جدول المحتويات
- عرض نصوص الاتفاقيات القَبَليَّة
- الرد على هذه الاتفاقية القبلية الجاهلية
- مخالفة الاتفاقية لأوامر ولاة الأمر وفتاوى العلماء
اتفاقية آل جحيش على الأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية في 11/ 11/ 1405هـ، وفي 2/ 7/ 1427هـ.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فقد اطلعتُ على بعض ما تداولته قبيلة آل جحيش، من آل سليمان عبيدة قحطان، في مجموعتهم الخاصة بهم في (الواتساب) أول محرم 1437هـ، وأنا منهم، ولكن لست معهم في هذه المجموعة ولا في عاداتهم الجاهلية المخالفة لشريعة محمد ، ومما اطَّلعتُ عليه قولُ بعضهم: "اتفاقية قبيلتنا... مُقيَّدة بشروطٍ تتفق مع شرع الله، ... وهذا ما تعمل به القبيلة؛ فما كان يتفق مع الاتفاقية يُقام فيه، وما خالف شروطها يُرفض...". اهـ.
وقد نُشر في (الواتساب) وتداوله الناس، وخرج عن مجموعة آل جحيش إلى بعض المشايخ وغيرهم وانتشر، وتداول بعضُ أفراد القبيلةِ المناقشةَ والردَّ بعضهم على بعض، وطال الكلام.
وأنا لا أعرف هذه الاتفاقية التي يقولها هذا الأخ؛ فبحثتُ عنها، فوجدتها عند بعضهم، وهو الذي كتب الاتفاقية الأولى في 11/ 11/ 1405هـ.
عرض نصوص الاتفاقيات القَبَليَّة
نص الاتفاقية الأولى (11/ 11/ 1405هـ)
وهي مكونة من أصولٍ ستة يَرجعون إليها، وهذا نص الاتفاقية الأولى:
"قال الله تعالى: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى [المائدة:2]، صدق الله العظيم. والصلاة والسلام على النبي الأمين؛ محمد بن عبدالله، المرسل رحمة للعالمين.
أما بعد:
فإنه في يوم 11/ 11/ 1405هـ، اجتمع آل جحيش -القبيلة- على رأس نائبهم... وذلك تلبية لرغبة عموم أفراد القبيلة؛ لاتباع العوائد الحسنة، واجتناب العوائد السيئة، في حضن -يعنون صندوق- القبيلة آل جحيش، وقد قُرِّر ما يلي:
أولًا: يقام مع القبائل بالنفعة إذا بُني لهم زربة -أي مرسم- فقط.
ثانيًا: يقام في الدم الحادث من حوادث السيارات فقط.
ثالثًا: يقام في المُبْلي عند محرمه، وماله، وعند ضيفه، وعند وجهه، وخويه، وعند نفسه.
رابعًا: كل عانٍ لعانيه، ولا يدخل في حضن الجماعة -يعنون صندوق الجماعة-.
خامسًا: تعتبر الفرقة في حضن الجماعة على حامل التابعية فقط.
سادسًا: يقام في كل عادة قِبَليَّة لا تتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومتعارف بها لدى القبائل...".
ثم ذكروا استثناءات، منها: الجحيشي لا يجوِّر الجحيشي إذا وقع حادث بينهم.
وهذه الأصول المعتبرة الستة عند آل جحيش، وشرحوا لها شروحات ترجع إليها.
ثم قالوا: "... هذا، وتعتبر جميع المكاتبات والاتفاقيات التي نصَّ حضن القبيلة عليها قبل تاريخ 11/ 11/ 1405هـ لاغية وغير سارية المفعول. هذا ونسأل الله الهداية والتوفيق والسداد". اهـ، ووقع عليها ثمانية من أعيانهم.
نص الاتفاقية الثانية (2/ 7/ 1427هـ)
ثم اتفاقية آل جحيش الثانية في 2/ 7/ 1427هـ، ودرسوا اتفاقية عام 1405هـ، ثم قالوا في هذه الاتفاقية: "... عليه، فقد اجتمعت قبيلة آل جحيش على كافة لحومهم، واطلعوا على اتفاقيتهم الموضحة بعاليه -يعنون اتفاقية 11/ 11/ 1405هـ- السابق ذكرها"، وقرروا أنها اتفاقية مُلزِمَة سارية المفعول، وما كان عليه الآباء يلتزم به الأبناء، وهذه الاتفاقية هي مرجع للقبيلة، ولكن لقِدَم الزمن الذي أُبرمت فيه هذه الاتفاقية، ولتطور ظروف العصر، وحدوث قضايا معاصرة لم تحدث في ذلك الزمن؛ لذا قررت القبيلة اعتماد إضافة بعض اللوائح والشروط المُوضِّحة والمفسرة لهذه الاتفاقية، دون إخلال بالاتفاقية المذكورة أعلاه.
ثم ذكروا أمورًا شارحة لها، منها قولهم: "إذا تم تحديد موعد لاجتماع القبيلة وتأخر أحدٌ بفرقته، فيُعدُّ مَحْضرٌ بذلك عن المتأخر، ويُصفَّى الحضن، ويُعطى مهلةً تسعين يومًا، وعند حصول حادثة عليه بعد هذه المهلة فلا يقام معه حتى تجتمع القبيلة وتُقرر ما تراه بشأنه"، ثم قالوا: "يُعفى مِن فرقة الحضن مَن لازَم الفراش بسبب المرض المزمن الذي لا يُرجى شفاؤه، أو المعاق عقليًّا منذ الصغر"، ثم قالوا: "إذا حدث قضية معاصرة أو حادثٌ ولم يُوضَّح في بنود هذه الاتفاقية، وحصل عليها خلاف؛ فعلى أعيان القبيلة أن يتشاور منهم عَشَرة مِن أخيارهم للبَتِّ في القضية والأخذِ برأي الأغلبية مِن هؤلاء المتشاورين...". اهـ.
وقد وقَّع على هذه الاتفاقية لعام 1427هـ اثنا عشر من أعيانهم.
هذه اتفاقية آل جحيش ذَكرْتُ أهمَّ أصولها المعتبرة عندهم، وكتبتُها كما كتبوها بلغتهم، وهذه الأصول الستة عندهم كلها تختصُّ بالصندوق القبلي، ومصارفه الإلزامية التي يُصرف فيها، وموارده الإلزامية التي تدخل فيه، إلا قولهم: "الجحيشي لا يجوِّر الجحيشي..."، وقولهم: "إذا حدث قضية معاصرة، أو حادث، ولم يوضَّح في بنود الاتفاقية..." إلى آخره، ومَن أراد أصول هذه الأحكام القبلية فيجدها عند نائب القبيلة وحاشيته.
وقد أعرضتُ عن ذِكر الأسماء، ولم أذكر اسمًا واحدًا ولله الحمد؛ لأن كثيرًا منهم مات، ولم يبقَ إلا القليل، والله أسأل أن يغفر للأموات، ويوفق الأحياء للتوبة.
الرد على هذه الاتفاقية القبلية الجاهلية
المرجعية الشرعية عند التنازع
أولًا: قال الله : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، وقال الله : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10].
وقد جاء في الحديث عن النبي : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ[1]رواه ابن أبي عاصم في "السنة": 15، والبغوي في "شرح السنة": 104، وصححه النووي في "الأربعين النووية": ص45..
ثانيًا: ما قاله القائل عن اتفاقية آل جحيش: "اتفاقية قبيلتنا مقيدة بشروط تتفق مع شرع الله..."، ثم قوله: "وما خالف شروطها يرفض"؛ هذا كلامٌ خلافُ الصواب، بل كلام يقدح في العقيدة ويحتاج إلى توبة؛ لما يظهر في الأسطر الآتية أن الاتفاقية اتفاقية جاهلية، وقوله: "وما خالف شروطها يرفض" يحتاج إلى توبة أخرى؛ لأن الكتاب الكريم والسُّنَّة النبوية تخالف هذه الشروط الجاهلية، وقد قال الله تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
تفنيد بنود الاتفاقية وبيان مخالفتها للشرع
ثالثًا: بيان أن هذه الاتفاقية مخالفة لأحكام القرآن والسُّنَّة في بنودها المذكورة آنفًا على النحو الآتي:
- البند الأول من بنود هذه الاتفاقية:
قولهم: "يقام مع القبائل بالنفعة إذا بُني لهم زربة"، ويقصدون الغُرْم، وهذا حلف بين القبيلة الواحدة أو الفَخِذ الواحد على التعاون بالسوية في دفع الديات، والالتزام بحمل ما يترتب على القرابة أو القبيلة من المثارات أو الدِّيَات، سواءٌ كان ذلك بسبب الحوادث أو القتل الخطأ أو قتل العمد أو الشجاج، ويعتبر هذا التعاقد ملزمًا لأفراده، ويرأسه شيخ القبيلة أو نائبها، وكل فخذ عليه نائب؛ فيجب على كل فردٍ الدفعُ في دية العمد ودية الخطأ والمثارات؛ بسبب تسويد الوجه -كما يقولون- إذا نقضت الجيرة -الممنوعة شرعًا-، والصلح في حق أو باطل، ولا يفرقون بين أقارب الجاني وغيرهم، ولا الفقير والغني، ولا الحاضر والغائب، إلا أن المرأة ليس عليها قطة [أي: المساهمة المالية]، ولا على الصغير الذي لم يحمل البطاقة، بل كل من عنده بطاقة يدفعون بالسوية، فيساوي بين من يملك الملايين وبين الفقير والمريض، ومن لم يدفع فيعتبر عيبًا وعارًا ولا يقومون معه في الديات لو حصل عليه شيء، حتى لو كان ذلك يجب شرعًا كالعاقلة، ويُسمَّى الواحد منهم "غرَّام"، وبعض القبائل يكوِّن صندوقًا مسبقًا تُجمع فيه الأموال قبل حدوث هذه الديات أو المثارات.
فقبيلة آل جحيش يقصدون بقولهم: "يقام مع القبائل بالنفعة إذا بني لهم زربة"، فيقومون بالدفع في هذه المثارات والديات الإلزامية المذكورة آنفًا، وهذا ظلم للناس، وعدوان ومعصية للَّه ورسوله ، وإلزام الناس بما لم يوجب الله عليهم، ولا رسوله ، وقد قال النبي : لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بِطِيبِ نَفْسٍ منه [2]رواه أحمد: 20695، وأبو يعلى في "مسنده": 1570، والدارقطني في "سننه": 2886، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1459..
وقد أفتى الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي الديار السعودية ورئيس قضاتها في عهده، في بيان حكم ما تناصرت عليه القبائل، وتكاتفت وتعاونت، في دفع الديات وأرش جنايات العَمْد، فأفتى بأن ذلك لا يجوز شرعًا؛ لمخالفته المقتضيات الشرعية؛ ولما فيه من مساعدة المعتدي، وتشجيعه على الاعتداء ما دامت قبيلته تساعده، وتناصره، وتعينه في دفع ما يترتب عليه[3]"مجموع فتاوى ورسائل الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ": 12/ 283..
وقد أفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بتحريم الغرم، في فتاوى اللجنة رقم 23211 بتاريخ 29/ 2/ 1426هـ، وبيَّنوا أنه ليس من الأحكام الشرعية، وإنما هي من الأحكام القبلية التي لا يجوز الحكم بها بين الناس، ويحرم على المسلمين التحاكم إليها؛ لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نُهينا أن نتحاكم إليه[4]انظر هذه الفتوى في "الأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية" للمؤلف: ص116، 16، 17، 32..
فبَطَل البند الأول من بنود اتفاقية آل جحيش، وظهر أن هذا العمل مخالف لشرع الله، وعمل جاهلي، وحكم وضعي. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
- البند الثاني من بنود اتفاقية آل جحيش قولهم: "يقام في الدم الحادث من حوادث السيارات فقط".
وهذا البند يُدفع من الصندوق الذي أُخذ المال المجموع فيه، أو المُطالَب بدفعه مِن أفراد القبيلة، بالإلزام المالي بغير حقٍّ، وفيه التحديد بحوادث السيارات، وهذا من قتل الخطأ أو شجاج الخطأ، وهذا فيه إلغاء الدية على العاقلة وإلزام القبيلةِ ذاتِ الحلفِ إذا كان عددها كثيرًا بتحمل دية الخطأ، والمشروعُ أن العاقلة هي التي تتحمَّل عنه دية الخطأ[5]فتوى جامعة في العادات والأعراف القبلية المخالفة للشرع المطهر، للعلامة بكر أبو زيد: ص15. وانظرها في "الأعراف … Continue reading وشبه العَمْد، تُقسَّط الدية عليهم ثلاث سنين، ولا يلزم القاتلَ شيءٌ من دية الخطأ، ويعدل قسطه من الدية أن الكفارة تلزمه في ماله.
وأما جناية الخطأ على ما دون النفس فالعاقلة تَحمل منه ما بلغ ثلث الدية فصاعدًا ولا تَحمل ما دونه، ولا تحمل العاقلةُ عمدًا محضًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا لم تُصدِّقه به. ولا عقلَ على غير مكلف ولا فقير ولا أنثى.
والعاقلة هم ذكور عَصَبةِ الجاني نسبًا، والحاضر والغائب سواءٌ، حتى أصوله وفروعه الذكور، ويُقدَّم الأقرب فالأقرب من العَصَبات، فيُبدأ بإخوة القاتل وبنيهم، وأعمامه وبنيهم، وأعمام أبيه وبنيهم، حتى ينقرض المناسبون، ومتى اتسع الأقرب لم يدخل معهم مَن بعدهم في دفع ديةِ الخطأ وشبهِ العمد[6]انظر "المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف": 25/ 312- 366، و"الكافي" لابن قدامة: 5/ 269- 282، و"الشرح الممتع على زاد المستقنع" … Continue reading، فهُؤلاءِ الذين يتحملون عنه دية الخطأِ وليس غيرهم.
فالزوجُ مثلًا، والإخوةُ لأمٍّ، وأبناءُ العمات، وأبناءُ الخالات، والأخوالُ وأبناءُ الأخوالِ، إذا لم يكونوا من العصبةِ وسائرُ ذوي الأرحام لا يتحملون من الدية شيئًا شرعًا. أما دية قتل العمد فهي على القاتل وحده، إلا مَن أراد أن يساعده بدون إلزامٍ ولا إكراه، ولا يُلزِم هذا المساعِدُ غيرَه بذلك أيضًا، بل مَن أراد مساعدتَه والإحسانَ إليه ابتغاءَ مرضاة الله فهو مأجور، لكن لا يجب عليه، ولا يَلزم مِن القبيلة أو غيرهم من القبائل الأخرى، ولا يلزم مِن فَخِذِه، بل بطِيبِ نفسٍ منه[7]ينظر "البراهين الجلية في إبطال العادات القبلية" للمؤلف: ص7- 8..
فبطل البند الثاني من بنود اتفاقية آل جحيش، وظهر أنه من الأعراف المذمومة والعادات القبلية الجاهلية التي لا يجوز التحاكم إليها.
- البند الثالث قولهم: "يقام في المُبْلي عند محرمه، وماله، وعند ضيفه، وعند وجهه، وخويه، وعند نفسه"، وهذا البند من الأحكام التي يؤصِّلونها ويحكمون فيها بغير شرع الله، وهذا من اختصاص المحكمة، فإنها هي التي تنظر في ذلك، ويحكم القاضي في هذه القضايا، وقد أعزنا الله بالإسلام، وبدولةٍ مسلمةٍ تحكم بشرع الله تعالى، وما من محافظةٍ ولا مركزٍ من المراكز في أنحاء المملكة العربية السعودية إلا وفيها محكمةٌ شرعيةٌ تحكم بشرع الله تعالى: بالكتاب والسُّنَّة، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ يجب أن يُشكر الله عليها، ثم يُشكر ولاة أمرنا على هذه العناية الفائقة المميزة بين دول العالم أجمع، فجزاهم الله خيرًا على ما بذلوه لخدمة شرع الله ودينه، وأصلَح بطانتهم[8]انظر "البراهين الجلية في إبطال العادات القبلية" للمؤلف: ص3.؛ فلسنا بحاجة إلى أحكام الطواغيت وعندنا شرع الله تعالى.
أما قول آل جحيش: "يقام في المُبْلي عند محرمه" أي: إذا قتل أحدًا مِن أجل محارمه، أو ماله، أو قتل أحدًا أو شَجَّه مِن أجل ضيفه، أو ضرب أحدًا أو شجه أو قتله من أجل وَجْهه، أي: نَقَض جيرته، أو كان ذلك من أجل "خويه"، أو نفسه، فإنه يُعطى من الصندوق.
وهذا فيه دعوة للأحكام القبلية، وإعانة الظلمة، والمشاركة في المثارات المحرمة بإعطائهم من هذا الصندوق، وفيه ترك حكم الشرع الذي تحكم به المحاكم، وافتئات على ولي الأمر، والحكم بغير ما أنزل الله، وفيه إشارة منهم إلى أخذ المثارات المحرمة والمشاركة فيها، فإن من العادات القبلية: مثار الضيف، ومثار الخوي، ومثار الجار، ومثار الجيرة، وهو أخذ الأموال الكثيرة، وقد تبلغ الملايين ممن اعتدى على من جوَّروه، وهو المقصود في اتفاق آل جحيش في قولهم: "يقام في المبلي... عند ضيفه، وعند وجهه" كما في البند الثالث.
وقد حكم آل جحيش بهذا الحكم الجاهلي فطبَّقوا اتفاقهم هذا في شهر رجب عام 1433هـ، وذلك أن رجلًا ضرب رجلًا فأصابه شجاج، فجاءت قبيلة هذا الرجل المعتدي واستجاروا بآل جحيش "ردُّوا فيهم الشأن" من القبيلة المُعتدى على رجل منهم، فقَبِل آل جحيش الجيرة والتزموا بها، ثم جاء رجلٌ من المُعتدى على رجلٍ منهم، فرمى رجلًا بالسلاح من القبيلة الأولى المستجيرة بآل جحيش فشجَّه؛ فغضب آل جحيش لأن جيرتهم نُقضت وسُوِّدت وجوههم كما يزعمون، فطالب آل جحيش بأخذ المثار في وجوههم إما بالدم ونثره، وإما بالمال بدلًا من أن يَنثُر آل جحيش دمَ أحدٍ منهم، فاشترط آل جحيش مليونًا و"جِيب فِكْسار" [VXR]، فأخذ آل جحيش المليون والسيارة وأعطوها قبيلة المعتدي الأول بدلًا من تسويد وجوههم وفي نقضهم جيرتَهم، فأخذت هذه القبيلة خمسمائة ألف والسيارة، وأهدَوْا لآل الجحيش من المليون خمسمائة ألف، فما كان من آل جحيش إلا أن قبلوها ثم ردُّوها للقبيلة التي دفعتها مثارًا، ثم صار يقول بعض آل جحيش: هذا يدلُّ على نزاهتنا؛ لأننا أرجعنا خمسمائة ألف.
سبحان الله! ما هذه النزاهة؟!
ثم رجع آل جحيش فيما بينهم فأخذوا الأموال التي دفعوها في الذبائح وأجرة الاستراحات التي دفعوا أموالها في اجتماعاتهم أثناء مشاورتهم في أخذ المثار، فما كان من قبيلة آل جحيش إلا الموافقة على دفع هذه التكاليف للاستراحات والذبائح بالسوية بينهم؛ وهذا لأنهم دفعوا هذه الأموال من أجل وجوههم، فأخذوها من حضن جماعة آل جحيش، وهذا بناء على قولهم: "يقام في المبلي... عند وجهه".
وهذا قد شاع وعلم به القاصي والداني، ولا أحد منهم يقدر أن ينكره.
فهل يقول عاقل: إن اتفاقية آل جحيش مشروعة وتتفق مع الشرع؟ وهل يقول مسلم: إن الإمام محمد بن عثيمين يُحِلُّ هذا الصندوق وأنه من الصناديق الخيرية؟ حاشا وكلَّا[9]انظر "الأعراف والعادات القبلية" للمؤلف: ص8، و9، 15..
فبطل هذا البند الثالث بطلانًا واضحًا والحمد لله، قال الله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، واتضح أن مَن حكم به فقد تحاكم إلى الطاغوت والعياذ بالله تعالى.
- البند الرابع من اتفاقية آل جحيش: قولهم: "كل عاني لعانيه، ولا يدخل في حضن الجماعة"، هكذا كتبوا، ويقصدون بالحضن: المال المجموع في صندوق الجماعة. ويقصدون بالعاني: القريب من جهة الأم، كالخال وأبنائه، وأبناء الخالات.
وأقسام "العنوة" عندهم كثيرة، منها: الخال -كما تقدم- وهو أخو الأم، والخال يعتبر عانيًا إذا كان من أخته أولاد، وتشمل "العنوة" عندهم أيضًا: الجد، والجدة، والخالة[10]انظر "العادات القبلية المخالفة للسريعة الإسلامية" للمؤلف: ص7، و34، 116..
ومقصودهم بقولهم: "كل عانٍ لعانيه" أي: إذا أتى بمالٍ أثناء الغُرْم بين القبائل فهو لعانيه، ولا يدخل هذا المال في صندوق الجماعة، وإنما يكون للعاني وحده. هذا الذي يظهر، وهو بكل حال من عادات الجاهلية المنتنة؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي قال: أبغض الناس إلى الله ثلاثة: مُلحِدٌ في الحرم، ومُبتَغٍ في الإسلامِ سنةَ الجاهلية، ومُطَّلِبُ دمِ امرئٍ بغير حقٍّ لِيُهْرِيقَ دَمَه[11]رواه البخاري: 6882..
والعاني -من الأعراف القبلية- له عاداتٌ عندهم، وأقبحها "مثار العاني" الذي قالت عنه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء مع مثارات أخرى: "إنه من الأحكام القَبَليَّة التي لا يجوز الحكم بها بين الناس، ويحرم على المسلمين التحاكم إليها، لأنها من التحاكم إلى الطاغوت الذي نهينا أن نتحاكم إليه"[12]الفتوى رقم 23211، وتاريخ 19/ 2/ 1426هـ.، وهي في "العادات القبلية" للمؤلف: ص113- 117..
فبطل البند الرابع من بنود اتفاقية آل جحيش.
- البند الخامس: قولهم: "تعتبر الفرقة في حضن الجماعة على حامل التابعية فقط"، ويقصدون بالفرقة أي: القطة [أي: المساهمة المالية] للصندوق عندهم، ويقصدون بحامل التابعية أي: البطاقة الوطنية، فهم يُلزمون جميع القبيلة إلزامًا بدفع المال للصندوق الذي يسمونه "حضن الجماعة"، سواء كان الإنسان فقيرًا أو غنيًّا، حاضرًا أو غائبًا، ما دام يحمل البطاقة.
وهذا فيه ظلم وعدوان، وأكل أموال الناس بالباطل، وقد قال النبي : لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلا بِطِيبِ نَفْسٍ منه[13]رواه أحمد: 20695، وأبو يعلى في "مسنده": 1570، والدارقطني في "سننه": 2885، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1459..
وفي هذا إلزامُ الناس بما لم يشرعه الله تعالى، وإيجاب هذه الأموال عليهم، ولم يوجبها الله [14]انظر تحريم إلزام الناس بدفع الأموال بغير حق: "مجموع فتاوى ابن إبراهيم": 12/ 284، و"الأعراف والعادات القبلية" … Continue reading، وقد أفتت اللجنة الدائمة برئاسة شيخنا الإمام شيخ الإسلام ابن باز بالفتوى رقم 20415، وتاريخ 28/ 5/ 1419هـ: بأن "الإلزامات المالية على أفراد القبيلة، وإيجاب هذه الأمور على الناس، وإجبارهم على أدائها،1 لا يجوز؛ لأنه إلزامٌ بما لم يوجبه الله ورسوله، كما أن هذه الاتفاقيات الملزمة تُحدث البغضاء والشحناء والأحقاد بين المسلمين، وهذا يُنافي ما دعا إليه الشرع المطهر من التواد والتحاب، وجمع القلوب على الخير؛ فالواجب ترك هذه الإلزامات وترك العمل بها"[15]انظر: "الأعراف والعادات القبلية" للمؤلف: ص141، ففتوى اللجنة مقيدة هنا..
فبطل البند الخامس من بنود اتفاقية آل جحيش.
- البند السادس من اتفاقية آل جحيش: قولهم: "يقام في كلِّ عادةٍ قبلية لا تتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية، ومتعارف بها بين القبائل...".
وهذا البند السادس يناقض قولهم في البند الأول: "يقام مع القبائل بالنفعة إذا بُني لهم زربة"، ويقصدون بالزربة: الغرم الذي يخالف الشريعة الإسلامية كما تقدم الرد عليه؛ فقولهم: "يقام في كل عادة لا تتنافى مع الشريعة..." كذب أو جهل منهم، فلا صحة له، ولا وجود له أصلًا في الحقيقة؛ لأنه تناقض عجيب، وهذا التناقض يشمل الأصول الستة المذكورة آنفًا؛ فإنهم لو عملوا بهذا البند لألغوا جميع الاتفاقية مِن أولها إلى آخرها.
فبطل البند السادس من اتفاقية آل جحيش، وهو من التناقض العجيب!
- قولهم تحت البند السادس: "الجحيشي لا يُجوِّر الجحيشي إذا وقع حادث بينهم"، وهذا فيه دعوة إلى أن الجيرة "رد الشأن" جائزة عندهم إذا وقع القتل أو الشجاج في غير آل جحيش، وهذا فيه إقرار للجيرة المحرمة شرعًا؛ لأنها تُسبِّب سفك الدماء وقتل الأنفس بغير حق، حتى لو كان غير القاتل، وقد قال النبي : إِنَّ أَعْتَى الناس على الله : مَن قَتَلَ في حَرَمِ الله أو قَتَلَ غير قاتِلِه، أو قَتَلَ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ[16]رواه أحمد: 6757، وابن حبان: 5996، وحسنه الألباني في "التعليقات الحسان": 5964..
ومعنى "أعتى الناس": من "العُتُوِّ": التجبُّر والتكبُّر، وقد عتَا يَعْتُو عُتُوًّا فهو عاتٍ[17]"النهاية في غريب الحديث والأثر": 3/ 181، مادة "عتا"..
ومعنى "ذحول الجاهلية": "الذَّحْلُ: الوَتْرُ وطلَبُ المُكافأة بجِنايةٍ جُنِيَتْ عليه مِن قتلٍ أو جُرْح ونحو ذلك. والذَّحْلُ: العدَاوة أيضًا"[18]"النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: 2/ 155، مادة "ذحل"، وقال ابن الأثير في موضعٍ آخر في "النهاية في غريب … Continue reading؛ ولأن التحاكم إلى الجيرة المحرمة مِن الحكم بغير ما أنزل الله تعالى. ويُراجِع مَن أراد الحق كتاب "الجيرة بين المشروع والممنوع" الذي أقره عشرة من علماء أهل الإسلام، وقدَّموا له.
الرد على إضافات اتفاقية 1427ه
- قولهم في اتفاقية عام 1427هـ: "فقد اجتمعت قبيلة آل جحيش على كافة لحومهم، واطلعوا على اتفاقيتهم الموضحة بعاليه" يعنون اتفاقية عام 1405هـ، "وقرروا أنها اتفاقية ملزمة سارية المفعول، وهو الأصل في جميع ما يحدث في حضن القبيلة، وما كان عليه الآباء يلتزم به الأبناء...".
وهذه الإضافة الجديدة إلى عاداتهم السابقة فيها ثلاثة أمور محرمة:
الأمر الأول: قولهم فيها: "إنها اتفاقية ملزمة سارية المفعول"، وهذا فيه إلزام الناس بما لم يُلزمهم الله ورسوله به، وإيجاب ما لم يوجبه الله عليهم، ومَن أوجب على الناس ما لم يوجبه الله عليهم فقد شرع شرعًا جديدًا، وزعم أن دين الإسلام ناقص يحتاج إلى أحكام جديدة، والله قد أكمل دين الإسلام، فقال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]، وقال الله : أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ [الشورى:21].
الأمر الثاني: قولهم في اتفاقيتهم: "وهي الأصل في جميع ما يحدث في حضن القبيلة"، وهذا كلام خطير قبيح، لا يقوله إلا جاهل أو مختار لحكم الجاهلية والطواغيت؛ فقد جعلوا الأصل الرجوع إلى الأعراف القبلية، وتركوا القرآن والسُّنَّة، قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:60]. وكان يجب عليهم أن يقولوا: الأصل في جميع ما يحدث الرجوعُ إلى الكتاب والسُّنَّة.
الأمر الثالث: قولهم: "وما كان عليه الآباء يلتزم به الأبناء"، هذا كلام خطير على المسلم، وقَدْح في العقيدة؛ لأن الله ذم الذين يتمسكون بعادات آبائهم القبيحة؛ فقال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [المائدة:104]، وقال الله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ [لقمان:21]، وقال الله تعالى: بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ [الزخرف:22]، وقال في الآية الأخرى: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ [الزخرف:23].
فكيف بمن أنعم الله عليه بالإسلام ثم يقول ما يقوله الكفرة أعداء الله ورسوله ؟! ولا حول ولا قوة إلا بالله.
- قولهم: "وهذه الاتفاقية مرجع للقبيلة"، وهذا كلام قبيح لا يقوله إلا جاهل أو مختار لحكم الجاهلية والعياذ بالله؛ فقد جعلوا المرجع في قضاياهم في هذا الصندوق الذي يسمونه "الحضن" هي الأعراف القبلية، ولم يُوفَّقوا بأن يقولوا: "وقد جعلنا كتاب الله وسنة رسوله مرجعًا للقبيلة"، وقد تقدم الرد على هذه القضية عند قولهم في اتفاقيتهم: "وهي الأصل في جميع ما يحدث في حضن القبيلة"، فأغنى عن الإعادة.
- قولهم في اتفاقيتهم في 2/ 7/ 1427هـ: "إذا تم تحديد موعد لاجتماع القبيلة، وتأخر أحد بفرقته، فيعد مَحْضرٌ بذلك عن المتأخر، ويُصفَّى الحضن، ويُعطى مهلةً تسعين يومًا، وعند حصول حادثة عليه بعد هذه المهلة فلا يقام معه حتى تجتمع القبيلة وتقرر ما تراه بشأنه"؛ وهذا فيه جهل وتحكيم لغير شرع الله ، وفيه تحديد تسعين يومًا ثم يُحكم عليه مِن قِبل القبيلة بما تراه رادعًا له، ولا يُساعَد حتى تَحكم بحكمها، وكلامهم هذا هو حكمٌ من أحكام الجاهلية ومِن الحكم بالطاغوت الذي نُهينا عن التحاكم إليه، وقد قال الله : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، وقال : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [المائدة:47].
- قولهم في اتفاقيتهم في 2/ 7/ 1427هـ: "إذا حدث قضية معاصرة أو حادث، ولم يُوضَّح في بنود هذه الاتفاقية، وحصل عليها خلاف؛ فعلى أعيان القبيلة أن يتشاور منهم عشرة من خيارهم للبَتِّ في القضية والأخذ برأي الأغلبية مِن هؤلاء المتشاورين"، وقولهم: "من خيارهم" يقصدون مِن أَعْرَفِهم بالعادات القبلية والأحكام الجاهلية، سبحان الله العظيم! اللَّه أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، هل يقول هذا الكلام عاقل يعيش في دولة مسلمة تحكم بشرع الله وتَرُدُّ ما تنازَعَ فيه الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ؟! وكان يجب عليهم أن يقولوا: "إذا حدث قضية معاصرة، وحصل عليها خلاف؛ فيجب الرجوع إلى المحكمة والقضاة وأهل العلم ويسألونهم في ذلك؛ لأن الله يقول: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43]، ويقول تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]. وقد تقدم الكلام عن الحكم بغير ما أنزل الله فأغنى عن الإعادة.
- قولهم في اتفاقيتهم في 2/ 7/ 1427هـ: "يُعفى من فرقة الحضن مَن لازم الفراش بسبب المرض المزمن الذي لا يُرجى شفاؤه، أو المعاق عقليًّا منذ الصغر"، هكذا كتبوا، وهذا يدلُّ على ظلمهم السابق، وأنهم كانوا يأخذون المال للصندوق الذي يسمونه "الحضن" أو يسمونه "الفرقة"، يأخذونه من المريض الذي يئس من حياته ولازم الفراش، ويأخذونها من المعاق عقليًّا منذ الصغر، ثم رأوا أن يُحسنوا إلى هؤلاء فيعفونهم من ذلك في 2/ 7/ 1427هـ؛ فدلَّ ذلك على أنهم كانوا يأخذون من هؤلاء قبل 2/ 7/ 1427هـ، هذا ظاهِرُ ما كتبوه في اتفاقهم الجديد الشارح للأصول الستة التي جعلوها أصلًا لعاداتهم في 11/ 11/ 1405هـ، وهذا العمل يدلُّ على حرصهم الشديد على جمع المال لهذا الصندوق بأيِّ وجهٍ يستطيعون الحصول عليه.
- قولهم في قرارهم في 2/ 7/ 1427هـ في الرقم 12 السابق في إعفائهم "المعاق عقليًّا منذ الصغر" ظاهِرُ هذا أنهم يأخذون من المعاق عقليًّا في الكِبَر، هذا هو الظاهر؛ لأنهم أرادوا أن يشرحوا بعض الأصول الستة في عاداتهم؛ فقالوا في اتفاقيتهم في 2/ 7/ 1427هـ: "ولِتطَوُّرِ ظروف العصر، وحدوث قضايا معاصرة لم تحدث في ذلك الزمن" أي في 11/ 11/ 1405هـ، ثم قالوا: "قرَّرَتِ القبيلةُ اعتمادَ إضافةِ بعض اللوائح والشروط المُوضِّحة والمفسرة لهذه الاتفاقية المذكورة أعلاه"، ثم بيَّنوا إعفاءهم المريضَ الذي لا يُرجى بُرْؤه، ولا يكفي هذا؛ فلابد أن يكون ملازمًا للفراش، ثم أعفوا المعاق عقليًّا منذ الصغر، وظاهر اتفاقهم يدلُّ على بقاء المعاق عقليًّا منذ الكِبَر أنه لا يُعفى على حسب كتابتهم هذه، والله أعلم.
الرد على الاحتجاج بفتوى العلامة ابن عثيمين
- احتجاج بعضهم بأن الإمام العلامة الحبر محمد بن صالح العثيمين أجاز هذا الصندوق، وهذا كذب وزور وبهتان، وقولٌ على العلماء ما لم يقولوا؛ فقد سئل عن حكم الصناديق القائمة على الغرم وإلزام الناس بالدفع فيها ومقاطعة من لم يشترك فيها؛ فأفتى بأن هذه الصناديق لا يجوز وضعها ولا إقامتها؛ لأن فيها استخفافًا بالدماء، وتَجْرِئةً للسفهاء على الإقدام على الوقوع في الحوادث من أجل اعتماده على هذه الصناديق، وأجاز الصناديق الخيرية للجمعيات الخيرية، وهي التي ليس فيها إلزامٌ بالدفع وتُصرف في طرق الخير[19]أخبرني بذلك فضيلة الشيخ الداعية المعروف أحمد بن عبدالله بن متعب، وقال بأنه هو الذي سأله عن هذا السؤال، فأجاب … Continue reading.
وقال العلامة ابن عثيمين أيضًا في الصناديق التعاونية الخيرية: "إنه ينبغي أن يُجعل هذا عونًا لمن حصل عليه حادث، يعني حصل عليه ما لا يمكنه دفعه، مِن كسرٍ أو مرضٍ أو ما أشبه ذلك. وأما أن يُجعل مَعُونةً لمن حصل منه الحادث فهذا لا ينبغي؛ لأننا إذا وضعنا هذا الصندوق وجعلناه لكل مَن حصل عليه حادث أو منه حادث؛ أوجب أن يَتهوَّر السفهاء ولا يبالوا بالحوادث التي تقع منهم؛ لأنه حيث علم أن هناك صندوقًا يُؤمِّن ما يلزمه من ضمان بسبب هذا الحادث؛ فإنه لا يبالي، سواء حدث منه الحادث أو لم يحصل؛ لهذا أقول: إن هذه الصناديق موجودة حتى في هذه البلاد السعودية، ولكن ينبغي أن تكون هذه الصناديق التعاونية معونة فيمن حصل عليه الحادث الذي يحتاج إلى مساعدة مالية، لا مَن حصل منه الحادث؛ للوجه الذي ذكرته، وهو أن هذا يؤدي إلى التساهل والتهور وعدم المبالاة بالحوادث التي تقع من الإنسان"[20]"فتاوى نور على الدرب" لابن عثيمين: 1/ 78..
وأما حديث الأشعريين ؛ فلفظه عن أبي موسى قال: قال النبي : إنَّ الأَشْعَرِيِّين إذا أَرْمَلُوا[21]"أرملوا" قال ابن الأثير: أي نَفِدَ زادُهم، وأصلُه مِنَ "الرَّمْلِ" كأنَّهم لَصِقوا بالرَّمْل، كما قيل … Continue reading في الغزو أو قَلَّ طعامُ عيالِهم بالمدينة، جَمَعُوا ما كان عندهم في ثَوْبٍ واحدٍ ثم اقتَسَمُوه بينهم في إناءٍ واحدٍ بالسَّويَّةِ، فهُمْ مِنِّي وأنا مِنْهُمْ[22]رواه البخاري: 12486، ومسلم: 2500.، فهو في موضوع آخر يدلُّ على الصناديق التعاونية الخيرية التي يُبتغى بها وجه الله والدار الآخرة.
فقد قال الإمام محمد بن عثيمين في شرحه لكتاب "رياض الصالحين" في آخر باب فضل الإيثار: "حديث أبي موسى الأشعري وأصحابه الذين هم من الأشعريين من أهل اليمن، كانوا يتساعدون في أمورهم، فإذا أتاهم شيء من المال جمعوه ثم اقتسموه بينهم بالسوية، قال النبي : فهم مني وأنا منهم؛ قال ذلك تشجيعًا لما يفعلونه.
وهذا الحديث أصل في الجمعيات التعاونية التي يفعلها بعض الناس اليوم، تجتمع القبيلة على أن يضعوا صندوقًا يجمعون فيها ما تيسر من المال، إما بالنسبة وإما بالاجتهاد والترشيح، فيتفقون مثلًا على أنَّ كلَّ واحدٍ منهم يدفع اثنين من المائة من راتبه أو من كسبه أو ما أشبه ذلك، ويكون هذا الصندوق مُعدًّا للجوائح والنكبات التي تحصل على واحدٍ منهم؛ فهذا أصلُ حديث أبي موسى ، فإذا جمع الناس صندوقًا على هذا النحو ليتساعدوا فيه على نكبات الزمان من الحوادث وغيرها؛ فإن لذلك أصلًا في السُّنَّة، وهو من الأمور المشروعة.
ولكن ينبغي أن نعلم أن هذا الصندوق قد يكون لمن يقع عليه الحادث وقد يكون لمن يقع منه الحادث:
أما الأول: فأن يوضع الصندوق للناس لمساعدة الناس الذين يحصل عليهم جوائح، مثل جوائح تُتلف زروعهم ومواشيهم، أو أمطار تهدم بيوتهم، أو حوادث تحدث على سياراتهم من غيرهم، فيحتاجون إلى المساعدة؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه.
أما الثاني: فهو للحوادث التي تقع من الشخص، فإذا فعل شخص حادثًا إذا دعس أحدًا أو ما أشبه ذلك فينبغي أن يُنظر في هذا الأمر؛ لأننا إذا وضعنا صندوقًا لهذا؛ فإن السفهاء قد يتهوَّرون ولا يهمهم أن تقع الحوادث منهم، فإن قُدِّر أننا وضعنا صندوقًا لهذا الشيء فليكن ذلك بعد الدراسة، دراسة ما حصل من الشخص دراسة عميقة، وأنه لم يحصل منه تَهَوُّر ولم يحصل منه تفريط، وإلا فلا ينبغي أن توضع الصناديق لمساعدة هؤلاء السفهاء الذين يومًا يدعسون شخصًا ويومًا يصدمون سيارة وما أشبه ذلك، وربما يقع ذلك عن حال غير مرضية كسُكْر، أو عن حال يُفرِّط فيها الإنسان كالنوم مثلًا.
المهم أن هذه الصناديق تكون على وجهين:
الوجه الأول: مساعدة من يحصل عليه الحادث؛ فهذا طيب ولا إشكال فيه .
والوجه الثاني: أن يكون ممن يحصل منه الحادث، فهذا إن وضع -ولا أُحبِّذ أن يوضع، لكن إن وُضِع- فإنه يجب التحرُّز والتثبُّت مِن كون هذا الرجل الذي حصل منه الحادث لم يحصل منه تفريط ولا تَعَدٍّ.
ثم إنَّ هذا المال الذي يُوضع في الصندوق ليس فيه زكاة مهما بلغ مِن القَدْر؛ وذلك لأنه ليس له مالك، ومِن شروط وجوب الزكاة أن يكون المال له مالِكٌ، وهذا الصندوق ليس له مالك، بل مَن حصل عليه حادث فإنه يُساعَد منه، وأما أصحاب الصندوق الذين وَضَعوا هذه الفلوس فيه فإنهم لا يملكون نَقْدها؛ لأنهم قد أخرجوها مِن أموالهم للمساعدة، وعلى هذا فلا يكون فيها زكاة"[23]"شرح كتاب رياض الصالحين": ص595..
فكلام العلامة ابن عثيمين المتقدم كله في الصناديق التعاونية الخيرية التي يُبتغى بها وجه الله تعالى والدار الآخرة، وأما الصناديق القَبَلية التي يُلزَم الناس بالدفع فيها وتُصرف في المثارات والغرم وفي قتل العمد وفي مثار الجيرة وفي المساعدة على الأحكام الجاهلية؛ فهذه الصناديق محرمة، ويحرم الاشتراك فيها، وهي غير الصناديق التي تكلم فيها العلامة ابن عثيمين.
وقد أفتى العلماء، منهم الإمام محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية في عهده، والإمام ابن باز، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية برئاسته، وبرئاسة سماحة المفتي عبدالعزيز آل الشيخ، والعلامة ابن عثيمين كما تقدم: بأن هذه الصناديق لا يجوز أن تُوضَع، ولا يجوز أن يُلزَم الناس بالدفع فيها؛ فإن هذا يسبب الشحناء والعداوة والبغضاء؛ ولما فيها من الإعانة على الظلم والعدوان وأكل أموال الناس بالباطل.
وقد ذكرتُ هذه الفتاوى في كتابي: "الأعراف والعادت القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية"، فمَن أراد الاطِّلاعَ عليها يَرجع لها[24]"الأعراف والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية": ص80- 200.. وأما فتاوى ابن عثيمين في تحريم هذه الصناديق المبنية على الإلزام؛ فقد ذكرتُها ومراجعَها قبل أسطر، وبالله التوفيق.
فعلى ما تقدم اتضح أن اتفاقية آل جحيش مخالفة للكتاب والسُّنَّة، وهي من العادات الجاهلية، ومن التحاكم إلى الطاغوت الذي نُهينا عن التحاكم إليه.
مخالفة الاتفاقية لأوامر ولاة الأمر وفتاوى العلماء
مخالفة أوامر الملك سلمان بن عبدالعزيز
15- اتفاقية آل جحيش مُخالِفةٌ لأمر ولي الأمر الموفق الحازم الملك سلمان بن عبدالعزيز خادم الحرمين الشريفين حينما كان أميرًا للرياض، حفظه اللَّه تعالى ووفقه، أمر في تعميمه رقم 3186/ 5، وتاريخ 19/ 5/ 1420هـ، وتعميمه رقم 6583/ ش، وتاريخ 12/ 4/ 1425هـ، وتعميمه رقم 20514/ ش، وتاريخ 18/ 11/ 1427هـ بمنع العادات الجاهلية المخالفة للشريعة الإسلامية منعًا باتًّا، والحزم في ذلك وعدم التساهل، والرفع له عمن يثبت لجوؤه إلى التحاكم لهذه العادات والأعراف الجاهلية القبلية، والتأكيد على الجميع بأن موضوع ردِّ الشأن غيرُ مقبول، وأن الدولة هي المسؤولة، وإحالة من يتحاكم إلى الأعراف والعادات الجاهلية القبلية إلى المحكمة للنظر فيها شرعًا بالحقين الخاص والعام؛ لِتُقرِّر المحكمةُ ما يجب حيال القضية وحيال ما قام به الأطراف من التحاكم إلى تلك العادات الجاهلية، ومَنْع ذلك، ومِن ذلك ما يُعرف برَدِّ الشأن، وأَمَرَ فيه سموه بالتنبيه على مشايخ القبائل بترك العادات الجاهلية، والرجوع إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله عند الخصومات، وأَمَر فيه سموه بأنَّ على كلِّ شيخٍ إبلاغَ نوابِ جماعته وأخذ توقيعهم، وإنذارهم بأن من عاد منهم فسوف يُحال إلى الشرع، وقد جاء في نصِّ تعميم سموه -حفظه اللَّه ووفقه وأطال في عمره على طاعته- الأمر الحكيم الرشيد الآتي:
"...السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إلحاقًا لتعميمنا رقم 6583/ ش وتاريخ 12/ 4/ 1425هـ، وتعميمنا رقم 3186/ 5 وتاريخ 19/ 5/ 1420هـ، والمبني على تعميم صاحب السمو الملكي وزير الداخلية رقم 48/ 7 وتاريخ 29/ 4/ 1420هـ، والمَبْني على ما كتبه لسموه سماحة المفتي العام للمملكة العربية السعودية سماحة الشيخ/ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، بخطابه رقم 192/ 2 وتاريخ 9/ 1/ 1420هـ، والمتضمن: أن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء درست ما ورد من بعض القضاة عن الاتفاقيات الموجودة لدى بعض القبائل المتضمن بنودًا يُلزَم فيها أفرادُ الجماعة بدفع مبالغ مالية... إلخ، وقد رأت اللجنة الدائمة التعميم على أمراء المناطق بالعمل بفتوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وفتاوى اللجنة الدائمة والخاصة بأحكام القبائل وأعرافهم.
ورغبة سموه التماشي مع ما جاء في فتاوى سماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم، وفتاوى اللجنة الدائمة فيما يخصُّ تلك الاتفاقيات، وإحالة ما أشكل منها للمحاكم الشرعية للنظر فيه، وإجازة ما يوافق الشريعة الإسلامية وإبطال ما يخالفها، مع التنبيه على مشايخ القبائل ومعرفي ونواب القبائل للتماشي مع موجبه.
ونظرًا لما تضمنَّته تلك المظاهر من تحكيمٍ لعاداتٍ جاهلية وتقديمها على القضاء الشرعي، وما يتخلَّلها مِن بَذْل الأيمان أمام مَن يتحاكمون إليهم زاعمين أن ذلك من باب السعي بالصلح، وهو خلاف الواقع؛ لأن الصُّلح أساسه التراضي بين الأطراف دون أن يصاحب ذلك الصلحَ مخالفاتٌ شرعية من التحاكم إلى رؤسائهم، والإذعان لما يحكمون به، وبذل الأيمان التي محلُّ بَذْلها القضاء الشرعي في المحاكم.
وحيث إن الفتاوى الصادرة من سماحة الشيخ/ محمد بن إبراهيم، نصَّت على أن التحاكم إلى السلوم يُعتبر تحاكمًا إلى غير شرع اللَّه، ومن يظن أن فيه مصلحة إنما هو ظن فاسد، وأن على الجميع التنبُّه لهذا الأمر، وعلى ولاة الأمر التأديب البليغ لكلِّ مَن ارتكب هذه الجريمة، كما أن فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء تضمنت عدم التحاكم إلى الأحكام العرفية والمبادئ القبلية؛ لأنها من التحاكم إلى غير شرع الله، وأن على الجميع إرجاع خلافاتهم إلى القضاء الشرعي، والابتعاد عن الاتفاقيات الملزمة للأفراد؛ لذا يعتمد ما يلي:
أولًا: منع هذه العادات منعًا باتًّا، والحزم في ذلك وعدم التساهل، والرفع لنا عمن يَثبُت لجوؤه إلى التحاكم إلى هذه العادات والأعراف الجاهلية، والتأكيد على الجميع بأن موضوع ردِّ الشأن غيرُ مقبول، وأن الدولة هي المسؤولة، والتأكيد على مشايخ القبائل ومعرِّفيهم ونوابهم بما سبق تعميمه برقم 3186/ 5 وتاريخ 19/ 5/ 1420هـ المبني على تعميم سمو وزير الداخلية المشار إليه أعلاه، والمتضمن: التنبيه على مشايخ القبائل بترك عادات الجاهلية، والرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله عند الخصومات، وعلى كل شيخ إبلاغ نواب جماعته بذلك، وأخذ توقيعهم وإنذارهم بأن من عاد منهم فسوف يحال إلى الشرع.
ثانيًا: إحالة أطراف القضايا التي فيها تحكيم هذه العادات والأعراف الجاهلية إلى المحكمة؛ للنظر فيها شرعًا بالحقين: الخاص والعام، لتقرر المحكمة ما يجب حيال القضية وحيال ما قام به الأطراف من التحاكم إلى تلك العادات الجاهلية (فاصلة) -هكذا في أصل التعميم-؛ فقد لاحظنا استمرار قيام بعض الأفراد بالتحاكم إلى العادات والأعراف القبلية، ولجوء البعض إلى إقامة تجمعات لأفراد القبيلة لهذا الغرض، ومِن ذلك ما يُعرف باسم ردِّ الشأن.
وحيث إن هذه المظاهر وما تتضمنه من تحكيمٍ لعادات جاهلية وتقديمها على القضاء الشرعي، وما يصاحبها من مخالفات شرعية؛ لذا يعتمد ما جاء في تعاميمنا السابقة من إحالة أطراف القضايا التي فيها تحكيم هذه العادات والأعراف الجاهلية إلى المحكمة؛ للنظر فيها شرعًا بالحقين العام والخاص، لتقرر المحكمة ما يجب حيال القضية وحيال ما قام به الأطراف من التحاكم إلى تلك العادات الجاهلية، ولكم تحياتنا".
انتهى تعميمه، حفظه اللَّه ورفع منزلته، ووفقه لكل خير، وأمدَّ في عمره على طاعته.
مخالفة أوامر الأمير نايف بن عبدالعزيز
16- اتفاقية آل جحيش مخالفة لأمر ولي العهد الأمير نايف بن عبدالعزيز حينما كان وزيرًا للداخلية، في تعميمه على أمراء المناطق رقم 48/ 7 وتاريخ 29/ 4/ 1420هـ، بناءً على ما كتبه له سماحة العلامة الشيخ عبدالعزيز ابن باز؛ حيث أصدر تعميمه الذي أمر فيه بالتمشي بما جاء في فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وفتاوى اللجنة الدائمة، فيما يخص العادات الجاهلية القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية، التي كتبها له سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز، وإحالة ما أشكل منها للمحاكم الشرعية للنظر فيها، وإجازة ما يوافق الشريعة وإبطال ما يخالفها، مع التنبيه على مشايخ القبائل ومعرفي ونواب القبائل بالتمشي بموجبه.
نسأل اللَّه أن يغفر لسموه، كما قَبِل ما طلبه منه سماحة العلامة الشيخ عبدالعزيز ابن باز.
مخالفة فتوى الإمام عبدالعزيز ابن باز
17- اتفاقية آل جحيش مخالفة لفتوى شيخ الإسلام الإمام عبدالعزيز بن عبداللَّه بن باز، في خطابه رقم 192/ 2 وتاريخ 9/ 1/ 1420هـ، إلى صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز، بطلب منع العادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية، وتعميد الجهات المختصة بذلك، والتعميم على أمراء المناطق بالعمل بما جاء في فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ، قال فيه:
"من عبدالعزيز بن عبداللَّه بن باز إلى حضرة صاحب السمو الملكي الأمير المكرم/ نايف بن عبدالعزيز – وزير الداخلية، وفقه اللَّه.
سلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. وبعد:
فأفيد سموكم الكريم أن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء درست ما وردها من بعض القضاة في المملكة، عن الاتفاقيات الموجودة لدى بعض القبائل، المتضمنة بنودًا يُلزم فيها أفراد الجماعة من القبيلة بدفع مبالغ مالية معينة، أو ذبح عدد من الغنم لأفراد القبيلة عند حصول مخالفة لأحد هذه البنود.
وحيث إن هذه الإلزامات غير شرعية، وتُحدث البغضاء والشحناء والأحقاد والفرقة بين أفراد القبيلة الواحدة؛ فقد رأت اللجنة الدائمة برئاستي، واشتراكي الكتابة لسموكم، برجاء تعميد الجهة المختصة بالتعميم على أمراء المناطق بالعمل بما جاء في فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم، وفتاوى اللجنة الدائمة، المرفقة نسخها الخاصة بأحكام القبائل وأعرافهم، وإحالة ما أشكل عليهم إلى المحاكم الشرعية.
فأرجو من سموكم التكرم بالاطلاع واتخاذ ما يلزم نحو ذلك، سائلًا الله أن يوفق سموكم لكل ما يحبه ويرضاه، وأن يعين الجميع على كل خير، إنه خير مسؤول.
والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
المفتي العام للمملكة العربية السعودية، ورئيس هيئة كبار العلماء وإدارة البحوث العلمية والإفتاء".
مخالفة فتاوى الإمام محمد بن إبراهيم
18- اتفاقية آل جحيش مخالفة لفتوى مفتي الديار السعودية الشيخ الإمام العلامة محمد بن إبراهيم، وهي على النحو الآتي:
1- الحكم بعادات الأسلاف والأجداد
قال: من محمد بن إبراهيم... إلى من يراه من المسلمين، سلك اللَّه بنا وبهم سبيل عباده المؤمنين، وأعاذنا وإياهم من طريق المغضوب عليهم والضالين، آمين. إنَّ مِن أقبح السيئات وأعظم المنكرات التحاكم إلى غير شريعة اللَّه، من القوانين الوضعية والنظم البشرية وعادات الأسلاف والأجداد، التي قد وقع فيها كثير من الناس اليوم وارتضاها بدلًا من شريعة اللَّه التي بَعَث بها رسوله محمدًا ، ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن وحذَّر عنها الرسول .
2- الحكم بالسُّلُوم، والأعراف، والعادات القبلية الجاهلية
قال العلامة محمد بن إبراهيم في خطاب له: "السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. وبعد:
فقد بلغنا بسبب شكوى الربادي أنه موجود من بعض الرؤساء ببلد الرين من يحكم بالسُّلُوم [الأعراف والعادات] الجاهلية، فساءنا ذلك جدًّا، وأوجب علينا الغيرة لأحكام اللَّه وشرعه؛ لأن ذلك في الحقيقةِ حكمٌ بغير ما أنزل اللَّه، وقد قال اللَّه تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44]، وقال في الآية التي بعدها: فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [المائدة:45]، وفي آية أخرى: فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ [المائدة:47]. وقد أنكر اللَّه سبحانه على من ترك التحاكم إلى شرعه المطهَّر وابتغى التحاكم إلى غيره من الآراء والأهواء بقوله تعالى: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].
فلا حكم أحسن ولا أعدل من حكم اللَّه؛ لأنه تعالى أحكم الحاكمين، وهو العليم بمصالح عباده، والحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، وأيضًا فإن اللَّه قد أمر عباده أن يَكْفروا بالطاغوت، وأنكر على مَن أراد التحاكم إليه، وأخبر أن ذلك من إضلال الشيطان لهم، فقال سبحانه: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:60]، وقال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
فالواجب عليكم التنبه لهذا الأمر، والإنكار على مَن فعله، بل يتحتم على ولاة الأمور التأديب البليغ لكل من ارتكب هذه الجريمة التي قد تُفضي إلى ما هو أكبر إثمًا مِن الزنا والسرقة؛ لأن كل من خالف أمر اللَّه وأمر الرسول وحكم بين الناس بغير ما أنزل اللَّه مُتَّبِعًا لهواه ومعتقدًا أن الشرع لا يكفي لحل مشاكل الناس؛ فهو طاغوت قد خلع ربقة الإيمان من عنقه وإن زعم أنه مؤمن، وقد قال : لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ[25]رواه ابن أبي عاصم في "السنة": 15، والبغوي في "شرح السنة": 104، وصححه النووي في "الأربعين النووية": ص113..
وقد يظن بعض الجهال أن التحاكم إلى السُّلُوم فيه مصلحة، وهذا الظن فاسد؛ لأن ذلك مفسدة محضة، بل إفساد في الأرض؛ لأنه من أكبر معاصي اللَّه، وكل من عصى اللَّه في الأرض فقد أفسد فيها، وقد قال تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة:11- 12]. وفقني اللَّه وإياكم لمعرفة الحق واتباعه، وأعاذنا جميعًا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، آمين. والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
رئيس القضاة. (ص/ ق 360 في 5/ 5/ 1380).
3- حكم مساعدة المعتدي وتشجيعه بدفع الديات عنه، وحكم إجبار القبائل أفرادهم بدفع الأموال وبالتمسك بعوائدهم في أرش الجنايات والديات
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب السمو الملكي وزير الداخلية، وفقه اللَّه.
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته. وبعد:
فقد جرى اطلاعنا على المعاملتين المبعوثتين إلينا منكم رفق خطاب سموكم رقم 3299/ 6 وتاريخ 9/ 7/ 86، تتعلق أولاهما بمطالبة شيخ شمل الحقو إلزام قبائله بالتمسك بعوائدهم في أرش الجنايات والديات، وتشتمل على خطاب فضيلة قاضي الحقو رقم 254 في 17/ 6/ 1386 هـ المتضمن اعتراضه على ما اتفقت عليه القبائل من التناصر والتكاتف والتعاون في دفع الديات وأروش جنايات العمد، وإن ذلك لا يجوز شرعًا؛ لمخالفته المقتضيات الشرعية، ولما فيه من مساعدة المعتدي وتشجيعه على الاعتداء ما دامت قبيلته تساعده وتناصره وتعينه في دفع ما يترتب عليه.
وتتعلق الأخرى بمطالبة مقبول بن فهد وأخيه سعد بالتخلي عن عوائد قبيلتهما من مساعدة المتزوجين وضيافة الضيوف ونحو هذه الأمور، وامتناعهما عن تسليم ما اتجه عليهما لقبيلتهما من هذه الأمور، وقد جاء في خطاب سموكم أن إمارة أبها وإمارة السراة ارتأتا ضرورة إلزام مقبول بن فهد وأخيه سعد بالدخول مع جماعاتهم في عوائدهم، وعدم إفساح المجال لمثل هذه الطلبات، حيث إن إضاعتها إضاعة لهذه العوائد القبلية. وترون سموكم أن هذه العوائد قديمة، قد بدأ التذمر منها، فالإلزام بها -والحال أنها لم تكن طبق مقتضيات شرعية- أمر لا مبرر له. إلى آخر ما ذكرتموه، وترغبون سموكم إبداء مرئياتنا تجاه هذه العوائد.
ونُشعركم أنه بدراستنا للمعاملة الأولى بمطالبة شيخ شمل الحقو إلزام قبائله بالتمسك بعوائدهم السابقة، وبتتبعنا أوراقها، بما في ذلك خطاب قاضي الحقو المشار إليه، وإلى مضمونه أعلاه؛ وجدنا أن ما قرره فضيلته صحيح، وأن مثل هذه العوائد من عوائد الجاهلية المبني كثيرٌ منها على الظلم ومناصرة أهله؛ فيتعين إبطال هذه الاتفاقيات، والاقتصار على حكم اللَّه ورسوله.
وبدراستنا للمعاملة الثانية؛ وجدنا أن ما أشار إليه فضيلة قاضي السراة بموجب خطابه رقم 174 في 6/ 3/ 86، المتضمن عدم إجبار مقبول وأخيه سعد بتسليمهما ما ينوبهما من عوائد القبيلة؛ صحيح، وأن ما أشارت إليه إمارتا السراة وأبها من ضرورة إلزام مقبول وأخيه بما طولبا به غير صحيح، وأن ما أشرتم إليه سموكم من أن التمسك بهذه العوائد قد يطغى على مر الزمن على تعاليم ديننا الحنيف، وفي الشريعة الإسلامية ما يكفي لحماية الفرد والمجتمع، وأنه ليس في خروج هذين الفردين على عوائد قبيلتهما ما يُعتبر خروجًا على جماعة المسلمين ...
وعليه؛ فأي عوائد قبيلة تمس مصالح المسلمين عامة، أو تهون العدوان عليهم أو على أفرادهم، أو يكون فيها إلزامٌ لأفرادِ أصحابِ هذه العوائد بما لا يلزمهم شرعًا؛ فهي باطلة، والإلزام بها فرع عن بطلانها. ونعيد إلى سموكم كامل الأوراق، واللَّه يحفظكم. والسلام.
مفتي الديار السعودية. (ص/ ق 2065 في 23/ 4/ 1387هـ).
4- السعي إلى إبطال الحدود بالشفاعات، والمشورات، وبذل الأموال الكثيرة:
يقول العلامة محمد بن إبراهيم مفتي الديار السعودية: "..... ثم هناك مسألة تقع كثيرًا، وهي أن بعض الناس قد يعتدي ويقتل عمدًا وعدوانًا، ثم يلتجئ إلى أناس لا يمكن أنهم باللفظ يَمنعون ما يجب عليه مِن حقِّ القَوَد، لكن يسعون بالشفاعات والمشورات وبذل أموال كثيرة، وهم بلسان الحال كالممتنعين عن إقامة الحد، وهذا يحصل به فساد كبير، يعترضون اعتراضًا تامًّا، فإذا كثر الشور الذي كالقهر فينبغي أن يقابل بالرد، أما مطلق السعي أو الحاكم يشير بقبول الدية، فهذا خير".
مخالفة فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
19- اتفاقية آل جحيش مخالفة لفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز ابن باز، ثم رئاسة سماحة الشيخ مفتي عام المملكة عبدالعزيز بن عبداللَّه آل الشيخ حفظه اللَّه، ومنها الفتاوى الآتية:
1- الإلزامات المالية ووضعها في صندوق القبيلة
فتوى رقم 18982 وتاريخ 19/ 7/ 1417هـ:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على ما ورد إلى سماحة المفتي العام، من المستفتي/ عوض بن سعيد المالكي، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (2571) وتاريخ 13/ 5/ 1417هـ، وقد سأل المستفتي سؤالًا هذا نصه: (برفق هذا الكتاب صورة اتفاق أفراد القبيلة على التعاون على تحمل الدماء، وذلك ما يسمى بالتأمين التعاوني، وقد ذكر في بنود عددها (15) بندًا، أرجو من سماحتكم الاطلاع عليها، مع بيان ما يحل منها وما لا يحل، وهل هذا العمل سائغ في الجملة؟).
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
بالنظر في الاتفاقية المذكورة، تبين أنها مشتملة على إلزامات مالية لكل فرد يجب الوفاء بها، وجزاءات غير شرعية يجب الخضوع لها، ولما كانت هذه الإلزامات غير شرعية، وتُحدث البغضاء والشحناء والأحقاد والفرقة بين أفراد القبيلة الواحدة؛ فالواجب الابتعاد عن هذه الاتفاقيات الملزمة والمشتملة على ما ذكر؛ لأن من مقاصد الشريعة المطهرة سد الذرائع الموصلة إلى إثارة الشحناء والبغضاء والفرقة بين المسلمين؛ ولأنه من المقرر شرعًا أنه لا يحل أخذ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، والإجبار على ذلك منافٍ لهذا الأصل. وبالله التوفيق.
وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:
| عضو | عضو | عضو | نائب الرئيس | الرئيس |
| عبدالله بن عبدالرحمن الغديان | بكر بن عبداللَّه أبو زيد | صالح بن فوزان الفوزان | عبدالعزيز بن عبداللَّه بن محمد آل الشيخ |
عبدالعزيز بن عبداللَّه بن باز |
2- صندوق القبيلة، وإلزام الناس به، والفرق بينه وبين الدية على العاقلة
فتوى رقم (22400) وتاريخ 19/ 5/ 1423هـ:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل بن عبدالعزيز، أمير منطقة عسير، برقم 47612 وتاريخ 11/ 8/ 1422هـ، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (2078) وتاريخ 15/ 8/ 1428هـ، بشأن اتفاقية جماعة بني علي ناهس شهران على إنشاء صندوق تعاوني خاص بهم، وطلب سموه دراسة الاتفاقية المذكورة وإصدار فتوى حولها، وقد جاء في كتاب سموه ما نصه: (إشارة لخطاب رئيس مركز يعرى المكلف رقم 1144 في 24/ 5/ 1422هـ، بشأن الأوراق المتعلقة بدعوى/ راشد بن علي جرمان ضد النائب/ سعد سعيد جرمان ورفقاه في موضوع صندوق لقبيلته، وحيث إنه بإحالة الأوراق لفضيلة قاضي محكمة يعرى أصدر الحكم المحرر في 23/ 11 /1421هـ، والمصدق من محكمة التمييز بالقرار رقم 37/ 3 في 10/ 1/ 1422هـ، المتضمن إفهام المدعي أن دعواه غير مسموعة شرعًا لعدم تحريرها لفقد صفة الشرعية في تحريرها، وعند إحالة القضية للجهات المختصة لتنفيذ ما صدر حيالها، فقد حضر/ راشد علي جرمان، وقرر بتاريخ 7/ 5/ 1422هـ بأن دعواه ضد الاتفاقية والصناديق التي تخالف الشريعة، ويطلب بإنفاذ خطاب هذه الإمارة رقم 55567 في 22/ 9/ 1421هـ.
وبناء على ذلك أعيدت هذه الأوراق للإمارة بخطاب رئيس مركز يعرى المشار إليه أعلاه، المفيد بأنه سبق وأن صدر أمرنا التعميم رقم 369 س في 29/ 12/ 1420هـ المشار فيه إلى أنه سبق أن رفعت قضية مماثلة لسمو وزير الداخلية في موضوع صندوق جماعة أخرى عليه معارضات، ورأى سموه في خطابه رقم 12792 في 5/ 3/ 1420هـ إحالة ذلك الموضوع وما صدر عليه من فتاوى لسماحة المفتي رقم 82 س في 8/ 6/ 1420هـ، المتضمنة بأن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية درست الاتفاقية، وتبين لها أن على بعض تلك الاتفاقية ملاحظات شرعية، ومنها الاشتمال على إلزامات مالية وهذه غير جائزة شرعًا؛ لما تُفضي به من الشحناء والفرقة، والقاعدة الشرعية تنص على سد الذرائع الموصلة إلى أي شحناء.
وبدراسة هذه الأوراق من قبل الجهة المختصة بالإمارة، أرتئي أنه من المستحسن عرض أوراق هذه القضية على سماحتكم؛ لدراسة اتفاقية الصندوق التعاوني الخاص بجماعة بني علي ناهس المؤرخة في 11/ 2/ 1420هـ والشروط الملحقة بها، وإصدار فتوى شرعية حول إمكانية الإبقاء على هذا الصندوق من عدمه في ظل الإلحاح المتزايد من المطالبين بإلغائه حتى رصد عدد لفات هذه القضية إلى أكثر من مائتين وخمسين لفة.
لذا نأمل من فضيلتكم دراسة الاتفاقية، والشروط الملحقة بها، وإصدار فتوى تبين ما إذا كانت تلك الاتفاقية وشروطها جائزة شرعًا، وقد تم تزويد الجهة المختصة بهذه الإمارة بصورة من خطابنا هذا للتعميم على جميع المحافظات ورؤساء المراكز ومشايخ القبائل والنواب بعدم وضع أختامهم على اتفاقيات الصناديق التعاونية؛ لئلا تأخذ تلك الاتفاقيات الصيغة الرسمية، ومن ثم يراها البعض موافقة وهي في الأصل مخالفة لما رآه سمو وزير الداخلية بمنعها درءًا للمشاكل، وفق ما أشير إليه في تعميمنا رقم 396 س في 29/ 12/ 1420هـ.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء، أجابت بأنها اطلعت على اتفاقية صندوق قبيلة بني علي ناهس وما أرفق بها، وقد ظهر لها أن على هذه الاتفاقية ملحوظات، منها:
1 - ورد في بند (أولًا) من الاتفاقية عبارة: "فيكون دفعها على عموم القبيلة بالتساوي ممن يحمل البطاقة"، وهذه العبارة محل نظر؛ لأنها واردة في تحمل الدية التي تجب على العاقلة، والشأن فيما يجب على العاقلة أن الأقرب إلى الجاني يتحمل أكثر من الأبعد، وأن الفقير لا يتحمل شيئًا، وكذلك المرأة، ومن بلغ مكلفًا يشترك في العقل وإن لم تكن معه بطاقة.
2- ورد في بند (ثانيًا): "أي شخص من القبيلة يتحمل مبلغًا ماليًّا في دم نتيجة إهمال أو إدانة في أي قضية غير مخلة بالشرف، وثبت ذلك شرعًا؛ فتتحمل القبيلة ما نسبته 70%"، وهذا النص مخالف لما هو متقرر عند الفقهاء من أن العاقلة تتحمل الدية كاملة في قتل الخطأ وشبه العمد، والدم عند الإطلاق ينصرف إلى القتل.
3- ورد في بند (ثالثًا) عبارة: "يُستبعد من هذه الاتفاقية مَن يتحمل مبالغ ... وكذلك من اعتدى على أحد أفراد القبيلة ..."، واستثناء مَن تعدى على أحد أفراد القبيلة خطأ، لا وجه له؛ إذ لا فرق في تحمل العاقلة بين ما إذا كان المقتول خطأ أو شبه عمد مِن أفراد القبيلة أو من غيرهم.
4- ورد في بند (خامسًا) عبارة: "والصندوق كعاقلةٍ مُلزمة للقبيلة"، يَرِدُ على هذه العبارة أمران:
- الأول: أن جعل الصندوق كالعاقلة غير صحيح؛ لأن الاشتراك في الصندوق أمر اختياري، بينما وجوب الدية على العاقلة أمر لا اختيار فيه.
- الثاني: جعل الصندوق ملزمًا لأفراد القبيلة لا وجه له؛ لأنه إلزام لهم بما لم يلزمهم به الشرع.
وبناء على ما ذُكر؛ فإن هذه الاتفاقية غير صالحة للعمل بها على وجهها الحالي، ويتعين في أي اتفاقية من هذا النوع أن يكون الدخول فيها اختياريًّا، وألا يلحق مَن لم يدخل فيها أذى أو مقاطعة من القبيلة، وألا تُفرض غرامات تأخير على من تأخر في الدفع، وأن تكون مواردها ومصارفها شرعية. وباللَّه التوفيق.
وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
| عضو | عضو | عضو | الرئيس |
| عبدالله بن علي الركبان | أحمد بن علي سير المباركي | عبدالله بن محمد المطلق | عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ |
3- حكم الاتفاقيات الملزمة بدفع الأموال
الفتوى رقم (20415) وتاريخ 28/ 5/ 1419هـ:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتي/ صالح العتيبي، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (2368) وتاريخ 2/ 4/ 1419هـ، وقد سأل المستفتي عن حكم الاتفاقية التي نصها: "الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، لقد تم الاتفاق بالتراضي بطوع واختيار جميع أفراد قبيلة العمامرة من القثمة، والممثلة في:
1- ذوي راجح: منهم عوض بن مذعور.
2- ذوي ملفي: منهم حمود بن معلا، مطلق بن صالح، خلف غبيش، سالم شباب، محسن معيفن، سميح هديان، سعود بن محمد، سعد بن محمد.
3- ذوي ناصر: منهم سفر بن ماطر، عياد بن بريك.
4- ذوي رجاح: منهم علي بن شنير، قبلان بن دوارج، خلف عمار.
5- ذوي عمار: منهم إبراهيم بن فلحان، عاطي فليح.
6- العرود: منهم عبداللَّه منير، نوار بن عايد، مسفر بن خلف.
7- ذوي خنيفس: منهم دسمان بن شداد.
8- ذوي عبيان: منهم عبيد بن سليمان.
9- ذوي فايد: منهم عبداللَّه بن مسلم.
10- ذوي معين: منهم محيل باتع.
على ما يلي:
- أولًا: الغرامة المتعارف عليها هي (الدم القطار) دون التلفيات التي تحصل في السيارات أو غيرها.
- ثانيًا: الغرامة تجب على أي فرد من أفراد القبيلة دخل سن الرابعة عشرة من عمره، أو من تلحقه يده، عدا حوادث السيارات، ففي سن الرابعة عشرة فقط.
- ثالثًا: الشخص الذي ترد منه المشكلة يجب ألا يكون في حالة سكر، أو متعاطيًا للمخدرات بأي نوع من أنواعها أثناء وقوع الحادثة أو المشكلة.
- رابعًا: يجب إبلاغ رئيس القبيلة حالة وقوع الحادثة أو المشكلة من قبل أصحابها مباشرة؛ حتى يتم التصرف وإبلاغ القبيلة ووضع الموقف أمامهم، وذلك في مدة لا تتجاوز السبعة أيام.
- خامسًا: القبيلة ملزمة بدفع الديات التي تحصل عليها من الحوادث ضمن الاتفاق، قلَّت أو كثرت.
- سادسًا: الحادثة التي تقع داخل منطقة "الألف كم"، يقوم رئيس القبيلة أو من ينيبه ومن يختارهم بالذهاب إلى المنطقة التي وقع فيها الحادث وإنهاء الموضوع.
- سابعًا: الحادثة التي تقع خارج منطقة "الألف كم" يجب على صاحب الحادث تبليغ رئيس القبيلة أولًا، ثم يُنهي وضعه إذا كان لديه الاستطاعة، ويُحضر ما يثبت ذلك من أوراق رسمية أو صك شرعي يثبت حقه، وإن لم يستطع فيطلب من رئيس القبيلة الحضور أو إرسال من ينهي الموضوع وحل المشكلة.
- ثامنًا: لا يحق لأي فرد مهما كانت ظروفه التصرف بدون رأي رئيس القبيلة، والذي ينفرد برأيه؛ سواء بدفع مبالغ مالية أو كفالة دون القبيلة، فليس له الحق ويكون مفرطًا، ويتحمل ما يترتب على ذلك.
- تاسعًا: في حالة امتناع أي غارم من القبيلة عن دفع الغرامة المتفق عليها لرئيس القبيلة، والملتزمين بهذه الشروط، سحب المذكور أمام الدولة بطلب تكليفه بدفع الغرامة ضمن أفراد القبيلة، علمًا بأنه إذا قدَّر اللَّه عليه بحادث أثناء المماطلة عن دفع الغرامة؛ لا يلزم القبيلة به ويتحمله لوحده.
- عاشرًا: يحدد رئيس القبيلة موعد الاجتماع عند أصحاب القضية، ويقوم بإبلاغ القبيلة بذلك.
- الحادي عشر: حسب الاتفاقية يكون الجميع ملتزمين بهذه الشروط، وإلا يجب المطالبة؛ سواء عن طريق معدل أو مذهب، والتقيد بها يكتفي به الجميع.
- الثاني عشر: تُلغي هذه الاتفاقية بشروطها ما سبق، وما عمل به من اتفاقيات وشروط بهذا الشأن.
وعلى ذلك جرى التوقيع، واللَّه الموفق.
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء، أجابت بأنه: بعد النظر في الاتفاقية المذكورة، وُجد أنها مشتملة على إلزامات مالية على أفراد القبيلة، ومن لم يلتزم بها فإنه يرفع أمره إلى الجهات الحكومية لإلزامه بذلك، وإيجاب هذه الأمور على الناس وإجبارهم على أدائها لا يجوز؛ لأنه إلزام بما لم يوجبه اللَّه ولا رسوله، وأخذٌ لِمالِ المسلم بغير طيب نفس منه. كما أن مثل هذه الاتفاقيات الملزمة تحدث الشحناء والبغضاء والحقد بين المسلمين، وهذا ينافي ما دعا إليه الشرع المطهر من التواد والتحاب وجمع القلوب على الخير؛ فالواجب ترك هذه الإلزامات، وترك العمل بها. وباللَّه التوفيق.
وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
| عضو | عضو | نائب الرئيس | الرئيس |
| عبدالله بن عبدالرحمن الغديان | بكر بن عبدالله أبو زيد | عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ | عبدالعزيز بن عبدالله بن باز |
4- الإلزامات المالية غير شرعية وتُحدث البغضاء والأحقاد
فتوى رقم (19593)، وتاريخ 16/ 4/ 1418هـ:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام من المستفتيين/ حسن بن علي بن محمد الشهري، ومحمد بن ظافر بن صالح الشهري، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء، برقم (8581) وتاريخ 3/ 3/ 1418هـ.
وقد سأل المستفتيان سؤالًا هذا نصه: "فإننا نرفع ونبين لكم أنه اجتمع أفراد قبيلة القحطان ببلاد بني شهر بالمنطقة الجنوبية من المملكة، ووضعوا بينهم وثيقة تتكون من فقرات لتنظيم أمورهم الدنيوية والمعيشية، ولمِّ شمل القبيلة من التناحر والتنازع، وذكروا في مقدمتها: أنها موافقة للشريعة الإسلامية، وأنها ملزمة لكل فرد من أفراد القبيلة.
ويتم بموجب هذه الاتفاقية تعيين رجل من كل فخذ من القبيلة ليشارك مع بقية الأعضاء، وعددهم ثمانية، في الحكم والتعزير لفض المنازعات، والصلح بين أفراد القبيلة، وحكمُهم يكون بفرض مبلغٍ من المال على المعتدي، يُدفع إلى صندوق القبيلة، وفي حالة رفضه فإنه يُقابَل بالمقاطعة من جميع أفراد القبيلة حتى يمتثل للحكم.
كما وأن للأعضاء فرض مبالغ مالية تدفع من قبل أفراد القبيلة في حالة حصول حوادث أو ديات أو مشاريع لصالح القبيلة.
كما وأن من بنود هذه الاتفاقية عدم السماح لأي فرد من أفراد القبيلة أن يشتكي للجهات الرسمية إلا بعد أن ينظر الأعضاء في قضيته.
مع العلم أن هذه الاتفاقية بدأ تطبيقها منذ أكثر من عام، وتم مقاطعة بعض أفراد القبيلة لعدم الاستجابة لبعض أحكامهم.
لذا نرجو من سماحتكم إفتاءنا في هذه الأمور فتوى مكتوبة؛ لمعرفة الحكم الشرعي؛ وذلك لتقام الحجة على الجميع، ويعمل بشرع اللَّه".
وبعد دراسة اللجنة للاستفتاء أجابت بما يلي:
بالنظر في الاتفاقية المذكورة تبين أنها مشتملة على إلزامات مالية على كل فرد يلزمه الوفاء بها، وأن للأعضاء المختارين إصدار الأحكام والتعازير للقضايا الحاصلة بين أفراد القبيلة، وأن كل من لم يلتزم ببنود الاتفاقية فإنه يقاطع ويُهجر من جميع أفراد القبيلة.
ولما كانت هذه الإلزامات غير شرعية، وتُحدث البغضاء والشحناء والأحقاد والفرقة بين أفراد القبيلة الواحدة؛ فالواجب الابتعاد عن هذه الاتفاقيات الملزمة والمشتملة على ما ذكر؛ لأن من مقاصد الشريعة المطهرة سد الذرائع الموصلة إلى إثارة الشحناء والبغضاء والفرقة بين المسلمين؛ ولأنه من المتقرر شرعًا أنه لا يحل أخذ مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه، والإجبار على ذلك مناف لهذا الأصل. وباللَّه التوفيق.
وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
| عضو | عضو | نائب الرئيس | الرئيس |
| بكر بن عبداللَّه أبو زيد | صالح بن فوزان الفوزان | عبدالعزيز بن عبداللَّه بن محمد آل الشيخ | عبدالعزيز بن عبداللَّه بن باز |
5- حكم الصناديق الخيرية والزكاة فيها، والإلزامات المالية
فتوى رقم (22288)، وتاريخ 2/ 3/ 1423هـ:
الحمد للَّه وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما ورد إلى سماحة المفتي العام، من فضيلة قاضي محكمة العرين/ علي بن عبداللَّه الشمراني، والمحال إلى اللجنة من الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء برقم (40)، وتاريخ 2/ 1/ 1423 هـ، وقد جاء في كتاب فضيلته ما يلي:
"إشارة إلى خطاب سماحتكم، الموجه لنا برقم (8716/ 2 في 13/ 11/ 1422هـ، والمتضمن لإرفاق نسخٍ مما صدر من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء من فتاوى حول الصناديق الخيرية وحكم الاتفاقيات المالية الإلزامية بين أفراد القبيلة، والتي اتضح من خلالها الأمور التالية:
1- أنه لا تجب الزكاة على هذه الأموال المجموعة في تلك الصناديق الخيرية إذا كانت لا تعود لأصحابها عند فشل المشروع مثلًا.
2- أنه لا يجوز إجبار أحد على دفع مبلغ شهري أو سنوي للجمعية، وإنما هو على سبيل الاختيار.
3- كذلك لا تجوز مقاطعة من لم يدفع المبلغ، وأن هذا ظلم من المقاطعين.
4- أن الاتفاقيات إذا كانت مشتملة على إلزامات مالية وجزاءات غير شرعية يجب الخضوع لها؛ فإنه يجب الابتعاد عنها؛ لكونها تُحدث البغضاء والشحناء والفرقة بين القبيلة، إلا أنه بعرض ذلك على بعضهم طلب منا الرفع لكم مرة أخرى؛ لإيضاح الإشكال الذي أفادونا به عن معنى الابتعاد عنها؛ لأنها مشتملة على إلزامات وغرامات مالية للمشارك المتأخر مثلًا، والإشكال حسبما اتضح مما أفادونا به في أمرين اثنين:
- الأول: هل معنى "إذا كانت الاتفاقية مشتملة على بنود إلزامية"، هل معنى ذلك إلغاء الاتفاقية بالكلية أم إلغاء البنود المشتملة على ذلك؟ وإذا كان الإلغاء بالكلية، فكيف يصنع بالمال الموجود في الصندوق: هل يمكن إعادته لأصحابه أم لا؟ حيث لم يتفق على ذلك مِن قبل.
- الثاني: إذا كان الإلغاء لهذه البنود المشتملة على غرامات وإلزامات مالية فقط دون باقي البنود؛ فإنه حينئذ لا يمكن ضبط المشاركين، بل يكون الصندوق فيه خلل وعدم انضباط وحزم على حد قولهم، علمًا بأنه لن يشارك أحد في هذه الاتفاقية إلا بعد رضاه، واختياره لجميع ما اشتملت عليه وعليها توقيعه؛ لذا جرى الرفع مرة أخرى لسماحتكم للإفادة لهم بصورة واضحة حتى يكونوا على بصيرة من أمرهم. وفقكم اللَّه، وأعانكم.
وقد درست اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الأمرين اللذين أشار إليهما القاضي في نهاية خطابه، وأجابت عن الأمر الأول بأن المتعين إلغاؤه من الاتفاقية المسؤول عنها: البنود التي تتضمن إلزامًا للمشتركين في الصندوق الخيري وفرض غرامات عليهم في حال تأخرهم عن الدفع؛ لأن الاتفاق الخيري لا يُلزَم أحد به، ولا يُعاقَب أحدٌ على تأخره عن القيام به.
وأجابت عن الأمر الثاني أنه يتعين إعادة المبالغ التي أُخذت من أصحابها رغمًا عنهم، إلا إذا طابت بها أنفسهم. وأما ما يحصل من اضطراب في حسابات الصندوق نتيجة لذلك فيمكن معالجته من قبل المتخصصين في المحاسبة. واللَّه الموفق.
وصلى اللَّه على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
| عضو | عضو | عضو | عضو | عضو | الرئيس |
| صالح بن فوزان الفوزان | عبدالله بن عبدالرحمن الغديان | عبدالله بن محمد المطلق | عبدالله بن علي الركبان | أحمد بن علي سير المباركي | عبدالعزيز بن عبدالله بن محمد آل الشيخ |
واللَّه أسأل أن يوفق الجميع لكل خير، وأن يوفق قبيلة آل جحيش للالتزام بكتاب اللَّه وسنة رسوله ، وترك جميع العادات الخبيثة الجاهلية، وأن يعينهم، ويقذف في قلوبهم حب اللَّه ورسوله ، وحب الحكم بشرع اللَّه ، وأن يشرح صدورهم لترك هذه الأصول الجاهلية الستة وما يتبعها، وأن يبدلوها بالأصول الستة: من الإيمان باللَّه، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، وأن يوفق مشايخ القبائل ونوابهم وأعيانهم لترك العادات المخالفة لشرع اللَّه ، وإلزام الناس بحكم اللَّه ورسوله ، وإلزامهم بالرجوع إلى المحاكم فيما شجر بينهم، وأن يوفق ولاة أمرنا لكل خير، ويصلح بطانتهم، ويشكر سعيهم على الحكم بكتاب اللَّه وسنة رسوله ، فواللَّه لا أعلم دولة تحكم بشرع اللَّه كحكمهم؛ فجزاهم اللَّه خيرًا، وضاعف مثوبتهم، وأعانهم، وسددهم.
وقد كتبت هذه الأسطر نصيحة للَّه، ولرسوله، ولإخواني آل جحيش، ومن كان على شاكلتهم في هذه العادات القبلية الجاهلية، وما كنت لأفعل ذلك إلا لأني رأيت أن هذه الرسائل في (الواتساب) تدعو إلى إقرار الصناديق المخالفة للشرع التي تُجمع فيها الأموال بالإلزام ثم تصرف في المثارات والظلم للناس، وغير ذلك، ويزعم بعضهم أن الشرع يقرها؛ فأنكرت ذلك بهذا الرد الذي أسأل اللَّه بوجهه الكريم أن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى اللَّه بقلب سليم.
وصلى اللَّه على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين.
حرر في يوم السبت 10/ 1/ 1437هـ.
| ^1 | رواه ابن أبي عاصم في "السنة": 15، والبغوي في "شرح السنة": 104، وصححه النووي في "الأربعين النووية": ص45. |
|---|---|
| ^2 | رواه أحمد: 20695، وأبو يعلى في "مسنده": 1570، والدارقطني في "سننه": 2886، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1459. |
| ^3 | "مجموع فتاوى ورسائل الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ": 12/ 283. |
| ^4 | انظر هذه الفتوى في "الأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية" للمؤلف: ص116، 16، 17، 32. |
| ^5 | فتوى جامعة في العادات والأعراف القبلية المخالفة للشرع المطهر، للعلامة بكر أبو زيد: ص15. وانظرها في "الأعراف والعادات القبلية" للمؤلف: ص25، وفي فتوى اللجنة الدائمة رقم 22400، تاريخ 19/ 5/ 1433هـ. |
| ^6 | انظر "المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف": 25/ 312- 366، و"الكافي" لابن قدامة: 5/ 269- 282، و"الشرح الممتع على زاد المستقنع" لابن عثيمين: 14/ 171- 182، و"الشرح المختصر على زاد المستقنع" للعلامة صالح الفوزان: 4/ 286- 289. |
| ^7 | ينظر "البراهين الجلية في إبطال العادات القبلية" للمؤلف: ص7- 8. |
| ^8 | انظر "البراهين الجلية في إبطال العادات القبلية" للمؤلف: ص3. |
| ^9 | انظر "الأعراف والعادات القبلية" للمؤلف: ص8، و9، 15. |
| ^10 | انظر "العادات القبلية المخالفة للسريعة الإسلامية" للمؤلف: ص7، و34، 116. |
| ^11 | رواه البخاري: 6882. |
| ^12 | الفتوى رقم 23211، وتاريخ 19/ 2/ 1426هـ.، وهي في "العادات القبلية" للمؤلف: ص113- 117. |
| ^13 | رواه أحمد: 20695، وأبو يعلى في "مسنده": 1570، والدارقطني في "سننه": 2885، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 1459. |
| ^14 | انظر تحريم إلزام الناس بدفع الأموال بغير حق: "مجموع فتاوى ابن إبراهيم": 12/ 284، و"الأعراف والعادات القبلية" للمؤلف: ص17. |
| ^15 | انظر: "الأعراف والعادات القبلية" للمؤلف: ص141، ففتوى اللجنة مقيدة هنا. |
| ^16 | رواه أحمد: 6757، وابن حبان: 5996، وحسنه الألباني في "التعليقات الحسان": 5964. |
| ^17 | "النهاية في غريب الحديث والأثر": 3/ 181، مادة "عتا". |
| ^18 | "النهاية في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير: 2/ 155، مادة "ذحل"، وقال ابن الأثير في موضعٍ آخر في "النهاية في غريب الحديث والأثر": 5/ 148: "وقيل: هو من الوِتْر: الجِنَايَة التَّي يَجْنيها الرجُل على غيره، مِن قَتْلٍ أو نَهْبٍ أو سَبْيٍ، فشبَّه ما يَلْحق مَن فَاتَتْه صلاةُ العصْر بمَن قُتِل حَمِيمُه أو سُلِبَ أهْلَه ومَالَهُ". |
| ^19 | أخبرني بذلك فضيلة الشيخ الداعية المعروف أحمد بن عبدالله بن متعب، وقال بأنه هو الذي سأله عن هذا السؤال، فأجاب بهذه الإجابة. |
| ^20 | "فتاوى نور على الدرب" لابن عثيمين: 1/ 78. |
| ^21 | "أرملوا" قال ابن الأثير: أي نَفِدَ زادُهم، وأصلُه مِنَ "الرَّمْلِ" كأنَّهم لَصِقوا بالرَّمْل، كما قيل للفَقِير: التَّرِبُ". "النهاية في غريب الحديث والأثر": 2/ 265. |
| ^22 | رواه البخاري: 12486، ومسلم: 2500. |
| ^23 | "شرح كتاب رياض الصالحين": ص595. |
| ^24 | "الأعراف والعادات القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية": ص80- 200. |
| ^25 | رواه ابن أبي عاصم في "السنة": 15، والبغوي في "شرح السنة": 104، وصححه النووي في "الأربعين النووية": ص113. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط