الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.
أما بعد:
فإنَّ أصحاب النبي محمدٍ هم أفضل البشر بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد اختارهم الله لصحبة نبيِّه ونُصرته، ومَدَحَهم وأثنى عليهم في كتابه الكريم في مواضعَ كثيرةٍ، ومَدَحَهم النبيُّ وأثنى عليهم في أحاديثَ كثيرةٍ؛ ومن ذلك الآيات والأحاديث الآتية:
فضائل الصحابة في القرآن الكريم
قال الله في مَدْح النبي وأصحابه: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].
وقد ثبت في حديث أبي هريرةَ قال: لمَّا نزلت على رسول الله : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:284]، قال : فاشتدَّ ذلك على أصحاب رسول الله ، فأتَوا رسول الله ، ثم بَرَكُوا على الرُّكَب، فقالوا: "أيْ رسولَ الله، كُلِّفْنا من الأعمال ما نُطِيقُ: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أُنْزِلَتْ عليك هذه الآية ولا نُطِيقُها".
قال رسول الله : أتُريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابَيْن من قبلكم: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟! بل قولوا: سَمِعْنا وأطعنا، غُفرانك ربَّنا وإليك المصير، قالوا: "سَمِعْنا وأطعنا، غُفرانك ربَّنا وإليك المصير". فلما اقترأها القوم ذلَّت بها ألسنتُهم[1]أي: لمَّا قرؤوها بمشقةٍ وصعوبةٍ هانت ولانت بها ألسنتهم. ينظر: "فتح المنعم شرح صحيح مسلم" لموسى شاهين: 1/ 413.، فأنزل الله في إثرها: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [البقرة:285].
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قال: نعم، رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ، قال: نعم، وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [البقرة:286]، قال: نعم[2]رواه مسلم: 125..
وعن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمَّا نزلت هذه الآية: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:284]، قال: دخل قلوبَهم منها شيءٌ لم يدخل قلوبَهم من شيءٍ، فقال النبي : قولوا: سَمِعْنا وأطعنا وسَلَّمْنا، قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا، قال: قد فعلتُ، رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا، قال: قد فعلتُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا [البقرة:286]، قال: قد فعلتُ[3]رواه مسلم: 126..
وقال الله في مَدْح المهاجرين والأنصار: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [الأنفال:74].
والمعنى: أنَّ الله مَدَحَ المهاجرين والأنصار أصحاب النبي محمد بن عبدالله ، وأثنى عليهم بالإيمان، وبيَّن ثوابهم؛ لأنهم صدَّقوا إيمانهم بما قاموا به من الهجرة والنصرة والموالاة بعضهم لبعضٍ، وجهادهم لأعداء الله ورسوله من الكفار والمنافقين، وقال: لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ[4]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص327..
وقال : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا [الفتح:29].
يُخْبِر تعالى عن رسوله وأصحابه من المهاجرين والأنصار أنهم بأكمل الصفات وأجلِّ الأحوال، وأنهم أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ أي: جادُّون ومجتهدون في عداوتهم، وساعون في ذلك بغاية جهدهم، فلم يَرَوْا منهم إلا الغِلْظة والشدة؛ فلذلك ذلَّ أعداؤهم لهم وانكسروا، وقهرهم المسلمون.
رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ أي: مُتَحَابُّون مُتراحمون مُتعاطفون، كالجسد الواحد، يُحِبُّ أحدهم لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه؛ هذه معاملتهم مع الخلق.
وأما معاملتهم مع الخالق؛ فإنك تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا أي: وصفُهم كثرة الصلاة التي أجل أركانها الركوع والسجود، يَبْتَغُونَ بتلك العبادة فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا أي: هذا مقصودهم؛ بلوغ رضا ربهم، والوصول إلى ثوابه، سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ أي: قد أثَّرت العبادة -من كثرتها وحُسْنِها- في وجوههم حتى استنارت؛ لمَّا استنارت بالصلاة بواطنهم استنارت بالجلال ظواهرهم.
ذَلِكَ المذكور مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ أي: هذا وصفُهم الذي وصفهم الله به مذكورٌ بالتوراة هكذا.
وأما مَثَلُهم في الإنجيل: فإنهم موصوفون بوصفٍ آخرَ، وأنهم في كمالهم وتعاونهم كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ أي: أخرج فِرَاخَه، فوازرتْه فِرَاخُه في الشباب والاستواء، فَاسْتَغْلَظَ ذلك الزرع، أي: قَوِيَ وغَلُظَ، فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، جمع: ساقٍ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ من كماله واستوائه وحُسْنِه واعتداله. كذلك الصحابة كالزرع في نفعهم للخلق واحتياج الناس إليهم؛ فقوة إيمانهم وأعمالهم بمنزلة قوة عروق الزرع وسُوقه. وكون الصغير والمتأخر إسلامه قد لحق الكبير السابق ووازره وعاونه على ما هو عليه من إقامة دين الله والدعوة إليه، كالزرع الذي أخرج شَطْأَه فآزره فاستغلظ؛ ولهذا قال: لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ حين يرون اجتماعهم وشدَّتهم على دينهم، وحين يتصادمون بهم وهم في معارك النزال ومعامع القتال.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا، فالصحابة الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، قد جمع الله لهم بين المغفرة -التي من لوازمها وقاية شرور الدنيا والآخرة- والأجر العظيم في الدنيا والآخرة[5]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص795..
وقال : لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الحشر:8- 9].
ذكر الله أموال الفَيْء وحدَّد أصحابها، ثم ذكر تعالى الحكمة والسبب المُوجِب لجعله تعالى الأموال -أموال الفَيْء- لمن قدَّرها له، وأنهم حقيقون بالإعانة، مُستحقون لأن تُجْعَلَ لهم، وأنهم ما بين مهاجرين قد هجروا المحبوبات والمألوفات من الديار والأوطان والأحباب والخِلَّان والأموال؛ رغبةً في الله، ونُصرةً لدين الله، ومحبةً لرسول الله ، فهؤلاء هم الصادقون الذين عملوا بمقتضى إيمانهم، وصدَّقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة والعبادات الشاقَّة، بخلاف من ادَّعى الإيمان وهو لم يُصَدِّقْه بالجهاد والهجرة وغيرهما من العبادات.
وبين أنصارٍ، وهم الأوس والخزرج الذين آمنوا بالله ورسوله ؛ طوعًا ومحبةً واختيارًا، وآوَوْا رسول الله ، ومنعوه من الأحمر والأسود، وتبوَّأوا دار الهجرة والإيمان حتى صارت مَوْئِلًا ومرجعًا، يرجع إليه المؤمنون، ويلجأ إليه المهاجرون، ويسكن بحماه المسلمون؛ إذ كانت البلدان كلها بلدان حربٍ وشركٍ وشرٍّ، فلم يزل أنصار الدين تأوي إلى الأنصار ، حتى انتشر الإسلام وقَوِيَ، وجعل يزيد شيئًا فشيئًا، وينمو قليلًا قليلًا، حتى فتحوا القلوب بالعلم والإيمان والقرآن، والبلدان بالسيف والسنان.
الذين من جملة أوصافهم الجميلة: أنهم يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ؛ وهذا لمحبتهم لله ولرسوله ، أحبُّوا أحبابه، وأحبُّوا مَن نَصَرَ دينه.
وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا أي: لا يحسدون المهاجرين على ما آتاهم الله من فضله، وخصَّهم به من الفضائل والمناقب التي هم أهلها؛ وهذا يدل على سلامة صدورهم، وانتفاء الغل والحقد والحسد عنها. ويدل ذلك على أن المهاجرين أفضل من الأنصار، لأن الله قدَّمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في صدورهم حاجةً مما أُوتوا؛ فدلَّ على أن الله تعالى آتاهم ما لم يُؤْتِ الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النُّصرة والهجرة.
وقوله: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ أي: ومن أوصاف الأنصار التي فاقوا بها غيرهم، وتميَّزوا بها على من سواهم: الإيثار؛ وهو أكمل أنواع الجود، وهو الإيثار بمحابِّ النفس من الأموال وغيرها، وبذلها للغير مع الحاجة إليها، بل مع الضرورة والخصاصة، وهذا لا يكون إلا من خُلُقٍ زكيٍّ، ومحبةٍ لله تعالى مُقدَّمةٍ على محبة شهوات النفس ولذاتها. ومن ذلك: قصة الأنصاري الذي نزلت الآية بسببه، حين آثر ضيفه بطعامه وطعام أهله وأولاده، وباتوا جياعًا.
والإيثار عكس الأَثَرة، فالإيثار محمودٌ، والأَثَرة مذمومةٌ؛ لأنها من خصال البُخْل والشُحِّ، ومَن رُزِقَ الإيثار فقد وُقِيَ شُحَّ نفسه، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. ووقاية شُحِّ النفس تشمل وقايتها الشُّحَّ في جميع ما أُمِرَ به؛ فإنه إذا وُقِيَ العبد شُحَّ نفسه سمحت نفسه بأوامر الله ورسوله ، ففعلها طائعًا مُنقادًا منشرحًا بها صدره، وسمحت نفسه بترك ما نهى الله عنه وإن كان محبوبًا للنفس تدعو إليه وتطَّلع إليه، وسمحت نفسه ببذل الأموال في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وبذلك يحصل الفلاح والفوز؛ بخلاف مَن لم يُوقَ شُحَّ نفسه، بل ابتُلي بالشُّحِّ بالخير، الذي هو أصل الشر ومادته.
فهذان الصنفان الفاضلان الزكيَّان هم الصحابة الكرام ، والأئمة الأعلام الذين حازوا من السوابق والفضائل والمناقب ما سبقوا به مَن بعدهم، وأدركوا به مَن قبلهم، فصاروا أعيان المؤمنين، وسادات المسلمين، وقادة المتقين[6]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص850..
وقال الله : الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ [آل عمران:172- 174].
لمَّا رَجَعَ النبيُّ من أُحُدٍ إلى المدينة، وسمع أنَّ أبا سفيان ومن معه من المشركين قد همُّوا بالرجوع إلى المدينة، نَدَبَ أصحابه إلى الخروج، فخرجوا على ما بهم من الجراح؛ استجابةً لله ولرسوله ، وطاعةً لله ولرسوله ، فوصلوا إلى حمراء الأسد، وجاءهم مَن جاءهم، وقال لهم: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، وهمُّوا باستئصالكم؛ تخويفًا لهم وترهيبًا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانًا بالله واتِّكالًا عليه، وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي: كافينا كل ما أهمَّنا، وَنِعْمَ الْوَكِيلُ المفوَّض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم.
فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران:174- 175].
فَانْقَلَبُوا أي: رجعوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ، وجاء الخبر المشركين أن الرسول وأصحابه قد خرجوا إليكم، ونَدِمَ مَن تخلَّف منهم، فألقى الله الرعب في قلوبهم، واستمرُّوا راجعين إلى مكة، ورجع المؤمنون بنعمةٍ من الله وفضلٍ؛ حيث منَّ عليهم بالتوفيق للخروج بهذه الحالة والاتِّكال على ربهم، ثم إنه قد كتب لهم أجر غزاةٍ تامَّةٍ، فبسبب إحسانهم بطاعة ربهم وتقواهم عن معصيته لهم أجرٌ عظيمٌ، وهذا فضل الله عليهم[7]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص157..
وقال : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة:100].
السابقون هم الذين سبقوا هذه الأمة وبادروها إلى الإيمان والهجرة والجهاد وإقامة دين الله؛ من المهاجرين الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ [الحشر:8]، ومن الأنصار الذين تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ [الحشر:9]، وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ بالاعتقادات والأقوال والأعمال؛ فهؤلاء هم الذين سَلِمُوا من الذم، وحصل لهم نهاية المدح وأفضل الكرامات من الله.
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، ورضاه تعالى أكبر من نعيم الجنة، وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ الجارية التي تُساق إلى سَقْيِ الجنان، والحدائق الزاهية الزاهرة، والرياض الناضرة، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا، لا يبغون عنها حِوَلًا، ولا يطلبون منها بدلًا؛ لأنهم مهما تمنَّوه أدركوه، ومهما أرادوه وجدوه، ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي حصل لهم فيه كل محبوبٍ للنفوس، ولذةٍ للأرواح، ونعيمٍ للقلوب، وشهوةٍ للأبدان، واندفع عنهم كل محذورٍ[8]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص349..
وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا [الفتح:18].
يُخْبِر تعالى -بفضله ورحمته- برضاه عن المؤمنين إذ يُبايعون الرسول تلك المبايعة التي بيَّضت وجوههم، واكتسبوا بها سعادة الدنيا والآخرة. وكان سبب هذه البيعة -التي يقال لها: "بيعة الرضوان"؛ لرضا الله عن المؤمنين فيها، ويقال لها: "بيعة أهل الشجرة"-: أن رسول الله لما دار الكلام بينه وبين المشركين يوم الحُدَيبية في شأن مجيئه ، وأنه لم يَجِئْ لقتال أحدٍ، وإنما جاء زائرًا هذا البيت مُعَظِّمًا له، فبعث رسول الله عثمانَ بن عفَّان إلى مكةَ في ذلك، فجاء خبرٌ غير صادقٍ أن عثمانَ قَتَلَه المشركون، فجمع رسول الله مَن معه من المؤمنين، وكانوا نحوًا من ألفٍ وخمسمئةٍ، فبايعوه تحت شجرةٍ على قتال المشركين، وألا يَفِرُّوا حتى يموتوا؛ فأخبر تعالى أنه رضي عن المؤمنين في تلك الحال، التي هي من أكبر الطاعات وأجلِّ القربات.
فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ من الإيمان، فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ؛ شكرًا لهم على ما في قلوبهم، زادهم هُدًى، وعَلِمَ ما في قلوبهم من الجزع من تلك الشروط التي شرطها المشركون على رسوله ، فأنزل عليهم السكينة تُثَبِّتُهم وتُطَمْئِنُ بها قلوبهم، وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا وهو: فتح خيبر، لم يَحْضُره سوى أهل الحديبية، فاختصُّوا بخيبر وغنائمها؛ جزاءً لهم، وشكرًا على ما فعلوه من طاعة الله تعالى والقيام بمرضاته[9]ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص793..
وقال سبحانه: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا [النساء:115]؛ فقد تقرَّر أن مَن اتَّبع غير سبيلهم ولَّاه الله ما تولَّى وأصلاه جهنم[10]ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 4/ 1، و2..
فضائل الصحابة في السُّنة
وعن أبي سعيدٍ الخُدْري قال: قال رسول الله : لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فلو أنَّ أحدكم أنفق مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه[11]رواه البخاري: 3673 واللفظ له، ومسلم: 2541. ومعنى ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه أي: أجره في الصدقة بالمُدِّ من … Continue reading.
وعن أبي موسى الأشعري : أنَّ رسول الله قال: النُّجُوم أَمَنَةٌ...[12]أي: أمنٌ وأمانٌ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 83. للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما تُوعَدُ، وأنا أَمَنَةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعَدون، وأصحابي أَمَنَةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أُمَّتي ما يُوعَدون[13]رواه مسلم: 2531..
وقال النبي : لو كنتُ مُتَّخِذًا من أُمَّتِي خليلًا لاتخذتُ أبا بكرٍ، ولكنْ أخي وصاحبي[14]رواه البخاري: 3656، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما واللفظ له، ومسلم: 2383 من حديث ابن مسعودٍ ..
وعن عمرو بن العاص أنه سأل النبي فقال : "أيُّ الناس أحبُّ إليك؟"، قال : عائشة، قلتُ: "مِن الرجال؟"، قال : أبوها، قلتُ: "ثم مَن؟"، قال : ثم عُمر بن الخطاب، فَعَدَّ رجالًا، فسكتُّ مخافةَ أن يجعلني في آخرهم[15]رواه البخاري: 3662 و4385، ومسلم: 2384..
وعن أبي سعيدٍ الخُدْري : أنَّ رسول الله قال: إنَّ أَمَنَّ الناس عليَّ في صُحبتِه وماله أبو بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا من أُمَّتي لاتخذتُ أبا بكرٍ، ولكنْ أُخُوَّة الإسلام ومودَّته، لا يَبْقَيَنَّ في المسجد بابٌ إلا سُدَّ، إلا بابُ أبي بكرٍ[16]رواه البخاري: 466 واللفظ له، ومسلم: 2382..
وعن عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما: أن رسول الله قال: إنَّ الله تعالى جَعَلَ الحق على لسان عُمَرَ وقلبه[17]رواه الترمذي: 3682، وأحمد: 5145، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1736..
وقال النبيُّ في عُمَرَ أيضًا: والذي نفسي بيده ما لَقِيَكَ الشيطان قَطُّ سالكًا فَجًّا...[18]الفَجُّ: الطريق الواسع في قُبُل جَبَلٍ ونحوه. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 6/ 24. إلا سَلَكَ فَجًّا غير فَجِّكَ[19]رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396..
وقال عليه الصلاة والسلام: إنَّ عبدالله رجلٌ صالحٌ[20]رواه البخاري: 3740 و3741 واللفظ له، ومسلم: 2478.، يعني: عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما.
وعن سعد بن أبي وقَّاصٍ : أنَّ رسول الله خرج إلى تبوك، واستخلف عليًّا ، فقال : "أَتُخَلِّفُني في الصِّبيان والنساء؟"، قال : ألا ترضى أن تكونَ مني بمنزلة هارون من موسى؟ إلا أنه ليس نبيٌّ بعدي[21]رواه البخاري: 4416 واللفظ له، ومسلم: 2404..
وعن عبدالله بن مسعودٍ : أنَّ رسول الله قال: خيرُ الناس قَرْنِي، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم يَجِيءُ مِن بعدهم قومٌ تَسْبِقُ شهادتُهم أيمانَهم، وأيمانُهم شهاداتَهم[22]رواه البخاري: 6429 واللفظ له، ومسلم: 2533..
فهؤلاء الصحابة وغيرهم مِن أصحاب رسول الله الذين مدحهم الله في كتابه، ومدحهم ودعا لهم بالمغفرة رسول الله الناطق بالوحي، واحدًا واحدًا، وجماعةً جماعةً، ويمدحهم ويُثْنِي عليهم كلُّ مَن سلك مسلكه واتَّبع سبيله من المؤمنين، غير المنافقين من أتباع اليهود والمجوس والرافضة الذين أكلت قلوبَهم البغضاءُ والشحناء والحسد عليهم؛ لأعمالهم الجبارة في سبيل الله، وفي سبيل نشر هذا الدين الميمون المبارك.
وكان هذا هو السبب الحقيقي لِحَنَقِ الكفرة على هؤلاء المجاهدين العاملين بالكتاب والسُّنة، وخاصةً على أبي بكرٍ وعُمَرَ وعثمانَ ، الذين قادوا جيوش الظَّفَر، وجهَّزوا عساكر النصر.
وكان سبب احتراق اليهود على المسلمين، خاصةً أنهم هدموا أساسهم وقطعوا جذورهم واستأصلوهم استئصالًا تحت راية النبي ، حين كان أسلافهم من بني قَيْنُقَاعَ وبني النَّضِير وبني قُرَيْظةَ يَقْطُنون المدينة، ومن بعد النبي الكريم عليه الصلاة والسلام في زمن عُمَرَ الفاروق ؛ حيث نفَّذ فيهم وصية رسول الله : أَخْرِجُوا المشركين من جَزِيرة العرب[23]رواه البخاري: 3053، ومسلم: 1637.، وطهَّر جزيرة العرب من نجاستهم ودسائسهم، ولم يترك أحدًا من اليهود في الجزيرة؛ طبقًا لأمر رسول الله [24]ينظر: "الشيعة والسُّنة" لإحسان إلهي ظهير: ص51- 55 بتصرُّف..
وقد أجمع أهل السُّنة على أنَّ أفضل الناس بعد رسول الله : أبو بكرٍ ، ثم عُمرُ ، ثم عثمانُ ، ثم عليٌّ ، ثم سائر العَشَرة ، ثم باقي أهل بدرٍ ، ثم باقي أهل أُحُدٍ ، ثم باقي أهل البيعة -بيعة الرضوان في الحُدَيْبِيَة تحت الشجرة- ، ثم باقي الصحابة ؛ هكذا. حكى الإجماع عليه أبو منصورٍ البغدادي[25]ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص44..
عقيدة أهل السُّنة في الصحابة
ومن أصول أهل السُّنة والجماعة:
- سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله ، كما وصفهم الله به في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [الحشر:10].
- وطاعةُ النبي في قوله: لا تَسُبُّوا أصحابي؛ فوالذي نفسي بيده لو أنَّ أحدكم أنفق مِثْلَ أُحُدٍ ذهبًا ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه[26]رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540، 2541..
- ويَقْبَلون ما جاء به الكتاب والسُّنة والإجماع من فضائلهم ومراتبهم .
- ويُفضِّلون مَن أنفق من قبل الفتح -وهو صلح الحُدَيْبِيَة- وقاتَل، على مَن أنفق من بعدُ وقاتَل.
- ويُقدِّمون المهاجرين على الأنصار .
- ويُؤمنون بأنَّ الله قال لأهل بدرٍ -وكانوا ثلاثَمئةٍ وبضعة عشر-: اعملوا ما شئتم؛ فقد غفرتُ لكم[27]رواه البخاري: 3007، ومسلم: 2494..
- وبأنه لا يدخل النار أحدٌ بايَعَ تحت الشجرة، كما أخبر به النبي [28]رواه مسلم: 2495 و2496.، بل لقد رضي الله عنهم ورضوا عنه، وكانوا ألفًا وخمسمئةٍ؛ لحديث سالم بن أبي الجَعْد، قال: سألتُ جابر بن عبدالله رضي الله عنهما عن أصحاب الشجرة، فقال: "لو كُنَّا مئةَ ألفٍ لكفانا، كُنَّا ألفًا وخمسمئةٍ"[29]رواه البخاري: 3576، ومسلم: 1856 واللفظ له..
- ويشهدون بالجنة لمن شَهِدَ له رسول الله ؛ كالعَشَرة ، وثابت بن قَيْس بن شَمَّاسٍ ، وغيرهم من الصحابة .
- ويُقِرُّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالبٍ وغيره مِن أن خير هذه الأمة بعد نبيِّها: أبو بكرٍ ، ثم عُمرُ ، ويُثَلِّثُون بعثمانَ ، ويُرَبِّعُون بعليٍّ ؛ كما دلَّت عليه الآثار، وكما أجمع الصحابة على تقديم عثمانَ في البيعة. مع أن بعض أهل السُّنة كانوا قد اختلفوا في عثمانَ وعليٍّ رضي الله عنهما -بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكرٍ وعُمرَ-: أيهما أفضل؟
فقدَّم قومٌ عثمانَ وسكتوا أو ربَّعوا بعليٍّ ، وقدَّم قومٌ عليًّا ، وقومٌ توقَّفوا، لكن استقرَّ أمر أهل السُّنة على تقديم عثمانَ ، ثم عليٍّ ، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمانَ وعليٍّ رضي الله عنهما- ليست من الأصول التي يُضَلَّل المُخالِف فيها عند جمهور أهل السُّنة. لكن المسألة التي يُضَلَّل فيها: مسألة الخلافة؛ وذلك أنهم يؤمنون أن الخليفة بعد رسول الله : أبو بكرٍ ، ثم عُمرُ ، ثم عثمانُ ، ثم عليٌّ ، ومَن طَعَنَ في خلافة أحدٍ من هؤلاء فهو أضلُّ من حمار أهله. - ويُحِبُّون أهل بيت رسول الله ويتولَّونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله ؛ حيث قال يوم غدير خُمٍّ[30]غدير خُمٍّ: ماءٌ بين مكة والمدينة. ينظر: "صحيح مسلم": 7/ 122.: أُذَكِّرُكُم اللهَ في أهل بيتي[31]رواه مسلم: 2408..
وقال أيضًا للعباس عمِّه -وقد اشتكى إليه أن بعض قريشٍ يجفو بني هاشمٍ-: والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يُحِبُّوكم؛ لله ولقرابتي[32]رواه أحمد: 1777 بلفظ: والله لا يَدْخُلُ قلبَ امرئٍ إيمانٌ حتى يُحِبَّكم؛ لله ولقرابتي، والبزار: 2175 بلفظ: والذي … Continue reading.
وقال : إنَّ الله اصطفى بني إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كِنَانَةَ، واصطفى من كِنَانَةَ قُرَيْشًا، واصطفى من قُرَيْشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ[33]رواه مسلم: 2276 بلفظ: إنَّ الله اصطفى كِنَانَةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قُرَيْشًا من كِنَانَةَ، واصطفى من … Continue reading. - ويتولَّون أزواج رسول الله أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، ويؤمنون بأنهنَّ أزواجه في الآخرة، خصوصًا:
- خديجة رضي الله عنها: أم أكثر أولاده، وأول مَن آمن به وعاضده على أمره، وكانت لها منه المنزلة العالية.
- والصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق ، التي قال فيها النبي : فضلُ عائشة على النساء كفضل الثَّرِيد...[34]قال العلماء: معناه: أن الثَّرِيد من كل طعامٍ أفضل من المَرَق؛ فثَرِيد اللحم أفضلُ من مَرَقِه بلا ثَرِيدٍ، … Continue reading على سائر الطعام[35]رواه البخاري: 3770، ومسلم: 2446..
- ويتبرَّؤون من طريقة الروافض الذين يُبغضون الصحابة ويسبُّونهم، وطريقة النواصب الذين يُؤذون أهل البيت بقولٍ أو عملٍ.
- ويُمْسِكُون عمَّا شَجَرَ بين الصحابة ، ويقولون: إنَّ هذه الآثار المرويَّة في مساويهم منها ما هو كذبٌ، ومنها ما قد زِيدَ فيه ونُقِصَ وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون: إما مجتهدون مُصيبون، وإما مجتهدون مُخطئون.
- وهم مع ذلك لا يعتقدون أنَّ كل واحدٍ من الصحابة معصومٌ عن كبائر الإثم وصغائره، بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يُوجب مغفرةَ ما يصدر منهم إن صَدَرَ، حتى إنهم يُغفَر لهم من السيئات ما لا يُغفَر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم. وقد ثَبَتَ بقول رسول الله إنهم خير القرون[36]رواه البخاري: 2651، ومسلم: 2535.، وإن المُدَّ من أحدهم إذا تصدَّق به كان أفضل من جبل أُحُدٍ ذهبًا ممن بعدهم[37]رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2541..
ثم إذا كان قد صَدَرَ من أحدهم ذنبٌ فيكون قد تاب منه، أو أتى بحسناتٍ تمحوه، أو غُفِرَ له بفضل سابقته، أو بشفاعة محمدٍ الذي هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتُلي ببلاءٍ في الدنيا كُفِّرَ به عنه.
فإذا كان هذا في الذنوب المحقَّقة، فكيف الأمور التي كانوا فيها مجتهدين؛ إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجرٌ واحدٌ والخطأ مغفورٌ؟!
ثم إن القَدْر الذي يُنكَر من فعل بعضهم قليلٌ نَزْرٌ مغفورٌ في جنب فضائل القوم ومحاسنهم؛ من الإيمان بالله ورسوله ، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومَن نَظَرَ في سيرة القوم بعلمٍ وبصيرةٍ، وما مَنَّ الله عليهم به من الفضائل؛ عَلِمَ يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم، وأنهم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم وأكرمها على الله[38]ينظر: "شرح العقيدة الواسطية" لمحمد خليل هراس: ص236- 252..
واللهَ أسألُ أن يحشرنا ووالدِينا ومشايخنا وأزواجنا وذُرِّيَّاتنا في زُمْرة النبي وأصحابه السابقين؛ من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسانٍ .
وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد بن عبدالله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
كتبه:
سعيد بن علي بن وهف القحطاني
| ^1 | أي: لمَّا قرؤوها بمشقةٍ وصعوبةٍ هانت ولانت بها ألسنتهم. ينظر: "فتح المنعم شرح صحيح مسلم" لموسى شاهين: 1/ 413. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 125. |
| ^3 | رواه مسلم: 126. |
| ^4 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص327. |
| ^5 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص795. |
| ^6 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص850. |
| ^7 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص157. |
| ^8 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص349. |
| ^9 | ينظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص793. |
| ^10 | ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 4/ 1، و2. |
| ^11 | رواه البخاري: 3673 واللفظ له، ومسلم: 2541.
ومعنى ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه أي: أجره في الصدقة بالمُدِّ من الطعام أو نصفه، والمُدُّ: رَطْلٌ وثُلُثٌ. قيل: سُمِّي مُدًّا لأنه مِلءُ كَفَّي الإنسان -إذا مدَّهما- طعامًا. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 2/ 47. |
| ^12 | أي: أمنٌ وأمانٌ. ينظر: "المنهاج" للنووي: 16/ 83. |
| ^13 | رواه مسلم: 2531. |
| ^14 | رواه البخاري: 3656، من حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما واللفظ له، ومسلم: 2383 من حديث ابن مسعودٍ . |
| ^15 | رواه البخاري: 3662 و4385، ومسلم: 2384. |
| ^16 | رواه البخاري: 466 واللفظ له، ومسلم: 2382. |
| ^17 | رواه الترمذي: 3682، وأحمد: 5145، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1736. |
| ^18 | الفَجُّ: الطريق الواسع في قُبُل جَبَلٍ ونحوه. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 6/ 24. |
| ^19 | رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396. |
| ^20 | رواه البخاري: 3740 و3741 واللفظ له، ومسلم: 2478. |
| ^21 | رواه البخاري: 4416 واللفظ له، ومسلم: 2404. |
| ^22 | رواه البخاري: 6429 واللفظ له، ومسلم: 2533. |
| ^23 | رواه البخاري: 3053، ومسلم: 1637. |
| ^24 | ينظر: "الشيعة والسُّنة" لإحسان إلهي ظهير: ص51- 55 بتصرُّف. |
| ^25 | ينظر: "تاريخ الخلفاء" للسيوطي: ص44. |
| ^26 | رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2540، 2541. |
| ^27 | رواه البخاري: 3007، ومسلم: 2494. |
| ^28 | رواه مسلم: 2495 و2496. |
| ^29 | رواه البخاري: 3576، ومسلم: 1856 واللفظ له. |
| ^30 | غدير خُمٍّ: ماءٌ بين مكة والمدينة. ينظر: "صحيح مسلم": 7/ 122. |
| ^31 | رواه مسلم: 2408. |
| ^32 | رواه أحمد: 1777 بلفظ: والله لا يَدْخُلُ قلبَ امرئٍ إيمانٌ حتى يُحِبَّكم؛ لله ولقرابتي، والبزار: 2175 بلفظ: والذي نفسي بيده لا يَدْخُلُ قلبَ امرئٍ الإيمانُ حتى يُحِبَّكم؛ لله ولقرابتي. |
| ^33 | رواه مسلم: 2276 بلفظ: إنَّ الله اصطفى كِنَانَةَ من ولد إسماعيل، واصطفى قُرَيْشًا من كِنَانَةَ، واصطفى من قُرَيْشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ، والترمذي: 3605 بلفظ: إنَّ الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كِنَانَةَ، واصطفى من بني كِنَانَةَ قُرَيْشًا، واصطفى من قُرَيْشٍ بني هاشمٍ، واصطفاني من بني هاشمٍ. |
| ^34 | قال العلماء: معناه: أن الثَّرِيد من كل طعامٍ أفضل من المَرَق؛ فثَرِيد اللحم أفضلُ من مَرَقِه بلا ثَرِيدٍ، وثريدُ ما لا لحم فيه أفضل من مَرَقِه، والمراد بالفضيلة: نفعُه، والشِّبَع منه، وسهولة مساغه، والالتذاذ به، وتيسُّر تناوله، وتمكُّن الإنسان من أخذ كفايته منه بسرعةٍ، وغير ذلك؛ فهو أفضل من المَرَق كله ومن سائر الأطعمة. ينظر: "المنهاج" للنووي: 15/ 199. |
| ^35 | رواه البخاري: 3770، ومسلم: 2446. |
| ^36 | رواه البخاري: 2651، ومسلم: 2535. |
| ^37 | رواه البخاري: 3673، ومسلم: 2541. |
| ^38 | ينظر: "شرح العقيدة الواسطية" لمحمد خليل هراس: ص236- 252. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط