جدول المحتويات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بِهُدَاه.
أما بعد:
وجوب طاعة الله ورسوله
يقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ [الأنفال:20- 21].
في هاتين الآيتين الكريمتين أمر الله المؤمنين أن يقوموا بِمُقْتَضى الإيمان بامتثال أمر الله ورسوله ، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ، وألا يتولوا عن طاعة الله وطاعة رسوله ، وهم يسمعون ما يُتْلَى عليهم من كتاب الله وأوامره ونواهيه، فإن التَّولِّي عن ذلك من أقبح الأحوال والأعمال.
وقال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال:24- 25].
أمر الله عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان منهم؛ وهو الاستجابة لله وللرسول ، والانقياد للأوامر، واجتناب ما نهى الله عنه ورسوله ، فإن هذا هو حياة القلوب والأرواح، وحذَّرهم من ردِّ أمره أو أمر رسوله أول ما يأتيهم؛ فَيُحَال بينهم وبينه إذا أرادوه بعد ذلك، وتختلف قلوبهم، فإن الله يَحُول بين المرء وقلبه، يُقَلِّب القلوب ويصرفها كيف يشاء .
نعمة الحكم بشرع الله في بلاد الحرمين
ثبت عندي خبر بعض العادات القَبَلِيَّة المُخالفة للشريعة الإسلامية التي تُطبَّق في بعض القبائل في جنوب المملكة العربية السعودية وغيرها، وقد أعزَّنا الله بالإسلام، وبدولةٍ مسلمةٍ تحكم بشرع الله تعالى، وما من محافظةٍ ولا مركزٍ من المراكز في أنحاء المملكة العربية السعودية إلا وفيها محكمةٌ شرعيةٌ تحكم بشرع الله تعالى؛ بالكتاب والسنة، وهذه نعمةٌ عظيمةٌ يجب أن يُشْكَر الله عليها، ثم يُشْكَر ولاة أمرنا على هذه العناية الفائقة المميزة بين دول العالم أجمع، فجزاهم الله خيرًا على ما بذلوه لخدمة شرع الله ودينه، وأصلح بِطَانتهم وقلوبهم وأعمالهم، ونفع بهم الإسلام وأهله.
عادات قَبَلِيَّة مُخالفة للشريعة الإسلامية
بلغني من الثِّقات، وعلمتُ كذلك بعاداتٍ قَبَلِيَّةٍ وأعرافٍ يُعْمَل بها في المنطقة المذكورة وما جاورها، توارثها الناس منذ سنين عديدةٍ، وأزمنةٍ مديدةٍ، تُخالف شرع الله تعالى.
ومن هذه العادات التي يجب تركها ودفنها طاعةً لله تعالى ولرسوله العادات الآتية:
- المثارات: فإنها تُسْفَك بها الدماء، وتُقْتَل بها الأنفس المعصومة، وتُسْتَحَلّ بها أموال المعصومين.
ومن هذه المثارات: مثار العاني، ومثار الجار، ومثار الخوي، ومثار الجيرة، ومثار القبالة، ومثار الضيف، ومثار الدم، والمثار الأسود، والمثار الأبيض، والمثار الدّسم.
وهي معروفةٌ عند القبائل، ولا يُحتاج إلى شرحها، وهي عادات جاهليةٌ خبيثةٌ، قبيحةٌ، مُنتنةٌ، مُحرمةٌ. - الأيمان والحلف بغير ما شرع الله: كدين الخمسة، ودين العشرة، ودين الخمسة عشر، ودين العشرين، ودين الأربعين، ودين الأربعة والأربعين، وغير ذلك، كلها من العادات الممقوتة، والجاهلية المنبوذة.
- الجيرة: كأن يقول: أنا رادٌّ فيك الشَّأن، أو غير ذلك.
وهذه تُسبب سَفْك الدماء، والاعتداء على المعصومين، وتُفَرِّق بين الناس، وتُورث العداوة والشَّحناء، وتُسبِّب قتل الأنفس المعصومة.
وأما الجيرة المشروعة فهي لولي أمر المسلمين للمشركين الحربيين حتى يسمعوا كلام الله، وهي لكل فردٍ من المسلمين يُجِير المُشرك الحربي إذا أَذِنَ ولي أمر المسلمين له بذلك. - القرعي: كأن يقول: أنت مقروعٌ.
وهذا فرعٌ من الجيرة، ويُسبب سفك الدماء المعصومة والقتل العمد، وغير ذلك من الفساد الكبير، والشر المُسْتَطِير. - القبالة: عادةٌ جاهليةٌ تُسبب سفك الدماء واستحلال الأموال المعصومة بغير حقٍّ، وتُسبب الشَّحناء والقطيعة وقتل الأنفس المعصومة.
- الغُرْم: فيه إلزام الناس بغير حقٍّ، فيُلزم بدفع الأموال بالسَّويَّة: الفقير، والضعيف، والكبير، والصغير ما دامتْ عنده هوية؛ بطاقة.
وقد بلغني عن بعض القبائل: أن ذلك يكون على الطفل الرضيع أيضًا، يدفعه عنه ولي أمره، وهذا فيه ظلمٌ وعدوانٌ، وإلزام الناس بما لم يُلزمهم الله تعالى به، وأكل أموالهم بالباطل. - إكراه الناس على حقوقهم في القصاص والشِّجاج، فَيُكْرِهُون صاحب الحقِّ بجميع أنواع الإكراه والضغط الاجتماعي حتى يحصل العفو، ويحرمون صاحب الحقِّ الأجر؛ لأنه يعفو بلا نيةٍ صالحةٍ، وهذا لا يجوز شرعًا.
ولا شكَّ أن الصُّلح خيرٌ، ولكن الصُّلح له شروطٌ شرعيةٌ:
منها: رضا الطرفين بدون إكراهٍ.
ومنها: ألا يُخالف الشريعة الإسلامية، فإذا خالفها فهو باطلٌ، والقُضاة الشرعيون لديهم المعرفة الكاملة في ذلك[1]ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 263.. - أخذ ثلث الدم أو ثلث الدية من ورثة المقتول عند بعض القبائل، وهذا ظلمٌ وعدوانٌ على الورثة، وحكمٌ بغير ما أنزل الله.
- الحكم بأيمان الوسيَّة أو أيمان المِثْل بأن يقول: والله، قاطع المال والذريَّة، والعصبة القويَّة، الذي لا يُبْقِي للظالم تَرِيَّة[2]هي الشيء الخفي اليسير. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 3/ 249.، لو كنَّا بالمثل مثلكم أن نجزع مَجْزَعَكم، ونَبْلَع مَبْلَعَكم. أو غير ذلك من الألفاظ التي تُقال في هذه الأيمان المُخالفة للشريعة السَّمْحَة.
- عادة إيواء الجاني وحمايته أو تهريبه، وقد قال النبي : لعن الله مَن آوى مُحْدِثًا[3]رواه مسلم: 1978.، وهذا وعيدٌ شديدٌ لِمَن آوى المُحْدِث أن يطرده الله ويُبْعِده من رحمته، والعياذ بالله.
- تعزير المُعتدي وإلزامه بالقوة الاجتماعية العُرْفِيَّة بذبح شاةٍ أو شاتين أو أكثر، أو غير ذلك؛ جزاءً له على اعتدائه، وتطييبًا لخاطر المُخْطَى عليه.
وهذا تأديبٌ غير شرعيٍّ؛ فالتَّعزير لولي الأمر عن طريق المحاكم الشرعية كما يراه القاضي في الحكم الشرعي في التَّعزير. - إلزام الناس بتوزيع الدِّيات عليهم بالسَّوية، والمشروع أن عاقلة الجاني هي التي تتحمل عنه دِيَة الخطأ، وهم ذكور عصبته نَسَبًا، فهؤلاء الذين يتحملون عنه دِيَة الخطأ، وليس غيرهم، فالزوج -مثلًا- والإخوة لأم وأبناء العَمَّات وأبناء الخالات إذا لم يكونوا من العصبة -وسائر ذوي الأرحام- لا يتحملون من الدِّية شيئًا شرعًا.
أما دِيَة قتل العمد فهي على القاتل وحده إلا مَن أراد أن يُساعده بدون إلزامٍ ولا إكراهٍ، ولا يُلْزِم هذا المُساعِدُ غيرَه بذلك أيضًا، بل مَن أراد مُساعدته والإحسان إليه ابتغاء مرضاة الله فهو مأجورٌ، لكن لا يجب عليه، ولا يُلْزَم من القبيلة أو غيرهم من القبائل الأخرى، ولا يُلْزَم من فَخِذِه، بل بطيب نفسٍ منه. - غضب قبيلة قاتل العمد على قبيلة المقتول إذا أُقِيم القصاص على القاتل ولم يعفوا عنه، ومُقاطعتهم مقاطعةً دائمةً، وعدم الزواج منهم، ولا تزويج أحدٍ منهم، وهذا فيه عدم الرِّضا بحكم الله تعالى، والسَّخط من ذلك، وفيه عدوانٌ وظلمٌ وجهلٌ وسَفَهٌ، وقد قال الله : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].
- السَّواد، ونصبه على الجبال أو الطُّرقات، أو النِّداء به في الأسواق، أو نشره في وسائل الإعلام، أو التَّلفظ به في الأماكن العامَّة أو الخاصَّة، كأن يقول: "سَوَّد اللهُ وجوهَ آل فلان أو فلان".
وهذا يُسبب الشَّحناء والبَغْضَاء والأحقاد وسَفْك الدماء، حتى إنه يُسَوَّد لِمَن لم يَعْفُ عن القصاص، أو غير ذلك، وهذا مُنكرٌ قبيحٌ يجب أن يتوب منه مَن يعمله. - المجليات "جيرة الأسود": وهي الحماية القصيرة ثمانية أيامٍ أو ما يُقاربها، وهي من العادات الجاهلية القبيحة، ومَن حكم بها بين الناس فهو طاغوتٌ، ومَن تحاكم إليه فيها فقد تحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله أن يُكْفَر به.
- فَضُّ النزاع بتحديد الحقوق وتقدير الشِّجاج، وفَضُّ النزاع بين الخصوم على حسب العادات والأعراف والسلوم التي يفرض بها مَن يُسمون بمقاطع الحقِّ أو الحق.
وهذا فيه الحكم بغير ما أنزل الله، والتَّحاكم إلى الطواغيت؛ ولأن هذا من اختصاص المحاكم التي تحكم بشرع الله تعالى. - عدم التَّبليغ عمَّن يعمل بعض المُنكرات التي تُفسد الدين والأخلاق والعقول إذا كان من الجماعة، وبعضهم يُقاطع مَن بَلَّغَ عنه، وبعض القبائل يتَّفقون فيما بينهم اتِّفاقًا سِرِّيًّا على عدم التَّبليغ، ولكن لعل هذه العادة قد زالت الآن في أكثر القبائل، ولم يَبْقَ إلا القليل، ولله الحمد.
- التعاون والتَّكاتف على المُبالغة في دفع الملايين الكثيرة في دِيَّات العمد، وإرهاق القبائل بدفع هذه الأموال عن طريق الضغط الاجتماعي بتوزيع هذه المبالغ على أفراد القبائل، سواءٌ كانوا فقراء أو أغنياء.
ولا شكَّ أن الصُّلح خيرٌ، ولكن بشرط: ألا تكون فيه مَضَرَّةٌ للآخرين، وإلزامهم بما لم يُلزمهم الله تعالى به، ويكون برضا الطرفين، ولا يُخالف الشرع.
وإذا كان هذا التعاون والتَّكاتف مما يُعِين الظالم على ظلمه، ويزيد في إحصائيات قتل العمد، ويُشَجِّع المُعتدي ويُساعده على الاعتداء ما دامتْ قبيلته والقبائل الأخرى المُحالفة لها تُساعده وتُناصره وتُعِينه في دفع ما يترتب عليه؛ فلا يجوز.
ولهذا قال العَلَّامة مُفتي الديار السعودية في عهده محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله: "مثل هذه العوائد من عوائد الجاهلية المبني كثيرٌ منها على الظلم ومُناصرة أهله، فيتعين إبطال هذه الاتفاقيات، والاقتصار على حكم الله ورسوله "[4]ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 284.. - التَّحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت: كل ما تجاوز به العبدُ حَدَّه من معبودٍ، أو مَتْبُوعٍ، أو مُطَاعٍ، فالمعبود بالباطل طاغوتٌ إذا رضي بذلك، والمَتْبُوع مثل: الكُهَّان، والسَّحرة، وعلماء السُّوء، والمُطاع مثل: الأُمراء والمشايخ الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله .
فَمَن تحاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حَكَّمَ الطاغوت وتحاكم إليه، فطاغوت كل قومٍ: مَن يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من الله، أو يُطِيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعةٌ لله، قال ابن القيم رحمه الله: "فهذه طواغيت العالم"[5]ينظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم: 2/ 92..
وقد أمر الله بالكفر بالطاغوت فقال تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:60]، وقال تعالى: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة:256- 257]، وقال : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [النحل:36]، وقال تعالى: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ [الزمر:17].
ومن رؤوس الطواغيت مَن حكم بين الناس بغير ما أنزل الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]. - الحقّ أو مقطع الحقّ -كما يقولون- والحق هو الله تعالى، فالحكم له، والتَّحاكم إليه وحده، وإلى ما أنزل على رسوله .
أما مَن جعل نفسه حقًّا، أو مقطع حقٍّ، أو جعله الناس مقطع حقٍّ، يحكم بينهم بالسلوم والعادات والأعراف الجاهلية، ويُلزمهم بما لم يُلزمهم الله به، ويفرض عليهم ما لم يفرضه الله عليهم؛ فقد حكم بغير ما أنزل الله، فهو طاغوتٌ، ومَن تحاكم إليه فقد تحاكم إلى الطاغوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقد قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، وقال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]. - التَّعصب للطواغيت، فلا يجوز للإنسان المسلم أن يتعصَّب للطواغيت، ويتلفظ بالألفاظ الكُفْرِيَّة المُخْرِجة من دين الإسلام، مثل: أن يقول: "إنه مُتمسكٌ بعادات آبائه وأجداده حتى لو دخل جهنم!" أو يقول: "لا أترك سلوم رَبْعِي، حلالًا كانت أم حرامًا"، ويستحلُّ الحرام، أو يقول: "الفرع أحسن من الشرع"، ويقصد بالفرع: عادات آبائه وقبائله، ويقصد بالشرع: شرع الله تعالى، والعياذ بالله.
أو يقول: "النار ولا العار"، ويستحلُّ ما يُدْخِل النار، أو يقول: "الشرع لا يُنصفنا"، أو يقول: "الشرع لا يعرف عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا"، أو يقول: "حكمٌ أعوج، ولا شريعةٌ سَمْحَةٌ"، أو يقول: "شرع الرفاقة"؛ فإنه لا شرع إلا ما شرعه الله ورسوله .
الوصية بالرجوع إلى الشرع والتوبة من هذه العادات
هذه بعض العادات التي عرفتُها بنفسي، وثبتتْ لديَّ عن طريق الثِّقات، فنصيحتي لكل مسلمٍ أن يبتعد عن هذه العادات والأعراف المُخالفة لشرع الله تعالى، ولا يعمل بها، ولا يُعِين مَن يعمل بها، ويجب على مَن ابتُلِيَ بشيءٍ من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى؛ فإن التَّائب من الذنب كَمَن لا ذنب له، وإذا أخلص في توبته، وحقق شروطها من: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، والعزيمة على ألا يعود، ورَدِّ الحقوق إلى أهلها، أو طلب العفو منهم؛ فإن الله يُبَدِّل سيئاته حسنات: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70].
ويجب على مشايخ الشَّمْل، ومشايخ القبائل والعشائر، ونواب القبائل: الحذر من هذه العادات، وتحذير الناس من هذه الأحكام والأعمال والأقوال الجاهلية، ومنعهم من التَّحاكم إليها، وإلزامهم بالتَّحاكم إلى الشرع المُطهر في الخصومات وغيرها، وترغيبهم في التَّحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وإرشاد كل مَن يتعاطى ذلك؛ طاعةً لله ولرسوله ، وخوفًا من عقابه، ومن مُخالفة أمره، وقد قال الله سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، وقال : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13- 14]، وقال النبي : وجُعِلَ الذُّل والصَّغار على مَن خالف أمري[6]رواه أحمد: 5667، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 20550، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831.، رواه أحمد وغيره.
كما يجب على كل مَن جهل أحكام هذه العادات أو غيرها سؤال أهل العلم بالكتاب والسُّنة عمَّا أشكل وخفي حكمه عليه؛ كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43].
ويجب على أهل العلم الشرعي من القُضاة والدُّعاة إلى الله تعالى وأئمة المساجد والخُطباء أن يُبَيِّنوا للناس قُبْح هذه العادات، ويُرَغِّبوهم في تركها، ويُحَذِّروهم منها ومن سُوء عاقبتها وخطر إهلاكها.
حكم مَن يستحلُّ العادات القَبَلِيَّة أو يُفَضِّلها على الشرع
لا شكَّ أن مَن اعتقد أن الحكم بهذه العادات والسلوم أفضل من حكم الله ورسوله ، أو اعتقد أنها مثل حكم الله ورسوله ، أو اعتقد جواز الحكم بها، وقد بلغه أن الحكم بغير حكم الله لا يجوز؛ فهو طاغوتٌ، كافرٌ بإجماع العلماء، قد خلع رِبْقَة الإسلام من عنقه -والعياذ بالله- وإن زعم أنه مؤمنٌ.
وأما مَن حكم بغير ما أنزل الله، وحمله على ذلك شهوته وهواه، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحقُّ، واعترافه على نفسه بالخطأ، فهذا وإن لم يُخْرِجه عن المِلَّة فهو معصيةٌ عظمى، أكبر من الكبائر: كالزنا، وشُرْب الخمر، والسرقة، واليمين الغَمُوس، وغيرها؛ فإن معصيةً سمَّاها الله: "كفرًا" في كتابه أعظم من معصيةٍ لم يُسَمِّها: كفرًا[7]ينظر: "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 130، و"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم" : 12/ 288، و"مجموع فتاوى … Continue reading.
والله تعالى أسأل أن يُوفق جميع المسلمين إلى كل خيرٍ، وأن يُعِين مشايخ القبائل على قبائلهم؛ لإبعادهم عن هذه العادات والأعراف الجاهلية، وأن يجعلهم مُباركين أينما كانوا، وأن يجعلهم مفاتيح للخير، مغاليق للشَّر، وأن ينفع بهم.
ويُبْشِر كل داعٍ إلى الخير بالأجر الكبير، والثواب المُضاعف؛ فقد قال النبي : مَن دَلَّ على خيرٍ فله مثل أجر فاعله[8]رواه مسلم: 1893.، رواه مسلمٌ.
وصلى الله وسلم وبارك على خِيرَته من خلقه، وأمينه على وَحْيهِ نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين[9]هذا مُلخصٌ مُختصرٌ لما في كتابي "العادات والأعراف القبلية المُخالفة للشريعة الإسلامية"، فمَن أراد التَّفصيل … Continue reading.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د/ سعيد بن علي بن وهف القحطاني
| ^1 | ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 263. |
|---|---|
| ^2 | هي الشيء الخفي اليسير. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 3/ 249. |
| ^3 | رواه مسلم: 1978. |
| ^4 | ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 284. |
| ^5 | ينظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم: 2/ 92. |
| ^6 | رواه أحمد: 5667، وابن أبي شيبة في "مصنفه": 20550، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831. |
| ^7 | ينظر: "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 130، و"فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم" : 12/ 288، و"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 1/ 269. |
| ^8 | رواه مسلم: 1893. |
| ^9 | هذا مُلخصٌ مُختصرٌ لما في كتابي "العادات والأعراف القبلية المُخالفة للشريعة الإسلامية"، فمَن أراد التَّفصيل بالدليل والشرح والبيان لهذه العادات فليرجع إليه.
قُرِأَتْ هذه المَطْوِية على العَلَّامة عبدالرحمن بن ناصر البراك حفظه الله بتاريخ 20/ 7/ 1433هـ، فَأَقَرَّ جميع ما فيها. ومَن أراد طباعتها وتوزيعها بين الناس فله ذلك، وجزاه الله خيرًا، بشرط: ألا يحذف منها شيئًا، ولا يُضِيف. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط