تخطى إلى المحتوى

الاختلاف والنزاع، وعلاج ذلك، وإثم مَن أضلَّ الناس بغير علمٍ

الاختلاف والنزاع، وعلاج ذلك، وإثم مَن أضلَّ الناس بغير علمٍ - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.

أما بعد:

سُنَّة الخلاف، والمَرْجِع عند حدوثه

فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: لما نزل على رسول الله : قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ...، قال: أعوذ بوجهك، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ...، قال: أعوذ بوجهك، فلما نزلت: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ [الأنعام:65] قال: هاتان أهون، أو: أيسر[1]رواه البخاري: 7313..

الشرح:

قال سماحة الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله: "جاء في الرواية الأخرى أن النبي دعا ربَّه في الأولى والثانية، فاستُجيب له، ودعا ربَّه بألا يجعل بأسهم بينهم، فلم يستجب له لذلك"[2]رواه مسلم: 2890، ولفظه: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالسَّنَة … Continue reading.

وهذا معنى الحديث: أن هذا أيسر وأسهل؛ ولهذا لم تُجَبْ دعوته فيهم، فلم يزل الخلاف والبأس بينهم إلى يوم القيامة.

ثم بيَّن جل وعلا أن هذا البأس وهذا الاختلاف يجب أن يكون له مَرْجِعٌ، ويجب أيضًا أن يكون له أساسٌ يرجعون إليه؛ فلا بُدَّ من خلافٍ، ولا بُدَّ من وجود بأسٍ بينهم، فعليهم أن يرجعوا إلى الأصول التي وُضِعَتْ لهم، وألا يخرجوا عنها؛ ولهذا قال جل وعلا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59].

عَلِمَ أن النزاع لا بُدَّ أن يقع، فقال: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا.

فالواجب عند النزاع والاختلاف أن يكون لهم أصلٌ يرجعون إليه، حتى يُحَلَّ النزاع، وليس هناك أصلٌ إلا ما بيَّنه الله، وهو الردُّ إلى كتاب الله: القرآن، وإلى رسوله في حياته، وإلى سُنَّته بعد وفاته عليه الصلاة والسلام.

وهكذا الآية الكريمة في سورة الشورى: وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ [الشورى:10]، وهو معنى الآية هذه؛ فإنَّ التحاكُم إلى الله تحاكمٌ إلى الكتاب والسُّنَّة.

فليس لأحدٍ أن يحكم بهوى نفسه أو رأيه أو رأي قبيلته، أو ما اصطلح عليه هو وجماعته من نظامٍ أو قانون يُلزم الناس به.

لا، عند الاختلاف يجب الردُّ إلى الله وإلى الرسول ، يجب الردُّ إلى حكم الله في أي مسألةٍ من المسائل التي يُطلَب فيها حكم الله، أما إذا اصطلحوا فيما بينهم في مسائل حقوقهم -كنزاعٍ في مالٍ بينهم- فهذا من حُكم الله، فلا بأس.

الصلح جائزٌ بين المسلمين، إلا صُلْحًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا، والمسلمون على شروطهم، إلا شرطًا حرَّم حلالًا، أو أحلَّ حرامًا[3]رواه الترمذي: 1352 واللفظ له، وابن ماجه: 2353، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3862..

فإن تنازعوا في أرضٍ واصطلحوا فيها، أو تنازعوا في مواريث واصطلحوا فيها، إلى غير ذلك، فهذا رجوعٌ إلى الله وإلى الرسول ؛ لأن الرسول جعل لهم الصلح والتراضي، فإذا تراضَوا، وكان النزاع بينهم على وجهٍ لا يُخالف الشرع المُطَهَّر، فلا بأس بذلك.

والمقصود من هذا كله: أنه لا بُدَّ من الرجوع إلى الأصل الذي وُضِعَ لهم عند النزاع وعند وجود البأس بينهم؛ لا بُدَّ أن يكون لهم أصلٌ يرجعون إليه، أصلٌ مُقَرٌّ شرعًا، وهو الرجوع إلى ما دلَّ عليه كتاب الله، أو ما دلَّت عليه السُّنَّة، أو ما أجمع عليه المسلمون[4]سمعتُ هذا الحديث وهذه الآيات وشروحها من سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز في أثناء تقريره على … Continue reading.

خطر الجهل وتَصَدُّر الجُهَّال للفتوى

وقد قال الله : وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ۝إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ [هود:118- 119]، وعلاج ذلك قول الله : فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

وثبت عن النبي من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه قال: سمعتُ رسول الله يقول: إنَّ الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقِ عالمًا اتَّخذ الناسُ رُؤوسًا جُهَّالًا، فسُئلوا فأفتَوا بغير علمٍ، فضلُّوا وأضلُّوا[5]رواه البخاري: 100 واللفظ له، ومسلم: 2673..

وهذا فيه تحذير الناس من اتخاذ الجَهَلة رُؤوسًا يُفتونهم بغير علمٍ ويُضِلُّونهم؛ لعدم استدلالهم بالأدلة الشرعية.

وسمعتُ سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز رحمه الله يقول في شرح هذا الحديث: "وهذا يحثُّ على العناية بالعلم، وأخذه من العلماء قبل ذهابهم؛ لأنَّ بذهابهم يذهب العلم".

وعلى هؤلاء الرؤوس الجُهَّال المذكورين ينطبق كلام الإمام الأوزاعي رحمه الله حيث قال: "إذا أراد الله أن يَحْرِمَ عبده بركة العلم ألقى على لسانه الأغاليط"[6]ينظر: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبدالبر: 2/ 1073..

وعلى هؤلاء -رؤوس الضلالة- أن يتقوا الله ولا يُضِلوا الناس، خاصةً العامة؛ فإنهم يحملون أوزارهم وأوزار الذين يُضِلُّونهم بغير علمٍ يوم القيامة؛ فقد قال الله تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [النحل:25]، وقال النبي : من دعا إلى هُدًى كان له من الأجر مِثْلُ أجور مَن تَبِعَه، لا يَنْقُصُ ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالةٍ كان عليه من الإثم مِثْلُ آثام مَن تَبِعَه، لا يَنْقُصُ ذلك من آثامهم شيئًا[7]رواه مسلم: 2674..

نسأل الله العفو والعافية.

وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

حُرِّرَ في 27/ 2/ 1437هـ.

^1 رواه البخاري: 7313.
^2 رواه مسلم: 2890، ولفظه: «سألت ربي ثلاثًا، فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي: أن لا يهلك أمتي بالسَّنَة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها».
^3 رواه الترمذي: 1352 واللفظ له، وابن ماجه: 2353، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3862.
^4 سمعتُ هذا الحديث وهذه الآيات وشروحها من سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن عبدالله بن باز في أثناء تقريره على "صحيح البخاري": 7313.
^5 رواه البخاري: 100 واللفظ له، ومسلم: 2673.
^6 ينظر: "جامع بيان العلم وفضله" لابن عبدالبر: 2/ 1073.
^7 رواه مسلم: 2674.