تخطى إلى المحتوى

نبذة من سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

نبذة من سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بِهُدَاه.

أما بعد:

هذه نبذةٌ يسيرةٌ جدًّا من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب [1]ينظر سيرته بالتَّفصيل في "سير أعلام النبلاء" للذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين، من ص71 إلى 145.، خليفة رسول الله الثاني بإجماع المسلمين، وأفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبعد أبي بكر الصديق ، فهو ثاني الخلفاء الراشدين، وقد قال النبي في حقِّهم: فإنَّه مَن يَعِشْ منكم بعدي فَسَيَرَى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بِسُنَّتِي وسُنَّة الخلفاء المَهْدِيِّين الراشدين، تَمَسَّكُوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذ، وإياكم ومُحْدَثَات الأمور، فإنَّ كل مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكل بدعةٍ ضلالةٌ[2]رواه أبو داود: 4607 واللفظ له، والترمذي: 2676، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2549..

وهو الذي أثنى عليه النبي بقوله: والذي نفسي بيده، ما لَقِيَكَ الشيطان قطُّ سالكًا فَجًّا إلا سلك فَجًّا غير فَجِّك[3]رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396..

وبَشَّرَه النبي بقصرٍ في الجنة بقوله : دخلتُ الجنة فرأيتُ فيها دارًا -أو قصرًا- فقلتُ: لِمَن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فأردتُ أن أدخل، فذكرتُ غيرَتك، فبكى عمر وقال: أي رسول الله، أوعليك يُغَار؟»[4]رواه البخاري: 5226، ومسلم: 2394 واللفظ له.، وفي لفظٍ: بَيْنَا أنا نائمٌ إذ رأيتني في الجنة، فإذا امرأةٌ تَوَضَّأُ إلى جانب قصرٍ، فقلتُ: لِمَن هذا؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرتُ غَيْرَة عمر؛ فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا، قال أبو هريرة: فبكى عمر[5]رواه البخاري: 3242، ومسلم:  2395..

وهو الذي قال فيه النبي : إن الله تعالى جعل الحقَّ على لسان عمر وقلبه[6]رواه الترمذي: 3682، وأحمد: 5145، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1736..

وهو الفاروق؛ فَرَّق الله به بين الحقِّ والباطل[7]ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: 3/ 270..

وهو من المُحَدَّثين؛ لقول النبي : لقد كان فيما قبلكم من الأمم مُحَدَّثون، فإنْ يَكُ في أُمَّتي أحدٌ فإنَّه عمر، زاد زكريَّاء بن أبي زائدة، عن سعدٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال النبي لقد كان فيمَن كان قبلكم من بني إسرائيل رجالٌ يُكَلَّمون من غير أن يكونوا أنبياء، فإنْ يَكُنْ من أُمَّتي منهم أحدٌ فعمر[8]رواه البخاري: 3689..

ولفظ مسلمٍ: أنه كان يقول: قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحَدَّثُون، فإنْ يَكُنْ في أُمَّتي منهم أحدٌ فإنَّ عمر بن الخطاب منهم، قال ابن وَهْبٍ: تفسير مُحَدَّثُون مُلْهَمُون»[9]رواه مسلم: 2398..

ومَن سَبَّهُ أو انتقص من حقِّه فهو أضلُّ من حمار أهله؛ لقول النبي : لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدكم أَنْفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه[10]رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2541..

ومن سيرته الجميلة الكريمة النماذج الآتية:

ولادته وأعماله ووفاته

الميلاد والإسلام

وُلِدَ عمر بن الخطاب بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنةً[11]ينظر: "تاريخ خليفة بن خياط": ص153، و"الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 77.، وأسلم بعد رجالٍ سبقوه في السنة السادسة من النبوة وله سبعٌ وعشرون سنةً، وقيل: ستٌّ وعشرون سنةً، أسلم بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأةً[12]ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: 3/ 269، 270، و"الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 78، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 10/ 181..

فهو أحد السابقين الأولين، وكان إسلامه عِزًّا؛ ظهر به الإسلام، وأحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وثاني الخلفاء الراشدين، وأحد أصهار رسول الله ؛ حيث تزوج رسول الله ابنته حفصة بنت عمر رضي الله عنها، وهو أحد كبار علماء الصحابة وزُهَّادهم.

الجهاد والخلافة والفتوحات

اتَّفق العلماء على أن عمر  شهد بدرًا وأُحُدًا وبيعة الرضوان، وكل مشهدٍ شهده رسول الله ، ولم يَغِبْ عن غزوةٍ غزاها رسول الله ، وتُوفي رسول الله وهو عنه راضٍ، وولي الخلافة بِعَهْدٍ من أبي بكرٍ ، وبُويع له بها يوم مات أبو بكرٍ باستخلافه له في جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة، وقد كَثُرَت الفتوحات الإسلامية في خلافته؛ فقد فتح الله له الفتوح بالشام والعراق ومصر[13]ينظر: "الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 78، 79.، ففي سنة أربع عشرة للهجرة فُتحتْ دمشق وحمص وبعلبك والبصرة[14]ينظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين: ص97..

الأوَّليات العُمرية والإنجازات الإدارية

هو الذي دَوَّنَ الدواوين في العطاء، ورَتَّبَ الناس فيه على سوابقهم، وكان لا يخاف في الله لومة لائمٍ.

وهو الذي نَوَّر شهر الصوم بصلاة الإشفاع فيه -التراويح- فجمع الناس على إمامٍ واحدٍ، وأَرَّخَ التاريخ من الهجرة الذي بأيدي الناس إلى اليوم في قصةٍ مشهورةٍ.

وهو أوَّل مَن سُمِّيَ بأمير المؤمنين، فسار بأحسن سيرةٍ، وأنزل نفسه من مال الله بمنزلة رجلٍ من الناس[15]ينظر: "الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 79..

وهو أول مَن اتَّخذ بيت المال، وأول مَن عَسَّ بالليل؛ فطاف يتفقد أحوال الناس، وأول مَن عاقب على الهجاء، وأول مَن ضرب في الخمر ثمانين، وأول مَن نهى عن بيع أُمَّهات الأولاد، وأول مَن جمع الناس في صلاة الجنائز على أربع تكبيراتٍ، وأول مَن اتَّخذ الديوان، وأول مَن فتح الفتوح ومسح السَّواد[16]السَّواد: أرضٌ بالعراق فتحها المسلمون في عهد عمر ، وسُمِّيتْ بذلك لِسَوَادها بالزروع والنَّخيل والأشجار، … Continue reading.

وأول مَن حمل الطعام من مصر في بحر أَيْلَة إلى المدينة، وأول مَن احتبس صدقةً في الإسلام، وأول مَن أَعَالَ الفرائض، وأول مَن أخذ زكاة الخيل، وأول مَن قال: "أطال الله بقاءك"، قالها لعليٍّ ، وأول مَن قال: "أَيَّدَك الله"، قالها لعليٍّ ، وهو أول مَن اتَّخذ الدِّرَّة، وقد قيل بعده: لَدِرَّة عمر أَهْيَب من سيفكم.

وهو أول مَن استَقْضَى القُضاة في الأمصار، وأول مَن مَصَّرَ الأمصار: الكوفة، والبصرة، والجزيرة، والشام، ومصر، والموصل.

ومَرَّ علي بن أبي طالبٍ  على المساجد في رمضان، وفيها القناديل، فقال: "نَوَّرَ الله على عمر في قبره كما نَوَّرَ علينا في مساجدنا".

واتَّخذ دار الدَّقيق، فجعل فيها الدقيق، والسَّوِيق، والتَّمر، والزَّبيب، وما يُحتاج إليه؛ يُعِين به المُنْقَطِع، ووضع فيما بين مكة والمدينة بالطريق ما يُصلح مَن ينقطع به.

وهدم المسجد النبوي وزاد فيه وَوَسَّعَه، وفرشه بالحَصْبَاء.

وهو الذي أخرج اليهود من الحجاز إلى الشام، وأخرج أهل نجران إلى الكوفة.

وهو الذي أَخَّرَ مقام إبراهيم  إلى موضعه اليوم، وكان مُلْصَقًا بالبيت[17]ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص137..

التَّسلسل الزمني للفتوحات في عهده

في سنة خمس عشرة للهجرة فُتِحَت الأردن كلها، وفيها كانت وقعة اليرموك المشهورة والقادسية.

وفي سنة ستّ عشرة فُتِحَت الأهواز والمدائن، وفيها كانت وقعة جَلُولَاء، وفيها أُقِيمَت أول جمعةٍ في العراق، وفيها فُتِحَت تَكْرِيت، وفيها سار عمر وفتح بيت المقدس، وفيها فُتِحَت حلب وأَنْطَاكِيَة وغيرهما.

وفي سنة سبع عشرة زاد عمر  في المسجد النبوي.

وفي سنة ثماني عشرة فُتِحَت جُنْدَيْسَابُور وحُلْوَان، وفيها فُتِحَت الرُّهَا وسُمَيْسَاط وحَرَّان ونَصِيبِين، وطائفة من الجزيرة، والمَوْصِل ونواحيها.

وفي سنة تسع عشرة فُتِحَت قَيْسَارِيَة.

وفي سنة عشرين فُتِحَت مصر، وفيها فُتِحَت تُسْتَر، وفيها هلك قيصر -عظيم الروم- وفيها أَجْلَى عمر اليهود عن خَيْبَر، وعن نَجْرَان.

وفي سنة إحدى وعشرين فُتِحَت الإسكندرية ونَهَاوَنْد وبَرْقَة، وغيرها.

وفي سنة اثنتين وعشرين فُتِحَت أَذْرَبِيجَان والدِّينَوَر ومَاسَبَذَان وهَمَذَان وطَرَابُلُس المغرب والرِّي وعَسْكَر وقُومِس.

وفي سنة ثلاثٍ وعشرين كان فتح كِرْمَان وسِجِسْتَان ومُكْرَان من بلاد الجبل، وأَصْبَهَان ونواحيها، وغيرها[18]ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص131- 133..

استشهاده ومدة ولايته

في آخر هذه السنة تُوفي عمر شهيدًا بعد رجوعه من الحجِّ[19]ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص133.، قتله أبو لُؤْلُؤة المجوسي وهو يُصلي بالناس في مسجد رسول الله صلاة الفجر ، فَطُعِنَ لثلاثٍ بَقِين من ذي الحجة، وعاش ثلاثة أيامٍ، ويُقال: سبعة أيامٍ.

وعن معدان بن طلحة قال: "قُتِلَ عمر يوم الأربعاء لأربعٍ بَقِين من ذي الحجة"، وهو ابن ثلاثٍ وستين سنةً، وكانت ولايته عشر سنين وستة أشهرٍ وخمسة أيامٍ أو تسعة[20]ينظر: "تاريخ خليفة بن خياط": ص152- 153..

موقفه في إظهار الإسلام وهجرته

إعلان الإسلام في مكة ومواجهة قريش

عندما أسلم عمر على يد النبي أراد أن تعلم قريشٌ بإسلامه، فسأل عن أنقلهم للحديث؛ لِيَنْقُلَ خبر إسلامه إلى قريشٍ، فقيل له: جميل بن معمر الجُمَحِي، فذهب عمر إلى جميلٍ، وقال له: أعلمتَ يا جميل أني قد أسلمتُ ودخلتُ في دين محمدٍ؟ فقام جميل بن معمر يَجُرُّ رداءه مُسْرِعًا حتى قام على باب المسجد، ثم صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إن عمر بن الخطاب قد صَبَأَ. فقال عمر -وهو واقفٌ خلفه-: كذب، ولكني قد أسلمتُ وشهدتُ أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله .

فَثَارَتْ عليه قريشٌ من أنديتهم حول الكعبة، وقاتلهم، وقاتلوه، واستمرَّ القتال بينهم وبينه في هذا الموقف حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وقد تعب عمر فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بَدَا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمئة رجلٍ لتركناها لكم، أو لتركتُموها لنا.

وبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخٌ من قريشٍ عليه حُلَّةٌ حَبِرَةٌ، وقميصٌ مُوشَّحٌ، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صَبَأَ عمر. فقال: فَمَهْ؟! رجلٌ اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟ أَتَرَون بني عَدِيِّ بن كعبٍ يُسْلِمُون لكم صاحبهم هكذا؟! خَلُّوا عن الرجل.

قال عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: فَوَاللَّه لكأنما كانوا ثوبًا كُشِطَ عنه.

قال: فقلتُ لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أَبَتِ، مَن الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمتَ وهم يُقاتلونك، جزاه الله خيرًا؟ قال: يا بُنَي، ذلك العاص بن وائل، لا جزاه الله خيرًا[21]ينظر: "سيرة ابن إسحاق": ص184، و"سيرة ابن هشام": 1/ 298، و"فضائل الصحابة" لأحمد بن حنبل: 1/ 282، و"الإحسان في تقريب صحيح … Continue reading.

عِزَّة الإسلام بإسلام عمر

بإسلام عمر  وإظهاره إسلامه أَعَزَّ الله الإسلام، وفَرَّقَ به بين الحقِّ والباطل؛ فَسُمِّي الفاروق ، وأظهر الصحابة صلاتهم حول الكعبة، وقريشٌ ينظرون إليهم[22]ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص113- 115، و"التاريخ الإسلامي" لمحمود شاكر: 3/ 120..

قال عبدالله بن مسعودٍ : "ما زلنا أَعِزَّةً منذ أسلم عمر"[23]رواه البخاري: 3684..

وقال أيضًا: "كان إسلام عمر فتحًا، وهجرته نصرًا، وإمارته رحمةً، والله ما استطعنا أن نُصلِّي حول البيت ظاهرين حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا نُصلي"[24]رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 8820، وابن عساكر في "تاريخ دمشق": 44/ 47..

وقد كان عمر يتعرض لرؤوس الكفر، ويُعلن أمامهم إسلامه، بل يذهب إلى بيوتهم، ويطرق أبوابهم؛ لِيُخْبِرَهم أنه قد أسلم، لعلهم يقومون بشيءٍ ضِدَّه؛ فيُصيبه ما يُصيب إخوانه المسلمين، ويستطيع في الوقت نفسه أن ينتقم من تلك الرؤوس.

ولم يُرِد عمر  أن يكون في نعمةٍ وعافيةٍ وراحةٍ، والمسلمون في إيذاءٍ وتعذيبٍ، فعندما أعلن إسلامه، وبدأت قريشٌ تُقاتله وَثَبَ على عتبة بن ربيعة فَبَرَكَ عليه، وأدخل أصبعه في عينه، فجعل عتبة يَصِيح، فَتَنَحَّى الناس عن عمر ، وقام عمر فجعل لا يدنو منه أحدٌ إلا أخذ شريف مَن دنا منه، حتى أحجم الناس عنه[25]رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق": 30/ 48..

الهجرة العلنية الجريئة

عندما اشتدَّ أذى المشركين على المسلمين، وأذن لهم رسول الله بالهجرة من مكة إلى المدينة، وابتدأتْ وفود المسلمين تَتَّجه إلى المدينة، وكلها مُختفية في هجرتها وانتقالها إلا هجرة عمر بن الخطاب ؛ فقد رُوي عن علي بن أبي طالبٍ أنه قال: "ما علمتُ أن أحدًا من المهاجرين هاجر إلا مُختفيًا إلا عمر بن الخطاب، فإنه لما هَمَّ بالهجرة تقلَّد سيفه، وتَنَكَّبَ قوسه، وَانْتَضَى في يده أسهمًا، ومضى قِبَل الكعبة، وأشراف قريشٍ بفنائها، فطاف بالبيت سبعًا مُتَمَكِّنًا، ثم أتى المقام فصلَّى مُتَمَكِّنًا، ثم وقف على الحِلَق واحدةً واحدةً، فقال لهم: شَاهَتِ الوجوه، مَن أراد أن تَثْكُلَه أُمُّه، أو يُيَتَّمَ ولده، أو يُرَمَّل زوجه؛ فَلْيَلْقَنِي وراء هذا الوادي. فما تبعه أحدٌ إلا قومٌ من المُستضعفين علَّمهم وأرشدهم، ومضى لوجهه"[26]ينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 44/ 51، و"أُسْد الغابة" لابن الأثير: 4/ 152..

موقفه الحكيم في تثبيته الناس على بيعة أبي بكرٍ

أحداث السَّقيفة والمُبادرة بالبيعة

عقب وفاة النبي اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: "منا أميرٌ، ومنكم أميرٌ"، فذهب إليهم أبو بكرٍ وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، فذهب عمر  يتكلم، فأسكته أبو بكرٍ ، وكان عمر  يقول: "والله، ما أردتُ بذلك إلا أني قد هَيَّأْتُ كلامًا قد أعجبني، خشيتُ ألا يبلغه أبو بكرٍ"، ثم تكلم أبو بكرٍ ، فتكلم أبلغ الناس، فقال في كلامه: "نحن الأُمَراء، وأنتم الوزراء"، فقال حُبَاب بن المُنْذِر : "لا، والله لا نفعل، منا أميرٌ، ومنكم أميرٌ"، فقال أبو بكرٍ : "لا، ولَكِنَّا الأُمراء، وأنتم الوزراء، هم أوسط العرب دارًا، وأعربهم أحسابًا، فَبَايعوا عمر أو أبا عُبيدة"، فقال عمر : "بل نُبَايعك أنت؛ فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله "، فأخذ عمر  بيده فبايعه، وبايعه الناس[27]رواه البخاري: 3668..

فرضي الله عن عمر وأرضاه، فإنه عندما ارتفعت الأصوات في السَّقيفة، وكَثُرَ اللَّغَطُ، وخشي عمر  الاختلاف، ومن أخطر الأمور التي خشيها عمر  أن يُبْدَأ بالبيعة لأحد الأنصار؛ فتحدث الفتنة العظيمة؛ لأنه ليس من اليسير أن يُبَايَع أحدٌ بعد البدء بالبيعة لأحد الأنصار؛ فأسرع عمر إخمادًا للفتنة، فقال لأبي بكرٍ : "ابْسُطْ يدك"، فبسط يده، فبايعه، وبايعه المهاجرون، ثم الأنصار[28]رواه البخاري: 6830..

البيعة العامَّة والاعتراف بالفضل

عندما كان يوم الثلاثاء جلس أبو بكرٍ  على المنبر، فقام عمر  فتكلم قبل أبي بكرٍ ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "أيها الناس، إني كنتُ قلتُ لكم بالأمس مقالةً ما كانت مما وجدتُها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إليَّ رسول الله ، ولكني قد كنتُ أرى أن رسول الله سيُدَبِّر أمرنا -يقول: يكون آخرنا- وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى اللهُ رسولَه ، فإن اعتصمتُم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم؛ صاحب رسول الله ، ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه"، فبايع الناسُ أبا بكرٍ بيعة العامَّة بعد بيعة السَّقيفة[29]ينظر: "سيرة ابن هشام": 2/ 661، و"تاريخ الطبري": 3/ 210..

فكان عمر يذود ويُقَوِّي ويُشَجِّع الناس على بيعة أبي بكرٍ  حتى جمعهم الله عليه، وأنقذهم من الاختلاف والفُرْقَة والفتنة.

فهذا الموقف الذي وقفه عمر  مع الناس من أجل جمعهم على إمامة أبي بكرٍ موقفٌ عظيمٌ من أعظم مواقف الحكمة التي ينبغي أن تُسجل بماء الذهب من مواقف عمر  الحكيمة.

موقفه الحكيم في إصلاح الأهل قبل الناس

كان عمر مع أهله قويًّا، فكان إذا أراد أن يأمر المسلمين بشيءٍ أو ينهاهم عن شيءٍ مما فيه صلاحهم ونجاحهم وفلاحهم بدأ بأهله، وتقدم إليهم بالوعظ لهم، والوعيد على خلافهم أمره؛ فعن سالم بن عبدالله بن عمر قال: كان عمر إذا صعد المنبر فَنَهَى الناس عن شيءٍ جمع أهله فقال: "إني نهيتُ الناس عن كذا وكذا، وإن الناس ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، وأُقْسِم بالله لا أجد أحدًا منكم فعله إلا أضعفتُ عليه العقوبة"[30]رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": 32673، والطبري في "تاريخه": 4/ 207..

وهذا من أعظم مواقف الحكمة؛ لأن الناس ينظرون إلى الداعية ومدى تطبيقه العملي والقولي لما يدعو إليه، كما ينظرون إلى تطبيقه ذلك على أهله ومَن تحت يده.

موقفه الحكيم في دعوته بتواضعه لله تعالى

الزهد في المظاهر والاعتزاز بالإسلام

كان عمر مع قُوته في دين الله وشجاعته وشدَّته على أعداء الله، وهيبة الناس له، وفرار الشيطان منه، كان مع ذلك كله مُتواضعًا، وَقَّافًا عند حدود الله، وقد كان يقول: "أحبُّ الناس إليَّ مَن أهدى إليَّ عيوبي"[31]رواه أبو موسى المديني في "اللطائف من دقائق المعارف": 268..

ومن ذلك ما يلي:

عندما مَرَّ بالجابية على طريق إيلياء وجلس عندهم، قيل له: أنت ملك العرب، وهذه بلادٌ لا تصلح بها الإبل، فلو لبستَ شيئًا غير هذا -يَعْنُون قميصه المُرَقَّع- وركبتَ بِرْذَوْنًا[32]البِرْذَون: يُطلق على غير العربي من الخيل والبِغَال من الفصيلة الخيلية، عظيم الخِلْقَة، غليظ الأعضاء، قوي … Continue reading لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال: "نحن قومٌ أَعَزَّنا الله بالإسلام، فلا نطلب بغير الله بديلًا".

ثم سار عمر من الجابية إلى بيت المقدس، وقد تعبتْ دابَّته، فَأَتَوه بِبِرْذَون، فجعل يُهَمْلِج به[33]الهَمْلَجَة: حسن سَيْر الدابة في سرعةٍ وبَخْتَرَةٍ. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي: 4/ 118.، فقال لِمَن معه: "احبسوا، احبسوا"، فنزل عنه، وضرب وجهه، وقال: "لا علَّم الله مَن علَّمك، هذا من الخُيلاء، ما كنتُ أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي"، ثم نزل وركب الجمل، ثم لم يركب بِرْذَوْنًا قبله ولا بعده[34]ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 7/ 57، 7/ 60، 7/ 135..

ولما قدم عمر بن الخطاب الشام عرضتْ له مَخَاضَةٌ، فنزل عن بعيره، ونزع خُفَّيْهِ، وأمسكهما بيده، وخاض الماء ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة : "لقد فعلتَ يا أمير المؤمنين فعلًا عظيمًا عند أهل الأرض؛ نزعتَ خُفَّيْك، وقُدْتَ راحلتك، وخُضْتَ المخاضة"، فَصَكَّ عمر بيده في صدره، وقال: "أَوْهِ[35]أَوْهِ: كلمةٌ يقولها الرجل عند الشِّكاية والتَّوَجُّع، وهي ساكنة الواو، مكسورة الهاء. ينظر: "النهاية" لابن … Continue reading! لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذلَّ الناس، وأقلَّ الناس، وأحقر الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العِزَّ بغيره يُذِلُّكم الله"[36]رواه ابن المبارك في "الزهد والرقائق": 584، والحاكم: 4529..

مُحاسبة النفس ومواقف الخوف من الله

له مواقف حكيمةٌ في دعوته إلى الله تعالى لا يتَّسع المقام لذكرها[37]ومن حرصه على التواضع أنه كان يُدَرِّب نفسه عليه؛ ولذلك إذا أنكر نفسه أدَّبها وجازاها وخاطبها يُخَوِّفها … Continue reading.

وهذه المواقف العظيمة يُبين فيها للناس بقوله وفعله أن العِزَّة والرِّفْعَة والتَّمكين لا يأتي عن طريق الكِبْر والغَطْرَسة والإعجاب بالنفس أو الجَاه أو السلطان، وإنما يأتي ذلك كله لِمَن تمسك بالإسلام؛ ولهذا قال لأبي عبيدة  في الخبر السابق: "إنكم كنتم أذلَّ الناس، وأقلَّ الناس، وأحقر الناس، فأعزَّكم الله بالإسلام، فمهما تطلبوا العِزَّ بغيره يُذِلُّكم الله".

رضي الله عن الفاروق وأرضاه، وجزاه عن أُمَّة محمدٍ خير الجزاء، فقد قام بالأعمال العظيمة، وسلك مسلك الحكمة التي مَن أُوتِيهَا فقد أُوتي خيرًا كثيرًا، ونَفَّذَ وصية رسول الله في المشركين -من يهود ونصارى ومجوس وغيرهم من المشركين- حيث قال قُبَيْل موته: أَخْرِجُوا المشركين من جزيرة العرب[38]رواه البخاري: 3053، ومسلم: 1637.، فَطَهَّرَ جزيرة العرب من المشركين، ولم يترك أحدًا منهم فيها تنفيذًا لأمر رسول الله .

فرضي الله عنه وأرضاه، وهذا غَيْضٌ من فيضٍ، وإلا فهو أفضل السابقين الأولين بعد أبي بكرٍ .

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حُرِّرَ في 7/ 11/ 1433هـ

^1 ينظر سيرته بالتَّفصيل في "سير أعلام النبلاء" للذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين، من ص71 إلى 145.
^2 رواه أبو داود: 4607 واللفظ له، والترمذي: 2676، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2549.
^3 رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396.
^4 رواه البخاري: 5226، ومسلم: 2394 واللفظ له.
^5 رواه البخاري: 3242، ومسلم:  2395.
^6 رواه الترمذي: 3682، وأحمد: 5145، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1736.
^7 ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: 3/ 270.
^8 رواه البخاري: 3689.
^9 رواه مسلم: 2398.
^10 رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2541.
^11 ينظر: "تاريخ خليفة بن خياط": ص153، و"الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 77.
^12 ينظر: "الطبقات الكبرى" لابن سعد: 3/ 269، 270، و"الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 78، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 10/ 181.
^13 ينظر: "الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 78، 79.
^14 ينظر: "سير أعلام النبلاء" للذهبي، مجلد سير الخلفاء الراشدين: ص97.
^15 ينظر: "الاستيعاب" لابن عبدالبر: 5/ 79.
^16 السَّواد: أرضٌ بالعراق فتحها المسلمون في عهد عمر ، وسُمِّيتْ بذلك لِسَوَادها بالزروع والنَّخيل والأشجار، ومسحها أي: قاسها ليعرف مساحتها. ينظر: "الفتح الرباني" لأحمد البنا الساعاتي: 15/ 158.
^17 ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص137.
^18 ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص131- 133.
^19 ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص133.
^20 ينظر: "تاريخ خليفة بن خياط": ص152- 153.
^21 ينظر: "سيرة ابن إسحاق": ص184، و"سيرة ابن هشام": 1/ 298، و"فضائل الصحابة" لأحمد بن حنبل: 1/ 282، و"الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان" لابن بلبان: 6879، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده قويٌّ.
^22 ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص113- 115، و"التاريخ الإسلامي" لمحمود شاكر: 3/ 120.
^23 رواه البخاري: 3684.
^24 رواه الطبراني في "المعجم الكبير": 8820، وابن عساكر في "تاريخ دمشق": 44/ 47.
^25 رواه ابن عساكر في "تاريخ دمشق": 30/ 48.
^26 ينظر: "تاريخ دمشق" لابن عساكر: 44/ 51، و"أُسْد الغابة" لابن الأثير: 4/ 152.
^27 رواه البخاري: 3668.
^28 رواه البخاري: 6830.
^29 ينظر: "سيرة ابن هشام": 2/ 661، و"تاريخ الطبري": 3/ 210.
^30 رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه": 32673، والطبري في "تاريخه": 4/ 207.
^31 رواه أبو موسى المديني في "اللطائف من دقائق المعارف": 268.
^32 البِرْذَون: يُطلق على غير العربي من الخيل والبِغَال من الفصيلة الخيلية، عظيم الخِلْقَة، غليظ الأعضاء، قوي الأرجل، عظيم الحوافر. ينظر: "المعجم الوسيط": 1/ 48.
^33 الهَمْلَجَة: حسن سَيْر الدابة في سرعةٍ وبَخْتَرَةٍ. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي: 4/ 118.
^34 ينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 7/ 57، 7/ 60، 7/ 135.
^35 أَوْهِ: كلمةٌ يقولها الرجل عند الشِّكاية والتَّوَجُّع، وهي ساكنة الواو، مكسورة الهاء. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 82.
^36 رواه ابن المبارك في "الزهد والرقائق": 584، والحاكم: 4529.
^37 ومن حرصه على التواضع أنه كان يُدَرِّب نفسه عليه؛ ولذلك إذا أنكر نفسه أدَّبها وجازاها وخاطبها يُخَوِّفها بالله، فعن أنسٍ قال: "كنتُ مع عمر، فدخل حائطًا لحاجته، فسمعتُه يقول -وبيني وبينه جدار الحائط-: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، بخٍ! بخٍ! والله، لَتَتَّقِيَنَّ الله أو لَيُعَذِّبَنَّك"(رواه مالك في "الموطأ": 24، وأبو داود في "الزهد": 53.)، وقيل: إنه حمل قِرْبَةً على عنقه، فقيل له في ذلك، فقال: "إن نفسي أعجبتني فأردتُ أن أُذِلَّها"(رواه أبو بكر الدينوري في "المجالسة وجواهر العلم": 417، وابن عساكر في "تاريخ دمشق": 44/ 318.)، وكان يسمع الآية من القرآن فَيُغْشَى عليه، فَيُحْمَل صريعًا إلى منزله، فَيُعَاد أيامًا ليس به مرضٌ إلا الخوف من الله ​​​​​​​(رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء": 1/ 51، وينظر: "البداية والنهاية" لابن كثير: 7/ 135، وتنظر مواقف أخرى له في: "تاريخ الطبري": 2/ 567، 568، و"الكامل" لابن الأثير: 3/ 30، و"مناقب عمر بن الخطاب" لابن الجوزي: ص69، و"البداية والنهاية" لابن كثير: 3/ 135، و"حياة الصحابة" للكاندهلوي: 2/ 97.
^38 رواه البخاري: 3053، ومسلم: 1637.