جدول المحتويات
من سعيد بن علي بن وهف القحطاني، إلى مَن يراه من قبائل المنطقة الجنوبية وغيرهم:
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد:
فاللهَ أسألُ لي ولكم التوفيق والسداد والإعانة، والعفو والعافية في الدنيا والآخرة.
البراءة من العادات المخالفة للشريعة
أُخْبِرُكم -وفَّقكم الله- أني وجميع أبنائي وجميع إخواني (آل وهف وأبنائهم كافةً) لا نُقِرُّ العادات القبلية الجاهلية المخالفة للشريعة الإسلامية التي يعمل بها كثيرٌ من الناس في المنطقة الجنوبية وغيرها، ولا نعمل بها، ولا نُعِين عليها، ونبرأ إلى الله منها وممن لم يَتُبْ منها.
والتفصيل المختصر لهذا البيان على النحو الآتي:
- أولًا: العادات والأعراف المحمودة التي لا تُخالف شرع الله تعالى هي من الأعمال الصالحة؛ مثل: الكرم، والجود، والإحسان، ونصر المظلوم على الوجه الذي شرعه الله، وإعانة الضعيف الملهوف، وإكرام الضيف، والعفة، والعفو، والصفح، والحِلْم، والشجاعة في الحق على الوجه المشروع؛ قولًا وفعلًا.
هذه العادات وغيرها من العادات المحمودة التي لا تُخالف شرع الله تعالى؛ فينبغي العمل بها، ودعوة الناس إليها بالقول والفعل. - ثانيًا: الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صلحًا أحلَّ حرامًا أو حرَّم حلالًا، وهذا يعرفه أهل العلم بشروطه المعتبرة شرعًا.
والحكم بالعادات القبلية الجاهلية لا يُسمى صلحًا، بل يُسمى حكمًا جاهليًّا مُحرَّمًا، وإن دلَّس المُدلِّسون، وحرَّف الكاذبون. - ثالثًا: تجب طاعة الله ورسوله طاعةً مُطلقةً، ثم طاعة وُلاة الأمر بالمعروف؛ في العسر واليسر، والمَنْشَط والمَكْرَه[1]عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله : عليك السمعَ والطاعةَ في عُسْرِك ويُسْرِك، ومَنْشَطِك ومَكْرَهِك، … Continue reading؛ لحديث حُذَيفةَ عن النبي أنه قال: يكون بعدي أئمةٌ لا يهتدون بهُدايَ، ولا يستنُّون بسُنَّتي، وسيقوم فيهم رجالٌ قلوبهم قلوب الشياطين في جُثْمان إنسٍ. قال : قلتُ: "كيف أصنع يا رسول الله إن أدركتُ ذلك؟"، قال : تسمع وتُطيع للأمير، وإن ضُرِبَ ظهرُك وأُخِذَ مالُك فاسمع وأطِع[2]رواه مسلم: 1847..
وفي الحديث الآخر عن النبي أنه قال: على المرء المسلم السمعُ والطاعةُ فيما أَحَبَّ وكَرِهَ، إلا أن يُؤمَر بمعصيةٍ، فإن أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سمع ولا طاعة[3]رواه البخاري: 7144، ومسلم: 1839 واللفظ له..
وقال النبي : لا طاعة في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف[4]رواه البخاري: 7257، ومسلم: 1840 واللفظ له.. - رابعًا: العادات والأعراف المخالفة لشريعة محمد بن عبدالله لا نُقِرُّها، ولا نعمل بها، ولا نساعد عليها بأي وجهٍ من الوجوه، بل نرفضها ونُبْطِلها، ونبرأ إلى الله منها وممن لم يَتُبْ منها.
ومنها العادات الآتية:
أمثلة للعادات والأعراف المخالفة للشريعة
- جميع المثارات الجاهلية؛ ومنها: مثار العاني، ومثار الجار، ومثار الخوي، ومثار الجيرة، ومثار القبالة، ومثار الضيف، ومثار الدم، والمثار الأسود، والمثار الأبيض، والمثار الدسم[5]يُنظر شرح هذه المثارات في كتاب "العادات والأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية" للمؤلف: ص7- 10.، وهي عاداتٌ قبيحةٌ معروفةٌ عند بعض القبائل التي تعمل بها؛ فنبرأ إلى الله منها وممن لم يَتُبْ منها.
- الأيمان والحَلِف بغير ما شرع الله؛ كدين الخمسة، ودين العشرة، ودين الخمسة عشر، ودين العشرين، ودين الخمسة والعشرين، ودين الأربعين، ودين الأربعة والأربعين، وغير ذلك. كلها من العادات الممقوتة الجاهلية المنبوذة؛ فلا نُقِرُّها، ولا نعترف بها، ولا نعمل بها.
- الحكم بأيمان الوسيَّة أو أيمان المثل (على خطها والمثل)؛ بأن يقول: "واللهِ -قاطع المال والذرية والعصبة القوية، الذي لا يُبقي للظالم تريَّة- لو كنا بالمثل مثلكم أن نجزع مجزعكم ونبلع مبلعكم"، أو غير ذلك من الألفاظ التي تُقال في هذه الأيمان المُخالفة للشريعة السَّمْحة، ولا نُقِرُّ هذه الأيمان الجاهلية، ونُبْطِلها كلَّها.
- التحاكم إلى الطاغوت: وهو ما يُسمى عند بعض القبائل بـ"الحق"، الذي يحكم بغير ما أنزل الله؛ لأن الله أمر أن يُكْفَرَ به بقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا [النساء:60- 61].
والطاغوت: كل ما تجاوز به العبد حدَّه من معبودٍ أو متبوعٍ أو مُطاعٍ؛ فالمعبود بالباطل طاغوتٌ إذا رضيَ بذلك. والمتبوع مثل: الكُهَّان والسَّحَرة وعلماء السوء. والمُطاع مثل: الأمراء والمشايخ الخارجين عن طاعة الله وطاعة رسوله .
فمَن تحاكَمَ إلى غير ما جاء به الرسول فقد حَكَّمَ الطاغوت وتحاكم إليه، فطاغوت كل قومٍ: مَن يتحاكمون إليه غير الله ورسوله ، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرةٍ من الله، أو يُطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعةٌ لله. قال ابن القيم: "فهذه طواغيت العالم"[6]يُنظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم: 1/ 103..
ومن رؤوس الطواغيت: مَن حَكَمَ بين الناس بغير ما أنزل الله تعالى: وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50].
وقد ذكر الإمام محمد بن عبدالوهاب في آخر كتابه "الأصول الثلاثة": أن الطواغيت كثيرون، ورؤوسهم خمسةٌ: إبليس لعنه الله، ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومَن عُبِدَ وهو راضٍ، ومن ادَّعى علم الغيب، ومَن حَكَمَ بغير ما أنزل الله. - الحق أو مقطع الحق -كما يقولون-: والحق هو الله تعالى؛ فالحكم له، والتحاكم إليه وحده، وبما أنزل على رسوله .
أما من جعل نفسه حقًّا أو مقطع حقٍّ، أو جعله الناس مقطع حقٍّ، يحكم بينهم بالسلوم والعادات والأعراف الجاهلية، ويُلْزِمُهم بما لم يُلْزِمْهم الله به، ويفرض عليهم ما لم يفرضه الله عليهم؛ فقد حكم بغير ما أنزل الله، فهو طاغوتٌ، ومَن تحاكم إليه فقد تحاكم إلى الطاغوت، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! فلا نُقِرُّ ذلك، ولا نعمل به.
وقد قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، وقال : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]. - الجِيرة (ردُّ الشأن)؛ كأن يقول: "أنا رادٌّ فيك الشأن"، أو غير ذلك. وهذه تُسَبِّب سَفْك الدماء كثيرًا، والاعتداء على المعصومين، وتُفَرِّق بين الناس، وتُوَرِّث العداوة والشَّحْناء، وتُسَبِّب قتل الأنفس المعصومة.
وأما الجِيرة المشروعة فهي لولي أمر المسلمين للمشركين الحربيِّين؛ حتى يسمعوا كلام الله. وهي لكل فردٍ من المسلمين؛ يُجِير المشركَ الحربيَّ إذا أَذِنَ وليُّ أمر المسلمين له بذلك.
