جدول المحتويات
الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن والاه.
أما بعد:
فإن ما حصل يوم الخميس 21/ 10/ 1436هـ من تفجيرٍ في مسجد مقر قوات الطوارئ الخاصة بمنطقة عسير، أثناء أداء صلاة الظهر جماعةً، فنتج عنه استشهاد 15 مصليًّا، وإصابة 33 آخرين من المصلين في هذا المسجد، وتلويث المسجد بالدماء نتيجة الانفجار، وانتشار الدماء على بعض المصاحف في المسجد، وتمزيق بعضها؛ فهذا عملٌ قبيحٌ، وذنبٌ عظيمٌ، وجُرمٌ كبيرٌ، وفسادٌ عريضٌ، وعدوانٌ أثيم، وتعدٍّ لحدود اللَّه، لا يُقرُّه دينٌ، ولا عقلٌ صحيحٌ، وقد وقع فاعله في أربع جرائمَ عظيمةٍ: تكفير المسلمين واستحلال دمائهم بغير حقٍّ، وقتل الأنفس المعصومة والانتحار بقتل نفسه، وتخريب بيوت اللَّه والسعي في خرابها، وإهانة المصحف الشريف، وبيان ذلك على النحو الآتي:
مذهب الخوارج: تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم
أولًا: مذهب الخوارج: تكفير المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم.
هذا التفجير وقتل الأنفس بغير حقٍّ حصلا بسبب تكفير المسلمين، فهؤلاء السفهاء كفَّروا؛ ففجروا، وأفسدوا، والخوارج خطرٌ على أمة الإسلام، وهذا عملهم، والخوارج فِرقٌ كثيرةٌ، كان يُقال لبعضهم في أول الإسلام: "الحرورية"؛ نسبةً إلى قريةٍ خرجوا منها يُقال لها: حروراء.
وكل مَن خرج على الإمام الحق الذي اتفقت عليه الجماعة، وكفَّر بكبائر المعاصي؛ فهو من الخوارج، فهم يُكفِّرون أصحاب الكبائر، ويستحلُّون دماءَهم، وأموالهم، ويخلِّدونهم في النار، ويَرَوْن اتِّباع الكتاب دون السُّنَّة التي تخالف ظاهر الكتاب، حتى لو كانت مُتواترةً، ويكفِّرون مَن خالفهم؛ لارتداده عندهم عن دين الإسلام.
صفات الخوارج في السُّنَّة النبوية
وقد بيَّن النبي صفاتهم بيانًا واضحًا جليًّا في الأحاديث الآتية:
- جاء رجلٌ إلى النبي وهو يقسِّم غنيمةً بالجعرانة بعد غزوة حنين، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، اعْدِلْ، قَالَ : وَيْلَكَ، وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ؟! لَقَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ[1]قوله: لقد خبت وخسرت: قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم"، 7/ 159: رُوِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي: خِبْتَ … Continue readingإِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ. فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَقْتُلَ هَذَا الْمُنَافِقَ، فَقَالَ: مَعَاذَ اللهِ، أَنْ يَتَحَدَّثَ النَّاسُ أَنِّي أَقْتُلُ أَصْحَابِي، إِنَّ هَذَا وَأَصْحَابَهُ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ، لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْهُ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ[2]رواه مسلم: 1063، وفي لفظ للبخاري: 3138: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: اعْدِلْ، فَقَالَ لَهُ: شَقِيتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ..
- وفي لفظ آخر: اتَّقِ اللَّهَ يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : فَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ إِنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلاَ تَأْمَنُونِي، ثم قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ[3]من ضئضئ هذا: أي: من أصله. ينظر: "معالم السنن" للخطابي: 4/ 335. هَذَا قَوْمًا يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ[4]لا يجاوز حناجرهم: قال النووي في شرحه على "صحيح مسلم": 7/ 159: له معنيان: "أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ: لَا تَفْقَهُهُ … Continue readingيَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلاَمِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلاَمِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ[5]والمعنى: يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، … Continue readingلَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ[6]لأقتلنَّهم قتل عاد: "أَيْ: قَتْلًا عَامًّا مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ … Continue reading[7]رواه البخاري: 7432، ومسلم: 1064..
- وعن أبي سعيدٍ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ[8]صحيح البخاري: 5058، ومسلم: 1566..
- وعن عَلِيّ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: يَأْتِي فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ حُدَثَاءُ الْأَسْنَانِ[9]حدثاء الأسنان: أي: صغار الأسنان. ينظر: النووي: 7/ 169.سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ[10]سفهاء الأحلام: أي: صغار العقول. ينظر: النووي: 7/ 169.يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ[11]يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ: مَعْنَاهُ: فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا حُكْمَ … Continue readingيَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ، لَا يُجَاوِزُ إِيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[12]رواه البخاري: 5057، ومسلم: 1066..
وهذه الأحاديث فيها بيانٌ شافٍ كاملٌ في منهج الخوارج، وفيها معجزةٌ باهرةٌ، دالةٌ على صدق النبي ، وأنه رسول اللَّه حقًّا، فقد أخبر بأنهم يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، وأنهم صغار الأسنان، وسفهاء العقول، وقد حصل هذا كالشمس في رابعة النهار، وهو من الأمور الغيبية التي أخبر اللَّهُ بها رسولَ اللَّه .
جريمة قتل الأنفس المعصومة
ثانيًا: وقوعهم في قتل الأنفس المعصومة جريمةٌ كبيرةٌ فاحشةٌ؛ للأدلة الآتية:
- قال اللَّه تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].
- وقال : مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [المائدة:32].
- وعن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِغَيْرِ حَقٍّ[13]رواه الترمذي: 1395، وابن ماجه: 2619، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2438..
- وعن مُعاويةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَهُوَ يَقُولُ: كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَغْفِرَهُ، إِلَّا الرَّجُلُ يَمُوتُ كَافِرًا، أَوِ الرَّجُلُ يَقْتُلُ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا[14]رواه النسائي: 3984، وأحمد: 16907، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3719..
- وعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قال رَسُولُ اللَّهِ : لَنْ يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا[15]رواه البخاري: 6862..
جريمة الانتحار
ثالثًا: الانتحار، فهؤلاء فجَّروا أنفسهم، وقتْلُ الإنسانِ نفسَه جريمةٌ عظيمةٌ وذنبٌ عظيمٌ؛ للأدلة الاتية:
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا[16]يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ مَعْنَاهُ: يَطْعَنُ بها في بطنه. ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 2/ 121.فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ[17]مَعْنَى "يَتَحَسَّاهُ": يَشْرَبُهُ فِي تَمَهُّلٍ، وَيَتَجَرَّعُهُ". ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 2/ 121.فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى[18]تَرَدَّى: قال الإمام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، 10/ 248: "تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَيْ: أَسْقَطَ نَفْسَهُ … Continue readingمِنْ جَبَلٍ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا[19]رواه البخاري: 5778، ومسلم: 109..
- وعن ثَابِتَ بْنَ الضَّحَّاكِ ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَلَيْسَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِي الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهُوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ[20]رواه البخاري: 6047، ومسلم: 110..
جريمة السعي في خراب المساجد
رابعًا: حرَّم الله السعي في خراب المساجد، وبيَّن أنَّ مَن فعل ذلك فله الخزي في الدنيا، والعذاب العظيم في الآخرة، ولا أحد أظلم منه، قال اللَّه : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [البقرة:114].
والخراب للمساجد: حسيٌّ، ومعنويٌّ؛ فالخراب الحسي: هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم اللَّه فيها، وهذا عامٌّ لكل مَن اتَّصف بهذه الصفة[21]انظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص56..
وقد بيَّن اللَّه تعالى أنَّ المشركين لا يعمرون مساجد اللَّه، ولا ينبغي لهم ذلك، ولا يليق بهم، ثم بيَّن ما لهم من الهلاك ببطلان الأعمال، والخلود في النار، وبيَّن سبحانه مَن هم عمَّار المساجد حسيًّا ومعنويًّا، وذكر صفاتهم، ومدحهم، وأثنى عليهم، وبيَّن أنهم يؤمنون باللَّه واليوم الآخر، ويخشون اللَّه، وأنهم من المهتدين، فقال تعالى[22]انظر: المرجع السابق: ص377.: مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَإِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ [التوبة:17- 18].
وهذا يدل بمفهومه على أنَّ مَن هدم المساجد وسعى في تخريبها وتدميرها وتلويثها؛ لا يؤمن باللَّه، ولا باليوم الآخر، ولا يخشى اللَّه، ولا يكون من المهتدين، بل من الضالين.
وبيَّن اللَّه حكمة الجهاد في سبيله، ثم بيَّن أنه يدفع بالمجاهدين ضرر الكافرين والمُفسدين لدين اللَّه، ويحفظ المساجد[23]انظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص110، 120.، وغيرها من مصالح المسلمين، فقال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]، وقال سبحانه: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251].
وهذا فيه بيانٌ أنَّ مَن يدافع عن الدين، وحُرمات المسلمين، ويدافع عن المساجد، ويحفظها، ويمنعها من تخريب العابثين؛ فهو من المجاهدين في سبيل اللَّه، وأنَّ مَن يسعى في تخريب المساجد، ويعبث فيها بالإفساد، وتلويثها بالدماء المعصومة؛ فهو من المُفسدين الضالين.
وبيَّن اللَّه أنَّ أكثر نور القرآن ونور الإيمان يحصل في المساجد[24]انظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص665.، فقال اللَّه : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ [النور:36- 38].
فكل هذه الجرائم الأربع: تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم، وقتل الأنفس المعصومة بغير حقٍّ والانتحار بالتفجير وغيره، وتخريب المساجد وتلويثها، وتلويث المصاحف الشريفة؛ الواحدة من هذه الجرائم توجب على فاعلها غضب اللَّه وسخطه وعقوبته في الدنيا والآخرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
الواجب على المسلمين تجاه هذه الجرائم
فيجب على المسلمين الحذر من هذه الجرائم العظيمة.
ويجب على الآباء خاصة تعليم أولادهم منهج أهل السُّنَّة والجماعة؛ فإن من الغرائب: أن أغلب هؤلاء الخوارج في هذه الأزمان الذين يكفِّرون فيفجِّرون هم من صغار الأسنان؛ في السادسة عشرة، والسابعة عشرة، والعشرين إلى الخامسة والعشرين، وهذا يدل على إهمالٍ في التربية، فكيف يتعلم هذا الشاب الصغير صنع المُتفجِّرات والأحزمة الناسفة في هذه السن؟! وهذا يدل على ترك الحبل من بعض ولاة أمور الشباب على الغارب.
فيجب على الوالد -أو مَن يقوم مقامه- أن يراقب ولده، ويُلزمه بطاعة اللَّه، ولا يُهمله؛ فيخرج مع أهل الضلال والفساد، فيعلمونه وسائل التدمير والخراب والهلاك.
ويجب على العلماء، وطلاب العلم، والخطباء، أن يبيِّنوا للناس منهج الخوارج، وأن يردُّوا على الشُّبَه المُضِلَّة، ويبيِّنوا الحق بدليله.
واللَّه تعالى قد أوجب على ولاة أمر المسلمين كفَّ شرِّ هؤلاء الخوارج، وقتلهم؛ لإراحة المسلمين من شرِّهم؛ امتثالًا لقول النبي : فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ؛ فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أَجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[25]رواه البخاري: 5057، ومسلم: 1066.، وقوله : لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ[26]رواه البخاري: 7432، ومسلم: 1064..
وأرجو ممن بلغه بياني هذا أن يبلغه لغيره؛ لقول النبي : فَلْيُبْلِغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ[27]رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1679.، وله من اللَّه الأجر العظيم والثواب الكبير؛ لقول النبي : مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ[28]رواه مسلم: 1893..
واللَّهَ أسألُ أن يوفِّق جميع المسلمين لكل خيرٍ، وأن يكفيهم شر الخوارج وأعداء الدين، وأن يجعل كيد هؤلاء المارقين في نحورهم، وأن يوفِّق ولاة الأمر لقتلهم، وإراحة المؤمنين من شرهم وأذاهم، وأن يجعل هؤلاء المقتولين ظلمًا وعدوانًا شهداء، أحياءً، عند ربهم يرزقون، وأن يجزي ولاة الأمر خيرًا على كبت هؤلاء المُجرِمين، وأن يسدِّد رجال الأمن، ويعينهم، ويجزيهم خير الجزاء على رباطهم وسهرهم وحمايتهم لبلاد الحرمين الشريفين، وأن يعيذنا جميعًا من نزغات الشيطان؛ فإنه على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جدير.
وصلَّى اللَّه وسلَّم على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | قوله: لقد خبت وخسرت: قال الإمام النووي في "شرح صحيح مسلم"، 7/ 159: رُوِيَ بِفَتْحِ التَّاءِ فِي: خِبْتَ وَخَسِرْتَ، وَبِضَمِّهِمَا فِيهِمَا، وَمَعْنَى الضَّمِّ ظَاهِرٌ، وَتَقْدِيرُ الْفَتْحِ: خِبْتَ أَنْتَ أَيُّهَا التَّابِعُ، إِذَا كُنْتُ لَا أَعْدِلُ؛ لِكَوْنِكَ تَابِعًا وَمُقْتَدِيًا بِمَنْ لَا يَعْدِلُ، وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. |
|---|---|
| ^2 | رواه مسلم: 1063، وفي لفظ للبخاري: 3138: قَالَ لَهُ رَجُلٌ: اعْدِلْ، فَقَالَ لَهُ: شَقِيتُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ. |
| ^3 | من ضئضئ هذا: أي: من أصله. ينظر: "معالم السنن" للخطابي: 4/ 335. |
| ^4 | لا يجاوز حناجرهم: قال النووي في شرحه على "صحيح مسلم": 7/ 159: له معنيان: "أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ: لَا تَفْقَهُهُ قُلُوبُهُمْ، وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِمَا تَلَوْا مِنْهُ، وَلَا لَهُمْ حَظٌّ سِوَى تِلَاوَةِ الْفَمِ وَالْحَنْجَرَةِ وَالْحَلْقِ، إِذْ بِهِمَا تقطيع الحروف. والثاني: مَعْنَاهُ: لَا يَصْعَدُ لَهُمْ عَمَلٌ، وَلَا تِلَاوَةٌ، وَلَا يُتَقَبَّلُ". |
| ^5 | والمعنى: يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ. وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ، "مَعْنَاهُ: يَخْرُجُونَ مِنْهُ خُرُوجَ السَّهْمِ إِذَا نَفَذَ الصَّيْد مِنْ جِهَةِ أُخْرَى، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ شيءٌ منه. والرَّمِيَّةُ: هِيَ الصَّيْدُ الْمَرْمِيُّ". ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 7/ 159. |
| ^6 | لأقتلنَّهم قتل عاد: "أَيْ: قَتْلًا عَامًّا مُسْتَأْصِلًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَفَضِيلَةٌ لِعَلِيٍّ فِي قِتَالِهِمْ". ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 7/ 162. |
| ^7, ^26 | رواه البخاري: 7432، ومسلم: 1064. |
| ^8 | صحيح البخاري: 5058، ومسلم: 1566. |
| ^9 | حدثاء الأسنان: أي: صغار الأسنان. ينظر: النووي: 7/ 169. |
| ^10 | سفهاء الأحلام: أي: صغار العقول. ينظر: النووي: 7/ 169. |
| ^11 | يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ: مَعْنَاهُ: فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ، كَقَوْلِهِمْ: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَنَظَائِرِهِ مِنْ دُعَائِهِمْ إِلَى كِتَابِ اللَّه تَعَالَى، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 7/ 169. |
| ^12, ^25 | رواه البخاري: 5057، ومسلم: 1066. |
| ^13 | رواه الترمذي: 1395، وابن ماجه: 2619، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2438. |
| ^14 | رواه النسائي: 3984، وأحمد: 16907، وصحَّحه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 3719. |
| ^15 | رواه البخاري: 6862. |
| ^16 | يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ مَعْنَاهُ: يَطْعَنُ بها في بطنه. ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 2/ 121. |
| ^17 | مَعْنَى "يَتَحَسَّاهُ": يَشْرَبُهُ فِي تَمَهُّلٍ، وَيَتَجَرَّعُهُ". ينظر: شرح النووي على "صحيح مسلم": 2/ 121. |
| ^18 | تَرَدَّى: قال الإمام الحافظ ابن حجر في "فتح الباري"، 10/ 248: "تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ أَيْ: أَسْقَطَ نَفْسَهُ مِنْهُ؛ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَقَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ". |
| ^19 | رواه البخاري: 5778، ومسلم: 109. |
| ^20 | رواه البخاري: 6047، ومسلم: 110. |
| ^21 | انظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص56. |
| ^22 | انظر: المرجع السابق: ص377. |
| ^23 | انظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص110، 120. |
| ^24 | انظر: "تيسير الكريم الرحمن" للسعدي: ص665. |
| ^27 | رواه البخاري: 1739، ومسلم: 1679. |
| ^28 | رواه مسلم: 1893. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط