو العلم: معرفةُ الله، ومعرفةُ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، ومعرفةُ دينِ الإسلام بالأدلة، هذا ذكر الأصول الثلاثة في هذه المسألة الأولى.
- والمسألةُ الثانية: العملُ بالعلم، أنت علمتَ، فعليك أن تعمل، وإلا يكون الإنسان كاليهود المغضوبِ عليهم، غضبَ اللهُ عليهم؛ لأنَّهم عندهم علم، لكنَّهم لم يعملوا بهذا العلم، والنصارى ضالون؛ لأنَّهم يعبدون الله على جهالة.
- المسألةُ الثالثة من هذه المسائل الأربع: الدعوةُ إلى العلم الذي تعلَّمته، علمتَ الصلاة، علمتَ الزكاة، علمتَ فرائضَ الإسلام، علِّمها. ابدأ ببيتك، وأهلك، وجيرانك، ومن تستطيع أن توصل هذا العلم إليه؛ فإنَّ العلم كالشجرة، والعمل كالثمرة، فالشجرة التي لا ثمرة لها لا قيمة لها، العلم والعمل كالثمرة، ثم ينشر هذه الثمرة بين الناس، هذه الدعوة إلى ما عَلِم.
- المسألةُ الرابعة: الصبرُ على الأذى الذي يحصل له في الدعوة إلى الله، يصبر على الاستهزاء وعلى الأذى.
ولهذا ذكر الشيخ رحمه الله تعالى سورةً عظيمة لو لم ينزل إلا هي، ولو عمل بها الناس لكفتهم: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر: 1-3]، هذه المسائلُ الأربع التي ينبغي للمسلم أن يعلمها.
ولهذا قال البخاري رحمه الله تعالى: "بابُ العلم قبل القول والعمل"؛ فلابدَّ من العلم قبل العمل وقبل القول، ثم العمل، ثم الدعوة إلى ما علم، ثم يصبر على ما يحصل له من الأذى.
ومن هذه الأصول التي ينبغي للمسلم أن يعلمها ويتثبَّت فيها: المسائلُ الثلاث التي ذكرها الشيخ رحمه الله تعالى بعد المسائل الأربع في أول الأصول الثلاثة.
قال: اعلم رحمك الله أنَّه يجب على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ أن يتعلَّم ثلاثَ مسائل، ويعملَ بهنَّ:
- الأولى: أنَّ الله خلقنا ورزقنا، ولم يتركنا هملًا، بل أرسل إلينا رسولًا؛ فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
- قال: والمسألةُ الثانية: أنَّ الله تعالى لا يرضى أن يُشرَك معه في عبادته أحدٌ، لا نبيٌّ مرسلٌ، ولا ملكٌ مقرَّبٌ، العبادة لابدَّ أن تكون لله.
- والمسألةُ الثالثة: أنَّ من وحَّد الله، وأطاع الرسول عليه الصلاة والسلام لا يجوز له موالاةُ من حادَّ الله ورسوله، أي: الولاءُ والبراء، يحبُّ لله، ويبغضُ لله.
والاستدلال بقوله تعالى: لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ [المجادلة:22]، فلا شكَّ أنَّ هذا من الأصول العظيمة التي ينبغي للمسلم أن يعلمها.
ومن الأصول العظيمة: معرفةُ القواعد التي إذا عرفها المسلم نجا من الشرك، نجا من الشرك، إذا عرفها وعمل بها، وفهمها وأتقنها.
ولهذا ذكر شيخُ الإسلام محمدُ بنُ عبدِالوهاب رحمه الله تعالى هذه القواعد، وذكر لها مقدمةً جميلة، قال رحمه الله تعالى:
أسألُ اللهَ الكريم، ربَّ العرش العظيم، أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإنَّ هؤلاء عنوانُ السعادة.
إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر، هذه الثلاث عنوانُ السعادة للعبد المسلم في الدنيا قبل الآخرة.
سعادته إذا أُعطي شكرَ الله: وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [ابراهيم:7].
وإذا ابتُلي صبر، فيصبر، والله تعالى قال: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].
الابتلاء يكون في النفس، ويكون في المال، ويكون في الولد، ويكون في الوالد، ويكون في ابتلاءاتٍ، والإنسان يسأل الله العفو والعافية؛ ولهذا قال في كتابه العزيز: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22-23]، فلا شك أن المسلم عليه أن يدعو الله تعالى بهذه الخصال التي دعا بها المؤلف رحمه الله تعالى.
ثم قال: اعلم -أرشدك الله- أن الحنيفية ملة إبراهيم: أن تعبد الله وحده مخلصًا له الدِّين، كما قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [الذاريات:56]، قال: فإذا عرفت أن الله خلقك لعبادته، فاعلم أن العبادة لا تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد، ما تُسمَّى عبادةً إلا مع التوحيد، كما أن الصلاة لا تُسمَّى صلاةً إلا مع الطهارة، فإذا دخل الشرك في العبادة فسدت، كالحدث إذا دخل في الطهارة، فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار، عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك؛ لعل الله أن يخلِّصك من هذه الشبكة، وهي: الشرك بالله تعالى الذي قال الله تعالى فيه: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وفي الآية الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، ثم قال رحمه الله تعالى: وذلك بمعرفة أربع قواعد، إذا أردت أن تخلص من هذه الشبكة: الشرك بالله؛ فاعرف هذه الأربع قواعد.
القاعدة الأولى: أن تعلم أن الكفار الذين قاتلهم رسول الله مقرُّون بأن الله الخالق الرازق المدبر، مالك الملك: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [الزخرف:87]، يقرُّون بذلك، لكن مع ذلك لم يدخلهم في الإسلام؛ لأنهم لم يوحِّدوا الله تعالى توحيد العبادة، وإخلاص العبادة لله وحده، بل يشركون في العبادة، وهم يقرُّون بتوحيد الربوبية.
فتوحيد الربوبية مغروس في الفطر، لا يُدخل الإسلام، فكونه يشهد أن الله الخالق الرازق المدبر، الخافض الرافع، المعز المذل، يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور، إنما أمره إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن؛ فيكون، بيده كل شيء، المالك لكل شيء، القادر على كل شيء، لا ينفع بدون توحيد الألوهية، بدون توحيد الألوهية، وهو أنه لا يُعبد إلا الله، ولا يُدعى إلا الله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يُصرف نوعٌ من أنواع العبادة إلا لله .
ولهذا قال الله تعالى في هؤلاء حينما بيَّن لهم ذلك في القاعدة الثانية التي قال فيها: إنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم، أقرُّوا بتوحيد الربوبية، لكنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة؛ ولهذا قالوا: مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ [الزمر:3].
إذن؛ هؤلاء في الحقيقة ما دخلوا في الإسلام، جعلوا بينهم وبين الله وسائطَ يدعونهم، ويستغيثون بهم، ويتوكلون عليهم، هذا كثير حتى في وقتنا هذا، في بعض الأقطار البعيدة، ودخل هذا البيوت الآن عن طريق وسائل الاتصال، وما يحصل من المقاطع، تدخل الشركيات في جميع البيوت الآن عن طريق هذه الوسائل، فالمسلم عليه أن يُعنى بالتوحيد حتى لو كان في بلاد التوحيد؛ فإن الشرك يدخل في البيوت الآن، ما من بيتٍ إلا ويدخله الشرك عن طريق هذه الوسائل، ما من بيت؛ لهذا دخلت في البيوت الآن الدعوة إلى الشرك عن طريق هذه الوسائل حتى أن من هذه الوسائل أن بعض البلدان المجاورة يعبدون القبور، تدخل في بيوتنا عن طريق المقاطع.
رأيت بعيني مقطعًا -في بلدةٍ في بلدٍ من البلدان- دخل بيوتنا بأن أناسًا يطوفون بقبر، ويقدمون النذور لهذه القبور، وتصل هذه المقاطع إلى النساء والأطفال، ثم اختلفوا: من يأخذ النذور، ومن يقوم على النذور؟ فحكموا بينهم، بعضهم يحكم بينهم، فاختلفوا، قالوا: إذن يُنقل القبر إلى مكانٍ آخر غير هذا، من هذه البلدة إلى بلدةٍ أخرى، فنبشوا القبر، وحفروا القبر، فوجدوا بأن المقبور رأسُ ثور -عجل- منذ أربعين سنة وهم يعبدون رأس عجل، رأس بقرة! نسأل الله العافية، يعبدون لا شيء، شركيات.
فلابد من الدعوة إلى التوحيد، وتعليم الناس التوحيد؛ حتى يُنبذ الشرك.
ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله القاعدة الثانية، قال: ما دعوناهم، أي: المشركون يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم؛ إلا لطلب القربة والشفاعة.
ثم قال في القاعدة الثانية: إن النبي ظهر على أناسٍ مختلفين ومتفرقين في عباداتهم: منهم من يعبد الملائكة، ومنهم من يعبد الأنبياء والصالحين، ومنهم من يعبد الأشجار والأحجار، ومنهم من يعبد الشمس والقمر؛ فقاتلهم جميعًا عليه الصلاة والسلام، قاتلهم جميعًا: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ [الأنفال:39]، فما أقرَّ من كان يدعو الملائكة أو الأنبياء والصالحين، وقال: نحن نقاتل من يعبد الأشجار، بل قاتلهم جميعًا حتى يعبدوا الله وحده، لا الملائكة، ولا الأنبياء، ولا الصالحين.
والقاعدة الرابعة: قال فيها رحمه الله تعالى: إن مشركي زماننا -زمان الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وزماننا نحن كذلك- بالنسبة لمن كان يعبد غير الله أغلظ شركًا من المشركين الأولين؛ لأن المشركين الأولين يُخلصون في الشدة، ويشركون في الرخاء؛ ولهذا قال الله تعالى: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، أما مشركو زماننا فهم يشركون في الرخاء والشدة.
وقد أخبرني بعض الناس أنهم كانوا في سفينة، وكادت السفينة أن تغرق -في الأزمنة التي بعد الشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى-، فلو كان أبو لهب وأبو جهل في هذه السفينة وغيرهما من المشركين لقالوا: يا الله، يا الله، لكن هؤلاء منهم من يقول: يا سيدي بدوي، يا سيدي عبدالقادر الجيلاني، يا سيدي فلان، في خضم الأمواج بالسفينة، يعني: أشركوا حتى في الشدة.
فكلام شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى كلام صحيح، قال: إن مشركي زماننا أغلظ شركًا من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء، ويخلصون في الشدة، ويشركون في الرخاء.
فلا شك أن معرفة هذه القواعد من أهم المهمات على المسلم حتى يعلم أن هذا من الأمور المهمة، من هذه الأصول التي ينبغي للمسلم أن يعلمها ويتعلمها أركان الإسلام، كما جاء في حديث جبريل أنه أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: يا محمد.
قال في حديث عمر: "قدم إلينا رجلٌ شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثر السفر، حتى جلس إلى رسول الله ، وأسند ركبته إلى ركبتيه، ووضع كفَّيه على فخذيه، وقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام. قال: الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت. قال: صدقت. قال الصحابة: فعجبنا له، يسأله ويصدقه!
عجبنا له كيف هذا السائل يسأل ويقول: صدقت؟ السائل في الغالب أنه يسأل عن جهل، لكن هذا الذي يقول: صدقت؛ كأنه يختبر، وهو جبريل.
قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. قال: فأخبرني عن الساعة. قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: فأخبرني عن أماراتها. قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان. فانطلق، فلبثتُ مليًّا، يقول عمر، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أتدرون من السائل؟ قال: قلنا: الله ورسوله أعلم. قال عمر: الله ورسوله أعلم -هكذا يقول المسلم إذا لم يعلم شيئًا في حياة النبي عليه الصلاة والسلام، يقول: الله ورسوله أعلم، أمَّا بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام فيقول: الله أعلم- قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم[2]رواه مسلم: 8.، هذا الحديث يدلُّ على أن هذه الأصول هي الدِّين كله، أصول هذه أركان الإسلام، وأركان الإيمان، وأركان الإحسان، هي أصول الدِّين التي ينبغي للمسلم أن يفهمها ويُعنى بها.
فشهادة أن "لا إله إلا الله" معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله، لا معبود حقٌّ إلا الله، أمَّا من يقول: لا معبود إلا الله، هذا تعريف غلط، خاطئ؛ لأنه إذا قال: لا معبود إلا الله، معنى ذلك أن الذي يعبد القبور ويدعو الأولياء هو يدعو الله، ويدعو الله وحده، لا، لا يُقال هذا؛ لأن هناك آلهة كثيرة: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]؛ فمعنى "لا إله إلا الله": لا معبود حقٌّ إلا الله، وهذه الكلمة لا تنفع من قالها إلا بأمور:
الأمر الأول: العلم بمعناها، وتقدَّم أن معناها: لا معبود حقٌّ إلا الله: ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ [لقمان:30].
الأمر الثاني: اليقين في قولها والعمل بها؛ ولهذا قال الله تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا [الحجرات:15]، ما عندهم شك، وقال النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة تبوك حينما جاء الناس، وأراد بعض الناس أن ينحروا الإبل، فأشار عليه عمر الفاروق ، وقال: "إنك إن فعلت ذلك قلَّ الظهر، ولكن ادعُ الناس بفضول أزوادهم، وادعُ الله فيها"؛ فدعا الناس عليه الصلاة والسلام بفضول أزوادهم، ومنهم من أتى بتمرة، ومنهم من أتى بكسرة خبز، ونحو ذلك حتى اجتمع طعام، ثم أمر الناس أن يأخذوا من هذا الطعام، فبقي الطعام كما هو، كلٌّ أخذ وملأ ما معه من الأوعية، وبقي الطعام كما هو، ما؛ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أني رسول الله، لا يلقى اللهَ عبدٌ غيرَ شاكٍّ فيهما إلا دخل الجنة[3]رواه مسلم: 27.، رواه مسلم.
هذا عظيم؛ فلابد من اليقين، وهو اليقين الذي لا يخالطه شك.
الإخلاص: لابد من الإخلاص، هذا الأمر الثالث؛ لأن الله تعالى قال: وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [البينة:5]؛ فلابد من الإخلاص؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله أبو هريرة قال: "يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟" قال: لقد ظننت أو علمت أنه لا يسألني قبلك أحدٌ يا أبا هريرة، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله خالصًا من قلبه أو نفسه[4]رواه البخاري: 99.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، يعني قال: خالصًا.
والمحبة: لابد من محبة هذه الكلمة، ومحبة ما دلَّت عليه؛ ولهذا قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ [البقرة:165]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار[5]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43..
الأمر الخامس: الصدق، لابد أن يكون صادقًا، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119]، لا يكون مع المنافقين الكاذبين.
وقال النبي عليه الصلاة والسلام من حديث عمر: أنه بيَّن أن من تابع المؤذن، ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة[6]رواه مسلم: 385.، يعني: صادقًا من قلبه، رواه مسلم. هذا فضل متابعة المؤذن، إذا تابعه كما يقول إلا في "حي على الصلاة" و"حي على الفلاح"، يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، ثم قال: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة[7]رواه مسلم: 385.، رواه مسلم، هذا يدلُّ على عظم هذا الأمر.
كذلك من هذه الأمور: الانقياد والقبول، الانقياد لدين الإسلام، ويقبل ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام.
كذلك الأمر الثامن: الكفر بما يُعبد من دون الله، أي: لا يصدق بما يعمله المشركون وعباد القبور والأوثان، يعتقد بأنهم على باطل، هذا معنى الكفر بما يُعبد من دون الله، أي: تكذيبهم، والاعتقاد أنهم على باطل؛ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا [البقرة:256]، وهذا يدلُّ على أن الكفر بما يُعبد من دون الله من أعظم الواجبات على المسلم.
وشهادة "أن محمدًا رسول الله"، هي قرينة "لا إله إلا الله".
معناها -احفظ المعنى يا عبدالله-، معنى شهادة "أن محمدًا رسول الله": الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبدالله بن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقًّا إلى الجن والإنس، لا نبي بعده، صلوات الله وسلامه عليه.
هذا المعنى: الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبدالله بن عبد المطلب الهاشمي القرشي رسول الله حقًّا إلى الجن والإنس إلى يوم القيامة، لا نبي بعده، صلوات الله وسلامه عليه.
والمقتضى، مقتضاها الذي يدلُّ على صدق من عرف معناها: أن يطيعه، يصدِّقه فيما أخبر، تصديقه فيما أخبر عليه الصلاة والسلام، أخبر بالجنة، أخبر بالنار، أخبر بأمورٍ غيبيَّةٍ، أخبره الله تعالى بها، أخبر بالواجبات، وأخبر بالنهي عن المحرمات، صلوات الله وسلامه عليه.
تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، ولا يُعبد الله إلا بما شرع، هذا هو مقتضى شهادة "أن محمدًا رسول الله" عليه الصلاة والسلام.
ولا شك أن العبد المسلم عليه أن يعلم بأن الأمور التي ذُكرت من أهم الواجبات على المسلم.
والركن الثاني من أركان الإسلام: الصلاة، هذه عمود الإسلام، من حافظ عليها فهو المسلم، له ما للمسلمين، وعليه ما عليهم، ومن تركها فهو لما سواها أضيع.
بين الرجل والكفر والشرك ترك الصلاة؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: بين الرجل والشرك والكفر ترك الصلاة[8]رواه مسلم: 82.، وقال عليه الصلاة والسلام العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة[9]رواه الترمذي: 2621 وصححه، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4143.؛ فمن تركها فلا حظَّ له في الإسلام، ولم يكن من المسلمين إذا تركها متعمدًا متهاونًا بها.
أما إذا تركها جاحدًا لوجوبها فهو كافر عند جميع العلماء، لكن الكلام فيمن تركها متعمدًا كسلًا وتهاونًا، والصواب أنه من الكافرين، نسأل الله العفو والعافية.
ولا شك أن هذه الصلاة لا تُقبل إلا بشروط بيَّنها العلماء، ينبغي للمسلم أن يعلمها؛ لأنها من الأمور المهمة:
الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة.
الإسلام: لابد، لا يقبل الله الصلاة إلا من مسلم، لكنها تجب عليه، ولا تُقبل منه حتى يشهد أن لا إله إلا الله؛ ولهذا يُعاقب عليها الكفار يوم القيامة: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر:42-45]، يكفيهم التكذيب بيوم الدِّين، لكنهم مع ذلك يُعاقبون على ترك الصلاة، وإن لم تُقبل منهم حتى يُسلموا.
إذن؛ لابد أن يكون مسلمًا.
والعقل: لابد أن يكون عاقلًا، المجنون لا تجب عليه.
والتمييز: دون السابعة لا تجب عليه: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر[10]رواه أبوداود: 495، وأحمد: 6756، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 247..
فلا شك أن هذا من الأمور اللازمة: الإسلام، والعقل، والتمييز.
ورفع الحدث: هذا الأمر الرابع، لا يقبل الله صلاةً بغير طهور، ولا صدقةً من غلول[11]رواه مسلم: 224.، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ[12]رواه البخاري: 6954، ومسلم: 225.، فلا تُقبل الصلاة إلا بالطهور، بالطهارة من الحدث الأكبر والأصغر، الحدث الأصغر كالنوم، والخارج من السبيلين، وأكل لحم الإبل، ومس الفرج قبلًا أو دبرًا، والردة عن الإسلام -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- هذا الحدث الأصغر الذي يوجب الوضوء؛ فلابد منه، رفع الحدث.
الخامس: إزالة النجاسة من ثلاثة مواضع أو مواطن: من المكان الذي يُصلَّى فيه، ومن البدن، ومن الثياب، لابد من إزالة النجاسة.
البدن سليم من النجاسة، ما يكون عليه بول ولا نجاسة، وكذلك الثياب، وكذلك البقعة؛ فإن صلى وعليه نجاسة في جسده، أو في ثوبه، أو في البقعة، ونسي، ولم يذكر إلا بعد الصلاة، صلاته صحيحة، ليس كالحدث.
من نسي وصلى وهو على غير طهارة، فإنه يعيد الصلاة، يعيد الطهارة والوضوء، يعيد الوضوء والصلاة.
أما النَّجاسة، فإن ذَكَر وهو في الصلاة؛ فإنه يزيل النجاسة إذا كانت في غترته، أو كانت في نعله، أو غير ذلك، فإن كانت في شيءٍ من ثيابه لو خلعه بانت عورته، قطع الصلاة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في نعلين، فخلعهما في صلاته، فخلع الصحابة ، ثم بعد أن سلَّم سألوه، قال: إنه أخبرني جبريل أن فيهما أذًى[13]رواه أبوداود: 650، وأحمد: 11877، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 284.؛ فدلَّ ذلكم على أن الإنسان إذا نسي أو أُخبر بأن هناك نجاسة، فإن كان أثناء الصلاة قطع الصلاة إن لم يتمكن من إزالتها، أو تغيير المكان الذي فيه النجاسة، وإن تمكن من إزالة النجاسة فالحمد لله، فإن ذكر بعد الصلاة؛ فصلاته صحيحة.
هذا إزالة النجاسة من البقعة والبدن، وكذلك الجسد.
الأمر السادس: ستر العورة.
ستر العورة: يستر الإنسان عورته، عورة الرجل من السُّرَّة إلى الركبة عند الحاجة، وإن كان عنده قدرة فلابد من تغطية المنكبين؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: لا يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء[14]رواه البخاري: 359، ومسلم: 516..
والمرأة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها في الصلاة، كلها عورة، كلها عورة: رأسها، وشعرها، وقدماها، وكفَّاها، لكن الكفَّان ذكر العلماء أن الأفضل تغطية الكفين، فإن لم تُغطِّ الكفين فالصلاة صحيحة، الحمد لله، لكن القدمان لابد من سترهما، فإن انكشف القدمان أعادت الصلاة؛ لحديث أم سلمة رضي الله عنها أنها سألت عن المرأة تصلي في الدرع، فقيل لها: إذا كان سابغًا يغطي ظهور قدميها[15]رواه أبوداود: 640، والدارقطني: 1785، والبيهقي في "السنن الكبرى": 3293.، هذا ستر العورة.
السابع من هذه الشروط: دخول الوقت.
لابد من دخول الوقت وإلا فالصلاة غير مقبولة؛ لو صلى صلاة الظهر في الضحى أو قبل الزوال لا تُقبل.
فالأوقات معروفة كما بينها النبي صلوات الله وسلامه عليه، صلى جبريل بالنبي عليه الصلاة والسلام الفجر حين برق الفجر، الفجر الثاني، ثم الظهر حينما زالت الشمس من كبد السماء، ثم العصر حينما صار ظل كل شيء مثله، ثم المغرب حينما غربت الشمس، ثم العشاء حينما غاب الشفق الأحمر، ثم جاء في اليوم الثاني فصلى الفجر بعد أن أسفر جدًّا، وصلى الظهر حينما كان ظل كل شيء مثله، يعني: في وقت صلاة العصر اليوم الأول، وصلى العصر حينما صار ظل كل شيء مثليه، وصلى المغرب في وقتها بعد غروب الشمس، وصلى العشاء بعد مضي الثلث الأول من الليل، وبيَّنت الأحاديث الأخرى أن صلاة العشاء إلى منتصف الليل، ثم قال: يا محمد، ما بين هذين الوقتين صلاة[16]رواه أبوداود: 393، والترمذي: 149، وأحمد: 3081، وصححه الألباني في "الإرواء": 249.، هذا تحديد، لا الساعة اثنا عشر، ولا واحدة، ولا قد يكون الإنسان في برية، قد يكون في مكان لا يعرف هذا التوقيت الذي وقَّته النبي عليه الصلاة والسلام.
الأمر الثامن: استقبال القبلة.
لابد من استقبال القبلة وإلا لا تُقبل الصلاة.
الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ودخول الوقت، واستقبال القبلة، هذا الثامن: يستقبل القبلة في أي مكان -الحمد لله-، كان الناس من أول سابق الأزمان يستدلون بالنجوم، ويستدلون بالجبال، ويستدلون بالشمس، الآن، الحمد لله، أي مكان عنده البوصلة، وعنده الجوال، وعنده..، ما عاد يسأل لا عن قمر ولا عن شمس، وهذا من نعم الله على الناس. هذا استقبال القبلة، هذا الثامن.
التاسع: النِّيَّة.
لا يقبل الله الصلاة إلا بنية: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى[17]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
ولا شك أن الطهارة، الوضوء، لا يُقبل الوضوء إلا بشروط، كما ذكر العلماء: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنِّيَّة للوضوء، واستصحاب حكمها: بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، معنى ذلك: أن يستمر في النِّيَّة بحيث لو غسل يديه، وتمضمض، وغسل وجهه، وغسل يديه، ثم مسح رأسه، ثم بقي القدمان، قال: إذن هذا الوقت ما دخل، إذن أنا أؤخر الوضوء إلى دخول وقت الصلاة، ثم قال: لم يبق إلا القدمان، إذن أُكمل؛ بطلت الطهارة؛ لأنه قطع النية، قالوا: استصحاب حكمها: بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة.
وإزالة ما يمنع وصوله للبشرة: لابد من إزالة البويات، والعجين، إذا كان عنده عجين، أو اللصقات، أو المناكير على أظفار النساء، أو غير ذلك، لابد من إزالتها إذا كانت تحول بين الماء والبشرة.
الأمر السابع: طهورية الماء.
لابد أن يكون طاهرًا، ما يكون نجسًا، فيه نجاسة غيَّرت لونه أو طعمه أو ريحه.
الثامن: إباحته.
كل ماءٍ مباح، ما يكون مسروقًا، ولا مغصوبًا؛ فإن هذا في الحقيقة لا يكون مباحًا.
الأمر التاسع: أن يتقدم الطهارةَ الاستنجاءُ والاستجمارُ، استنجاءٌ واستجمارٌ قبله، يكون استنجاءٌ واستجمارٌ قبله، أي: قبل هذه الطهارة، وهذا يكون عند خروج البول أو الغائط، يستنجي.
حتى لو قضى حاجته بعد صلاة الفجر، ثم استنجى أو استجمر وأنقى، والاستجمار لابد أن يكون بثلاثة أحجار فأكثر، ثم لم يتوضأ إلا لصلاة الظهر، فإذا جاءت صلاة الظهر فإنه لا يجب عليه استنجاء؛ لأنه قد استنجى قبل الوضوء؛ ولهذا قال: استنجاء أو استجمار قبله، يعني استنجى واستجمر قبل الوضوء.
ودخول وقتٍ على من حدثه دائمٌ لفرضه، يعني: هذا الذي عنده سلس -أسأل الله لي ولكم العفو والعافية-، إذا كان عنده سلس، أو استطلاق ريح، أو غير ذلك؛ فإنه يتوضأ إذا دخل الوقت، فإذا دخل الوقت توضأ، وصلى الفرض والسُّنَّة، وقرأ القرآن إلى أن تأتي الصلاة الأخرى -والحمد لله-، حتى لو خرج شيء إلا أن يأتي ناقضٌ آخر، ناقض غير هذا الناقض؛ فإنه يعيد الطهارة، أما إذا كان السلس استطلاق الريح؛ فإنه لا يضره حتى يأتي وقت الفريضة الثانية.
هذه الأمور ينبغي للمسلم أن يعلمها في الطهارة والصلاة، لها أركان لا تُقبل إلا بها.
بعض الناس ينقر الصلاة! أعظم أركان الصلاة: القيام في الفرض مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، لابد: الله أكبر، لو قال: الله أعظم، أو الله أعز؛ ما يكفي، لابد أن يقول: الله أكبر باللفظ، هذا الركن الثاني.
وقراءة الفاتحة: لا يقبل الله صلاة؛ من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خداج[18]رواه مسلم: 395.؛ فلابد من قراءة الفاتحة.
والركوع، والرفع من الركوع، والسجود على الأعضاء السبعة، ومنها الجبهة، وأشار النبي عليه الصلاة والسلام إلى أنفه، دلَّ هذا على أن الأنف مع الجبهة، فمن صلى على أنفه، ولم يسجد على جبهته صلاته باطلة، ومن سجد على جبهته، ولم يسجد على أنفه صلاته باطلة، لابد على الأنف والجبهة إلا عند عدم الاستطاعة.
والرفع منه، من السجود، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في جميع الأركان، والترتيب بين الأركان، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في التشهد الأخير -اللهم صلِّ وسلِّم عليه- والتسليمتان. أربعة عشر ركنًا، لابد منها.
واجبات الصلاة: فمن ترك شرطًا، أو ترك ركنًا لا تُقبل صلاته إلا لعدم القدرة وعدم الاستطاعة؛ قال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16].
واجبات الصلاة هي: جميع التكبيرات عدا تكبيرة الإحرام، وقول: "سبحان ربي العظيم" في الركوع، وقول: "سمع الله لمن حمده" للإمام والمنفرد، وقول: "ربنا ولك الحمد" للكل، وقول: "سبحان ربي الأعلى" في السجود، وقول: "رب اغفر لي" بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له، هذه الثمانية.
الفرق بينها وبين الأركان: أن من ترك واجبًا من واجبات الصلاة متعمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوًا أو جهلًا جُبر بسجود السهو، هذا الفرق بين الأركان والواجبات.
مبطلات الصلاة: الكلام العمد: تكلم كلامًا عمدًا، والضحك، والأكل، والشرب، يضحك في الصلاة ضحك قهقهة؛ صلاته بطلت، وكذلك انكشاف العورة، وانتقاض الطهارة لو أحدث، والعبث الكثير المتوالي، يعني: يحرك غترته، ثم لحيته، ثم ينظر في ساعته، ثم يحك، ثم يستمر، هذا تبطل صلاته. ومن حدَّدها بثلاث حركات فليس بصحيح، وإنما يقال: تبطل الصلاة بالعبث الكثير المتوالي بحيث لو رآه إنسان قال: هذا ما يصلي.
إذن؛ هذا من مبطلات الصلاة، والانحراف الكثير عن القبلة، هذه كلها من مبطلات الصلاة.
كذلك الزكاة، هي الركن الثالث من أركان الإسلام، لها شروط ولها واجبات، فمن شروطها: الإسلام، ومِلك النصاب، واستقرار المِلك، ودور الحول، هذه من شروط وجوب الزكاة.
والزكاة تكون في أربعة أموال: في الخارج من الأرض من الحبوب والثمار، وفي بهيمة الأنعام، بهيمة الأنعام الراعية التي ترعى في البرية، أما ما يكون يُعلف ويُصرف عليه فلا زكاة فيه، وكذلك الذهب والفضة، وعروض التجارة.
وهذه الزكاة تُدفع لمن بيَّنهم الله تعالى في كتابه، لا تُدفع لجمعيات القرآن ولا لغيرها من الجمعيات، إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ [التوبة:60]، فالله تعالى قال: فَرِيضَةً، في هذه الأمور الثمانية أهل الزكاة، وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، لابد من أن تُفعل.
الركن الرابع من أركان الإسلام: الصوم، صوم رمضان، فالله تعالى أوجبه على هذه الأمة المستطيعة له، كما بيَّن الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
والصيام ميسَّر، يجب على كل مسلمٍ بالغٍ عاقلٍ مقيمٍ قادرٍ -أي: لم يكن مريضًا- خالٍ من الموانع، يعني: ما يكون من الحيض والنفاس، فإذا وجدت هذه الشروط الستة وجب الصوم على المسلم البالغ، ومن كان لم يبلغ يُدرَّب على الصيام، وله أجره.
المسلم البالغ العاقل المقيم، أما المسافر فلا يجب عليه الصوم أداءً، وإنما يجب عليه قضاءً. والقادر، لا يجب على المريض أداءً، ويجب عليه قضاءً إذا كان المرض يُرجى برؤه، أما إذا لا يُرجى برؤه فإنه يُطعِم، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ومفهوم الآية: الخالي من الموانع، وهذا خاص بالنساء.
وأركانه اثنان -كما ذكر العلماء- وهما: النِّيَّة من الليل.
والإمساك من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
هذا صيام شهر رمضان، فريضة على من وجدت هذه الأمور فيه.
الحج ركن، الركن الخامس من أركان الإسلام -والحمد لله-، يجب في العمر مرة واحدة إذا اكتملت ستة شروط أو خمسة: الإسلام، والعقل -يعني: ما يكون مجنونًا- والتمييز، والمميز له حج، لكنه لا يغنيه عن حجة الإسلام، والبلوغ من الشروط، وكمال الحرية، والاستطاعة.
الإسلام، والعقل، وكمال الحرية، بحيث يكون الإنسان ليس مملوكًا، والاستطاعة، هذه خمسة شروط، زاد بعض العلماء شرطًا سادسًا، وهو: وجود المحرم للمرأة، فإذا لم تجد محرمًا من نسبٍ أو رضاعٍ؛ فإنه لا يجب عليها الحج، فإن ماتت لا تأثم؛ لأنها لم تكتمل الشروط.
وأركانه: الطواف بالبيت، طواف الإفاضة، والوقوف بعرفة، والسعي بين الصفا والمروة، والإحرام، هذه أربعة أركان.
شروطه: الإحرام من الميقات، والبقاء بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، وكذلك رمي الجمار، والمبيت بمنى ليالي التشريق، والحلق أو التقصير، والسابع طواف الوداع.
هذه الأمور لابد للمسلم أن يعلمها، والحمد لله، لم يجب في العمر إلا مرة واحدة.
أما الأمر السادس، وهو أركان الإيمان، لابد للمسلم أن يعلمها: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله، هذه الأمور يقال لها: أركان الإيمان.
الإيمان بالله: يؤمن بالله تعالى ربًّا ومعبودًا، يستحق العبادة، لا يُعبد إلا هو ، وكذلك الملائكة: يؤمن بالملائكة، وأن الله تعالى خلقهم، وأمرهم بأوامر، ولا يعصون الله تعالى ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، نؤمن بوجودهم، ونؤمن بما ذكر الله تعالى عنهم.
والكتب والرسل: نؤمن بكتب الله التي أنزلها على أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، وأنها من كلامه ، وأنها حق في عهدهم قبل أن يدخلها التحريف.
والرسل: نؤمن بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن الله أرسلهم للعباد، يدعونهم إلى التوحيد، وينهون عن الشرك، كلهم دينهم واحد في التوحيد، وشرائعهم شتى.
والإيمان باليوم الآخر: يدخل في ذلك الإيمان بما يحدث في القبر من العذاب للمجرمين، ومن النعيم للمؤمنين، وكذلك القيامة الكبرى؛ من النفخ في الصور، وخروج الناس من قبورهم حفاةً عراةً غرلًا، والوقوف أمام الله تعالى في يوم مقداره خمسون ألف سنة، والحوض المورود، حوض النبي عليه الصلاة والسلام في عرصات القيامة، والميزان: ميزان الحسنات والسيئات، وتطاير الصحف، والشفاعة العظمى، والمرور على الصراط، والإيمان بالجنة والنار.
هذا من الأمور التي ينبغي للمسلم أن يؤمن بها.
الإيمان بالقدر: وأن الله قدَّر المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، والإيمان بالقدر يقوم على أربعة أمور، من آمن بها فقد آمن بالقدر كله:
الأول: العلم السابق، أن الله يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، بعلمه الأزلي الذي لا أول له ولا آخر، فهو يعلم دائمًا ، يعلم كل شيء.
ثم بعد ذلك: كَتْبُ المقادير التي علمها له، تحديد، أول الكتابة تحديد، قال: أول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء إلى قيام الساعة[19]رواه أبوداود: 4700، والترمذي: 2155، وأحمد: 22707، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2018.، وقال في الحديث الآخر: كتب الله المقادير قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة[20]رواه مسلم: 2653..
فهذا الإيمان بالعلم السابق، والإيمان بالكتابة لكل شيء، أسماء أهل الجنة، وأسماء أهل النار، لا يُزاد فيها ولا يُنقص في علم الله تعالى؛ ولهذا قال الصحابة : ففيم العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسَّر لما خُلق له، أما أهل السعادة فيُيسَّرون لعمل أهل السعادة -أسأل الله وجهه الكريم أن يجعلني وإياكم من أهل السعادة- وأما أهل الشقاوة فيُيسَّرون لعمل أهل الشقاوة[21]رواه البخاري: 4949، ومسلم: 2647.، اعملوا، فكل ميسَّر لما خُلق له، هذا يوجب على العبد الحذر، ويوجب عليه أن يدعو الله أن يجعله من السعداء في الدنيا والآخرة.
والمشيئة التي لا يخرج عنها شيء، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
والأمر الرابع: الخلق والإيجاد، الله خالق كل شيء .
فإذا آمن المسلم بهذه الأربعة أمور، فقد آمن بالقضاء والقدر كما بيَّن الله تعالى، وبيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
ومن ذلك الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك[22]رواه مسلم: 8.، الإحسان درجتان: تعبد الله، أي: تستحضر أنك تعبد الله كأنك تراه، فإن عجزت فعليك أن تعلم بأن الله يراك، وأنه لا يخفى عليه خافية، فإذا علمت ذلك فعليك أن تُحسن العبادة لله، تُكملها لله، هذا هو الإحسان.
المسلم ينبغي أن يعلم أن هذا الدِّين وهذه الأمور لها مبطلات، الصلاة أو الطهارة لها نواقض، نواقض، لو توضأ الإنسان ثم حصل ناقض من نواقض الوضوء؛ فإنه لا يكون على طهارة.
كذلك لو عمل الإنسان بجميع الأعمال كلها، لكنه حصل له ناقضٌ، أحدث في الدِّين، انتقض إسلامه، وانتقض إيمانه، وانتقض دينه؛ وبطلت أعماله كلها، قال تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23]، نسأل الله العافية.
أولها: الشرك بالله، وهو أن يجعل العبد ندًّا لله، وهو خلقه، أو يصرف نوعًا من أنواع العبادة لغير الله؛ كالاستغاثة، أو الاستعانة، أو التوكل، أو غير ذلك من أنواع الشركيات؛ فإن أعماله كلها تبطل، نسأل الله العافية.
من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويستغيث بهم؛ كما يفعل أهل القبور الذين يدعون الأولياء: "يا سيدي عبدالقادر"، "يا سيدي مراغني"، "يا سيدي عبدالقادر الجيلاني"، "يا سيدي الحسين مدد"، "يا سيدي"، "يا رسول الله"، هذا عمله باطل، نسأل الله العافية.
حتى لو قال: "اشفع لي عند الله"، لو قال: "يا محمد، يا رسول الله، أسألك أن تشفع لي عند الله؛ فإن الله أعطاك الشفاعة"؛ فقد أشرك بالله وبطل عمله؛ لأن الشفاعة لا تُسأل إلا من الله، قال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا [الزمر:44]، لا تكون إلا بإذن الله، ولمن رضي قوله وعمله.
وهذا الذي يسأل الشفاعة من النبي عليه الصلاة والسلام دعا غير الله، قال تعالى: وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، هذا من دعاء غير الله تعالى، وهذا من نواقض الدِّين، ونواقض الإسلام، ونواقض الإيمان.
كذلك على الإنسان أن يعلم أن من لم يُكفِّر المشركين، أو شك في كفرهم؛ كاليهود والنصارى، من قال: "اليهود على دين حق، والنصارى على دينهم حق"؛ فقد كفر بالله رب العالمين؛ لأن الله قال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَٰئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]؛ فمن لم يُكفِّرهم، أو صحح مذهبهم فقد نقض دينه، نسأل الله العفو والعافية.
كذلك من اعتقد أن غير هدي النبي عليه الصلاة والسلام أكمل من هديه، أو حكمه أحسن من حكمه، فإنه قد كفر بالله رب العالمين؛ لأن الحكم لله تعالى، وهو أحسن الحاكمين، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي بيَّن ذلك، فالحكم لله تعالى؛ فلا دين إلا ما شرعه، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، كفر بالله رب العالمين.
كذلك من اعتقد أن بعض الناس يسعهم دينهم عن دين الرسول عليه الصلاة والسلام، بمعنى: يقول اليهود لهم أن يعبدوا الله على طريقة موسى، والنصارى لهم أن يعبدوا الله على طريقة عيسى، لهم دينهم ولنا ديننا.
إذن؛ هذا اعتقد بأنه يسعهم الخروج عن دين النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام قال، صلوات الله وسلامه عليه: والذي نفسي بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة: يهودي ولا نصراني، ثم مات ولم يؤمن بالذي جئت به إلا دخل النار[23]رواه مسلم: 153.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، كل الناس يدخلون في وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85]، يجب على العبد أن يعتقد هذا.
كذلك من هذه الأمور: الاستهزاء بشيء من دين النبي عليه الصلاة والسلام، أو ثوابه أو عقابه، قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]، فلا يستهزئ بشيء من دين النبي عليه الصلاة والسلام.
وكذلك: السحر، ومنه: الصرف والعطف، يحبب المرء لها أو يكرهها إلى زوجها أو بالعكس، هذا يكون من نواقض الإسلام.
مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، يمد المشركين بالمال أو بغير ذلك من المساعدات، أو يدلهم على ممتلكات المسلمين حتى يُغلَب المسلمون، هذا من الردة عن دين الإسلام، نسأل الله العفو والعافية.
الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه ولا يعمل به، هذا يكون مرتدًّا عن دين الإسلام، ما يتعلم شيئًا من الدِّين، ولا يعمل بشيءٍ من دين الإسلام، هذا كذلك يكون من الكافرين، والعياذ بالله تعالى.
ومن الأمور المهمة: معرفة النفاق -والعياذ بالله تعالى-، النفاق نوعان: أكبر يخرج من الإسلام، وأصغر لا يخرج من الإسلام.
فالأكبر مِن هذا هو الذي يبطن الكفر بالله وملائكته أو كتبه أو رسله أو اليوم الآخر أو بالقدر خيره وشره، هذا يبطن الكفر، ويظهر الإسلام، وهؤلاء المنافقون الخلص في عهد النبي عليه الصلاة والسلام.
وكذلك من هذا: تكذيب بعض ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، أو تكذيب الرسول في مسألة من المسائل، هذا يكون منافقًا.
بَغَضَ الرسول عليه الصلاة والسلام، أو بَغَضَ شيئًا من دين الرسول عليه الصلاة والسلام نفاق أكبر.
كراهية انتصار دين الرسول عليه الصلاة والسلام، هذا من النفاق الأكبر ، والعياذ بالله تعالى.
وهذا من الأمور العظيمة: عدم اعتقاد وجوب تصديقه فيما أخبر به عليه الصلاة والسلام، وعدم اعتقاد طاعته فيما أمر به عليه الصلاة والسلام وغير ذلك.
أما النفاق الذي لا يُخرج من الإسلام فهو أمور أربعة، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: أربعٌ من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلةٌ منهن كانت فيه خصلةٌ من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر[24]رواه البخاري: 34، ومسلم: 58.، هكذا هذه أمور أربعة، يكون من الفجور، ويكون من العصيان، ويكون من الكبائر.
والمسلم عليه أن يبتعد عن هذه الأمور، وكذلك ينبغي للمسلم أن يُعنى بالتوحيد، التوحيد هو دين الله، والشرك هو ضد التوحيد.
التوحيد هو أن تعبد الله تعالى وحده مخلصًا له الدِّين، وهو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية -كما تقدم- وتوحيد الألوهية والعبادة، وتوحيد الأسماء والصفات.
تقدم ذكر توحيد الألوهية والربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات: الاعتقاد بأن الله تعالى هو الذي يستحق الأسماء الحسنى والصفات العلى.
منهج أهل السُّنَّة والجماعة في أسماء الله تعالى: إثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله عليه الصلاة والسلام من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، ويمرون الصفات كما جاءت، الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، استوى استواءً يليق بجلاله، له يدان تليقان بجلاله، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]، له سمع وله بصر وله وجه ، لكن هذه الصفات ليست كصفات خلقه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11] تبارك وتعالى.
والشرك شركان:
- شرك أكبر يخرج عن دين الإسلام، وهو: أن يصرف شيئًا من أنواع العبادة لغير الله.
- وشرك أصغر، وهو: أن يحلف بغير الله أو يقول: "ما شاء الله وشئتُ"، أو يقول ألفاظ مثل: "هذا من الله ومنك"، أو "أنا بالله وبك"، هذه من الشركيات الشرك الأصغر، لكنه أكبر من الكبائر، والعياذ بالله تعالى.
وأعظم الشرك الأصغر الرياء: أن يعمل عملًا يقصد به أن يمدحه الناس على ذلك؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه[25]رواه مسلم: 2985.، عليه الصلاة والسلام، وقال عليه الصلاة والسلام في الرياء، نعوذ بالله تعالى من الرياء، بين بأن عمله باطل صلوات الله وسلامه عليه، في السمعة والرياء بأن يعمل عملًا يقصد به المدح للناس، والله تعالى بريء منه.
والنبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن ذلك، وقال عليه الصلاة والسلام قال الله تعالى: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري تركته وشركه[26]سبق تخريجه.، وقال في المرائين: من سمَّع سمع الله به، ومن يرائي يرائي الله به[27]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987.، سمَّع بتلاوته، سمَّع بذكره، ولكن يقصد أن يُمدح ويُشكر، لكن عليه أن يسأل الله تعالى، ويقوم بالواجبات، ويبتعد عن المحرمات، ويعمل الأعمال الصالحة ابتغاء مرضاة الله.
أسأل الله تعالى أن يجعل عملي وأعمالكم وأعمال جميع المسلمين خالصةً لوجهه الكريم، وأن يتقبل منا جميعًا، وأن يجعلنا هداةً مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، وأسأله لنا جميعًا العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق والسداد لما يحبه ويرضاه، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه أبو داود:4753، وأحمد: 18534، واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1676. |
|---|---|
| ^2, ^22 | رواه مسلم: 8. |
| ^3 | رواه مسلم: 27. |
| ^4 | رواه البخاري: 99. |
| ^5 | رواه البخاري: 16، ومسلم: 43. |
| ^6, ^7 | رواه مسلم: 385. |
| ^8 | رواه مسلم: 82. |
| ^9 | رواه الترمذي: 2621 وصححه، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 4143. |
| ^10 | رواه أبوداود: 495، وأحمد: 6756، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 247. |
| ^11 | رواه مسلم: 224. |
| ^12 | رواه البخاري: 6954، ومسلم: 225. |
| ^13 | رواه أبوداود: 650، وأحمد: 11877، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 284. |
| ^14 | رواه البخاري: 359، ومسلم: 516. |
| ^15 | رواه أبوداود: 640، والدارقطني: 1785، والبيهقي في "السنن الكبرى": 3293. |
| ^16 | رواه أبوداود: 393، والترمذي: 149، وأحمد: 3081، وصححه الألباني في "الإرواء": 249. |
| ^17 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
| ^18 | رواه مسلم: 395. |
| ^19 | رواه أبوداود: 4700، والترمذي: 2155، وأحمد: 22707، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2018. |
| ^20 | رواه مسلم: 2653. |
| ^21 | رواه البخاري: 4949، ومسلم: 2647. |
| ^23 | رواه مسلم: 153. |
| ^24 | رواه البخاري: 34، ومسلم: 58. |
| ^25 | رواه مسلم: 2985. |
| ^26 | سبق تخريجه. |
| ^27 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط