الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.
أما بعد:
فقد حصل من بعض الخوارج في مدينة حائلٍ في عيد الأضحى لعام 1436هـ أن عيَّد بابن عمِّه، فقتله وكبَّر عليه طاعةً لولي أمره من الدواعش، وهو يستجير بالله ثم به، ولكنه لم ينفع فيه التذكير بالله تعالى، ولا نداؤه بقوله: "تكفى يا سعد، لا تقتلني!"، فمع ذلك رماه؛ لأنه يعتبره كافرًا -على مذهب الدواعش- والعياذ بالله تعالى!
وقد أخبرنا نبيُّنا محمدٌ -الذي لا ينطق عن الهوى؛ إن هو إلا وحيٌ يُوحَى- أن الرجل يقتل جاره وأخاه وأباه وابن عمه وذا قرابته؛ فعن أبي موسى قال: قال رسول الله : لا تقوم الساعة حتى يقتل الرجلُ جارَه وأخاه وأباه[1]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 118، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 87..
وعن أبي موسى أيضًا قال: حدَّثنا رسول الله : إنَّ بين يَدَيِ الساعة لَهَرْجًا، قال: قلتُ: "يا رسول الله، ما الهَرْج؟"، قال: القتل، فقال بعض المسلمين: "يا رسول الله، إنا نَقْتُلُ الآن في العام الواحد من المشركين كذا وكذا"، فقال رسول الله : ليس بقتل المشركين، ولكن يَقْتُلُ بعضُكم بعضًا، حتى يَقْتُلَ الرجلُ جاره وابن عمِّه وذا قرابته، فقال بعض القوم: "يا رسول الله، ومعنا عقولنا ذلك اليوم؟"، فقال رسول الله : لا، تُنْزَعُ عقولُ أكثر ذلك الزمان، ويَخْلُفُ له هباءٌ من الناس لا عقول لهم، ثم قال الأشعري: "وَايْمُ الله، إني لأظنُّها مُدْرِكتي وإياكم! وَايْمُ الله، ما لي ولكم منها مَخْرَجٌ -إن أدركَتْنا فيما عَهِدَ إلينا نبيُّنا - إلا أن نَخْرُجَ منها كما دخلنا فيها!"[2]رواه ابن ماجه: 3959 واللفظ له، وأحمد: 19636، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1682..
وعن أبي موسى أيضًا: قال رسول الله : إنَّ بين يَدَيِ الساعة الهَرْج، قلنا: "وما الهَرْج؟"، قال: القتل القتل، حتى يقتل الرجل جاره وابن عمه وأباه، قال: "فرأينا مَن قَتَلَ أباه زمان الأزارقة[3]الأزارقة: فرقةٌ من فِرَق الخوارج، يُنسَبون إلى نافع بن الأزرق. ينظر: "مفاتيح العلوم" للخوارزمي: ص45."[4]رواه أبو يعلى: 7234، وصحَّحه حسين سليم في تحقيق "مسند أبي يعلى"..
وهذه الأحاديث تدل على أن مَن قتل أباه أو أخاه أو جاره أو ابن عمه أو ذا قرابته لا عقل له، بل يُنْزَع عقله، ويكون كالغُبار، ويكون من أراذل الناس؛ والعياذ بالله تعالى! وقد أشار إلى ذلك الإمام السندي[5]ينظر: "حاشية السندي على سنن ابن ماجه": 2/ 469..
وهذا من الفتن التي حذَّر منها النبي ؛ فعن أبي هُرَيرة أن رسول الله قال: بادِروا بالأعمال فِتَنًا كقِطَع الليل المُظْلِم، يُصْبِحُ الرجل مؤمنًا ويُمْسِي كافرًا، أو يُمْسِي مؤمنًا ويُصْبِحُ كافرًا، يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا[6]رواه مسلم: 118..
قال الإمام النووي: "معنى الحديث: الحثُّ على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تَعَذُّرها والاشتغال عنها بما يَحْدُثُ من الفِتَن الشاغلة المُتكاثِرة المُتراكِمة كتراكُم ظلام الليل المُظْلِم لا المُقْمِر، وَوَصَفَ نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أنه يُمْسِي مؤمنًا ثم يُصْبِحُ كافرًا، أو عكسه -شكَّ الراوي-؛ وهذا لعِظَم الفتن، ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب، والله أعلم"[7]ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 133..
خطر الخوارج وغُلُوُّهم
ومن أعظم الفِتَن التي فرَّقت بين المسلمين وشوَّهت صورة الإسلام: ما يعمله الخوارج الذين يقال لهم: "الدواعش" في هذا الزمان؛ فقد شوَّهوا الإسلام!
وقد أخبرنا عنهم النبي بأنهم سفهاء الأحلام أحداث الأسنان؛ فعن عليٍّ قال: «سمعت رسول الله يقول: سيخرج في آخر الزمان قومٌ أحداث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البَرِيَّة، يقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجرَهم، يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُقُ السهم من الرَّمِيَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم؛ فإنَّ في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة[8]رواه البخاري: 3611، ومسلم: 1066 واللفظ له..
قال الإمام النووي: "قوله : أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام معناه: صِغار الأسنان، صِغار العقول"[9]ينظر: "المنهاج" للنووي: 7/ 169..
وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ أنه قال: سمعت رسول الله يقول: يَخْرُجُ فيكم قومٌ تَحْقِرون صلاتَكم مع صلاتهم، وصيامَكم مع صيامهم، وعملَكم مع عملهم، ويقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُق السهم من الرَّمِيَّة...[10]رواه البخاري: 5058 واللفظ له، ومسلم: 1064. الحديث.
وعن أبي سعيدٍ قال: بَعَثَ عليٌّ إلى النبي بذُهَيْبَةٍ[11]ذُهَيْبَةٌ: تصغير ذهبٍ، وقيل: هو تصغير ذَهَبَةٍ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 173.، فقَسَمَها بين الأربعة: الأقرع بن حابسٍ الحَنْظَلي، ثم المُجَاشِعي وعُيَيْنَةَ بن بدرٍ الفَزَاري وزيدٍ الطائي، ثم أحد بني نبهان وعلقمة بن عُلَاثة العامري، ثم أحد بني كلابٍ؛ فغضبت قريشٌ والأنصار، قالوا: "يُعطي صناديد[12]الصناديد: الأشراف والعظماء والرؤساء، والواحد: صِنْدِيدٌ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 55. أهل نجدٍ ويَدَعُنا؟"، قال : إنما أتألَّفُهم، فأقبل رجلٌ غائر العينين، مُشْرف الوجنتين، ناتئ الجَبِين، كثُّ اللحية محلوقٌ، فقال: "اتَّقِ الله يا محمد"، فقال : مَن يُطِعِ الله إذا عصيتُ؟! -وفي لفظٍ لمسلم: فمن يطع الله إنْ عصيتُه؟!- أَيَأْمَنُنِي الله على أهل الأرض فلا تأمنوني؟!، فسأله رجلٌ قَتْلَه -أحسبه خالد بن الوليد- فمَنَعَه.
فلمَّا ولَّى قال : إنَّ مِن ضِئْضِئِ هذا[13]أي: من أصله ونسله. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 12/ 68. -أو: في عَقِبِ هذا- قومًا يقرؤون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمْرُقون من الدين مُرُوقَ السهم من الرَّمِيَّة، يقتلون أهل الإسلام، ويَدَعُون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتُهم لأقتلنَّهم قَتْلَ عادٍ[14]رواه البخاري: 3344 واللفظ له، ومسلم: 1064..
قال الإمام النووي في معنى قوله: لئن أنا أدركتُهم لأقتلنَّهم قَتْلَ عادٍ: "أي: قتلًا عامًّا مُستأصِلًا، كما قال تعالى: فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ [الحاقة:8]"[15]ينظر: "المنهاج" للنووي: 7/ 162..
فيا وَيْحَ هؤلاء الخوارج ويا وَيْلَهم من قول الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، ومن قوله عليه الصلاة والسلام في حديث البراء بن عازبٍ : لَزَوال الدنيا أهون على الله من قتل مؤمنٍ بغير حقٍّ[16]رواه ابن ماجه: 2619، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2438..
الدعوة إلى الابتعاد عن الفِتَن وأهلها
فينبغي لكل مسلمٍ أن يخاف على نفسه من هذه الفتن، ويجب عليه أن يبتعد عنها ولا يَقْرَب أهلها؛ فقد بيَّن ذلك النبي ، كما في حديث أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله : ستكون فتنٌ القاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، ومن يُشْرِف لها تَسْتَشْرِفْه، ومَن وَجَدَ ملجأً أو مَعَاذًا فَلْيَعُذْ به[17]رواه البخاري: 3601 واللفظ له، ومسلم: 2886..
وأمرنا النبيُّ أن نستعيذ بالله من الفِتَن ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، كما في حديث زيد بن ثابتٍ ؛ قال النبي : تعوَّذوا بالله من الفِتَن ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، قالوا: "نعوذ بالله من الفِتَن ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ"[18]رواه مسلم: 2867..
ويجب على المسلم أن يقتديَ بالنبي ؛ فقد كان يخاف على نفسه وهو رسول الله حقًّا؛ فعن أنسٍ قال: كان رسول الله يُكْثِر أن يقول: يا مُقَلِّبَ القلوب ثَبِّتْ قلبي على دينك، فقلتُ: "يا رسول الله، آمنَّا بك وبما جئتَ به، فهل تخاف علينا؟"، قال: نعم؛ إنَّ القلوب بين أُصْبُعَيْن من أصابع الله يُقَلِّبُها كيف يشاء[19]رواه الترمذي: 2140 واللفظ له، وأحمد: 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1685 و7987. وجاء من حديث أم سَلَمَة رضي … Continue reading.
ومن حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أنه سمع رسول الله يقول: إنَّ قلوب بني آدم كلَّها بين إِصْبَعَيْن من أصابع الرحمن، كقلبٍ واحدٍ، يُصَرِّفُه حيث يشاء، ثم قال رسول الله : اللهم مُصَرِّفَ القلوب صَرِّفْ قلوبنا على طاعتك[20]رواه مسلم: 2654..
فأرجو ممن اطَّلع على هذه الأحاديث أن يعمل بها ويتأمَّلها ويتدبَّر معانيها.
واللهَ أسألُ أن يُعيذنا من الفتن ما ظَهَرَ منها وما بَطَنَ، ومن شرور أنفسنا، ومن نزغات الشيطان، وأن يحفظ بلاد الحرمين الشريفين من كيد الكائدين ومن عبث العابثين ومن كل سوءٍ، وأن يُوَفِّقَ وُلاة أمرنا لكل خيرٍ، ويصرف عنهم كل شرٍّ، وأن يُصْلِح بطانتهم، وأن يُعينهم على نُصرة الإسلام والمسلمين، وأن يُوَفِّقَ جميع وُلاة أمور المسلمين للعمل بكتابه وسُنة رسوله .
وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ ، وعلى آله وأصحابه أجمعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
حُرِّر في يوم الاثنين 29/ 12/ 1436هـ.
| ^1 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 118، وحسَّنه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 87. |
|---|---|
| ^2 | رواه ابن ماجه: 3959 واللفظ له، وأحمد: 19636، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 1682. |
| ^3 | الأزارقة: فرقةٌ من فِرَق الخوارج، يُنسَبون إلى نافع بن الأزرق. ينظر: "مفاتيح العلوم" للخوارزمي: ص45. |
| ^4 | رواه أبو يعلى: 7234، وصحَّحه حسين سليم في تحقيق "مسند أبي يعلى". |
| ^5 | ينظر: "حاشية السندي على سنن ابن ماجه": 2/ 469. |
| ^6 | رواه مسلم: 118. |
| ^7 | ينظر: "المنهاج" للنووي: 2/ 133. |
| ^8 | رواه البخاري: 3611، ومسلم: 1066 واللفظ له. |
| ^9 | ينظر: "المنهاج" للنووي: 7/ 169. |
| ^10 | رواه البخاري: 5058 واللفظ له، ومسلم: 1064. |
| ^11 | ذُهَيْبَةٌ: تصغير ذهبٍ، وقيل: هو تصغير ذَهَبَةٍ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 2/ 173. |
| ^12 | الصناديد: الأشراف والعظماء والرؤساء، والواحد: صِنْدِيدٌ. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 55. |
| ^13 | أي: من أصله ونسله. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 12/ 68. |
| ^14 | رواه البخاري: 3344 واللفظ له، ومسلم: 1064. |
| ^15 | ينظر: "المنهاج" للنووي: 7/ 162. |
| ^16 | رواه ابن ماجه: 2619، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2438. |
| ^17 | رواه البخاري: 3601 واللفظ له، ومسلم: 2886. |
| ^18 | رواه مسلم: 2867. |
| ^19 | رواه الترمذي: 2140 واللفظ له، وأحمد: 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 1685 و7987. وجاء من حديث أم سَلَمَة رضي الله عنها عند الترمذي: 3522، وأحمد: 26679، ومن حديث عائشة رضي الله عنها عند أحمد: 24604. |
| ^20 | رواه مسلم: 2654. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط