تخطى إلى المحتوى

تعزية أصحاب المصائب

تعزية أصحاب المصائب - Image 1

تعزيةٌ للشيخ أحمد الحواشي وأسرته

من سعيد بن علي بن وهف القحطاني، إلى فضيلة الشيخ أحمد الحواشي وزوجته أم أنس وتسنيم وجميع أسرته:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد:

فقد بلغني إحراق جامعكم ومكتبتكم وبيتكم، ووفاة ولديكم، فآلمني كثيرًا، وقد اتصلتُ بكم مع الناس وعزَّيْتكم، ولكن هذه تعزيةٌ خاصةٌ.

وعزاؤكم قول الله تعالى: الم ۝أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ۝وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1- 3]، وقوله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31]، وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ [العنكبوت:10].

فاللهَ أسأل أن يُحْسِنَ عزاءكم، وأن يجمعكم ومن فقدتُم في الفردوس الأعلى من الجنة.

واعلموا أنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مُسْمًّى[1]هذا نصُّ حديثٍ رواه البخاري: 7377، ومسلم: 923.، فاصبروا واحتسبوا، وأبشروا بما وعد الله عباده المؤمنين الصابرين.

وإليكم ما تطمئنُّ به قلوبكم، ويُبَرِّد حرَّ مُصيبتكم العظيمة، ويشرح صدوركم، ويُذْهِب همومكم وغمومكم؛ من كلام ربكم الكريم الحكيم الرؤوف الرحيم الذي هو أرحم بالعباد من والدِيهم، ومن كلام نبيكم وقدوتكم وحبيبكم محمدٍ :

