جدول المحتويات
- سيرة مختصرة لفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني
- أولًا: اسمه ونسبه
- ثانيًا: مولده ونشأته
- ثالثًا: مراحل دراسته
- رابعًا: حياته العملية والعلمية
- خامسًا: زوجاته وأولاده
- سادسًا: تربيته لأبنائه وأهله والعدل بينهم
- سابعًا: إخوانه
- ثامنًا: مؤلفاته وانتشارها
- تاسعًا: عبادته وزهده وورعه وأخلاقه
- عاشرًا: حياته مع المرض وصبره عليه
- حادي عشر: مواقف عظيمة لا تُنسى من حياته
- ثاني عشر: وفاته
- ثالث عشر: وصيته
سيرة مختصرة لفضيلة الشيخ الدكتور سعيد بن علي بن وهف القحطاني
تَستقبل بعضُ السِّيَر القارئَ كما يَستقبل الفجرُ عينَ الساهر، فيجدُ قلبَه يتهيأ لمعنى رفيع يتجاوز مجرد الإعجاب إلى الرغبة في الاقتداء؛ وهذه السيرة من ذاك الطراز الذي يوقظ في النفس صدقَ التوجُّه، ويُعيد ترتيبَ البوصلة، ويجعل القارئ يُصغي إلى الدروس كما يُصغي إلى آيات تُتلى في لحظة صفاء. إنها صفحات تُحسِن مخاطبة كل مسلم بل كل إنسان، وتفتح للقلب نافذةً على معنى البركة في العمر والعمل.
أولًا: اسمه ونسبه
سعيد بن علي بن وهف بن محمد من آل سليمان عبيدة قحطان.
ثانيًا: مولده ونشأته
وُلد رحمه الله في الخامس والعشرين من شهر شوال من عام 1372هـ، وكانت ولادته ببادية وادي العرين شرقي مدينة أبها في منطقة عسير.
وقصة ولادته أن والدته حملت به -وهو ابنها الأكبر-، وكانت حالة الوضع صعبةً جدًّا، فبينما كانت ترعى الأغنام، وكان الوقت صيفًا وفي حَرٍّ شديد، جاءها المخاض في الرمضاء في منتصف النهار، فدخلت تحت شجرة تستظل بها، فوضعت وليدها تحتها، وليس معها أحد إلا الله، وقد جهَّزت سكينًا معها لقطع الحبل السرِّي لوليدها، وقطعته بالفعل، لكنها لم تُحسِن قطعه لأنه كان ابنها الأول ولم تكن لديها خبرة في هذا الأمر، فلم تربط الحبل السرِّي بل قطعته وتركته ينزف دمًا، وحملت وليدها عندها بعد أن لفَّته في خرقة، وقامت تسوق الغنم حتى وصلت إلى الخيمة قبل غروب الشمس.
وعندما وصلت استقبلتها جدته وربطت الحبل السرِّي فتوقف الدم، وكاد الشيخ سعيد يموت لولا رحمة الله ثم عناية جدته به في تلك الحالة.
ثالثًا: مراحل دراسته
لقد نشأ رحمه الله في البادية في المنطقة التي وُلد فيها، ورعى الغنم، وقد رعاها الأنبياء كلهم جميعًا. ونظرًا لكونه عاش في البادية ورعى الأغنام في بداية حياته؛ فلم يبدأ رحمه الله في الدراسة للمرحلة الابتدائية إلا وعمره خمسة عشر عامًا، فدرس الصف الأول الابتدائي عام 1387هـ في مدرسة العرين الابتدائية الواقعة شرقي مدينة أبها في منطقة عسير.
ولقد كان رحمه الله من الطلاب المتميزين والمتفوقين بين زملائه وأقرانه، بل كان بعض الطلاب يراجع المواد الدراسية للمرحلة المقبلة في وقت الإجازة الصيفية لكي يتفوق عليه، لكن لم يستطع أحد أن ينافسه في ذلك.
