جدول المحتويات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.
أما بعد:
فهذا ما أوصيتُ به أنا: سعيد بن علي بن وهف آل جحيش آل سليمان القحطاني، وأنا في كامل صحة عقلي وبدني وقوتي التي مَنَّ الله تعالى بها عليَّ؛ فله الحمد والمِنَّة.
وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، وأنَّ عيسى عبدالله ورسوله وكَلِمَتُه ألقاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجنة حقٌّ والنار حقٌّ، وأنَّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنَّ الله يبعث مَن في القبور.
أُوصِي بالأمور الآتية:
الوصية بالتقوى والتمسُّك بالإسلام
أُوصِي أولادي -ذكورًا وإناثًا- وزوجاتي وإخوتي وأختي وذرياتهم وجميع أسرتي بوصية إبراهيم ويعقوب عليهما السلام: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [البقرة:132]، وأوصيهم بوصية الله تعالى للأولين والآخرين: وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ [النساء:131].
وأن يتقوا الله حقَّ تُقاته؛ يطيعوه فلا يعصوه، ويَذكُروه فلا ينسَوه، ويشكروه ولا يَكفُروه؛ في سرِّهم وعلانيتهم، وفي أقوالهم وأفعالهم، ويلزموا طاعته، وينتهوا عن معصيته.
وأن يُقيموا الدين ولا يتفرَّقوا فيه، وأن يجتمعوا على الحق ولا يتفرَّقوا، وأن يُصْلِحوا ذات بينهم؛ فإنَّ صلاح ذات البين أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، وفساد ذات البين هي الحالقة[1]رواه أبو داود: 4919، والترمذي: 2509، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2814.، وفي روايةٍ للترمذي: لا أقول: تَحْلِق الشَّعَر؛ ولكن: تَحْلِق الدِّين[2]رواه الترمذي: 2510، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2888.، والحالقة: الماحقة للأجر والحسنات.
وعلى الجميع أن يعلموا أنهم ملاقوا الله تعالى، فلا ينفعهم إلا ما قدَّموا من عملٍ صالحٍ: يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء:88- 89].
فأُوصِي الجميع بالمحافظة على أركان الإسلام: شهادة أن لا إله إلا الله، ومعناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ومعناها: الاعتقاد الجازم أنه رسول الله حقًّا إلى الجن والإنس، لا نبيَّ بعده، ومن مقتضى ذلك: طاعتُه فيما أمر، وتصديقُه فيما أخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعْبَدَ الله إلا بما شَرَعَ ؛ وإقام الصلاة، ويحافظ عليها الرجال مع الجماعة؛ وإيتاء الزكاة؛ وصوم رمضان؛ وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا.
وأُوصِي الجميع بالإيمان الكامل بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره من الله تعالى.
وأُوصِيهم جميعًا بإحسان العبادة لله تعالى، فيعبدوه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم.
الحثُّ على الأخلاق والأعمال الصالحة
وأوصيهم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، والوفاء بالوعد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والبهائم، وإكرام الضيف، وتنفيس الكرب عن المكروب من المسلمين، والتيسير على المُعْسِر، وسَتْر المسلم وإعانته.
والإخلاص لله، والتوكُّل عليه، والمحبة لله ولرسوله ، وخشية الله، ورجاء رحمته، والتوبة والرجوع إليه، والصبر على حُكْمِه، والشُّكر لنِعَمِه، وقراءة القرآن مع التدبُّر والعمل به ومراجعته، وذكر الله تعالى، ودعائه، وسؤاله بقلبٍ حاضرٍ، والرغبة إليه.
والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن يَصِلُوا مَن قَطَعَهم، ويُعطوا مَن حَرَمَهم، ويعفوا عمَّن ظَلَمَهم، وبالعدل في جميع الأمور، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيامٌ، وحُسن الخُلُق، والنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وغض البصر عمَّا حرم الله تعالى، وإعفاء اللِّحَى للرجال، والتزام الحجاب الإسلامي للنساء، وعدم سفرهنَّ بدون مَحْرَمٍ، وغير ذلك من أمثال هذه الأعمال التي هي أعمال أهل الجنة، وبها يَصِلُ العبد إلى جنات النعيم وإلى رضوانه الأكبر.
ويجمع ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [النساء:13].
التحذير من الشرك والمعاصي
وأُحَذِّرهم من الشرك بالله، وهو: صرفُ شيءٍ من العبادة لغير الله.
وأُحَذِّرهم من:
الحسد، والكذب، والفجور، والخيانة، والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، والغدر، وقطيعة الرحم، والجُبْن عن الجهاد المشروع بشروطه الشرعية، والبُخْل والشُّح، واختلاف السر والعلانية، واليأس من رَوْح الله، والأمن من مَكْر الله، والجزع عند المصائب، والفخر والبَطَر عند النِّعَم.
وترك فرائض الله تعالى، والاعتداء على حدود الله تعالى وانتهاك حُرماته، وخوف المخلوق دون الخالق، ورجاء المخلوق دون الخالق، والتوكُّل على المخلوق دون الخالق، والعمل رياءً وسمعةً، ومُخالفة الكتاب والسُّنَّة، وطاعة المخلوق في معصية الخالق، والتعصُّب بالباطل، والاستهزاء بآيات الله، وجَحْد الحق، والكتمان لما يجب إظهاره من علمٍ وشهادةٍ، والسحر، والذهاب إلى السَّحَرة.
وعقوق الوالدين، وقطيعة الرحم، وقَتْل النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، وإعطاء الرِّشْوة وأخذها، وأكل أموال الناس بالباطل، والفرار من الزحف بالنسبة للرجال، وقَذْف المُحْصَنات الغافلات المؤمنات، والغِيبة والنميمة، وشهادة الزور، وشُرب الخمر، والكِبْر والخُيَلاء، والسرقة، واليمين الغَموس.
وتشبُّه الرجال بالنساء والنساء بالرجال، والمَنُّ بالعطية، وإنفاق السلعة بالحَلِف الكاذب، وتصديق الكاهن والمُنَجِّم، والتصوير لذوات الأرواح، واتخاذ القبور مساجد، والنياحة على الميت، وإسبال الثياب و(البشوت) والسراويل للرجال، ولُبْس الحرير والذهب للرجال، وأذى الجار، وإخلاف الوعد، وحلق اللِّحَى للرجال أو تقصيرها؛ فإنَّ في ذلك معصيةً لله ولرسوله ، وتغييرًا لخلق الله، وتشبُّهًا بالكفار والنساء.
والتبرُّج والسُّفور للنساء، والخَلْوة بالمرأة من دون مَحْرَمٍ، وسفر المرأة من دون مَحْرَمٍ، والخَلْوة بالمرأة داخل البلد من دون ثالثٍ، أما في السفر فلا بُدَّ من مَحْرَمٍ، واستماع الغناء والمعازف، والنظر إلى ما حرَّم الله تعالى، وغير ذلك من أمثال هذه الأعمال التي يصل بها الإنسان إلى جهنم؛ نعوذ بالله منها!
ويجمع ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:14]، وقوله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].
ويجمع كل ما تقدَّم قول الله : وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الحشر:7]، وقوله : فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
واللهَ أسأل -بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا- أن يهديَكم سواء السبيل، وأن يجمعني بكم جميعًا في الفردوس الأعلى كما قال تعالى: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [الطور:21].
أسأل الله أن يُحَقِّقَ لي ولكم ما وعد في هذه الآية، وفي قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى [الرعد:18]، وقوله: إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ [الرعد:19- 24].
وصلَّى الله على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
1/ 1/ 1429هـ
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط