جدول المحتويات
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الذي ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما وعد في كتابه، وهو الصادق الذي لا يخلف الميعاد.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أفضل المرسلين، وأكرم العباد، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كُلِّه ولو كره أهلُ الشرك والعِنَاد، ورفع له ذكره، ولا يُذكَر إلا ذُكِرَ معه كما في الأذان والتشهد، والخُطب والمجامع والأعياد، وكَبَتَ مُحادِّه، وأهلكَ مُشاقِّه، وكفاه المستهزئين به ذوي الأحقاد، وبَتَر شانئه، ولعن مُؤذيه في الدنيا والآخرة، وجعل هوانه بالمرصاد.
أما بعد:
فقد هدانا الله تعالى بنبيِّه محمدٍ ، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآتانا ببركة رسالته خير الدنيا والآخرة، وأوجب الله علينا حُبَّه، وتعزيره ونصره بكل طريقٍ، وإيثاره بالنفس والمال في كل موطنٍ، وحفظه وحمايته من كل مؤذٍ، وإن كان الله قد أغنى رسوله عن نصر الخلق؛ ولكن ليبلوَ بعضكم ببعضٍ، وليعلم الله مَن ينصره ورُسلَه بالغيب.
وجوب محبة النبي وتقديمها على كل شيء
محبة النبي شرطٌ لحصول محبة الله
ولا شكَّ ولا ريب أن محبة الله لا تَحصُل للعبد إلا باتِّباع النبي ؛ قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].
المحبة من علامات حلاوة الإيمان وكماله
وقال النبي الكريم : ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: مَن كان الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذف في النار[1]رواه البخاري: 16، ومسلم: 43..
وقال : لا يؤمن عبدٌ حتى أكون أحبَّ إليه من أهله، وماله، والناس أجمعين[2]رواه مسلم: 44.، وفي لفظ: من ولده، ووالده، والناس أجمعين[3]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44..
وعن العباس بن عبدالمطلب : أنه سمع رسول الله يقول: ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا[4]رواه مسلم: 34..
الوعيد على تقديم محبة غير الله ورسوله
ومحبة الله ورسوله فرضٌ، بل أفرض الفروض، وتقديمها على محبة كل شيءٍ؛ قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ [التوبة:24].
وهذا يدل على وجوب محبة الله ورسوله، وتقديمها على محبة كل شيءٍ، ويدل على الوعيد الشديد، والمقت الأكيد على مَن كان شيءٌ من هذه المذكورات أَحبَّ إليه من الله ورسوله وجهادٍ في سبيله.
وعلامة ذلك: أنه إذا عُرِضَ عليه أمران؛ أحدهما يحبه الله ورسوله وليس لنفسه فيه هوًى، والآخر تُحبه نفسُهُ وتشتهيه، ولكنه يفوِّت عليه محبوبًا لله ورسوله، أو ينقصه؛ فإنه إن قدَّم ما تهواه نفسه على ما يُحبه اللهُ ورسولُه دلَّ ذلك على أنه ظالمٌ تاركٌ لما يجب عليه[5]يُنظر: "تفسير السعدي": ص 332..
المحبة الصادقة تقتضي الطاعة
وما أحسن ما قاله القائل:
| تعصي الإلهَ وأنت تُظهرُ حُبَّهُ | هذا محالٌ في القياسِ بديعُ |
| لو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَه | إنَّ المُحبَّ لمَن يُـحِبُّ مُطيعُ[6]البيتان يُنسبان إلى محمود الورَّاق. يُنظَر: "الكامل" للمبرِّد، 2/ 4. |
وقال الإمام ابن القيم في نونيته:
| شَرطُ المَحَبَّةِ أَن تُوافِقَ مَن تُحِبُّ | على محبته بلا عصيان |
| فَإِذا ادَّعَيْتَ لَهُ المَحَبَّةَ مَعْ خِلا | فِكَ ما يُحِبُّ، فَأَنتَ ذُو بُهتانِ |
| أَتُحِبُّ أَعداءَ الحبيبِ وتَدَّعي | حُبًّا لَهُ ما ذاكَ في إِمكانِ |
| وكذا تُعادي جاهِدًا أحبابَهُ | أينَ المَحَبَّةُ يا أخا الشيطان[7]الأبيات منسوبة لابن القيم. يُنظر: "توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم"، لأحمد بن عيسى: 2/ 264.. |
تقديم محبته على النفس
ولما قال عُمَرُ : يا رسول الله، لأنتَ أَحبُّ إليَّ من كل شيءٍ إلا من نفسي، فقال النبي : لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبَّ إليك من نفسك؛ فقال له عُمَرُ : فإنه الآن والله، لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسي، فقال النبي : الآن يا عُمر[8]رواه البخاري: 6632.، أي: الآن عرفتَ؛ فنطقتَ بما يجب[9]يُنظر: "فتح الباري": 11/ 528..
ثمرات محبة النبي
محبة ما يُحبه الله ورسوله
وهذا الحب لا يكون بالدعوى بل بالصدق، والمحبة تُثمر طاعة الله ورسوله، والبعد عما نهى الله عنه ورسوله .
ولا شكَّ أنَّ العبد إذا أَحبَّ الله ورسوله فإنه يُحبُّ ما يُحبه اللهُ ورسولُه؛ لأن مَن أَحبَّ أحدًا أَحب مَن يُحبه؛ ولهذا قال النبي : مَن أحبَّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله؛ فقد استكمل الإيمان[10]رواه أبو داود: 4681، والترمذي: 2521، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029..
الاجتماع مع النبي في الجنة
وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن من ثواب محبته الاجتماع معه في الجنة، فقد سأله رجلٌ عن الساعة، فقال : ما أعددتَّ لها؟ قال: "يا رسول الله، ما أعددتُ لها كبيرَ صيامٍ ولا صلاةٍ ولا صدقةٍ، ولكني أحبُّ الله ورسوله"، قال : فأنتَ مع مَن أحببتَ[11]رواه البخاري: 6171، ومسلم: 2639.. قال أنسٌ : "فما فرحنا بعد الإسلام فرحًا أشدَّ من قول النبي : أنتَ مع مَن أحببتَ، فأنا أحبُّ الله ورسوله، وأبا بكرٍ وعُمَرَ؛ فأرجو أن أكون معهم، وإن لم أعمل بأعمالهم"[12]رواه البخاري: 3688، ومسلم: 2639..
وعن عبدالله بن مسعود قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله فقال: يا رسول الله، كيف تقول في رجلٍ أحبَّ قومًا ولم يلحق بهم؟ فقال : المرء مع مَن أَحبَّ[13]رواه البخاري: 6169، ومسلم: 2640..
ومعنى "ولم يلحق بهم": أي: في الأعمال، والآية في سورة آل عمران: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [آل عمران:31]، يُقال لها: آية المحنة، امتحن الله بها العباد.
فعلامة المحبة لله تعالى اتِّباع الرسول ، والابتعاد عما نهى عنه، وفي الآية والأحاديث السابقة الدلالة على أن المرء مع مَن أَحبَّ؛ فمَن أَحبَّ النبي والمؤمنين فهو معهم، ومَن أَحبَّ الكفار فهو معهم.
من مقتضيات المحبة: النصرة والتوقير
ومن صِدْقِ المحبة له نُصرته، وتعزيره، وتوقيره، قال الله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ[الأحزاب:45- 46]، وقال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:157].
ومعنى وَتُعَزِّرُوهُ: ذكر ابن كثيرٍ: عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: تُعظِّموه. وقال البغوي: وَتُعَزِّرُوهُ: تعينوه وتنصروه. وَتُوَقِّرُوهُ: من التوقير وهو الاحترام[14]يُنظر: "تفسير ابن كثير": ص 1233، والبغوي المختصر: 2/ 872..
عقوبة مَن آذى النبي أو استهزأ به
وقد لعن الله تعالى مَن آذاه وآذى رسوله ؛ فقال: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]، وقال تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52].
ولا شكَّ أن مَن استهزأ بالنبي يستحق لعنة الله تعالى، وقد لعنه، وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52]، فإذا كان مسلمًا قبل سبِّه ارتدَّ، ولا تُقبل توبته عندنا ولو تاب؛ لقول الله تعالى: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66]، ويجب قتله من دون استتابةٍ على القول الصحيح.
أما إذا كان السابُّ ذميًّا أو مُعاهَدًا فإنه يُنتقضُ عهده، ويُقتل، ولا يجوز المنُّ عليه ولا مُفاداته، بل يُقتل على كل حالٍ.
وإذا تاب السابُّ، فالصواب أنه يُقتل، ولو كان أصله مسلمًا، فلا تُقبل توبته عندنا، أما عند الله فهذا إليه سبحانه.
وقد ضَمَّن ذلك شيخ الإسلام في كتابه "الصارم المسلول على شاتم الرسول "، قال رحمه الله: وقد رتَّبتُه على أربع مسائل:
- المسألة الأولى: أن السابَّ يُقتل، سواءٌ أكان مسلمًا أو كافرًا.
- المسألة الثانية: في أنه يتعين قتله وإن كان ذميًّا؛ فلا يجوز المَنُّ عليه ولا مُفاداته.
- المسألة الثالثة: في حكمه إذا تاب، وكذا لو أسلم الكافر بعد السبِّ.
- المسألة الرابعة: في بيان السبِّ، وما ليس بسبٍّ، والفرق بينه وبين الكفر.
وقد أجاد وأفاد رحمه الله تعالى.
خصائص رسالة النبي
ومَن اتَّبع النبيَّ محمدًا كتب الله له رحمته التي وسعت كل شيءٍ، قال الله : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الأعراف:156- 157].
وقد أرسله الله للجن والإنس؛ فرسالته عامةٌ، ولا نبيَ بعده؛ قال الله : قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون [الأعراف:158].
لقد أرسل الله هذا النبيَّ الكريم رحمةً للعالمين، كما قال الله تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107].
وجعله خاتم الأنبياء والمُرسَلين، مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ.[الأحزاب:40]؛ فلا نبيَّ بعده عليه الصلاة والسلام.
وهو الداعي لكل خيرٍ، المُحذِّر من كل شرٍّ لجميع الجن والإنس، يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [الأحزاب:45- 48].
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة:15- 16].
وهو عليه الصلاة والسلام مِنةٌ من الله تعالى على المؤمنين خاصةً، لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ [آل عمران:164].
وقد عصمه الله تعالى وتكفَّل بحمايته فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ [المائدة:67].
وكفاه الله تعالى المستهزئين، فقال : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ [الحجر:94- 99].
دعوةٌ إلى نُصرة النبي واتِّباعه
فيا عبدالله المؤمن، كُن من الطائعين المُتبعين لهذا النبي الكريم، ولا تُعِن الكافرين، بل أبغضهم لله رب العالمين، ولا تتشبه بهم؛ فإن مَن تشبَّه بقومٍ فهو منهم[15]رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6149.، وانصر نبيَّك محمدًا باتِّباعه، ومحبته، ومقاطعة المشركين، والله تعالى ناصرٌ نبيَّه ، ومُعلٍ كلمتَه ولو كره المشركون، ولو كره الكافرون، ولو كره المنافقون، وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ [آل عمران:85].
وقال عليه الصلاة والسلام: والذي نفسُ محمدٍ بيده، لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، ثم يموت، ولم يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار[16]رواه مسلم: 153.. فدعوته عامةٌ للإنس والجن إلى قيام الساعة.
ومَن آذاه وسبَّه فقد تولَّى الله عقابه في الدنيا والآخرة؛ إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا [الأحزاب:57]، وقال : أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا [النساء:52]. فمَن شتم رسول الله ، أو نال منه؛ فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
وقد أحسن حسانُ بن ثابت حين قال لمَن سبَّ النبي :
| هجوتَ محمدًا فأجبتُ عنه | وعند الله في ذاك الجزاءُ |
| فإنَّ أبي ووالده وعرضي | لعرضِ محمدٍ منكم وِقاءُ[17]البيتان لحسان بن ثابت . يُنظر: "صحيح مسلم": 2490. |
فهذه نبذةٌ يسيرةٌ في وجوب محبة النبي ، ونُصرته، واتِّباع دينه، والعمل به ظاهرًا وباطنًا، واتِّباع سُنَّته، والذب عنها، وعموم رسالته .
وصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتبه:
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
حُرر في: 10/ 11/ 1433هـ
| ^1 | رواه البخاري: 16، ومسلم: 43. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 44. |
| ^3 | رواه البخاري: 15، ومسلم: 44. |
| ^4 | رواه مسلم: 34. |
| ^5 | يُنظر: "تفسير السعدي": ص 332. |
| ^6 | البيتان يُنسبان إلى محمود الورَّاق. يُنظَر: "الكامل" للمبرِّد، 2/ 4. |
| ^7 | الأبيات منسوبة لابن القيم. يُنظر: "توضيح المقاصد شرح نونية ابن القيم"، لأحمد بن عيسى: 2/ 264. |
| ^8 | رواه البخاري: 6632. |
| ^9 | يُنظر: "فتح الباري": 11/ 528. |
| ^10 | رواه أبو داود: 4681، والترمذي: 2521، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029. |
| ^11 | رواه البخاري: 6171، ومسلم: 2639. |
| ^12 | رواه البخاري: 3688، ومسلم: 2639. |
| ^13 | رواه البخاري: 6169، ومسلم: 2640. |
| ^14 | يُنظر: "تفسير ابن كثير": ص 1233، والبغوي المختصر: 2/ 872. |
| ^15 | رواه أبو داود: 4031، وأحمد: 5114، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 6149. |
| ^16 | رواه مسلم: 153. |
| ^17 | البيتان لحسان بن ثابت . يُنظر: "صحيح مسلم": 2490. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط