تخطى إلى المحتوى

نقص الأرزاق والرواتب والبدلات

نقص الأرزاق والرواتب والبدلات - Image 1

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه، ومَن اهتدى بهداه.

أما بعد:

فقد سمعنا وسمع غيرنا بالقرارات في تخفيض بعض الرواتب والبدلات والعلاوات من ولاة الأمر -وفَّقهم اللَّه- لحكمةٍ ومصلحةٍ للمسلمين رأوها.

ولا شكَّ أنَّ ما يصيب الناس من ضرَّاءَ ونقصٍ في الأموال وغيرها؛ بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، كما قال اللَّه ​​​​​​​: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، قال الإمام ابن كثير: "أي: مهما أصابكم -أيها الناس- من المصائب فإنما هو عن سيئاتٍ تقدَّمت لكم، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ، أي: من السيئات، فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ [فاطر:45]"[1]ينظر: تفسير ابن كثير: 7/ 207.

وقال العلامة السعدي: "يخبر تعالى أنه ما أصاب العباد من مصيبةٍ في أبدانهم، وأموالهم، وأولادهم، وفيما يُحبون، ويكون عزيزًا عليهم؛ إلا بسبب ما قدَّمته أيديهم من السيئات، وأن ما يعفو اللَّه عنه أكثر، فإن اللَّه لا يظلم العباد، ولكن أنفسهم يظلمون"[2]ينظر: تفسير السعدي: ص 759.

وقال اللَّه تعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ۝الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ۝أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155- 157].

قال العلامة السعدي: "أخبر تعالى أنه لا بُدَّ أن يبتليَ عباده بالمِحَن؛ ليتبيَّن الصادق من الكاذب، والجازع من الصابر، وهذه سُنَّته تعالى في عباده؛ لأن السرَّاء لو استمرت لأهل الإيمان، ولم يحصل معها محنةٌ؛ لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة اللَّه تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر، هذه فائدة المِحَن، لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا ردهم عن دينهم، فما كان اللَّه ليُضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ من الأعداء وَالْجُوعِ، أي: بشيءٍ يسيرٍ منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله، أو الجوع لهلكوا، والمِحَن تُمحِّص لا تهلك، وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوَالِ، وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائحَ سماويةٍ، وغرقٍ، وضياعٍ، ... وغير ذلك"[3]ينظر: تفسير السعدي: ص 76..

العلاج الشرعي لنقص الأموال والمصائب

وعلاج ذلك: التوبة النصوح، والرجوع إلى اللَّه تعالى، والاستغفار، والصبر ابتغاء مرضاة اللَّه تعالى؛ لقول اللَّه تعالى في الآية السابقة: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ۝الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة:155- 156]، وقول اللَّه ​​​​​​​: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الرعد:11].

قال العلامة السعدي: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ من النعمة والإحسان ورغد العيش حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ، بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم اللَّه إلى البطر بها؛ فيسلبهم اللَّه عند ذلك إياها، وكذلك إذا غيَّر العباد ما بأنفسهم من المعصية، فانتقلوا إلى طاعة اللَّه؛ غيَّر اللَّه عليهم ما كانوا فيه من الشقاء إلى الخير، والسرور، والغبطة، والرحمة"[4]ينظر: تفسير السعدي: ص 414..

وقال اللَّه تعالى: فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا۝ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا۝وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح:10- 12].

قال العلامة السعدي: "فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ أي: اتركوا ما أنتم عليه من الذنوب، واستغفروا اللَّه منها، إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا كثير المغفرة لمن تاب واستغفر، فرغَّبهم بمغفرة الذنوب، وما يترتب عليها من حصول الثواب، واندفاع العقاب، ورغَّبهم أيضًا بخير الدنيا العاجل، فقال: يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا أي: مطرًا مُتتابعًا، يروي الشعاب والوهاد، ويُحيي البلاد والعباد، وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ أي: يُكثر أموالكم التي تدركون بها ما تطلبون من الدنيا، وأولادكم، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا وهذا من أبلغ ما يكون من لذات الدنيا ومطالبها"[5]ينظر: تفسير السعدي: ص 889..

وبالصبر على المصائب يحصل الثواب العظيم؛ لقول اللَّه تعالى في الآية السابقة: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ[البقرة: 155]. قال العلامة السعدي: "وأما مَن وفَّقه اللَّه للصبر عند وجود هذه المصائب؛ فحبس نفسه عن التسخط، قولًا وفعلًا، واحتسب أجرها عند اللَّه، وعَلِمَ أنَّ ما يُدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمةً في حقه؛ لأنها صارت طريقًا لحصول ما هو خيرٌ له، وأنفع منها؛ فقد امتثل أمر اللَّه، وفاز بالثواب؛ فلهذا قال تعالى: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، أي: بشرهم بأنهم يُوفَّون أجرهم بغير حسابٍ. فالصابرون: هم الذين فازوا بالبشارة العظيمة، والمنحة الجسيمة"[6]ينظر: تفسير السعدي: ص 76..

وثبت في حديث أبي سعيدٍ وأبي هريرةَ رضي الله عنهما: عن النبي  قال: مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا؛ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ[7]رواه البخاري: 5641، ومسلم: 2573..

وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية

ويجب طاعة ولاة الأمر في طاعة اللَّه تعالى؛ لقول اللَّه ​​​​​​​: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّه وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً [النساء:59]. وولاة الأمر هم: العلماء، والولاة، والأمراء[8]ينظر: تفسير الإمام ابن جرير الطبري: 8/ 497، وتفسير القرطبي: 5/ 261، وتفسير ابن كثير: 1/ 519، وفتاوى ابن تيمية: 11/ 551، و28/ … Continue reading.

وقال النبي في حديث أبي هريرةَ : مَن أطاعني فقد أطاع الله، ومَن عصاني فقد عصى الله، ومَن أطاع أميري فقد أطاعني، ومَن عصى أميري فقد عصاني[9]رواه البخاري: 7137، ومسلم: 1835.

وقال : عليك السمعَ والطاعةَ في عُسْرِك ويُسرِك، ومَنشَطك ومَكرَهك...[10]في عُسرك ويُسرك قال العلماء: تجب طاعة ولاة الأمور فيما يَشُقُّ وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصيةٍ، فإن كانت … Continue reading، وأثرةٍ عليك[11]رواه مسلم: 1836.. والمعنى: الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم، أي: اسمعوا وأطيعوا، وإن اختص الأمراء بالدنيا ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم[12]شرح النووي: 12/ 465- 466..

وقال النووي رحمه اللَّه تعالى: "وهذه الأحاديث في الحث على السمع والطاعة في جميع الأحوال، وسببها اجتماع كلمة المسلمين، فإن الخلاف سببٌ لفساد أحوالهم في دينهم ودنياهم"[13]شرح النووي: 12/ 465- 466..

وثبت من حديث أم الحصين رضي الله عنها أنها قالت: سمعتُ النبي يخطب في حجة الوداع وهو يقول: وَلَوِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللهِ فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا[14]رواه مسلم: 1838..

وعن أبي هريرةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : ثَلاَثَةٌ لاَ يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنَ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لاَ يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [آل عمران:77][15]رواه البخاري: 2358، ومسلم: 108..

وعن عبداللَّه بن عُمر رضي الله عنهما قال: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّه يَقُولُ: مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً[16]رواه مسلم: 1851..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فطاعة اللَّه ورسوله واجبةٌ على كل أحدٍ، وطاعة ولاة الأمور واجبةٌ؛ لأمر اللَّه بطاعتهم، فمَن أطاع اللَّه ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله؛ فأجره على اللَّه، ومَن كان لا يطيعهم إلا لما يأخذه من الولاية والمال؛ فإن أعطوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم؛ فما له في الآخرة من خلاق"[17]ينظر: "فتاوى ابن تيمية": 35/ 16- 17، وينظر: خلاصة ما قاله رحمه الله في طاعة ولاة الأمر، والإحالة على ذلك في "الفتاوى": … Continue reading.

وقال ابن رجب: "أما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم، وطاعة ربهم"[18]ينظر: "جامع العلوم والحكم": 2/ 117..

واللَّه أسأل أن يصلح أحوالنا، وأحوال جميع المسلمين، وأن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه، وصلى اللَّه وسلم، وبارك على نبيِّنا محمد.

حرر في يوم الاثنين 2/1/ 1438هـ.

^1 ينظر: تفسير ابن كثير: 7/ 207
^2 ينظر: تفسير السعدي: ص 759
^3, ^6 ينظر: تفسير السعدي: ص 76.
^4 ينظر: تفسير السعدي: ص 414.
^5 ينظر: تفسير السعدي: ص 889.
^7 رواه البخاري: 5641، ومسلم: 2573.
^8 ينظر: تفسير الإمام ابن جرير الطبري: 8/ 497، وتفسير القرطبي: 5/ 261، وتفسير ابن كثير: 1/ 519، وفتاوى ابن تيمية: 11/ 551، و28/ 70، والضوء المنير على التفسير: 2/ 234-251.
^9 رواه البخاري: 7137، ومسلم: 1835
^10 في عُسرك ويُسرك قال العلماء: تجب طاعة ولاة الأمور فيما يَشُقُّ وتكرهه النفوس وغيره مما ليس بمعصيةٍ، فإن كانت المعصية فلا سمع ولا طاعة كما صرَّح به في الأحاديث الباقية، فتحمل هذه الأحاديث المطلقة لوجوب طاعة ولاة الأمور على موافقة تلك الأحاديث المصرحة بأنه لا سمع ولا طاعة في المعصية: لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق. ينظر: شرح الإمام النووي: 12/ 465-466.
^11 رواه مسلم: 1836.
^12, ^13 شرح النووي: 12/ 465- 466.
^14 رواه مسلم: 1838.
^15 رواه البخاري: 2358، ومسلم: 108.
^16 رواه مسلم: 1851.
^17 ينظر: "فتاوى ابن تيمية": 35/ 16- 17، وينظر: خلاصة ما قاله رحمه الله في طاعة ولاة الأمر، والإحالة على ذلك في "الفتاوى": 37/ 170.
^18 ينظر: "جامع العلوم والحكم": 2/ 117.