  • صلوات الله ورحمته وهدايته للصابرين: قال الله تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155- 157].
    وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ أي: بَشِّرْهم بأنهم يُوَفَّون أجورهم بغير حسابٍ؛ فالصابرون هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة.
    ثم وصفهم بقوله: الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ، وهي كل ما يُؤلم القلب أو البدن أو كليهما، كما تقدَّم في الآيات، ومن ذلك: موت الأحباب والأولاد والأقارب والأصحاب، ومن أنواع الأمراض في بدن العبد أو بدن من يُحِبَّه.
    قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ أي: مملوكون لله، مُدَبَّرون تحت أمره وتصريفه، فليس لنا من أنفسنا وأولادنا وأموالنا شيءٌ، فإذا ابتلانا بشيءٍ فقد تصرَّف أرحم الراحمين بمماليكه وأموالهم، فلا اعتراض عليه، بل من كمال عبودية العبد: علمُه بأن وقوع البَلِيَّة من المالك الحكيم الذي هو أرحم بعبده من نفسه ووالدته، فيُوجِب له ذلك الرضا عن الله، والشكر له على تدبيره؛ لِما هو خيرٌ لعبده وإن لم يَشْعُر بذلك.
    ومع أننا مملوكون لله فإنا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يوم المعاد، فمُجازٍ كلَّ عاملٍ بعمله، فإن صبرنا واحتسبنا وجدنا أجرنا
    موفورًا عنده، وإن جَزِعْنا وسَخِطْنا لم يكن حظُّنا إلا السخط وفوات الأجر؛ فكون العبد لله وراجعًا إليه من أقوى أسباب الصبر.
    أُولَئِكَ الموصوفون بالصبر المذكور عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ أي: ثناءٌ من الله عليهم، وَرَحْمَةٌ عظيمة، ومن رحمته إياهم أن وفَّقهم للصبر الذي ينالون به كمال الأجر، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ الذين عرفوا الحق، وهو في هذا الموضع: علمُهم بأنهم لله وأنهم إليه راجعون، وعَمِلُوا به، وهو هنا: صبرهم لله
    [2]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص76، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 1/ 467..
    قال أمير المؤمنين عمر : "نعم العِدْلان ونعمت العِلاوة: أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، فهذان العِدْلان، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، فهذه العِلاوة، وهي ما تُوْضَع بين العِدْلين، وهي زيادةٌ في الحمل؛ فكذلك هؤلاء أُعْطُوا ثوابهم وزِيدوا أيضًا"
    [3]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 1/ 468، وأثر عُمَرَ  رواه البخاري: 2/ 83 مُعَلَّقًا، ووصله سعيد بن منصور في … Continue reading.
  • الاستعانة بالصبر من أسباب السعادة، قال الله تعالى: وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ [البقرة:45].
  • محبَّة الله للصابرين، قال : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران:146].
  • معيَّة الله مع الصابرين: قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة:153].
  • استحقاق دخول الجنة لمن صَبَرَ: قال الله تعالى: أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا [الفرقان:75].
  • الصابرون يُوفَّون أجرهم بغير حسابٍ، فلا يُوزَن لهم، ولا يُكال لهم، وإنما يُغرَف لهم غرفًا، وبدون عَدٍّ ولا حَدٍّ ولا مقدارٍ[4]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 89، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص721.، قال الله تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10].
  • جميع المصائب مكتوبةٌ في اللَّوح المحفوظ، من قبل أن يخلق الله الخليقة ويبرأ النَّسَمة، وهذا أمرٌ عظيمٌ لا تُحيط به العقول؛ بل تَذْهَل عنده أفئدة أولي الألباب، ولكنه على الله يسيرٌ[5]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 8/ 26، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص842..
    قال الله : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ۝لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد:22- 23].
  • ما أصاب من مصيبةٍ في النفس والمال والولد والأحباب ونحوهم إلا بقضاء الله وقدره، قد سبق بذلك علمُه، وجرى به قلمُه، ونفذت به مشيئتُه، واقتضته حكمتُه، فإذا آمن العبد أنها من عند الله فرضيَ بذلك وسلَّم لأمره، فله الثواب الجزيل والأجر الجميل في الدنيا والآخرة، ويهدي الله قلبه فيطمئن ولا ينزعج عند المصائب، ويرزقه الله الثبات عند ورودها والقيام بموجب الصبر، فيحصل له بذلك ثوابٌ عاجلٌ، مع ما يدَّخره الله له يوم الجزاء من الثواب[6]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص867..
    قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [التغابن:11].
    قال علقمة عن عبدالله : "وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ: هو الذي إذا أصابته مصيبةٌ رضيَ وعَرَفَ أنها من الله
    "[7]رواه البخاري: 6/ 155 معلقًا..
    وما أحسن ما قال ابن ناصر الدِّين الدمشقي رحمه الله تعالى:
سبحان من يبتلي أُناسًا أحبَّهم والبَلَا عطاءُ
فاصبِر لبلوى وكُن راضيًا فإنَّ هذا هو الدواءُ
سلِّم إلى الله ما قضاهُ ويفعل اللهُ ما يشاءُ[8]الأبيات لابن ناصر الدين الدمشقي. ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص12.
  • الله تعالى يجزي الصابرين بأحسن ما كانوا يعملون، قال تعالى: مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:96].
    قَسَمٌ من الرب تعالى مؤكَّدٌ باللام أنه يُجازي الصابرين بأحسن أعمالهم: الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمئة ضعفٍ، إلى أضعافٍ كثيرة؛ فإنَّ الله لا يُضيع أجر مَن أحسن عملًا، أي: ويتجاوز عن سيئاتهم
    [9]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 4/ 601، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص449..
    ولله دَرُّ أبي يعلى الموصلي القائل:
إني رأيتُ -وفي الأيام تَجْرِبَةٌ- للصبر عاقبةً محمودةَ الأثرِ
وقلَّ مَن جَدَّ في أمرٍ يُحاوِلُهُ واستصحبَ الصبر إلا فاز بالظَّفَرِ[10]ينظر: "الصبر الجميل" لسليم الهلالي: ص15- 16.
  • ما يُقال عند المصيبة، والجزاء والثواب والأجر العظيم على ذلك: عن أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها أنها سمعتْ رسول الله يقول: ما من عبدٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرْني في مصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها؛ إلا أَجَرَه الله في مُصيبته، وأخلفَ له خيرًا منها. قالت أم سلمة رضي الله عنها: "فلما تُوُفِّي أبو سلمة قلتُ كما أمرني رسول الله ، فأخلف الله لي خيرًا منه؛ رسولَ الله "[11]رواه مسلم: 918..
    وفي لفظٍ: ما من مُسلمٍ تُصيبه مصيبةٌ فيقول ما أمره الله: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، اللهم أْجُرْني في مُصيبتي، وأَخْلِفْ لي خيرًا منها...
    الحديث[12]رواه مسلم: 918..
    وفي لفظ ابن ماجه: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:156]، اللهم عندك احتسبتُ مُصيبتي، فأْجُرْني فيها، وعوِّضني منها
    [13]رواه ابن ماجه: 1598..
    وفي حديث أبي موسى الأشعري عن النبي أنه قال: إذا مات ولدُ العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدَك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسَمُّوه بيت الحمد[14]رواه الترمذي: 1021، وأحمد: 19725، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2012..
    قال ابن ناصر الدِّين رحمه الله تعالى:
يجري القضاءُ وفيه الخير نافلةٌ لمؤمنٍ واثقٍ باللهِ لا لاهِ
إن جاءه فَرَحٌ أو نابه تَرَحٌ في الحالتين يقول: الحمدُ للهِ[15]ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص15.
  • الأجر العظيم والثواب الكثير والفوز بالجنة لمن مات حبيبه المُصافي فصبر، وطَلَبَ الأجر من الله تعالى؛ فعن أبي هريرة أن رسول الله قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة[16]رواه البخاري: 6424..
    قوله: جزاء أي: ثواب.
    وقوله: إذا قبضت صَفِيَّه: هو الحبيب المُصافي؛ كالولد والأخ وكل ما يُحِبُّه الإنسان. والمراد بالقبض: قبض روحه، وهو الموت.
    وقوله: ثم احتسبه إلا الجنة، المراد: صَبَرَ على فقدِه راجيًا من الله الأجر والثواب على ذلك. والاحتساب: طلبُ الأجر من الله تعالى خالصًا.
    ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن الصفيَّ أعمُّ من أن يكون ولدًا أم غيره، وقد أفرد ورتب الثواب بالجنة لمن مات له فاحتسبه
    [17]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 242- 243..
    وسمعتُ شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: "صَفِيَّه: حبيبه؛ كولده، أو أبيه، أو أمه، أو زوجته"
    [18]سمعتُه في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 6424، وذلك في فجر الأحد الموافق 14/ 10/ 1419هـ، في الجامع الكبير بالرياض..
  • أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل؛ لحديث مصعب بن سعدٍ عن أبيه قال: قلتُ: "يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُّ بلاءً؟"، قال: الأنبياء، ثم الأمثلُ فالأمثل، يُبتلى العبد على حَسَبِ دينه؛ فإن كان في دينه صُلْبًا اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتُلِيَ على حَسَبِ دينه، فما يَبْرَحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئةٍ[19]رواه الترمذي: 2398، وابن ماجه: 4023، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3402..
    أكثر وأصعب بلاءً: أي: محنةً ومُصيبةً؛ لأنهم لو لم يُبْتَلَوا لَتُوُهِّم فيهم الألوهية، وليتوهَّن على الأمة الصبر على البَلِيَّة، ولأنَّ مَن كان أشد بلاءً كان أشدَّ تضرُّعًا والتجاءً إلى الله تعالى.
    ثم الأمثل فالأمثل أي: الفضلاء، والأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبةً ومنزلةً، فكل من كان أقرب إلى الله يكون بلاؤه أشدَّ؛ ليكون ثوابه أكثر.
    فإن كان في دينه صُلْبًا أي: قويًّا شديدًا.
    اشتد بلاؤه أي: كميَّةً وكيفيَّةً.
    فما يبرح البلاء أي: ما يُفارق
    [20]ينظر: "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 7/ 78- 79..
    ومما يزيد ذلك وضوحًا وتفسيرًا: حديث أبي هريرة -يرفعه-: إنَّ الرجل ليكون له عند الله المنزلة فما يَبْلُغُها بعملٍ، فما يزال الله يبتليه بما يكره حتى يُبَلِّغَه إياها[21]رواه أبو يعلى: 6095، وابن حبان: 2908، وبنحوه أبو داود: 3090، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2599..
  • من كان بلاؤه أكثر فثوابه وجزاؤه أعظم وأكمل؛ لحديث أنسٍ عن النبي قال: إنَّ عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإنَّ الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضيَ فله الرضا، ومَن سَخِطَ فله السُّخْط[22]رواه الترمذي: 2396، وابن ماجه: 4031، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3407..
    والمقصود: الحثُّ على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه؛ للنهي عنه، فمَن رضيَ بما ابتلاه الله به فله الرضا منه تعالى وجزيل الثواب، ومن سَخِطَ أي: كره بلاء الله، وفَزِعَ ولم يرضَ بقضائه تعالى، فله السخط منه تعالى وأليم العذاب، ومَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [النساء:123][23]ينظر: "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 7/ 77..
    ولا شك أن الصبر ضياء كما قال النبي : والصبر ضياء[24]رواه مسلم: 223..
    والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارةٍ وإحراقٍ كضياء الشمس، بخلاف القمر، فإنه نورٌ محضٌ فيه إشراقٌ بغير إحراقٍ. ولمَّا كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفِّها عما تهواه، كان ضياءً[25]ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: 2/ 24- 25.؛ ولهذا - والله أعلم - يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حسابٍ، بفضل الله .
  • ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة حتى يلقى الله وما عليه خطيئةٌ؛ لأنها زالت بسبب البلاء[26]ينظر: "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 7/ 80.؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله وما عليه خطيئةٌ[27]رواه الترمذي: 2399، وأحمد: 7859، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3414..
  • فضل من يموت له ولدٌ فيحتسبه: عن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله : ما من الناس مسلمٌ يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ[28]أي: لم يبلغوا سن التكليف الذي يُكْتَب فيه الحِنْثُ، وهو الإثم. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 182. إلا أدخله الله الجنة؛ بفضل رحمته إياهم[29]رواه البخاري: 1381.. والولد يشمل الذكر والأنثى.
    وعن عبدالله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله : ما تَعُدُّون الرَّقُوب[30]أصل الرَّقوب في كلام العرب: الذي لا يعيش له ولدٌ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 162. فيكم؟، قال: قُلنا: "الذي لا يُولَد له". قال : ليس ذاك بالرَّقُوب، ولكنه الرجل الذي لم يُقَدِّم من ولده شيئًا[31]رواه مسلم: 2608..
  • من مات له ثلاثةٌ من الولد كانوا له حجابًا من النار ودخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة عن النبي : من مات له ثلاثةٌ من الولد لم يَبْلُغُوا الحِنْثَ كان له حجابًا من النار أو دَخَلَ الجنة[32]رواه البخاري: 2/ 100 مُعَلَّقًا، وهو موصول بلفظ قريب عند البخاري: 1251، ومسلم: 2632. وقال ابن حجر رحمه الله: "قوله كان … Continue reading.
    وفي "صحيح مسلم" أن النبي قال لامرأةٍ مات لها ثلاثةٌ من الولد:
    لقد احتظرتِ بِحِظَارٍ شديدٍ[33]أي: امتنعت بمانعٍ وثيقٍ. وأصل الحِظَار: ما يُجْعَل حول البستان وغيره -من قُضْبَانٍ وغيرها- كالحائط. ينظر: … Continue reading من النار[34]رواه مسلم: 2636..
    ولحديث عُتْبة بن عبدٍ قال: سمعتُ رسول الله يقول: ما من مسلمٍ يموت له ثلاثةٌ من الولد لم يبلغوا الحِنْثَ إلا تَلَقَّوْه من أبواب الجنة الثمانية، مِن أيِّها شاء دَخَل
    [35]رواه ابن ماجه: 1604، وأحمد: 17644، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1993..
  • من قدَّم اثنين من أولاده دخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله قال لنسوةٍ من الأنصار: لا يموت لإحداكُنَّ ثلاثةٌ من الولد فتحتسبه إلا دخلت الجنة، فقالت امرأةٌ منهن: "أو اثنين يا رسول الله؟"، قال : أو اثنين[36]رواه مسلم: 2632..
    قال النووي رحمه الله: "وقد جاء في غير مسلم: وواحدًا"[37]ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 182. وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله جميع الأحاديث التي فيها زيادة "واحد"، وتكلَّم … Continue reading.
    وعن أبي صالحٍ ذَكْوَانَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْري قال: جاءت امرأةٌ إلى رسول الله ، فقالت: "يا رسول الله، ذهب الرجال بحديثك، فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تُعَلِّمُنا مما علَّمك الله". قال : اجتمِعن يوم كذا وكذا، فاجتمَعن، فأتاهنَّ رسول الله فعلَّمهن مما علَّمه الله، ثم قال: ما منكنَّ من امرأةٍ تُقَدِّم بين يديها من ولدها ثلاثةً إلا كانوا لها حجابًا من النار، فقالت امرأةٌ: "واثنين، واثنين، واثنين؟"، فقال رسول الله : واثنين، واثنين، واثنين[38]رواه البخاري: 7310، ومسلم: 2633..
  • من مات له واحدٌ من أولاده فاحتسبه وصَبَرَ دخل الجنة؛ لحديث أبي هريرة أن رسول الله قال: يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة[39]رواه البخاري: 6424..
    قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وهذا يدخل فيه الواحد فما فوقه، وهو أصحُّ ما ورد في ذلك، وقوله: فاحتسبَ أي: صَبَرَ راضيًا بقضاء الله راجيًا فضله
    "[40]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 119 و11/ 243..
    وذكر ابن حجر رحمه الله أنه يدخل في ذلك حديث قُرَّة بن إياسٍ ، وسيأتي في الحديث الآتي
    [41]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 243.، وسيأتي أيضًا حديث أبي موسى الأشعري الذي فيه قوله : ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسَمُّوه بيت الحمد[42]رواه الترمذي: 1021، وأحمد: 19725، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2012.؛ فهو يدلُّ على أن من مات له ولدٌ واحدٌ دَخَلَ الجنة.
  • من مات له ولدٌ فاحتسبه وجده ينتظره عند باب الجنة، بفضل الله ورحمته؛ لحديث قُرَّةَ بن إياسٍ : أن رجلًا كان يأتي النبيَّ ومعه ابنٌ له، فقال له النبي : أتُحِبُّه؟ فقال: "يا رسول الله، أحبَّك الله كما أُحِبُّه"، ففقده النبيُّ ، فقال: ما فعل ابن فلانٍ؟، قالوا: "يا رسول الله، مات"، فقال النبيُّ لأبيه: أما تُحِبُّ ألا تأتيَ بابًا من أبواب الجنة إلا وجدْتَه ينتظرك؟، فقال رجلٌ: "يا رسول الله، أَلَهُ خاصةً أم لكُلِّنا؟"، فقال : بل لكُلِّكم[43]رواه أحمد: 15595، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2007..
    ولفظ النسائي: ما يَسُرُّك ألا تأتيَ بابًا من أبواب الجنة إلا وجدْتَه عنده يسعى يفتحُ لك؟
    [44]رواه النسائي: 1870، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1764..
  • المؤمن إذا مات ولده -سواءٌ أكان ذكرًا أم أنثى- وصبر واحتسب وحَمِدَ الله على تدبيره وقضائه، بنى الله له بيتًا في الجنة، وسمَّاه "بيت الحمد"؛ لحديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتُم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتُم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حَمِدَك واسترجع، فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسَمُّوه بيت الحمد[45]رواه الترمذي: 1021، وأحمد: 19725، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2012..
    وعن أبي سلمى راعي رسول الله -يرفعه-: بخٍ بخٍ -وأشار بيده لخمسٍ- ما أثقلهنَّ في الميزان: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، والولد الصالح يُتَوَفَّى للمرء المسلم فيحتسبه[46]رواه أحمد: 15662، والنسائي في "السنن الكبرى": 9923، وابن حبان: 833، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2009..
  • السِّقْط يجرُّ أمَّه بِسُرِّهِ إلى الجنة؛ لحديث معاذ بن جبلٍ عن النبي قال: والذي نفسي بيده، إنَّ السِّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِه[47]السُّرُّ -ويقال: السَّرَر والسِّرَر-: ما تقطعه القابلة من سُرَّة الصبي، والسُّرَّة لا تُقطَع، وإنما هي الموضع … Continue reading إلى الجنة إذا احتسبَتْه[48]رواه ابن ماجه: 1609، وأحمد: 22090، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2008..
  • ومما يشرح صدر المسلم ويُبَرِّد حرَّ مصيبته: أن أولاد المسلمين في الجنة.
    قال الإمام النووي رحمه الله -بعد أن ساق الأحاديث في فضل من يموت له ولدٌ فيحتسبه-: "وفي هذه الأحاديث دليلٌ على كون أطفال المسلمين في الجنة، وقد نَقَلَ جماعةٌ فيهم إجماعَ المسلمين".
    ونقل عن المازِرِي قوله: "ونَقَلَ جماعةٌ الإجماعَ في كونهم من أهل الجنة قطعًا؛ لقوله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ [الطور:21
    ]"[49]ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 183..
    ويدلُّ عليه حديث أبي هريرة : أن أولاد المسلمين في الجنة، وأن أحدهم يلقى أباه -أو قال: أبويه- فيأخذ بثوبه -أو قال: بيده- فلا يتركه حتى يُدخله الله وأباه الجنة[50]رواه مسلم: 2635..
    وسمعتُ شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: "أجمع المسلمون على أن أولاد المسلمين في الجنة، أما أولاد الكفار ففيهم خلافٌ، وأصحُّ ما قيل فيهم: أنهم يُمتحَنون يوم القيامة، أو هم من أهل الجنة بدون امتحانٍ، وهو أصحُّ"[51]سمعتُه في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 1381 و1382..
    وهو الصواب
    [52]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 246.؛ لحديث سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ الطويل، وفيه: وأما الرجل الطويل الذي في الرَّوْضة فإنه إبراهيم ، وأما الوِلْدان الذين حوله فكلُّ مولودٍ مات على الفطرة، فقال بعض المسلمين: "يا رسول الله، وأولاد المشركين؟"، فقال رسول الله : وأولاد المشركين[53]رواه البخاري: 7047..
  • من تصبَّر ودرَّب نفسه على الصبر صبَّره الله وأعانه وسدَّده؛ لحديث أبي سعيدٍ الخُدْري عن النبي ، وفيه: ومَن يَستعفِف يُعِفَّه الله، ومَن يَستغنِ يُغْنِه الله، ومَن يتصبَّر يُصَبِّرْه الله، وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبر[54]رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053..
  • من أراد الله به خيرًا أصابه بالمصائب؛ ليُثيبه عليها[55]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 108.؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : مَن يُرِدِ الله به خيرًا يُصِبْ منه[56]رواه البخاري: 5645..
    وسمعتُ شيخنا عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله يقول: "أي: بالمصائب بأنواعها، وحتى يتذكَّر فيتوب ويرجع إلى ربه"
    [57]سمعتُه في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 5645..
  • أمر المؤمن كله خير في السرَّاء والضرَّاء، وفي الشدَّة والرَّخاء؛ لحديث صُهَيْبٍ قال: قال رسول الله : عَجَبًا لأمر المؤمن، إنَّ أمره كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمن؛ إن أصابَتْه سرَّاءُ شَكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضرَّاءُ صَبَرَ فكان خيرًا له[58]رواه مسلم: 2999..
  • المصيبة تَحُطُّ الخطايا حطًّا كما تَحُطُّ الشجرة ورقها؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : ما من مُصيبةٍ تُصيب المسلم إلا كفَّر الله بها عنه، حتى الشوكةِ يُشاكها[59]رواه البخاري: 5640، ومسلم: 2572..
    وعن عبدالله بن مسعودٍ عن النبي أنه قال: ما من مُسلمٍ يُصيبه أذًى من مرضٍ فما سواه إلا حطَّ الله به سيئاته كما تَحُطُّ الشجرة ورقها[60]رواه البخاري: 5660، ومسلم: 2571..
    وعن أبي سعيدٍ وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي قال: ما يُصيب المؤمنَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ -حتى الشوكةِ يُشاكها- إلا كفَّر الله بها من خطاياه[61]رواه البخاري: 5641 و5642..
    وفي لفظٍ:
    ما يُصيب المؤمنَ من وَصَبٍ[62]الوَصَب: المرض والسقم. ينظر: "أعلام الحديث" للخطابي: 3/ 2099.، ولا نَصَبٍ[63]النَّصَب: التَّعَب. ينظر: "أعلام الحديث" للخطابي: 3/ 2099.، ولا سَقَمٍ...[64]رواه مسلم: 2573..

شروط الصبر الذي يُنال به الثواب

  • يجتهد المسلم في استكمال شروط الصبر التي إذا عمل بها المُصاب المسلم حصل على الثواب العظيم والأجر الجزيل.
    وتتلخص هذه الشروط في ثلاثة أمورٍ:

      • الشرط الأول: الإخلاص لله في الصبر؛ لقول الله : وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ [المدثر:7]، ولقوله في صفات أصحاب العقول السليمة: وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:22]، وهذا هو الإخلاص في الصبر المُبَرَّأ من شوائب الرياء وحظوظ النفس.
      • الشرط الثاني: عدم شكوى الله تعالى إلى العباد؛ لأنَّ ذلك يُنافي الصبر ويُخرجه إلى السخط والجزع؛ لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : قال الله تبارك وتعالى: إذا ابتليتُ عبديَ المؤمنَ فلم يَشْكُني إلى عُوَّادِه أطلقتُه من إساري، ثم أبدلتُه لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ثم يستأنف العمل[65]رواه الحاكم: 1304، والبيهقي في "شعب الإيمان": 8802، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 272..
        ولله دَرُّ الشاعر الحكيم حيث قال:
وإذا عَرَتْكَ بَلِيَّةٌ فاصبِرْ لها صَبْرَ الكريم فإنه بك أعلمُ
وإذا شكوتَ إلى ابن آدم إنما تشكو الرحيمَ إلى الذي لا يَرْحَمُ[66]لم نقف على نسبته إلى قائل. ينظر: "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 461، و"الصبر الجميل" لسليم الهلالي: ص28.
      • الشرط الثالث: أن يكون الصبر في أوانه، ولا يكون بعد انتهاء زمانه؛ لحديث أنس بن مالكٍ قال: مَرَّ النبيُّ بامرأةٍ تبكي عند قبرٍ، فقال: اتَّقِي الله واصبِري. قالت: "إليك عنِّي؛ فإنك لم تُصَبْ بمصيبتي"، ولم تَعْرِفْه، فقيل لها: إنه النبيُّ ، فأتت باب النبي فلم تجد عنده بوَّابين، فقالت: "لم أَعْرِفْكَ"، فقال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى[67]رواه البخاري: 1283، ومسلم: 926..
        أي: الصبر الكامل الذي يترتَّب عليه الأجر الجزيل؛ لكثرة المشقَّة فيه، وأصل الصَّدْم: الضرب في شيءٍ صلبٍ، ثم استُعمِل مجازًا في كل مكروهٍ حصل بغتةً[68]ينظر: "المنهاج" للنووي: 6/ 227..

أمورٌ لا تُنافي الصبر

الأمور التي لا تُنافي الصبر ولا بأس بها، منها ما يأتي:

الأمر الأول: الشكوى إلى الله تعالى، فالتضرُّع إليه ودعاؤه في أوقات الشدَّة عبادةٌ عظيمةٌ؛ فإنَّ الله أخبر عن يعقوب بقوله: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ [يوسف:18]، وقال تعالى: فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [يوسف:83]، وقال تعالى: إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [يوسف:86].

وأيوب عليه الصلاة والسلام أخبر الله عنه بقوله تعالى: وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء:83]، وقال الله تعالى عنه: إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ [ص:44].

فإذا أصاب العبدَ مصيبةٌ فأنزلها بالله وطَلَبَ كَشْفَها منه، فهذا لا يُنافي الصبر[69]ينظر: "الصبر الجميل" لسليم الهلالي: ص84..

الأمر الثاني: الحزن ودمع العين؛ فإنَّ ذلك قد حصل لأكمل الخلق نبينا محمد بن عبدالله ؛ لحديث أنسٍ قال: دخلنا مع رسول الله على أبي سيفٍ القين[70]القَيْن: الحدَّاد، ويُطلَق على كل صانعٍ، يقال: قانَ الشيءَ، إذا أصلحه. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 173. -وكان ظئرًا لإبراهيم [71]أي: مُرْضِعًا، وأُطلِقَ عليه ذلك لأنه كان زوجَ المُرْضِعة، وأصل الظِّئْر من: ظَأَرَت الناقة، إذا عطفت على غير … Continue reading- فأخذ رسول الله إبراهيم فقبَّله وشمَّهُ، ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه[72]أي: يُخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.، فجعلت عينا رسول الله تَذْرِفان[73]أي: يجري دمعهما. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.، فقال له عبدالرحمن بن عوفٍ : وأنت يا رسول الله[74]أي: الناس لا يصبرون على المصيبة، وأنت تفعل كفعلهم؟ كأنه تعجَّب لذلك منه مع عهده منه أنه يَحُثُّ على الصبر … Continue reading؟ فقال : يا ابن عوفٍ، إنها رحمة ثم أتبعها بأخرى[75]قيل: أتبع الدمعة الأولى بدمعةٍ أخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة -وهي قوله : إنها رحمةٌ- بكلمةٍ أخرى … Continue reading فقال : إنَّ العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يَرْضَى ربُّنا، وإنا بفراقك يا إبراهيمُ لمحزونون[76]رواه البخاري: 1303 واللفظ له، ومسلم: 2315..

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: "ووقع في حديث عبدالرحمن بن عوفٍ نفسه: فقلتُ: يا رسول الله، تبكي؟ أَوَلَمْ تَنْهَ عن البكاء؟ وزاد فيه: إنما نَهَيْتُ عن صوتَيْن أحمقَيْن فاجرَيْن: صوتٍ عند نَغْمَة لهوٍ ولعبٍ ومزامير الشيطان، وصوتٍ عند مُصيبةٍ: خَمْشِ وُجوهٍ وشَقِّ جُيُوبٍ ورَنَّة شيطانٍ. قال: إنما هذا رحمةٌ، ومَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ"[77]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174..

وقال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: "هذا الحديث يُفَسِّر البكاء المباح والحزن الجائز، وهو ما كان بدمع العين ورقة القلب من غير سُخْطٍ لأمر الله، وهو أبينُ شيءٍ وقع في هذا المعنى.

وفيه: مشروعية تقبيل الولد وشمِّه، ومشروعية الرَّضَاع، وعيادة الصغير، والحضور عند المُحتضَر، ورحمة العيال، وجواز الإخبار عن الحزن، وإن كان الكتمان أولى.

وفيه: وقوع الخطاب للغير، وإرادة غيره بذلك، وكلٌّ منهما مأخوذٌ من مخاطبة النبي ولده، مع أنه -في تلك الحالة- لم يكن ممن يفهم الخطاب؛ لوجهين: أحدهما: صِغَرُه، والثاني: نِزَاعُه. وإنما أراد بالخطاب غيره من الحاضرين؛ إشارةً إلى أن ذلك لم يدخل في نَهْيِه السابق.

وفيه: جواز الاعتراض على من خالف فعلُه ظاهرَ قوله؛ لِيَظْهَرَ الفرق"[78]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174..

وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتاه النبيُّ يَعُوده، مع عبدالرحمن بن عوفٍ وسعد بن أبي وقَّاصٍ وعبدالله بن مسعودٍ ، فلمَّا دخل عليه فوجده في غاشية أهله[79]أي: الذين يَغْشَونه للخدمة وغيرها. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.، فقال : قد قضى؟، قالوا: "لا يا رسول الله"، فبكى النبيُّ ، فلمَّا رأى القوم بُكاء النبي بَكَوْا، فقال : ألا تسمعون؟ إنَّ الله لا يُعَذِّبُ بدمع العين ولا بحُزْن القلب، ولكن يُعَذِّب بهذا -وأشار إلى لسانه[80]أي: إن قال سوءًا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.- أو يرحم[81]أي: إن قال خيرًا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.، وإنَّ الميت يُعَذَّب ببُكاء أهله عليه[82]البكاء المحرَّم على الميت هو: النَّوْح، والنَّدْب بما ليس فيه، والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما. ينظر: … Continue reading. وكان عمر يضرب فيه بالعصا، ويرمي بالحجارة، ويَحْثِي بالتُّراب[83]رواه البخاري: 1304 واللفظ له، ومسلم: 924..

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: "في هذا إشعارٌ بأنَّ هذه القصة كانت بعد قصة إبراهيم ابن النبي ؛ لأن عبدالرحمن بن عوفٍ كان معهم في هذه، ولم يعترضه بمثل ما اعترض به هناك؛ فدلَّ على أنه تقرَّر عنده العلم بأنَّ مجرَّد البكاء بدمع العين من غير زيادةٍ على ذلك لا يَضُرُّ"[84]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175..

وفي حديث أسامة بن زيدٍ في قصةٍ لصبيٍّ لإحدى بنات رسول الله ، حينما قال النبي لرسول ابنته: ارجع إليها، فأخبِرها أنَّ لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيءٍ عنده بأجلٍ مسمًّى، فمُرْها فَلْتَصْبِرْ ولْتَحْتَسِبْ، فأرسلت إلى رسول الله وأقسمت عليه أن يحضر، فقام النبي وقام معه سعد بن عُبَادة ومعاذ بن جبلٍ وأسامة معهم ، وحينما رُفع الصبيُّ للنبي وهو في النَّزْع فاضت عيناه ، فقال له سعدٌ : "ما هذا يا رسول الله؟"، قال : هذه رحمةٌ جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم اللهُ من عباده الرُّحَماء[85]رواه البخاري: 1284، ومسلم: 923..

وقد روى أنس بن مالكٍ قال: "شَهِدْنا بنتًا لرسول الله "، قال : "ورسول الله جالسٌ على القبر"، قال : "فرأيتُ عينيه تَدْمَعَان"[86]رواه البخاري: 1285..

الأمور التي تُعِين على الصبر

الأمور التي تُعِين على الصبر على المصيبة بفقد الأحباب كثيرةٌ، منها ما يأتي:

    • الأمر الأول: معرفة جزاء المصيبة وثوابها، وهذا من أعظم العلاج الذي يُبَرِّد حرارة المصيبة، وتقدَّمت الأدلة على ذلك.
    • الأمر الثاني: العلم بتكفيرها للسيئات وحطِّها كما تَحُطُّ الشجرة ورقها[87]تقدَّمت الأدلة على ذلك..
    • الأمر الثالث: الإيمان بالقدر السابق بها، وأنها مُقَدَّرَةٌ في أم الكتاب كما تقدَّم.
    • الأمر الرابع: معرفة حق الله في تلك البلوى؛ فعليه الصبر والرضا، والحمد والاسترجاع والاحتساب.
    • الأمر الخامس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقَسَمَها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضيَ له به سيدُه ومولاه، فإن لم يُوَفِّ قدر المقام حقَّه فهو لضعفه، فلينزل إلى مقام الصبر عليها، فإن نزل عنه نزل إلى مقام الظلم وتعدِّي الحق.
    • الأمر السادس: العلم بترتُّبها عليه بذنبه، فإن لم يكن له ذنبٌ -كالأنبياء والرسل- فلرَفْع درجاته.
    • الأمر السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة دواءٌ نافعٌ ساقه إليه العليم بمصلحته الرحيم به؛ فَلْيَصْبِرْ ولا يَسْخَطْ، ولا يشكُ إلى غير الله فيذهب نفعُه باطلًا.
    • الأمر الثامن: أن يعلم أن عاقبة هذا الدواء -من الشفاء والعافية والصحة وزوال الآلام- لا تحصل بدونه، قال الله تعالى: وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة:216]، وقال : فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19].
    • الأمر التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لِتُهْلِكَه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه، فيتبيَّن حينئذٍ: هل يصلح لاستخدامه وجعله من أوليائه وحزبه أم لا؟ وفضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
    • الأمر العاشر: أن يعلم أن الله يُرَبِّي عبده على السرَّاء والضرَّاء والنعمة والبلاء، فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال[88]ينظر: "طريق الهجرتين" لابن القيم: ص448- 459، و"زاد المعاد" لابن القيم: 4/ 188- 196، و"عدة الصابرين" لابن القيم: ص76- 86..
    • الأمر الحادي عشر: معرفة طبيعة الحياة الدنيا على حقيقتها؛ فهي ليست جنةَ نعيمٍ ولا دارَ مُقامٍ، وإنما مَمَرُّ ابتلاءٍ وتكليفٍ؛ لذلك فالكيِّس الفَطِن لا يُفْجَأ بكوارثها، ولله دَرُّ القائل:
إنَّ للهِ عبادًا فُطُنَا طلَّقوا الدُّنيا وخافوا الفِتَنَا
نظروا فيها فلمَّا عَلِمُوا أنها ليست لِحَيٍّ وَطَنَا
جعلوها لُجَّةً واتَّخذوا صالحَ الأعمال فيها سُفُنَا[89]تُنسَب الأبيات إلى الإمام الشافعي. ينظر: "الكشكول" للبهاء العاملي: 1/ 209.

فالحياة الدنيا لا تستقيم على حالٍ، ولا يَقَرُّ لها قرارٌ، فيومٌ لك، ويومٌ آخر عليك، قال الله تعالى: إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ [آل عمران:140].

وقد أحسن أبو البقاء الرُّنْدِي القائل:

لكل شيءٍ إذا ما تمَّ نُقْصَانُ فلا يُغَرَّ بِطِيبِ العيش إنسانُ
هي الأمور كما شاهدتَها دُوَلٌ من سرَّه زمنٌ ساءَتْه أزمانُ[90]ينظر: "نفح الطيب" للمقري التِّلِمْساني: 4/ 487. وفي "نونية البُسْتي": "لا تَحْسَبَنَّ سُرورًا دائمًا أبدًا ... مَن … Continue reading
    • الأمر الثاني عشر: معرفة الإنسان نفسه؛ فإنَّ الله هو الذي مَنَحَ الإنسان الحياة، فخَلَقَه من عدمٍ إلى وجودٍ، وأسبغ عليه نِعَمَه ظاهرةً وباطنةً، فهو مِلْكٌ لله أولًا وآخرًا.
      وصدق لَبِيد بن ربيعةَ القائل:
وما المال والأهلون إلا ودائعٌ ولا بُدَّ يومًا أن تُرَدَّ الودائعُ[91]ينظر: "الشعر والشعراء" لابن قُتَيْبة: 1/ 271.
    • الأمر الثالث عشر: اليقين بالفرج، فنصر الله قريبٌ من المُحسنين، وبعد الضيق سَعَةٌ، ومع العسر يُسْرٌ؛ لأنَّ الله وَعَدَ بهذا، ولا يُخْلِف الميعاد، وقال سبحانه: إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ [هود:49].
      وقد أحسن القائل:
وَلَرُبَّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ذَرْعًا وعند الله منها المَخْرَجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتُها فُرِجَتْ وكنتُ أظنُّها لا تُفْرَجُ[92]البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي. ينظر: "الفرج بعد الشدة" للتنوخي: 5/ 15.

وقد وَعَدَ الله بحُسْن العِوَض عما فات؛ فإنَّ الله لا يُضِيع أجر مَن أحسن عملًا، كما قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ۝الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [النحل:41- 42].

ولله دَرُّ القائل:

وكل كسرٍ فإنَّ الله يَجْبُرُهُ وما لكسر قناة الدين جُبْرانُ[93]هكذا سمعتُه من الشيخ محمد بن حسن الدريعي، يقول: إنه كتبه له بعض أصدقائه عندما انكسرت رجله، ولكن البيت في نونية … Continue reading
    • الأمر الرابع عشر: الاستعانة بالله، فما على العبد إلا أن يستعين بربِّه أن يُعِينه ويَجْبُر مُصيبته، قال تعالى: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف:128]، ومن كانت معية الله معه فهو حقيقٌ أن يتحمَّل ويصبر على الأذى.
    • الأمر الخامس عشر: التأسِّي بأهل الصبر والعزائم، فالتأمُّل في سِيَر الصابرين وما لاقَوه من ألوان الابتلاء والشدائد يُعِين على الصبر، ويُطفئ نار المصيبة ببرد التأسِّي، قال الله تعالى لنبيه : فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ [الأحقاف:35].
    • الأمر السادس عشر: استصغار المصيبة، قال النبي : يا أيها الناس، أيُّما أحدٍ من الناس أو من المؤمنين أُصِيب بمُصيبةٍ، فَلْيَتَعَزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تُصيبه بغيري؛ فإنَّ أحدًا من أُمَّتي لن يُصابَ بمُصيبةٍ بعدي أشدَّ عليه من مُصيبتي[94]رواه ابن ماجه: 1599، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4448، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7879..
      وكتب بعض العقلاء إلى أخٍ له يُعَزِّيه عن ابنٍ له يُقال له: محمدٌ، فنظم الحديث الآنِف شِعْرًا، فقال:
اصبِر لكل مُصيبةٍ وتَجَلَّدِ واعلمْ بأنَّ المرءَ غيرُ مُخَلَّدِ
وإذا ذكرتَ محمدًا ومُصَابَهُ فاذكُر مُصابَكَ بالنبيِّ مُحَمَّدِ[95]لم نقف على نسبته إلى قائل. ينظر: "روضة العقلاء" لابن حبان: ص163.
    • الأمر السابع عشر: العلم بأن المصيبة في غير الدِّين أهون وأيسر عند المؤمن، ولله دَرُّ القائل:
وكل كسرٍ فإنَّ الله يَجْبُرُهُ وما لكسر قناة الدِّين جُبْرانُ[96]البيت لأبي الفتح البُسْتي. ينظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي: 5/ 294.

ذُكِرَ أن امرأةً من العرب مرت بابنَيْن لها وقد قتلوا، فقالت: "الحمد لله رب العالمين"، ثم قالت:

وكل بلوى تُصيب المرء عافيةٌ ما لم يُصب -يوم يلقى الله- بالنار[97]ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص55.
    • الأمر الثامن عشر: العلم بأن الدنيا فانيةٌ وزائلةٌ، وكل ما فيها يتغيَّر ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريقٌ، وهي مزرعةٌ للآخرة على التحقيق.
      وقد دلَّ على ذلك الكتاب والسُّنَّة:

أما الأدلة من الكتاب، فعلى النحو الآتي:

  1. قال الله تعالى: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ۝وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ ۝وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ [الزخرف:33- 35].
  2. وقال الله تعالى: إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [يونس:24].
  3. وقال : وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا [الكهف:45].
  4. وقال تعالى: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ [القصص:60].
  5. وقال تعالى: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص:83].
  6. وقال تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص:88].
  7. وقال الله تعالى: فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ [الشورى:36].
  8. وقال سبحانه: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الأنعام:32].
  9. وقال الله : وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:64].
  10. وقال تعالى: اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ [الحديد:20].
  11. وقال تعالى: كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ [الرحمن:26- 27].
  12. وقال تعالى -حكايةً عن مؤمن آل فرعون-: يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ [غافر:39].

وأما الأدلة من السُّنَّة المطهَّرة، فقد زهَّد النبي النَّاس في الدنيا ورغَّبهم في الآخرة بفعله وقوله ، على النحو الآتي:

أما فعله؛ فمِنه حديث أبي هريرةَ قال: "خرج رسول الله من الدنيا ولم يشبع من الخُبْز الشَّعِير"[98]رواه البخاري: 5414..

وقالت عائشة رضي الله عنها: "ما أَكَلَ آل محمدٍ أكلتين في يومٍ إلا إحداهما تمرٌ"[99]رواه البخاري: 6455..

وقالت رضي الله عنها: "إن كنا لَنَنْظُرُ إلى الهلال ثلاثة أَهِلَّةٍ في شهرين، وما أُوقِدَت في أبيات رسول الله نارٌ"، فقال عروة: "ما كان يُعِيشكم؟"، قالت رضي الله عنها: "الأسودان: التمر والماء"[100]رواه البخاري: 6459 واللفظ له، ومسلم: 2972..

وقال : لو كان لي مِثْلُ أُحُدٍ ذهبًا، ما يَسُرُّني ألا يَمُرَّ عليَّ ثلاثٌ وعندي منه شيءٌ، إلا شيءٌ أَرْصُدُهُ لدَيْنٍ[101]رواه البخاري: 2389، ومسلم: 991..

وقد ثبت عنه أنه اضطجع على حصيرٍ فأثَّر في جنبه، فدخل عليه عمر بن الخطاب ، ولما استيقظ جعل يمسح جنبه، فقال : "يا نبي الله، لو اتخذت فراشًا أوثر[102]أي: أوطأ وألين. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 5/ 151. مِن هذا؟"، فقال : ما لي وللدنيا، ما مَثَلِي ومَثَلُ الدنيا إلا كراكبٍ سار في يومٍ صائفٍ، فاستظلَّ تحت شجرةٍ ساعةً من نهارٍ، ثم راح وتركها[103]رواه أحمد: 2744 واللفظ له، وابن حبان: 6352، من حديث ابن عبَّاسٍ ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 439. ورواه … Continue reading.

وقال أبو هريرة : "ما شَبِعَ آلُ محمدٍ من طعامٍ ثلاثة أيامٍ حتى قُبِضَ"[104]رواه البخاري: 5374 واللفظ له، ومسلم: 2976..

والمقصود: أنهم لم يشبعوا ثلاثة أيامٍ متواليةً. والظاهر: أنَّ سبب عدم شِبَعِهِم غالبًا كان بسبب قلة الشيء عندهم، على أنهم قد يجدون، ولكن يُؤْثِرون على أنفسهم[105]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 9/ 519 و549..

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان فِراشُ رسول الله من أَدَمٍ وحَشْوُهُ من لِيفٍ"[106]رواه البخاري: 6456، ومسلم: 2082..

ومع هذا كان يقول : اللهم اجعل رِزْقَ آل محمدٍ قُوتًا[107]رواه البخاري: 6460، ومسلم: 1055..

وقال : قد أفلح مَن أسلم، ورُزِقَ كَفَافًا، وقَنَّعَهُ اللهُ بما آتاه[108]رواه مسلم: 1054..

وأما قوله في التزهيد في الدنيا والتحذير من الاغترار بها فكثيرٌ، ومنه:

حديث مُطَرِّفٍ عن أبيه قال: أتيتُ النبي وهو يقرأ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ [التكاثر:1]، قال : يقول ابن آدم: مالي، مالي! وهل لك يا ابنَ آدم من مالك إلا ما أكلتَ فأفنيتَ، أو لَبِسْتَ فأبليتَ، أو تصدَّقت فأمضيتَ؟![109]رواه مسلم: 2958..

وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: يقول العبد: مالي! مالي! إنما له من ماله ثلاثٌ: ما أكل فأفنى، أو لَبِسَ فأبلى، أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركُه للناس[110]رواه مسلم: 2959..

وقال النبي مرةً لأصحابه: أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من ماله؟ قالوا: "يا رسول الله، ما منَّا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه". قال : فإنَّ ماله ما قدَّم، ومال وارثِه ما أخَّر[111]رواه البخاري: 6442..

ودخل النبي السوق يومًا، فمرَّ بجَدْيٍ صغير الأذنين ميتٍ، فأخذه بأذنه ثم قال: أيُّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهمٍ؟، قالوا: "ما نُحِبُّ أنه لنا بشيءٍ، وما نصنع به؟!"، قال : أتُحِبُّون أنه لكم؟ قالوا: "والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسَكُّ[112]أي: مُصْطَلَم الأذنين مقطوعهما. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 384.، فكيف وهو ميتٌ؟!"، فقال : فوالله للدُّنيا أهون على الله من هذا عليكم[113]رواه مسلم: 2957..

وعن سهل بن سعدٍ قال: قال رسول الله : لو كانت الدنيا تَعْدِل عند الله جناح بعوضةٍ ما سقى كافرًا منها شَرْبَةَ ماءٍ[114]رواه الترمذي: 2320، وابن ماجه: 4110، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3240..

والدنيا مذمومةٌ إذا لم تُستخدَم في طاعة الله .

فعن أبي هريرة قال: سمعتُ رسول الله يقول: ألا إن الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ذِكْرُ الله وما والاهُ، وعالمٌ أو متعلمٌ[115]رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3244.، وهذا يؤكد أن الدنيا وما فيها مذمومةٌ مبغوضةٌ من الله، مُبْعَدَةٌ من رحمة الله، إلا ما كان طاعةً لله .

ولهوانها على الله لم يُبَلِّغ رسوله منها، وهو أحبُّ الخلق إليه؛ فقد مات ودرعه مرهونةٌ عند يهوديٍّ بثلاثين صاعًا من شعيرٍ[116]رواه البخاري: 2916، ومسلم: 1603..

وقوله: وما والاه أي: ما يُحِبُّه الله من أعمال البِرِّ وأفعال القُرَب، وهذا يحتوي على جميع الخيرات والفاضلات ومستحسنات الشرع.

وقوله: وعالمٌ أو متعلمٌ: العالم والمتعلم: العلماء بالله، الجامعون بين العلم والعمل، فيخرج منه الجهلاء، والعالم الذي لم يعمل بعلمه، ومن يعلم علم الفضول وما لا يتعلق بالدِّين.

والرفع في عالمٌ أو متعلمٌ على التأويل؛ كأنه قيل: الدنيا مذمومةٌ لا يُحْمَدُ مما فيها إلا ذكرُ الله وما والاه، وعالمٌ أو متعلمٌ[117]ينظر: "شرح المشكاة" للطيبي: 10/ 3284- 3285، و"مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 9/ 31، و"تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 6/ 613..

فإذا رأى العاقل مَن يُنافسه في الدنيا، فعليه أن ينصحه ويُحَذِّره ويُنافسه في الآخرة[118]ينظر: "فقه الدعوة" للمؤلف: 2/ 1007..

وفي قصة أبي عُبَيدة أنه قدم بمالٍ من البحرين، فجاءت الأنصار وحضروا مع رسول الله صلاة الصبح، فلمَّا صلى بهم الفجر تعرَّضوا له، فتبسَّم حين رآهم، وقال : أظنُّكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيءٍ؟، قالوا: "أجل يا رسول الله"، قال : فأبشِروا وأَمِّلُوا ما يَسُرُّكم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهْلِكَكم كما أهلكتْهم[119]رواه البخاري: 3158، ومسلم: 2961..

وفي رواية: وتُلْهِيَكم كما ألهتْهم[120]رواه البخاري: 6425، ومسلم: 2961..

وفي حديث أبي سعيدٍ الخُدْري عن النبي : إنَّ أكثر ما أخاف عليكم ما يُخْرِج الله لكم من بركات الأرض، قيل: "وما بركات الأرض؟"، قال : زهرة الدنيا... ثم قال : إنَّ هذا المال خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ... مَن أخذه بحقِّه ووضعه في حقِّه فنِعْمَ المعونةُ هو، ومَن أخذه بغير حقِّه كان كالذي يأكل ولا يشبع[121]رواه البخاري: 6427، ومسلم: 1052.، ويكون عليه شهيدًا يوم القيامة[122]رواه البخاري: 2842، ومسلم: 1052..

وقال خَبَّابٌ : "إنَّ المسلم يُؤْجَر في كل شيءٍ يُنفقه إلا في شيءٍ يجعله في هذا التُّراب"[123]رواه البخاري: 5672..

قال الحافظ ابن حجرٍ رحمه الله: "أي: الذي يُوضَع في البُنيان، وهو محمولٌ على ما زاد على الحاجة"[124]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 129..

وذكر رحمه الله آثارًا كثيرةً في ذمِّ البُنيان، ثم قال: "وهذا كله محمولٌ على ما لا تَمَسُّ الحاجة إليه؛ مما لا بُدَّ منه للتوطُّن، وما يَقِي البردَ والحرَّ"[125]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 93، و10/ 129..

والمسلم إذا لم يجعل الدنيا أكبر همِّه وفقه الله وأعانه.

فعن مَعْقِل بن يسارٍ قال: قال رسول الله : يقول ربُّكم تبارك وتعالى: يا ابن آدم، تَفَرَّغْ لعبادتي أملأْ قلبك غِنًى، وأملأْ يديك رزقًا. يا ابن آدم، لا تَبَاعَدْ مني فأملأْ قلبك فقرًا، وأملأْ يديك شُغلًا[126]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 500، 20/ 216، والحاكم: 8163، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3165..

وفي حديث أبي هريرة عن النبي قال: إنَّ الله تعالى يقول: يا ابن آدم، تَفَرَّغْ لعبادتي أملأْ صدرك غِنًى، وأَسُدَّ فقرك، وإلا تفعلْ ملأتُ يديك شُغلًا، ولم أَسُدَّ فقرك[127]رواه الترمذي: 2466، وابن ماجه: 4107، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3166.. قال ذلك عندما تلا: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ... [الشورى:20].

ولا شك أن كل عملٍ صالحٍ يُبتغى به وجه الله فهو عبادةٌ، بل وحتى الأعمال المباحة.

وعن زيد بن ثابتٍ قال: سمعتُ رسول الله يقول: مَن كانت الدنيا همَّه فرَّق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما كُتِبَ له، ومن كانت الآخرة نِيَّتَه جَمَعَ الله له أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمةٌ[128]رواه ابن ماجه: 4105، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3168..

وعن أنس بن مالكٍ قال: قال رسول الله : مَن كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجَمَعَ له شَمْلَه، وأتَتْه الدنيا وهي راغمةٌ، ومن كانت الدُّنيا همَّه جعل الله فقره بين عينيه، وفرَّق عليه شَمْلَه، ولم يأتِه من الدنيا إلا ما قُدِّرَ له[129]رواه الترمذي: 2465، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3169..

وعن أبي موسى الأشعري أن رسول الله قال: مَن أحبَّ دنياه أضرَّ بآخرته، ومن أحب آخرتَه أضرَّ بدنياه، فآثروا ما يبقى على ما يفنى[130]رواه أحمد: 19697، وابن حبان: 709، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3247..

وعن أبي مالكٍ الأشعري أنه لمَّا حضرته الوفاة قال: يا معشر الأشعريين، يُبَلِّغُ الشاهد منكم الغائب، إني سمعتُ رسول الله يقول: حُلْوَةُ الدنيا مُرَّةُ الآخرة، ومُرَّةُ الدنيا حُلْوَةُ الآخرة[131]رواه أحمد: 22899، والطبراني في "مسند الشاميين": 963، والحاكم: 8097، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1817..

الأمر التاسع عشر: العلم بأن الله تعالى يجمع بين المؤمن وذريته ووالديه وأهله ومَن يُحِبُّ في الجنة، وهذا الاجتماع الذي لا فرِاق بعده؛ لقول الله تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله: "يُخْبِر تعالى عن فضله وكرمه وامتنانه ولُطفه بخلقه وإحسانه: أن المؤمنين إذا اتَّبَعَتْهم ذُرِّيَّاتُهم في الإيمان يُلحقهم بآبائهم في المنزلة، وإن لم يَبْلُغُوا عملهم؛ لِتَقَرَّ أعين الآباء بالأبناء عندهم في منازلهم، فيجمع بينهم على أحسن الوجوه؛ بأن يرفع الناقص العمل بكامل العمل، ولا ينقص ذلك من عمله ومنزلته؛ للتساوي بينه وبين ذاك"[132]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 432..

وهذا فضله تعالى على الأولاد ببركة عمل الآباء، وأما فضله على الآباء ببركة دعاء الأولاد؛ فثبت في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله : إن الله لَيَرْفَعُ الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربِّ، أنَّى لي هذه؟ فيقول: باستغفار ولدك لك[133]رواه ابن ماجه: 3660، وأحمد: 10610، وحسنه الألباني "السلسلة الصحيحة": 1598..

قال العلامة السعدي رحمه الله: "وهذا من تمام نعيم أهل الجنة؛ أن ألحقَ الله بهم ذريتهم الذين اتَّبعوهم بإيمانٍ، أي: الذين لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعًا لهم بالإيمان، ومن باب أولى إذا تبعتهم ذريتهم بإيمانهم الصادر منهم أنفسهم. فهؤلاء المذكورون يُلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها؛ جزاءً لآبائهم، وزيادةً في ثوابهم، ومع ذلك لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئًا"[134]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص815، و"جامع البيان" للطبري: 22/ 467- 470، و"معالم التنزيل" للبغوي: 4/ 238.، وهذا هو الفوز العظيم.

نسأل الله تعالى أن يجمعنا في الفردوس الأعلى مع آبائنا وذُرِّيَّاتنا وأزواجنا وجميع أهلينا وأحبابنا في الله تعالى؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ.

ولا شك أن مَن فارق ذريته وأهله وأحبابه في الآخرة فقد خَسِرَ خُسرانًا مبينًا، كما قال الله تعالى: قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ [الزمر:15].

أي: تفارقوا، فلا التقاء لهم أبدًا، وسواءٌ ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أُسْكِنوا النار. ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، وهذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح[135]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 90..

وقال الله : وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ مِنْ بَعْدِهِ وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ۝وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ [الشورى:44- 45].

قال الإمام ابن كثيرٍ رحمه الله: "أي ذُهِبَ بهم إلى النار، فعَدِموا لذَّتهم في دار الأبد، وخسروا أنفسهم، وفُرِّق بينهم وبين أحبابهم وأصحابهم وأهاليهم وقراباتهم فخسروهم"[136]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 215..

وقد ذُكِرَ أن بعض الصالحين مات له ابنٌ فجَزِعَ عليه جزعًا شديدًا، حتى امتنع من الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام محمد بن إدريس الشافعي، فكتب إليه، ومما كتب إليه:

إني مُعَزِّيك لا أنِّي على ثقةٍ من الحياة ولكن سُنَّةُ الدِّينِ
فما المُعَزَّى بباقٍ بعد مَيِّتِهِ ولا المُعَزِّي ولو عاشا إلى حينِ[137]ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص61.

وصلى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومَن تَبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سعيد بن علي بن وهف القحطاني

ليلة الأحد 4/ 10/ 1429هـ

^1 هذا نصُّ حديثٍ رواه البخاري: 7377، ومسلم: 923.
^2 ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص76، و"تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 1/ 467.
^3 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 1/ 468، وأثر عُمَرَ رواه البخاري: 2/ 83 مُعَلَّقًا، ووصله سعيد بن منصور في "التفسير": 233.
^4 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 89، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص721.
^5 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 8/ 26، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص842.
^6 ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص867.
^7 رواه البخاري: 6/ 155 معلقًا.
^8 الأبيات لابن ناصر الدين الدمشقي. ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص12.
^9 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 4/ 601، و"تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص449.
^10 ينظر: "الصبر الجميل" لسليم الهلالي: ص15- 16.
^11, ^12 رواه مسلم: 918.
^13 رواه ابن ماجه: 1598.
^14, ^42, ^45 رواه الترمذي: 1021، وأحمد: 19725، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2012.
^15 ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص15.
^16, ^39 رواه البخاري: 6424.
^17 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 242- 243.
^18 سمعتُه في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 6424، وذلك في فجر الأحد الموافق 14/ 10/ 1419هـ، في الجامع الكبير بالرياض.
^19 رواه الترمذي: 2398، وابن ماجه: 4023، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3402.
^20 ينظر: "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 7/ 78- 79.
^21 رواه أبو يعلى: 6095، وابن حبان: 2908، وبنحوه أبو داود: 3090، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 2599.
^22 رواه الترمذي: 2396، وابن ماجه: 4031، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3407.
^23 ينظر: "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 7/ 77.
^24 رواه مسلم: 223.
^25 ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: 2/ 24- 25.
^26 ينظر: "تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 7/ 80.
^27 رواه الترمذي: 2399، وأحمد: 7859، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3414.
^28 أي: لم يبلغوا سن التكليف الذي يُكْتَب فيه الحِنْثُ، وهو الإثم. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 182.
^29 رواه البخاري: 1381.
^30 أصل الرَّقوب في كلام العرب: الذي لا يعيش له ولدٌ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 162.
^31 رواه مسلم: 2608.
^32 رواه البخاري: 2/ 100 مُعَلَّقًا، وهو موصول بلفظ قريب عند البخاري: 1251، ومسلم: 2632.
وقال ابن حجر رحمه الله: "قوله كان له: كذا للأكثر؛ أي: كان موتُهم له حجابًا، وللكشميهني: "كانوا "؛ أي: الأولاد. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 245.
^33 أي: امتنعت بمانعٍ وثيقٍ. وأصل الحِظَار: ما يُجْعَل حول البستان وغيره -من قُضْبَانٍ وغيرها- كالحائط. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 183.
^34 رواه مسلم: 2636.
^35 رواه ابن ماجه: 1604، وأحمد: 17644، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1993.
^36 رواه مسلم: 2632.
^37 ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 182.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله جميع الأحاديث التي فيها زيادة "واحد"، وتكلَّم عليها كلامًا نفيسًا، ثم أشار إلى أن الذي يُستدَلُّ به على ذلك حديث: ما لعبدي المؤمن عندي جزاءٌ إذا قبضتُ صَفِيَّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة رواه البخاري: 6424.
قال: "وهذا يدخل فيه الواحد". ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 119، و11/ 243.
^38 رواه البخاري: 7310، ومسلم: 2633.
^40 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 119 و11/ 243.
^41 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 243.
^43 رواه أحمد: 15595، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2007.
^44 رواه النسائي: 1870، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1764.
^46 رواه أحمد: 15662، والنسائي في "السنن الكبرى": 9923، وابن حبان: 833، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2009.
^47 السُّرُّ -ويقال: السَّرَر والسِّرَر-: ما تقطعه القابلة من سُرَّة الصبي، والسُّرَّة لا تُقطَع، وإنما هي الموضع الذي قُطِعَ منه السُّرُّ. ينظر: "الصحاح" للجوهري: 2/ 681- 682.
^48 رواه ابن ماجه: 1609، وأحمد: 22090، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2008.
^49 ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 183.
^50 رواه مسلم: 2635.
^51 سمعتُه في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 1381 و1382.
^52 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 246.
^53 رواه البخاري: 7047.
^54 رواه البخاري: 1469، ومسلم: 1053.
^55 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 108.
^56 رواه البخاري: 5645.
^57 سمعتُه في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 5645.
^58 رواه مسلم: 2999.
^59 رواه البخاري: 5640، ومسلم: 2572.
^60 رواه البخاري: 5660، ومسلم: 2571.
^61 رواه البخاري: 5641 و5642.
^62 الوَصَب: المرض والسقم. ينظر: "أعلام الحديث" للخطابي: 3/ 2099.
^63 النَّصَب: التَّعَب. ينظر: "أعلام الحديث" للخطابي: 3/ 2099.
^64 رواه مسلم: 2573.
^65 رواه الحاكم: 1304، والبيهقي في "شعب الإيمان": 8802، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 272.
^66 لم نقف على نسبته إلى قائل. ينظر: "مدارج السالكين" لابن القيم: 2/ 461، و"الصبر الجميل" لسليم الهلالي: ص28.
^67 رواه البخاري: 1283، ومسلم: 926.
^68 ينظر: "المنهاج" للنووي: 6/ 227.
^69 ينظر: "الصبر الجميل" لسليم الهلالي: ص84.
^70 القَيْن: الحدَّاد، ويُطلَق على كل صانعٍ، يقال: قانَ الشيءَ، إذا أصلحه. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 173.
^71 أي: مُرْضِعًا، وأُطلِقَ عليه ذلك لأنه كان زوجَ المُرْضِعة، وأصل الظِّئْر من: ظَأَرَت الناقة، إذا عطفت على غير ولدها، فقيل ذلك للتي تُرضع غير ولدها، وأُطلِقَ ذلك على زوجها؛ لأنه يُشاركها في تربيته غالبًا. وإبراهيم: ابن رسول الله . ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 173.
^72 أي: يُخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.
^73 أي: يجري دمعهما. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.
^74 أي: الناس لا يصبرون على المصيبة، وأنت تفعل كفعلهم؟ كأنه تعجَّب لذلك منه مع عهده منه أنه يَحُثُّ على الصبر وينهى عن الجَزَع، فأجابه بقوله: إنها رحمة، أي: الحالة التي شاهدتَها مني هي رِقَّة القلب على الولد، لا ما تَوَهَّمْتَ من الجَزَع. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.
^75 قيل: أتبع الدمعة الأولى بدمعةٍ أخرى، وقيل: أتبع الكلمة الأولى المجملة -وهي قوله : إنها رحمةٌ- بكلمةٍ أخرى مُفَصَّلَةٍ، وهي قوله : إنَّ العين تدمع... إلخ. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.
^76 رواه البخاري: 1303 واللفظ له، ومسلم: 2315.
^77, ^78 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 174.
^79 أي: الذين يَغْشَونه للخدمة وغيرها. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.
^80 أي: إن قال سوءًا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.
^81 أي: إن قال خيرًا. ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.
^82 البكاء المحرَّم على الميت هو: النَّوْح، والنَّدْب بما ليس فيه، والبكاء المقرون بهما أو بأحدهما. ينظر: "المنهاج" للنووي: 6/ 225- 230، و"فتح الباري" لابن حجر: 3/ 153- 160.
^83 رواه البخاري: 1304 واللفظ له، ومسلم: 924.
^84 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 3/ 175.
^85 رواه البخاري: 1284، ومسلم: 923.
^86 رواه البخاري: 1285.
^87 تقدَّمت الأدلة على ذلك.
^88 ينظر: "طريق الهجرتين" لابن القيم: ص448- 459، و"زاد المعاد" لابن القيم: 4/ 188- 196، و"عدة الصابرين" لابن القيم: ص76- 86.
^89 تُنسَب الأبيات إلى الإمام الشافعي. ينظر: "الكشكول" للبهاء العاملي: 1/ 209.
^90 ينظر: "نفح الطيب" للمقري التِّلِمْساني: 4/ 487.

وفي "نونية البُسْتي": "لا تَحْسَبَنَّ سُرورًا دائمًا أبدًا ... مَن سرَّه زَمَنٌ ساءَتْه أزمانُ".

ينظر: "الجامع للمتون العلمية" لعبدالله الشمراني: ص625.

^91 ينظر: "الشعر والشعراء" لابن قُتَيْبة: 1/ 271.
^92 البيتان لإبراهيم بن العباس الصولي. ينظر: "الفرج بعد الشدة" للتنوخي: 5/ 15.
^93 هكذا سمعتُه من الشيخ محمد بن حسن الدريعي، يقول: إنه كتبه له بعض أصدقائه عندما انكسرت رجله، ولكن البيت في نونية البُسْتي هكذا:

كل الذنوب فإنَّ الله يغفرها ... إن شيَّع المرءَ إخلاصٌ وإيمانُ

وكل كسرٍ فإنَّ الدين يَجْبُرُهُ ... وما لكسر قناة الدين جُبْرانُ

ينظر: "الجامع للمتون العلمية" لعبدالله الشمراني: ص626.

^94 رواه ابن ماجه: 1599، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4448، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7879.
^95 لم نقف على نسبته إلى قائل. ينظر: "روضة العقلاء" لابن حبان: ص163.
^96 البيت لأبي الفتح البُسْتي. ينظر: "طبقات الشافعية الكبرى" للسبكي: 5/ 294.
^97 ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص55.
^98 رواه البخاري: 5414.
^99 رواه البخاري: 6455.
^100 رواه البخاري: 6459 واللفظ له، ومسلم: 2972.
^101 رواه البخاري: 2389، ومسلم: 991.
^102 أي: أوطأ وألين. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 5/ 151.
^103 رواه أحمد: 2744 واللفظ له، وابن حبان: 6352، من حديث ابن عبَّاسٍ ، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 439.

ورواه بنحوه الترمذي: 2377، وابن ماجه: 4109، من حديث ابن مسعودٍ .

^104 رواه البخاري: 5374 واللفظ له، ومسلم: 2976.
^105 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 9/ 519 و549.
^106 رواه البخاري: 6456، ومسلم: 2082.
^107 رواه البخاري: 6460، ومسلم: 1055.
^108 رواه مسلم: 1054.
^109 رواه مسلم: 2958.
^110 رواه مسلم: 2959.
^111 رواه البخاري: 6442.
^112 أي: مُصْطَلَم الأذنين مقطوعهما. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 384.
^113 رواه مسلم: 2957.
^114 رواه الترمذي: 2320، وابن ماجه: 4110، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3240.
^115 رواه الترمذي: 2322، وابن ماجه: 4112، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3244.
^116 رواه البخاري: 2916، ومسلم: 1603.
^117 ينظر: "شرح المشكاة" للطيبي: 10/ 3284- 3285، و"مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 9/ 31، و"تحفة الأحوذي" للمباركفوري: 6/ 613.
^118 ينظر: "فقه الدعوة" للمؤلف: 2/ 1007.
^119 رواه البخاري: 3158، ومسلم: 2961.
^120 رواه البخاري: 6425، ومسلم: 2961.
^121 رواه البخاري: 6427، ومسلم: 1052.
^122 رواه البخاري: 2842، ومسلم: 1052.
^123 رواه البخاري: 5672.
^124 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 10/ 129.
^125 ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 11/ 93، و10/ 129.
^126 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 500، 20/ 216، والحاكم: 8163، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3165.
^127 رواه الترمذي: 2466، وابن ماجه: 4107، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3166.
^128 رواه ابن ماجه: 4105، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3168.
^129 رواه الترمذي: 2465، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3169.
^130 رواه أحمد: 19697، وابن حبان: 709، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3247.
^131 رواه أحمد: 22899، والطبراني في "مسند الشاميين": 963، والحاكم: 8097، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1817.
^132 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 432.
^133 رواه ابن ماجه: 3660، وأحمد: 10610، وحسنه الألباني "السلسلة الصحيحة": 1598.
^134 ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص815، و"جامع البيان" للطبري: 22/ 467- 470، و"معالم التنزيل" للبغوي: 4/ 238.
^135 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 90.
^136 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 7/ 215.
^137 ينظر: "برد الأكباد عند فقد الأولاد" لابن ناصر الدين الدمشقي: ص61.