ومن الجِيرة المذمومة المحرَّمة: المُجَلِّيات (جيرة الأسود)؛ وهي: الحماية القصيرة ثمانية أيامٍ أو ما يُقاربها، وهي من العادات الجاهلية القبيحة، ومَن حَكَمَ بها بين الناس فهو طاغوتٌ، ومَن تحاكم إليه فيها فقد تحاكم إلى الطاغوت الذي أمر الله أن يُكْفَرَ به؛ فلا نُقِرُّ هذه الجِيرة المُحرَّمة، ولا نعمل بها. - إيواء المُحْدِث الجاني وحمايته وتهريبه؛ لأنَّ مَن آواه يكون ملعونًا؛ لقول النبي : ولَعَنَ الله مَن آوى مُحْدِثًا[7]رواه مسلم: 1978.، وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن آوى المُحْدِث؛ أن يطرده الله ويُبْعِدَه من رحمته، والعياذ بالله!
- القبالة: عادةٌ جاهليةٌ تُسَبِّب سَفْك الدماء كثيرًا، واستحلال الأموال المعصومة بغير حقٍّ، وتُسَبِّب الشَّحْناء والقطيعة وقتل الأنفس المعصومة؛ فلا نُقِرُّ القبيل الذي ينصبه أهل العادات الجاهلية المخالفة للشرع، ولا نعترف به.
- إكراه الناس على حقوقهم في القصاص والشِّجاج؛ فيُكرِهون صاحب الحق بجميع أنواع الإكراه والضغط الاجتماعي حتى يحصل العفو، ويَحرِمون صاحب الحق الأجر؛ لأنه يعفو بلا نيةٍ صالحةٍ؛ وهذا لا يجوز شرعًا.
ولا شكَّ أن الصلح خيرٌ، ولكن الصلح له شروطٌ شرعيةٌ؛ منها: رضا الطرفين من دون إكراهٍ. ومنها: ألا يُخالف الشريعة الإسلامية، فإذا خالفها فهو باطلٌ، والقضاة الشرعيون لديهم المعرفة الكاملة بذلك[8]يُنظر: "فتاوى ورسائل" لمحمد بن إبراهيم: 12/ 263.. - إلزام الناس بتوزيع الدِّيَات عليهم بالسويَّة.
والمشروع: أنَّ عاقِلة الجاني هي التي تتحمَّل عنه دِيَة قتل الخطأ وشبه العمد، تُقَسَّط الدِّيَة عليهم ثلاث سنين، ولا يلزم القاتل شيءٌ من دية الخطأ، ويعدل قسطه من الدِّيَة أن الكفارة تلزمه في ماله.
وأما جناية الخطأ على ما دون النفس، فالعاقلة تحمل منه ما بلغ ثُلُث الدية فصاعدًا، ولا تحمل ما دونه.
ولا تحمل العاقلة عمدًا محضًا، ولا عبدًا، ولا صلحًا، ولا اعترافًا لم تُصَدِّقه به.
ولا عقلَ على غير مُكَلَّفٍ ولا فقيرٍ ولا أنثى.
والعاقلة هم: ذكور عَصَبة الجاني نَسَبًا، والحاضر والغائب سواءٌ، حتى أصوله وفروعه الذكور، ويُقَدَّم الأقرب فالأقرب من العَصَبات؛ فيُبدأ بإخوة القاتل وبنيهم، وأعمامه وبنيهم، وأعمام أبيه وبنيهم، حتى ينقرض المناسبون، ومتى اتسع الأقرب لم يدخل معهم من بعدهم[9]يُنظر: "المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف": 25/ 312- 366، و"الكافي" لابن قدامة: 5/ 269- 282، و"الشرح الممتع" لابن عثيمين: 14/ … Continue reading. وهم ذكور عَصَبته نَسَبًا، فهؤلاء الذين يتحمَّلون عنه دِيَة الخطأ وليس غيرهم؛ فالزوج -مثلًا- والإخوة لأمٍّ وأبناء العمَّات وأبناء الخالات -إذا لم يكونوا من العَصَبة- وسائر ذوي الأرحام لا يتحمَّلون من الدِّيَة شيئًا شرعًا.
أما دِيَة قتل العَمْد فهي على القاتل وحده، إلا مَن أراد أن يُساعدَه من دون إلزامٍ ولا إكراهٍ، ولا يُلْزِم هذا المساعدُ غيرَه بذلك أيضًا، بل مَن أراد مُساعدته والإحسان إليه ابتغاء مرضاة الله فهو مأجورٌ، لكن لا يجب عليه، ولا يُلْزَمُ من القبيلة أو غيرها من القبائل الأخرى، ولا يُلْزَمُ مِن فَخِذِه، بل بطيب نفسٍ منه. - الغُرم المبني على الحكم بالأعراف والعادات القبلية الجاهلية؛ فأخذُ أموال الناس في دِيَات الخطأ أو العمد وغير ذلك بالضغط الاجتماعي فيه إلزامٌ للناس بغير حقٍّ، فيُلْزَم بدفع الأموال بالسوية: الفقير، والضعيف، والكبير، والصغير، ما دام عنده هُوِيَّة (بطاقة). وقد بلغني عن بعض القبائل أن ذلك يكون على الطفل الرضيع أيضًا، يدفعه عنه وليُّ أمره!
وهذا فيه ظلمٌ وعدوانٌ، وإلزامُ الناس بما لم يُلْزِمْهم الله تعالى به، وأكلُ أموالهم بالباطل؛ فلا نُقِرُّه ولا نعترف به، بل نُبْطِلُه ونَنْبِذُه. - القرعي؛ كأن يقول: "أنت مقروعٌ"، وهو يصدر ممن يُرَدُّ فيه الشأن، وهذا فرعٌ من الجِيرة، وأول بدايتها، ويُسَبِّب سفك الدماء المعصومة كثيرًا، والقتل العمد، وغير ذلك من الفساد الكبير والشر المستطير؛ فلا نُقِرُّه، ولا نعترف به، ولا نعمل به.
- غضب قبيلة قاتل العمد على قبيلة المقتول إذا أقاموا القِصاص على القاتل ولم يعفوا عنه، ومقاطعتهم مقاطعةً دائمةً، وعدم الزواج منهم أو تزويج أحدٍ منهم.
وهذا فيه عدم الرضا بحكم الله تعالى، والسخط على ذلك، وفيه عدوانٌ وظلمٌ وجهلٌ وسَفَهٌ؛ فلا نُقِرُّ هذه العادة القبيحة، ولا نرضى بها، ولا نعمل بها.
يقول الله : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65]. - السَّواد، ونصبه على الجبال أو الطرقات، أو النداء به في الأسواق، أو نشره في وسائل الإعلام، أو التلفُّظ به في الأماكن العامة أو الخاصة؛ كأن يقول: "سوَّد الله وجوه آل فلانٍ، أو وجه فلانٍ".
وهذا يُسبِّب الشحناء والبغضاء والأحقاد وسفك الدماء، حتى إنه يُسَوَّد مَن لم يَعْفُ عن القصاص أو غير ذلك.
وهذا مُنكَرٌ قبيحٌ يجب أن يتوب منه من يعمله؛ فنحن لا نُقِرُّ هذه العادة الخبيثة، ولا نعمل بها، ولا نُعِين عليها، بل ندفنها في التراب. - التعاون والتكاتف على المبالغة في دفع الملايين الكثيرة في دِيَات العمد، وإرهاق القبائل بدفع هذه الأموال عن طريق الضغط الاجتماعي بتوزيع هذه المبالغ على أفراد القبائل، سواءٌ أكانوا فقراء أم أغنياء.
ولا شكَّ أن الصلح خيرٌ، ولكن بشرط ألا يكون فيه مَضَرَّةٌ للآخرين، وإلزامٌ لهم بما لم يُلْزِمْهم الله تعالى به، وأن يكون برضا الطرفين، وألا يخالف الشرع.
وإذا كان هذا التعاون والتكاتف مما يُعِين الظالم على ظلمه، ويزيد في إحصائيات قتل العمد، ويُشَجِّع المعتدي ويساعده على الاعتداء ما دامت قبيلته والقبائل الأخرى المُحالفة لها تُساعده وتُناصره وتُعينه في دفع ما يترتب عليه؛ فلا يجوز؛ ولهذا قال العلامة -مفتي الديار السعودية في عهده- محمد بن إبراهيم آل الشيخ: "مثل هذه العوائد من عوائد الجاهلية المبني كثيرٌ منها على الظلم ومناصرة أهله؛ فيتعيَّن إبطال هذه الاتفاقيات، والاقتصار على حكم الله ورسوله "[10]يُنظر: "فتاوى ورسائل" لمحمد بن إبراهيم: 12/ 284.. - التعصُّب للطواغيت: لا يجوز للإنسان المسلم أن يتعصَّب للطواغيت، ويتلفَّظ بالألفاظ الكفرية المُخرِجة من دين الإسلام؛ مثل مَن يقول: "إنه متمسكٌ بعادات آبائه وأجداده حتى لو دخل جهنم"، أو يقول: "لا أترك سلوم ربعي حلالًا كانت أم حرامًا"، ويستحل الحرام، أو يقول: "الفرع أحسن من الشرع"، ويقصد بالفرع عادات آبائه وقبائله، ويقصد بالشرع شرع الله تعالى، والعياذ بالله! أو يقول: "النار ولا العار"، ويستحل ما يُدخل النار، أو يقول: "الشرع لا ينصفنا"، أو يقول: "الشرع لا يعرف عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا"، أو يقول: "حكمٌ أعوجٌ، ولا شريعةٌ سمحةٌ"، أو يقول: "شرع الرفاقة"، فإنَّه لا شَرْعَ إلا ما شرعه الله ورسوله ؛ فلا نُقِرُّ هذه العادة القبيحة، ولا نرضى بها، ولا نعمل بها، ونبرأ إلى الله منها وممن لم يَتُبْ منها.
- دِيَة قتل الخطأ: تكون على حسب ما شرعه الشارع الحكيم على العاقلة إلى الجد الخامس أو السادس فحسب، على حسب الشروط المعتبرة عند العلماء رحمهم الله تعالى، ولا يجوز إلزام الناس بغير ذلك في هذه المسألة، وقد تقدَّم التفصيل في دِيَة قتل الخطأ ومَن هم العاقلة في البند رقم (10) في هذا البيان.
- جميع العادات القبلية الجاهلية المخالفة للشريعة الإسلامية -المذكورة هنا والتي لم تُذْكَر- نُبْطِلها كلها، ولا نعترف بها، بل نضعها تحت الأقدام؛ لقول النبي ، وهو واقفٌ في خطبة حَجَّة الوداع بعرفاتٍ: ألا كل شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوعٌ[11]رواه مسلم: 1218.، وكل عادةٍ أو اتفاقيةٍ تَصدُر فيها فتوى من أهل العلم الراسخين بالتحريم، فنحن مِن أول مَن يبتعد عنها.
ويجب على مَن ابتُلي بشيءٍ من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى؛ فإنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له[12]رواه ابن ماجه: 4250، والطبراني في "المعجم الكبير": 10281، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3145..
وإذا أخلص في توبته وحقَّق شروطها من: الإقلاع عن الذنب، والندم على ما فعل، والعزيمة على ألا يعود، وردَّ الحقوق إلى أهلها أو طَلَبَ العفو منهم؛ فإنَّ الله يُبَدِّل سيئاته حسناتٍ، وكان الله غفورًا رحيمًا.
واجب العلماء تجاه العادات المخالفة للشريعة
ويجب على مشايخ الشمل، ومشايخ القبائل والعشائر، ونُوَّاب القبائل: الحذرُ من هذه العادات، وتحذيرُ الناس من هذه الأحكام والأعمال والأقوال الجاهلية، ومنعُهم من التحاكم إليها، وإلزامُهم بالتحاكم إلى الشرع المُطهَّر في الخصومات وغيرها، وترغيبُهم في التحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وإرشاد كل مَن يتعاطى ذلك؛ طاعةً لله ولرسوله ، وخوفًا من عقابه ومن مخالفة أمره.
وقد قال الله سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63].
وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36].
وقال : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13- 14].
وقال النبي : وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغَار على مَن خالف أمري[13]رواه أحمد: 5667 واللفظ له، وابن أبي شيبة في "المصنف": 20550، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2831..
كما يجب على كلِّ مَن جَهِلَ أحكام هذه العادات أو غيرها سؤالُ أهل العلم بالكتاب والسُّنة عمَّا أُشكِل وخفيَ حكمُه عليه، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43].
ويجب على أهل العلم الشرعي -من القضاة والدعاة إلى الله تعالى وأئمة المساجد والخطباء- أن يُبَيِّنُوا للناس قُبْح هذه العادات، ويُرَغِّبُوهم في تركها، ويُحَذِّرُوهم منها ومن سوء عاقبتها وخطر إهلاكها.
ولا شكَّ أن مَن اعتقد أن الحكم بهذه العادات والسلوم أفضل من حكم الله ورسوله ، أو اعتقد أنها مثل حكم الله ورسوله ، أو اعتقد جواز الحكم بها وقد بلغه أن الحكم بغير حُكم الله لا يجوز؛ فهو طاغوتٌ كافرٌ بإجماع العلماء، قد خلع رِبْقَة الإسلام من عُنُقه -والعياذ بالله-، وإن زَعَمَ أنه مؤمنٌ.
وأما مَن حَكَمَ بغير ما أنزل الله، وحَمَلَه على ذلك شهوتُه وهواه، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق وهو الواجب ولا يجوز الحكم بغيره، واعترافه على نفسه بالخطأ؛ فهذا وإن لم يُخْرِجه كفره عن الملة فإنه معصيةٌ عُظمى أكبر من الكبائر -كالزنا وشرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها-، فإنَّ معصيةً سمَّاها الله "كفرًا" في كتابه أعظمُ من معصيةٍ لم يُسَمِّها "كفرًا"[14]يُنظر: "فتاوى ورسائل" لمحمد بن إبراهيم: 12/ 288- 289، و"منهاج السُّنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 283- 284، و"مجموع فتاوى … Continue reading.
واللهَ أسألُ التوفيق والسداد للجميع، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين[15]مَن أراد الشرح بالتفصيل، والأدلة، والفتاوى، وأقوال العلماء الراسخين في العلم؛ فعليه أن يرجع إلى: كتابي … Continue reading.
أخوكم المُحِبُّ لكم الخير
د. سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حُرِّرَ في 9/ 8/ 1433هـ.
| ^1 | عن أبي هريرةَ قال: قال رسول الله : عليك السمعَ والطاعةَ في عُسْرِك ويُسْرِك، ومَنْشَطِك ومَكْرَهِك، وأَثَرَةٍ عليك. رواه مسلم: 1836. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 1847. |
| ^3 | رواه البخاري: 7144، ومسلم: 1839 واللفظ له. |
| ^4 | رواه البخاري: 7257، ومسلم: 1840 واللفظ له. |
| ^5 | يُنظر شرح هذه المثارات في كتاب "العادات والأعراف القبلية المخالفة للشريعة الإسلامية" للمؤلف: ص7- 10. |
| ^6 | يُنظر: "إعلام الموقعين" لابن القيم: 1/ 103. |
| ^7 | رواه مسلم: 1978. |
| ^8 | يُنظر: "فتاوى ورسائل" لمحمد بن إبراهيم: 12/ 263. |
| ^9 | يُنظر: "المقنع مع الشرح الكبير والإنصاف": 25/ 312- 366، و"الكافي" لابن قدامة: 5/ 269- 282، و"الشرح الممتع" لابن عثيمين: 14/ 171- 182، و"الشرح المختصر على متن زاد المستقنع" لصالح الفوزان: 4/ 286- 289. |
| ^10 | يُنظر: "فتاوى ورسائل" لمحمد بن إبراهيم: 12/ 284. |
| ^11 | رواه مسلم: 1218. |
| ^12 | رواه ابن ماجه: 4250، والطبراني في "المعجم الكبير": 10281، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3145. |
| ^13 | رواه أحمد: 5667 واللفظ له، وابن أبي شيبة في "المصنف": 20550، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 2831. |
| ^14 | يُنظر: "فتاوى ورسائل" لمحمد بن إبراهيم: 12/ 288- 289، و"منهاج السُّنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 283- 284، و"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 1/ 269. |
| ^15 | مَن أراد الشرح بالتفصيل، والأدلة، والفتاوى، وأقوال العلماء الراسخين في العلم؛ فعليه أن يرجع إلى:
|
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط