تخطى إلى المحتوى

مقدمة كتاب الغُرْم القَبَلي

مقدمة كتاب الغُرْم القَبَلي - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بِهُدَاه.

أما بعد:

فقد قرأتُ كتاب "الغُرْم القَبَلي" الذي تَفَضَّل بتأليفه صاحب الفضيلة الشيخ: علي بن محمد بن علي آل نومة القحطاني، فوجدتُه بحثًا مُوَفَّقًا، مُسَدَّدًا، وقد أجاد في بحثه وأفاد، وبَيَّنَ ما ينبغي بيانه في إبطال الغُرْم القَبَلي الجاهلي الذي تدخل تحته أعرافٌ جاهليةٌ كثيرةٌ، وعاداتٌ قَبَلِيَّةٌ مُخالفةٌ للشرع المُطَهَّر، واستدلَّ بالأدلة من الكتاب والسُّنة.

وجَمَّل بحثه وزَيَّنه وتَوَّجه بذكره ونقله لأقوال العلماء الراسخين في العلم، وذِكْر الشُّبَه التي يتعلَّق بها أصحاب هذه العادات القبيحة، وردَّ عليها ردًّا مُفَصَّلًا بالأدلة.

وذَكَرَ في كتابه هذا أكثر من عشرين عادةً قَبَلِيَّةً أكثرها تتعلَّق بالغُرْم القَبَلي، وأبطلها بأسلوبٍ علميٍّ، ولغةٍ سليمةٍ مُستقيمةٍ، وحكمةٍ وموعظةٍ حسنةٍ، وجدالٍ بالتي هي أحسن.

فجزاه الله خيرًا، وضاعف مَثُوبَته، وأكثر من أمثاله، وزادنا وإياه علمًا وهُدًى وتوفيقًا.

تحذير العلماء من العادات المُخالفة للشرع

لا شكَّ أن الحكم بالعادات القَبَلية والتَّحاكم إليها من الحكم بالطاغوت والتَّحاكم إليه، وقد حذَّر العلماء رحمهم الله تحذيرًا بالغًا -قديمًا وحديثًا- من هذه العادات المُخالفة للشريعة الإسلامية؛ ومن ذلك -على سبيل الاختصار-:

  • قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ولا ريب أن مَن لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله  فهو كافرٌ، فمَن استَحَلَّ أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلًا من غير اتِّباعٍ لما أنزل الله فهو كافرٌ، فإنه ما من أُمَّةٍ إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثيرٌ من المُنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم يُنْزِلها الله ؛ كسوالف البادية، وكأوامر المُطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسُّنة!
    وهذا هو الكفر، فإنَّ كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المُطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله فلم يلتزموا ذلك، بل استَحَلُّوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كُفَّارٌ"[1]"منهاج السنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 130..
  • قال العَلَّامة ابن القيم رحمه الله: "لمَّا أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسُّنة والمُحاكمة إليهما، واعتقدوا عدم الاكتفاء بهما، وعَدَلوا إلى الآراء والقياس والاستحسان وأقوال الشيوخ؛ عَرَضَ لهم من ذلك فسادٌ في فِطَرهم، وظلمةٌ في قلوبهم، وكَدَرٌ في أفهامهم، ومَحْقٌ في عقولهم، وعَمَّتْهُم هذه الأمور وغلبتْ عليهم حتى رُبِّيَ فيها الصغير، وهَرِمَ عليها الكبير ..." إلى أن قال رحمه الله: "فإذا رأيتَ دولة هذه الأمور قد أقبلتْ، وراياتها قد نُصِبَتْ، وجيوشها قد رَكِبَتْ؛ فَبَطْنُ الأرض -والله- خيرٌ من ظهرها، وقُلَلُ الجبال خيرٌ من السهول، ومُخالطة الوحش أسلم من مُخالطة الناس!
    اقشَعَرَّت الأرض، وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البَرِّ والبحر من ظُلْم الفَجَرة، وذهبت البركات، وقَلَّت الخيرات، وهَزُلَت الوحوش، وتَكَدَّرت الحياة من فِسْق الظَّلَمَة"[2]"الفوائد" لابن القيم: ص65..
  • قال الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله: "الطواغيت كثيرةٌ، ورؤوسهم خمسةٌ: إبليس -لعنه الله- ومَن عُبِدَ وهو راضٍ، ومَن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومَن ادَّعى شيئًا من علم الغيب، ومَن حَكَمَ بغير ما أنزل الله"[3]"ثلاثة الأصول وشروط الصلاة والقواعد الأربع" لمحمد بن عبدالوهاب: ص24..
  • سُئل العَلَّامة عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ رحمه الله عمَّا يحكم به أهل السَّوالف من البوادي وغيرهم من عادات الآباء والأجداد: هل يُطْلَق عليهم بذلك الكفر بعد التَّعريف ... إلخ؟
    فأجاب رحمه الله: "مَن تحاكم إلى غير كتاب الله وسُنة رسوله بعد التَّعريف فهو كافرٌ"[4]ينظر: "الدرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية": 10/ 426..
  • قال العَلَّامة حمد بن عتيق رحمه الله عند هذه الآية: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة:50]، بعد ذكر قول ابن كثيرٍ رحمه الله قال: "قلتُ: ومثل هؤلاء ما وقع فيه عامَّة البوادي ومَن شابههم من تحكيم عادات آبائهم وما وضعه أوائلهم من الموضوعات الملعونة التي يُسمونها "شرع الرفاقة"، يُقَدِّمونها على كتاب الله وسُنة رسوله ، ومَن فَعَلَ ذلك فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله "[5]"سبيل النَّجاة والفِكَاك من مُوالاة المُرتدين وأهل الإشراك" لحمد بن عتيق: ص104..
  • قال العَلَّامة سليمان بن سَحْمَان رحمه الله: "الطاغوت ثلاثة أنواعٍ: طاغوتُ حُكْمٍ، وطاغوتُ عبادةٍ، وطاغوتُ طاعةٍ ومُتابعةٍ.
    والمقصود في هذه الورقة هو طاغوت الحُكْم؛ فإنَّ كثيرًا من الطوائف المُنتسبين إلى الإسلام قد صاروا يتحاكمون إلى عادات آبائهم، ويُسَمُّون ذلك الحقَّ بشرع الرّفاقة؛ كقولهم: شرع عجمان، وشرع قحطان، وغير ذلك، وهذا هو الطاغوت بعينه الذي أمر الله باجتنابه.
    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في "منهاجه"[6]ينظر: "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 130. وابن كثيرٍ في "تفسيره"[7]ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 416- 417.: أنَّ مَن فَعَلَ ذلك فهو كافرٌ بالله، وزاد ابن كثيرٍ: يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله "[8]ينظر: "الدرر السنية في الأجوبة النَّجدية": 10/ 503- 504..
    وقال ابن سَحْمَان أيضًا: "وما ذكرناه من عادات البوادي التي تُسمَّى "شرع الرفاقة" هو من هذا الجنس، مَن فعله فهو كافرٌ يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله ، فلا يُحَكِّمَ سواه في قليلٍ ولا كثيرٍ"[9]ينظر: "الدرر السنية في الأجوبة النَّجدية": 10/ 505..
  • قال الإمام محمد بن إبراهيم آل الشيخ -مفتي الديار السعودية في عهده- رحمه الله: "بَلَغَنا ... أنه موجودٌ من بعض الرؤساء ببلد الرين مَن يحكم بالسلوم الجاهلية، فَسَاءَنا ذلك جدًّا، وأوجب علينا الغَيْرَة لأحكام الله وشرعه؛ لأنَّ ذلك -في الحقيقة- حكمٌ بغير ما أنزل الله".
    ثم قال رحمه الله: "يَتَحَتَّم على وُلاة الأمور التَّأديب البليغ لكل مَن ارتكب هذه الجريمة التي قد تُفْضِي إلى ما هو أكبر إثمًا من الزنا والسرقة؛ لأنَّ كل مَن خالف أمر الله وأمر الرسول  وحكم بين الناس بغير ما أنزل الله مُتَّبِعًا لهواه، ومُعتقدًا أن الشرع لا يكفي لحلِّ مشاكل الناس؛ فهو طاغوتٌ قد خلع رِبْقَة الإيمان من عُنُقِه، وإن زَعَمَ أنه مؤمنٌ"[10]ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 281..
    وقال أيضًا: "سَجَّل الله تعالى على الحاكمين بغير ما أنزل الله الكفر والظلم والفسوق، ومن المُمتنع أن يُسَمِّي الله الحاكم بغير ما أنزل الله "كافرًا" ولا يكون كافرًا، بل هو كافرٌ مُطلقًا؛ إما كفرُ عملٍ، وإما كفرُ اعتقادٍ".
    ثم قسَّم الكفر المُخْرِج من المِلَّة -وهو كفر الاعتقاد- إلى ستة أنواعٍ ذكرها، وقال في النوع السادس: "السادس: ما يحكم به كثيرٌ من رؤساء العشائر والقبائل من البوادي ونحوهم من حكايات آبائهم وأجدادهم وعاداتهم التي يُسَمُّونها "سلومهم"، يتوارثون ذلك منهم، ويحكمون به، ويَحُضُّون على التَّحاكم إليه عند النزاع؛ بناءً على أحكام الجاهلية، وإعراضًا ورغبةً عن حكم الله ورسوله ، فلا حول ولا قوة إلا بالله".
    ثم قال رحمه الله: "وأما القسم الثاني من قِسْمَي كُفر الحاكم بغير ما أنزل الله -وهو الذي لا يُخرج من المِلَّة- فقد تقدَّم أن تفسير ابن عباسٍ رضي الله عنهما لقوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [المائدة:44] قد شَمِلَ ذلك القسم، وذلك في قوله في الآية: "كفرٌ دون كفرٍ"، وقوله أيضًا: "ليس بالكفر الذي تذهبون إليه"؛ وذلك أن تَحْمِلَه شهوتُه وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أنَّ حُكم الله ورسوله  هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ ومُجانبة الهُدَى.
    وهذا وإن لم يُخْرِجْهُ كُفره عن المِلَّة فإنه معصيةٌ عظمى أكبر من الكبائر: كالزنا وشُرب الخمر والسرقة واليمين الغموس وغيرها؛ فإنَّ معصيةً سمَّاها الله في كتابه "كفرًا" أعظمُ من معصيةٍ لم يُسَمِّها كفرًا.
    نسأل الله أن يجمع المسلمين على التَّحاكم إلى كتابه: انقيادًا ورضاءً، إنه وَلِيُّ ذلك والقادر عليه"[11]ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 288- 291..
    وقال أيضًا: "وإنَّ من أقبح السيئات وأعظم المُنكرات: التَّحاكم إلى غير شريعة الله من القوانين الوضعية، والنُّظُم البشرية، وعادات الأسلاف والأجداد التي قد وقع فيها كثيرٌ من الناس اليوم، وارتضاها بدلًا من شريعة الله التي بعث بها رسوله محمدًا ، ولا ريب أن ذلك من أعظم النفاق، ومن أكبر شعائر الكفر والظلم والفسوق، وأحكام الجاهلية التي أبطلها القرآن، وحذَّر منها الرسول "[12]ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 259..
  • قال الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله: "في إحياء العادات القَبَلية والأعراف الجاهلية ما يدعو إلى ترك التَّحاكُم إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله ، وفي ذلك المُخالفة لشرع الله المُطَهَّر" إلى أن قال: "وبهذا يُعْلَم أنه لا يجوز إحياء قوانين القبائل وأعرافهم وأنظمتهم التي يتحاكمون إليها بدلًا من الشرع المُطَهَّر الذي شرعه أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين، بل يجب دَفْنُها وإماتتُها والإعراضُ عنها، والاكتفاء بالتَّحاكم إلى شرع الله ؛ ففيه صلاح الجميع، وسلامة دينهم ودنياهم.
    وعلى مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بالأعراف التي لا أساس لها من الدين، وما أنزل الله بها من سُلطانٍ، بل يجب أن يَرُدُّوا ما تنازع فيه قبائلهم إلى المحاكم الشرعية"[13]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 8/ 272- 274..
    وقال أيضًا: "ولا إيمان لِمَن اعتقد أن أحكام الناس وآراءهم خيرٌ من حكم الله ورسوله ، أو تُماثله وتُشابهه، أو أجاز أن يَحِلَّ محلها الأحكام الوضعية والأنظمة البشرية، وإن كان مُعتقدًا بأن أحكام الله خيرٌ وأكمل وأعدل"[14]ينظر: "وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه" لابن باز: ص16- 17، و"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 1/ 79..
    وسمعتُ سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله يقول: "مَن حَكَمَ بغير ما أنزل الله فلا يخرج عن أربعة أنواعٍ:

    1. مَن قال: أنا أحكم بهذا لأنه أفضل من الشريعة الإسلامية. فهو كافرٌ كفرًا أكبر.
    2. ومَن قال: أنا أحكم بهذا لأنه مِثْلُ الشريعة الإسلامية، فالحكم بهذا جائزٌ، وبالشريعة جائزٌ. فهو كافرٌ كفرًا أكبر.
    3. ومَن قال: أنا أحكم بهذا، والحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، لكن الحكم بغير ما أنزل الله جائزٌ. فهو كافرٌ كفرًا أكبر.
    4. ومَن قال: أنا أحكم بهذا. وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله لا يجوز، ويقول: الحكم بالشريعة الإسلامية أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها. ولكنه مُتساهلٌ، أو يفعل هذا لأمرٍ صادرٍ من حُكَّامه؛ فهو كافرٌ كفرًا أصغر لا يُخْرِج من المِلَّة، ويُعْتَبَر من أكبر الكبائر"[15]سمعتُه في سؤالٍ وُجِّهَ له في أثناء محاضرةٍ له بعنوان: "القوادح في العقيدة" في شهر صفر 1403هـ في الجامع الكبير … Continue reading.
  • قال العَلَّامة صالح بن فوزان بن عبدالله الفوزان حفظه الله: "مَن حكم بغير ما أنزل الله: هذا يَعُمُّ كل حكمٍ بغير ما أنزل الله بين الناس في الخصومات والمُنازعات، حَكَمَ بينهم بالقانون أو بعوائد البدو والسلوم التي عليها البدو والقبائل، وأعرض عن كتاب الله؛ هذا هو الطاغوت.
    يحكمون بغير ما أنزل الله، ويدَّعون أنَّ هذا من الإصلاح والتوفيق بين الناس!
    هذا كذبٌ، الإصلاح لا يكون إلا بكتاب الله، والتوفيق بين الناس والمؤمنين لا يكون إلا بكتاب الله
    "[16]ينظر: "سلسلة شرح الرسائل للإمام المُجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب" لصالح الفوزان: ص302..
    وقال أيضًا: "والطاغوت المراد به: كل حكمٍ غير حكم الله، سواءٌ عوائد البادية، أو أنظمة الكفار، أو قوانين (الفرنس) أو (الإنجليز)، أو عادات القبائل؛ كل هذا طاغوتٌ، وكذا تحكيم الكُهَّان.
    فالذي يقول: إنهما سواءٌ[17]أي: يُسَوِّي بين حُكم الله وحُكم غيره، والعياذ بالله. كافرٌ، وأشدُّ منه مَن يقول: إن الحكم بغير ما أنزل الله أحسن من الحكم بما أنزل الله! هذا أشدُّ"[18]ينظر: "سلسلة شرح الرسائل للإمام المُجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب" لصالح الفوزان: ص224..
  • وسُئِلَت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء -برئاسة سماحة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله- عن حكم التَّحاكم إلى الأحكام العُرْفية عند مشايخ القبائل، فأجابت بالفتوى رقم (6216): "يجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى الشريعة الإسلامية، لا إلى الأحكام العُرفية، ولا إلى القوانين الوضعية.
    وما ذكرتَه ليس صُلْحًا في الحقيقة، وإنما هو تحاكمٌ إلى مبادئ وقواعد عُرفيةٍ؛ ولذا يُسَمُّونها: مذهبًا، ويقولون لِمَن لم يَرْضَ بالحكم بمُقتضاها: إنه قاطع المذهب.
    وتسميته صُلْحًا لا يُخْرِجه عن حقيقته من أنه تحاكمٌ إلى الطاغوت ...
    وعلى هذا يجب على مشايخ القبائل ألا يحكموا بين الناس بهذه الطريقة، ويجب على المسلمين ألا يتحاكموا إليهم إذا لم يَعْدِلوا عنها إلى الحكم بالشرع.
    واليوم -ولله الحمد- قد نَصَّبَ وَلِيُّ الأمر قُضاةً يحكمون بين الناس ويَفْصِلون في خصوماتهم بكتاب الله وسُنة رسوله ، ويَحلُّون مشكلاتهم بما لا يتنافى مع شرع الله تعالى، فلا عُذْرَ لأحدٍ في التَّحاكم إلى الطاغوت بعد إقامة مَن يُتحاكم إليه من علماء الإسلام، ويحكم بِحُكم الله سبحانه.
    وبالله التوفيق.
    وصلى الله على نبينا محمدٍ وآله وصحبه وسلم"[19]ينظر: "فتاوى اللجنة الدائمة- المجموعة الأولى": 1/ 788- 789..

توجيهٌ بالابتعاد عمَّا يُخالف الشرع

نصيحتي لكل مسلمٍ: أن يبتعد عن هذه العادات والأعراف المُخالفة لشرع الله تعالى، ولا يعمل بها، ولا يُعِين مَن يعمل بها.

ويجب على مَن ابتُلِيَ بشيءٍ من ذلك أن يتوب إلى الله تعالى، فإنَّ التائب من الذنب كَمَنْ لا ذنب له، وقد قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، وقال : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وإذا أخلص في توبته وحقَّق شروطها من: الإقلاع عن الذنب، والنَّدم على ما فعل، والعزيمة على ألا يعود، وردِّ الحقوق إلى أهلها أو طلب العفو منهم؛ فإنَّ الله يُبَدِّل سيئاته حسناتٍ: وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:70].

ويجب على مشايخ الشَّمْل ومشايخ القبائل والعشائر ونُوَّاب القبائل الحذر من هذه العادات المُخالفة للشريعة الإسلامية، وتحذير الناس من هذه الأحكام والأعمال والأقوال الجاهلية، ومنعهم من التَّحاكم إليها، وإلزامهم بالتَّحاكم إلى الشرع المُطَهَّر في الخصومات وغيرها، وترغيبهم في التَّحاكم إلى الشريعة الإسلامية، وإرشاد كل مَن يتعاطى ذلك؛ طاعةً لله ولرسوله ، وخوفًا من عقابه ومن مُخالفة أمره، وقد قال الله سبحانه: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [النور:63]، وقال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، وقال : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ۝ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [النساء:13- 14]، وقال النبي : وجُعِلَ الذلُّ والصَّغَار على مَن خالف أمري[20]رواه أحمد: 5667 واللفظ له، والبخاري مُعَلَّقًا: 4/ 40، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831.، رواه أحمد وغيره.

كما يجب على كل مَن جَهِلَ أحكام هذه العادات القَبَلية أو غيرها سؤال أهل العلم بالكتاب والسُّنة عما أشكل وخَفِيَ حُكْمُه عليهم، كما قال تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43].

ويجب على أهل العلم الشرعي من القُضاة والدُّعاة إلى الله تعالى وأئمة المساجد والخُطَباء أن يُبَيِّنوا للناس قُبْحَ العادات المُخالفة للشرع المُطَهَّر، ويُرَغِّبُوهم في تَرْكها، ويُحَذِّرُوهم منها ومن سُوء عاقبتها وخطر إهلاكها.

والله أسأل أن يجزي الشيخ علي بن محمد بن نومة خيرًا على هذا البحث المبارك، وأن ينفع بهذا المُؤلَّف، وأن يُوَفِّق مشايخ القبائل إلى التوبة من الحكم والتَّحاكم إلى العادات المُخالفة للشريعة الإسلامية.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

حُرِّر في يوم الأحد 1/ 1/ 1438هـ

^1 "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 130.
^2 "الفوائد" لابن القيم: ص65.
^3 "ثلاثة الأصول وشروط الصلاة والقواعد الأربع" لمحمد بن عبدالوهاب: ص24.
^4 ينظر: "الدرر السَّنية في الأجوبة النَّجدية": 10/ 426.
^5 "سبيل النَّجاة والفِكَاك من مُوالاة المُرتدين وأهل الإشراك" لحمد بن عتيق: ص104.
^6 ينظر: "منهاج السنة النبوية" لابن تيمية: 5/ 130.
^7 ينظر: "تفسير القرآن العظيم" لابن كثير: 3/ 416- 417.
^8 ينظر: "الدرر السنية في الأجوبة النَّجدية": 10/ 503- 504.
^9 ينظر: "الدرر السنية في الأجوبة النَّجدية": 10/ 505.
^10 ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 281.
^11 ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 288- 291.
^12 ينظر: "فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم": 12/ 259.
^13 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 8/ 272- 274.
^14 ينظر: "وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه" لابن باز: ص16- 17، و"مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 1/ 79.
^15 سمعتُه في سؤالٍ وُجِّهَ له في أثناء محاضرةٍ له بعنوان: "القوادح في العقيدة" في شهر صفر 1403هـ في الجامع الكبير بمدينة الرياض، وقد طُبِعَت المحاضرة في رسالةٍ مُستقلةٍ، ثم أُضِيفَتْ في "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 8/ 8- 27.
^16 ينظر: "سلسلة شرح الرسائل للإمام المُجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب" لصالح الفوزان: ص302.
^17 أي: يُسَوِّي بين حُكم الله وحُكم غيره، والعياذ بالله.
^18 ينظر: "سلسلة شرح الرسائل للإمام المُجدد الشيخ محمد بن عبدالوهاب" لصالح الفوزان: ص224.
^19 ينظر: "فتاوى اللجنة الدائمة- المجموعة الأولى": 1/ 788- 789.
^20 رواه أحمد: 5667 واللفظ له، والبخاري مُعَلَّقًا: 4/ 40، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2831.