ثم بعد دراسته للصف الثالث الابتدائي التَحَقَ بالخدمة العسكرية عام 1390هـ، ومع ذلك لم تُثْنِه الخدمة العسكرية عن مواصلة دراسته وإكمال المرحلة الابتدائية، فأكمل دراسته بالمدارس الليلية، وحصل على الشهادة الابتدائية عام 1394هـ من المدرسة العسكرية الليلية في منطقة شرورة.
ثم بعد ذلك درس المرحلة المتوسطة، وحصل على شهادتها من المدرسة العسكرية الليلية في منطقة تبوك عام 1397هـ.
واستمر رحمه الله في طلب العلم والدراسة، ولم يُثْنِه ذلك عن وظيفته العسكرية، فأكمل المرحلة الثانوية وحصل على شهادتها من مدرسة ثانوية الملك عبدالعزيز الليلية في مدينة الرياض عام 1400هـ.
ثم التَحَقَ عام 1401هـ بكلية أصول الدين في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بمدينة الرياض، فدرس مرحلة البكالوريوس، وتخرج منها عام 1404هـ.
ولهمَّته ومثابرته في طلب العلم وتميُّزه لم يتوقف عن الدراسة، فدرس السنة التمهيدية لمرحلة الماجستير في قسم الدعوة والاحتساب في كلية الدعوة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1405هـ، ثم حصل على درجة الماجستير بتقدير "ممتاز" عام 1412هـ، وكانت بعنوان "الحكمة في الدعوة إلى الله".
ثم بعد ذلك توقف عن الدراسة لمدة سنتين؛ وكان سبب توقفه هو الرغبة في إتمام حفظ القرآن الكريم. وبعد هذا التوقف واصل مرحلة الدكتوراه في قسم الدعوة والاحتساب في كلية الدعوة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فحصل على درجة الدكتوراه بتقدير "ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى" عام 1419هـ، وكانت بعنوان "فقه الدعوة في صحيح الإمام البخاري".
رابعًا: حياته العملية والعلمية
-
حياته العملية؛ ومرت بمرحلتين:
أ- مرحلة الخدمة العسكرية: بعد أن بلغ رحمه الله سن الثامنة عشرة بعد انتهائه من الصف الثالث الابتدائي؛ التَحَقَ بالخدمة العسكرية برتبة جندي، فاشترك بدورة المدرعات، وتخرج منها سائق مدرعات. ثم واصل خدمته في السلك العسكري والتَحَقَ بدورة الناقلات، وتخرج منها قائد ناقلات أفراد مدرعة. ثم بعدها بعامين اشترك بدورة الدبابات الفرنسية، وتخرج منها برتبة عريف قائد دبابات. وفي عام 1404هـ حصل على ميدالية التقدير العسكري من الدرجة الثانية بأمر خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود رحمه الله.
ولقد استمر في العمل بالسلك العسكري حتى وصل إلى رتبة رئيس رقيب كاتب في إدارة الشؤون الدينية بالقوات المسلحة السعودية عام 1405هـ؛ وبذلك تكون خدمته العسكرية نحو أربعة عشر عامًا قضاها في خدمة وطنه.
ب- مرحلة الخدمة المدنية: بعد أن أمضى نحو أربعة عشر عامًا في الخدمة العسكرية؛ انتقل إلى العمل في الخدمة المدنية بناءً على رغبته في الاستزادة من العلم الشرعي والدعوة إلى الله، فعُيِّن على وظيفة داعية بالرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمرتبة السابعة. ثم تدرج في السُّلَّم الوظيفي حتى عُيِّن على وظيفة خبير الشؤون الإسلامية بآسيا بالمرتبة الحادية عشرة، ثم مستشار دعوة بوزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد بالمرتبة الثانية عشرة.
وفي عام 1432هـ أُحِيل للتقاعد؛ وبذلك يكون قد أتم في الخدمة المدنية نحو ستة وعشرين عامًا أمضاها في الدعوة إلى الله، واستمر متعاقدًا مع الوزارة حتى وفاته رحمه الله.
وخلال هذه الأعوام كُلِّف بلجانٍ عدة في وزارة الشؤون الإسلامية؛ منها اللجنة التي تقوم باختبار الخطباء، واللجنة التي تقوم باختبار الدعاة، وكُلِّف بالدعوة إلى الله خارج المملكة لعدة دول، وأيضًا كُلِّف بالدعوة إلى الله خلال فترة الحج في الحرم المكي الشريف والمشاعر المقدسة.
-
حياته العلمية:
بعد انتقاله إلى مدينة الرياض عام 1399هـ كان شعلة من النشاط، وكان همه وشغله الشاغل هو طلب العلم والجلوس بين يدي العلماء والتعلم منهم وثني الركب في حِلَقهم.
فقابل سماحةَ الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز رحمه الله، وحضر دروسه ومحاضراته وندواته، وتعلم منه واستفاد استفادة عظيمة. وقد لازم سماحةَ الشيخ ابن باز ابتداءً من عام 1400هـ إلى أن تُوفي الشيخ ابن باز عام 1420هـ؛ وبذلك تكون قد بلَغَت مدة ملازمته لسماحة الشيخ ابن باز عشرين عامًا، حيث كان يحضر دروسه وحلقاته العلمية في الحديث والتفسير والمصطلح والعقيدة والفروع الأخرى.
ومن المواقف الدالَّة على حرصه على الاستفادة من الشيخ ابن باز وتدوين علمه؛ أنه كان يُحضِر معه مُسجِّلًا صغيرًا يسجِّل به جميع الدروس التي كان يحضرها؛ كي لا يفوته شيء من تعليقات الشيخ رحمه الله. ولقد اهتم اهتمامًا عظيمًا بالتراث العلمي للشيخ ابن باز، فخَرَجت أغلب مؤلفاته لا تخلو من علم الشيخ وتراثه.
خامسًا: زوجاته وأولاده
كان رحمه الله حريصًا على اختيار الزوجة الصالحة، ولقد رزقه الله بزوجات صالحات، ورُزق منهنَّ بستة وأربعين ولدًا -ذكورًا وإناثًا-، ثم شاء الله أن يُتوفى منهم أربعة.
وزوجاته وأولاده على النحو التالي:
- الزوجة الأولى (أم عبدالرحمن): تزوجها وهو ابن ثلاثين عامًا؛ ورُزق منها بعبدالرحمن، وفاطمة، ومريم، ومحمد، وعبدالرحيم، وعائشة، وخديجة، وصفية، وأروى، وسامية، وعمر، ورزان، وجميلة، والرباب.
- الزوجة الثانية (أم عبدالعزيز): تزوجها وهو ابن واحد وثلاثين عامًا؛ ورُزق منها بعبدالعزيز، وآسية، وعبدالله، وعبدالسلام، وعبدالرزاق، وعبدالجبار، وعبدالغني، وعبدالوهاب، وسارة، وعبدالحق، وعبدالخبير -أو أَمَة الخبير- لأنه لم يُعلم جنسه، فقد تُوفي جنينًا في الشهر الخامس.
- الزوجة الثالثة (أم عبدالكريم): تزوجها وهو ابن اثنين وأربعين عامًا؛ ورُزق منها بميمونة، وعبدالكريم، وعبدالحكيم، وعبدالعليم، وعبدالعظيم، وأسماء، وسمية، وعبدالحليم، وحليمة، وحفصة، وعبدالأكرم، وزينب، وآمنة، وعبدالأعلى، وعبدالصمد.
- الزوجة الرابعة (أم عبدالملك): تزوجها وهو ابن أربعة وخمسين عامًا؛ ورُزق منها بعبدالملك، ورقية، وعبدالمحسن، ووفاء، وأمينة، وعبداللطيف.
سادسًا: تربيته لأبنائه وأهله والعدل بينهم
كان رحمه الله نِعم المربي ونِعم الناصح والموجِّه لذريته؛ فلقد كان حريصًا كلَّ الحرص على تربية أهله وأولاده التربية الحسنة كما كان الأنبياء والمرسلون عليهم الصلاة والسلام -والصالحون من بعدهم- حريصين على تربية أهلهم وأولادهم. ومن ذلك أنه كان هيِّنًا ليِّنًا سهلًا في الوقت الذي يُحتاج فيه، وفي وقت الشدة فيما يتعلق بالأوامر والواجبات التي تتعلق بأوامر الله وفرائضه كان صارمًا جادًّا.
وكان رحمه الله معلمًا وناصحًا وموجِّهًا وأبًا حنونًا، وحريصًا كلَّ الحرص على أن يكون أبناؤه وذريته من أفضل الناس، وأحسنهم دينًا وخُلُقًا وإيمانًا بالله ورسوله .
ومن الأمور التي كان شديد الحرص فيها على أبنائه وذريته وأهل بيته: إقامةُ الصلاة وأداؤها على وقتها، واصطحابُ أبنائه الذكور لأدائها جماعةً في المسجد، وتعليمُهم أحكام الوضوء والصلاة، وتربيتُهم على معرفة الصاحب والجليس؛ حيث كان حريصًا على ألا يخالطوا إلا أهل الصلاح، فكان ناصحًا وموجِّهًا ومتابعًا لهم باختيار الجليس الصالح والابتعاد عن جلساء السوء.
ومن طرق تربيته لذريته؛ الاجتماع بهم، والحرص على حضور الجميع لهذا الاجتماع، وكان هذا اللقاء الأسري الدوري الدافئ يتكرر كل أسبوع بعد صلاة الجمعة.
أيضًا من وسائل التربية الصالحة التي سلكها رحمه الله؛ أنه في تسمية أبنائه كان حريصًا كلَّ الحرص على اختيار الأسماء المحبوبة إلى الله عز وجل والتي لا يكون فيها محظور شرعي.
ومن الأمور العظيمة التي كان يحرص عليها رحمه الله حتى في أشد أوقاته العصيبة في آخر حياته؛ العدل بين زوجاته وأولاده، وهذه من أعظم الأمانات والأمور التي كان حريصًا عليها؛ ولذلك وُجِدت الأُلفة والمحبة بين أفراد الأسرة وعدم المنازعات والعداوة بينهم.
سابعًا: إخوانه
للشيخ عليه رحمة الله إخوة مباركون نفع الله بهم، وعددهم عشرة؛ وهم على النحو التالي:
الشيخ حسين، والأستاذ الدكتور سعد، والأستاذ هادي، والأستاذ عبدالله، والأستاذ وهف، والأستاذ الدكتور سلمان، والعقيد الدكتور محمد، والعقيد عوض، والمقدم عايض، وشرعا بنت علي -وهي الأخت الوحيدة له-.
ولقد كان رحمه الله يهتم بإخوانه ويسأل عنهم ويزورهم باستمرار رغم أنه أكبرهم سنًّا، ولكن عنايته بهم والسؤال عنهم دليل على حبه لهم. وأيضًا كان يوجههم وينصحهم ويدعو لهم ويجتمع بهم، ويفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، فكان نِعم الأخ الناصح والمهتم بإخوانه.
ثامنًا: مؤلفاته وانتشارها
ألَّف الشيخ رحمه الله أكثر من مئة وثلاثين مؤلفًا؛ أشهرها على الإطلاق كتاب "حصن المسلم" الذي انتشر انتشارًا واسعًا، وتُرجم إلى سبع وأربعين لغة.
وتميزت مؤلفاته رحمه الله بالاستدلال من الكتاب والسنة وأقوال السلف الصالح، وغالبيتها رسائل وشروح في العقيدة والفقه والأخلاق والدعوة.
تاسعًا: عبادته وزهده وورعه وأخلاقه
كان رحمه الله زاهدًا في هذه الدنيا وملذاتها، لا يبتغي شيئًا سوى رضا الله والقرب منه وطاعته وعبادته، فجعل منها طريقه ومنهجه في هذه الحياة الدنيا؛ ومن أبرز هذه المواقف:
- حرصه على التوحيد والإخلاص لله تعالى: حيث كان يهتم بأمر التوحيد وتعليمه والدعوة إليه وشرحه ودراسته وتدريسه اهتمامًا بالغًا، وكان حريصًا على الإخلاص والمتابعة للنبي ؛ فقد رفض في البداية كتابة اسمه على كتاب "حصن المسلم".
- الصلاة: حيث كانت من الأمور التي لها مكانة عظيمة لديه، وكان حريصًا على أدائها مع جماعة المسلمين وعدم التخلف عنها بل عدم التخلف عن تكبيرة الإحرام؛ فقد أمضى جُل حياته إمامًا للمصلين.
- المحافظة على الأذكار من الكتاب والسنة: كان رحمه الله مواظبًا على أذكاره في الصباح والمساء وعند النوم؛ حيث كان يقرأ كل ما كتبه في كتابه "حصن المسلم" حفظًا عن ظهر قلب.
- حرصه على تطبيق السنن والالتزام بالكتاب والسنة: حيث كان يلتزم بها ويحرص عليها ويسارع إليها؛ ومن ذلك سُنة السواك، والحرص على الوضوء وإسباغه حتى في أشد الأحوال.
- الإكثار من صيام التطوع: كان رحمه الله من العُباد الصائمين؛ فقد كان حريصًا على صيام يوم الإثنين ويوم الخميس والأيام البيض، والصيام في شهر المحرم، والصيام في شهر شعبان.
- حرصه على اغتنام الوقت في طاعة الله: كان رحمه الله حريصًا كلَّ الحرص على اغتنام وقته؛ فكان يستغله فيما يرضي الله في بيته، وفي مسجده، وفي مكتبته، حتى في السيارة يكون مشتغلًا بما ينفعه.
- إحسانه إلى الناس وحبه للإنفاق في سبيل الله: كان مواظبًا على الصدقة وحب الفقراء والمساكين؛ فقد كان صديقًا لهم ورحيمًا بهم وعطوفًا عليهم.
- تواضعه: كان رحمه الله إنسانًا متواضعًا؛ فيسمع من الصغير قبل الكبير، ويستشير حتى مَن هم أقل منه علمًا وورعًا.
عاشرًا: حياته مع المرض وصبره عليه
كان رحمه الله صابرًا محتسبًا عند الشدائد والمصائب التي تواجهه في هذه الحياة الدنيا، مؤمنًا بقضاء الله وقدره، مفوِّضًا أمره إلى الله سبحانه؛ وهذه هي صفة المؤمنين.
وقد مرت به في حياته مواقف ومصائب أثبتت ذلك، ودلت على صبره والرضا بما كتبه الله له وقدَّره عليه؛ ومن ذلك: حينما تُوفي والده الشيخ علي بن وهف القحطاني إثر حادث مروري، لم يجزع بل آمن بقضاء الله وقدره، وصبر على هذه المصيبة التي ألـمَّت به، وكذلك ما حدث من فقده لاثنين من أبنائه -وهما: عبدالرحمن وعبدالرحيم- إثر حادث مروري بعد خروجهما من صلاة التراويح، فصبر على ذلك واحتسب عند الله فقده لهذين الابنين الصالحين، وكان مؤمنًا بما قدَّره الله عليه.
بل مما يدل على صبره في فقده لابنَيه أنه رحمه الله ألَّف كتابًا بعد وفاتهما وسماه: "تبريد حرارة المصيبة عند موت الأحباب وفلذات الأكباد في ضوء الكتاب والسنة".
ومن المواقف التي دلت أيضًا على صبره واحتسابه فيما كتبه الله وقدَّره عليه؛ ما حدث في آخر حياته من المرض الذي ألمَّ به، وإيمانه بالله وصبره على أقداره؛ إذ إنه لما أخبره الطبيب بنتائج العينات وأن المرض قد بدأ من البنكرياس حتى وصل إلى الكبد، وأن خيار الجراحة أمر مستبعد، وأن العلاج الكيميائي هو الحل الوحيد في مثل تلك الحالات؛ كان حينها مؤمنًا بقضاء الله وقدره، فلم يكن منه إلا أن قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجُرني في مصيبتي وأَخلِف لي خيرًا منها"؛ فكان صابرًا محتسبًا، وكان لسانه لا يفتر عن ذكر الله طوال وقته وفي أشد حالاته.
حادي عشر: مواقف عظيمة لا تُنسى من حياته
بره بوالديه:
كان رحمه الله شديد البر بوالديه؛ حتى قال أحد أبنائه عنه: "ما رأت عيني في البر والحب والوفاء للوالدين مثل ما رأت في والدي في بره بوالديه ووفائه وحبه وطاعته لهما"، حتى إنه أفرد لهما مؤلفًا خاصًّا بعنوان "بر الوالدين.. مفهوم وفضائل وآداب وأحكام في ضوء الكتاب والسنة".
لقد كان الشيخ رحمه الله من أبر الناس بوالديه في حياتهما وبعد مماتهما؛ حيث كان يتصدق عنهما، ويحج ويعتمر عنهما، ويكرم أصدقاءهما، ويوقف عنهما أوقافًا كحفر الآبار وبناء المساجد، حيث بنى لكل منهما مسجدًا بعد وفاتهما.
وكذلك كان يدعو لهما في كل وقت، بل إنه كان يتحين الأوقات التي يظن أن الإجابة فيها أقرب فيدعو لهما بالرحمة والمغفرة.
وكانت والدته تسكن معه -بعد وفاة والده- في منزله بالرياض؛ فكان يجلُّها، ويقبِّل رأسها ويَدَيها صباحًا ومساءً، ويستشيرها في جميع أموره من زواج أو عمل أو دراسة أو سفر، ويأتمنها على أسراره التي لا يمكن أن يخبر بها أحدًا سواها.
وكان الشيخ يرفض رفضًا قاطعًا أن تسكن أمُّه عند أحد من أبنائها بشكل دائم؛ حيث يرى أنه أحق بها بحُكم أنه ابنها الأكبر، وكان يقول لإخوته: "لن أطالبكم بأي حق من حقوقي في هذه الحياة الدنيا سوى حقي في بقاء والدتي معي". وبالفعل قد بقيت والدته معه حتى توفيت رحمها الله، فتأثر لغيابها كثيرًا وحزن عليها حزنًا شديدًا، وكتب سيرتها في كتاب بعنوان: "مواقف لا تُنسى من سيرة والدتي".
إسلام الممرضة التي كانت تقوم على علاجه:
كانت هناك ممرضة نصرانية من الجنسية الفلبينية تشرف على علاجه في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بجدة، وكان يرى منها حرصًا على متابعة حالته، وكان يدعو لها دائمًا بأن يمنَّ الله عليها بالإسلام.
وذات يوم طلب من أحد أبنائه أن يترجم كلامه لها، وأن يحرص على نقل كلام الشيخ حرفيًّا دون اجتهاد منه، فبدأ معها في اليوم الأول بالحديث عن نبي الله عيسى عليه السلام وأنه عبد الله ورسوله، وبيَّن لها موقف المسلمين منه، وأن الإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان عند المسلمين. وفي اليوم الثاني تحدث معها حديثًا يسيرًا عن الإسلام، وبيَّن لها سماحته، وأن الدخول فيه نعمة عظيمة من نِعَم الله تعالى، وأنه يجُبُّ ما قبله.
وعندما أخذت الممرضة تسأل عن الخطوات التي يجب عليها اتباعها لتصبح مسلمة؛ طلب منها أن تذهب وتأتيه في اليوم الثالث بعد أن تفكِّر وتتقرِّر، وطمأَنَها بأن الخطوات يسيرة ولا تتطلب الكثير من الجهد.
وفي اليوم الثالث سألها إن كانت قد وصلت إلى قرار بشأن الدخول في الإسلام، فكانت المفاجأة الكبرى عندما أعلنت -وبكل رغبة- أنها قررَت الدخول في الإسلام، فطلب منها الشيخ أن تنطق الشهادتين، فنطقت، فبكى وأبكى مَن معه، وبكت هي كذلك عندما رأت تأثر الشيخ، فرحم الله الشيخ وجعل إسلامها في ميزان حسناته.
ثاني عشر: وفاته
اشتد عليه المرض قبل وفاته بأيام قليلة بسبب إصابته بجلطة في الرئة، ثم نُقل إلى المستشفى ومكث في العناية وهو في شبه غيبوبة، وظل كذلك حتى فاضت روحه إلى بارئها فجر يوم الإثنين الموافق 21/1/1440هـ، عن عمر يناهز ثمانية وستين عامًا.
تم تغسيله وتكفينه ورأى مَن شاهده النور العجيب الذي يشع من وجهه. وصُلِّي عليه في جامع الراجحي بمدينة الرياض، وأَمَّ المصلين فضيلة الشيخ الدكتور صالح بن محمد اللحيدان. وقد اكتظ الجامع بالمصلين وامتلأت الساحات وجوانب المسجد.
ثم دُفن بمقبرة النسيم بجانب والدته وقريبًا جدًّا من ابنَيه عبدالرحمن وعبدالرحيم. رحمهم الله جميعًا رحمة واسعة، وأسكنهم فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
ثالث عشر: وصيته
ترك رحمه الله وصية مكتوبة بتاريخ 17/10/1436هـ، أوصى فيها أولاده وذريته بعبادة الله وحده، والالتزام بأركان الإسلام؛ وما يلي طرف منها:
"هذا ما أوصيتُ به أنا سعيد بن علي بن وهف القحطاني، وأنا في كامل صحة عقلي وبدني وقوتي التي مَنَّ الله بها عليَّ. أوصي أولادي -ذكورًا وإناثًا- وزوجاتي وإخوتي وأختي وذرياتهم وجميع أسرتي أن يتقوا الله حق تقاته؛ يطيعوه فلا يعصوه، ويذكروه فلا ينسوه، ويشكروه فلا يكفروه؛ في سرهم وعلانيتهم، وفي أقوالهم وأفعالهم، وأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، وأن يجتمعوا على الحق ولا يتفرقوا، وأن يصلحوا ذات بينهم. وعلى الجميع أن يعلموا أنهم ملاقو الله تعالى، فلا ينفعهم إلا ما قدموا من عمل صالح؛ فأوصي الجميع بالمحافظة على أركان الإسلام، وبالإيمان الكامل بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالقدر خيره وشره، وأوصيهم جميعًا بإحسان العبادة لله تعالى؛ فيعبدوه كأنهم يرونه، فإن لم يكونوا يرونه فإنه يراهم.
وأوصيهم بصدق الحديث، وأداء الأمانة، والوفاء بالعهد، والوفاء بالوعد، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى الجار واليتيم والمسكين والبهائم، وإكرام الضيف، والرجوع إلى الله، والصبر على حُكمه والشكر لنِعَمه، وقراءة القرآن مع التدبر والعمل به ومراجعته، والعدل في جميع الأمور، وإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيام، والنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
وأوصيهم وأحذِّرهم من الشرك بالله -وهو صرف شيء من العبادة لغير الله-، وأحذِّرهم من الحسد، والكذب، والفجور، والخيانة، والظلم، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، والغدر، وقطيعة الرحم، والبُخل، والشُّح، واختلاف السر والعلانية، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله.
واللهَ أسألُ بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يهديهم سواء السبيل، وأن يجمعني بكم جميعًا في الفردوس الأعلى".
للاطلاع على المزيد من سيرة الشيخ رحمه الله؛ يُنظر كتاب: إشباع الشغف في سيرة ابن وهف.
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط