الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أما بعد:
فقد كُنَّا بالأمس القريب نستقبل رمضان بالبهجة والسرور، وقد أسرعت الأيام حتى ذهب أكثرُه، وقد أحسن أناسٌ في الأيام الماضية؛ فصاموا النهار، وقاموا الليل، وقرؤوا القرآن، وتَصَدَّقوا وأحسنوا، وتركوا المعاصي والسيئات؛ فلهم الأجر العظيم، والثواب الكبير، وعليهم المزيد في الباقي من أيام رمضان المبارك.
وقد أساء آخرون؛ فَأَخَلُّوا بالصيام، وتركوا القيام، وسَهِرُوا الليالي الطِّوال على قيل وقال، وإضاعة المال، ومَنْعٍ وهَاتِ، وهجروا القرآن، وبَخِلوا بأموالهم، لكن الله تعالى ذو الفضل العظيم والإحسان العميم يقبل التوبة، ويعفو عن السيئات لِمَن تاب وأناب.
وقد جعل سبحانه العشر الأواخر من رمضان فرصةً لِمَن أحسن في أول الشهر أن يزداد، ولِمَن أساء أن يستدرك ما فاته، ويغتنم هذه الأيام العشر في الطاعات وما يُقَرِّبه من الله تعالى.
خصائص العشر الأواخر من رمضان وفضائلها
العشر الأواخر لها خصائص وفضائل، منها:
أولًا: نزول القرآن في العشر الأواخر من رمضان في ليلة القدر، قال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ [القدر:1]، وقال : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ [الدخان:3].
وهذا من أعظم فضائل العشر: أنَّ الله أنزل هذا النور المُبين، فأخرج به من الظُّلمات إلى النور، ومن الجهل إلى نور العلم والإيمان.
وهذا القرآن العظيم شفاءٌ وهُدًى ورحمةٌ للمؤمنين، وموعظةٌ وشفاءٌ لما في الصدور: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].
ثانيًا: من خصائص هذه العشر الأواخر: ليلة القدر، والعبادة في هذه الليلة خيرٌ من العبادة في ألف شهرٍ، فالعبادة فيها خيرٌ وأفضل من العبادة في ثلاثٍ وثمانين سنةً وما يَقْرُب من أربعة أشهرٍ، وهذا فضلٌ عظيمٌ لِمَن وَفَّقه الله تعالى، قال : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ [القدر].
وليلة القدر لها فضائل كثيرةٌ؛ منها:
-
- الفضيلة الأولى: أنَّ الله أنزل فيها القرآن الذي به هداية العباد وسعادتهم في الدنيا والآخرة: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وقال : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ.
- الفضيلة الثانية: في هذه الليلة يُفْرَق كلُّ أمرٍ حكيمٍ، أي: يُفْصَل من اللوح المحفوظ ما هو كائنٌ في السنة من الأرزاق، والآجال، والخير والشَّر.
- الفضيلة الثالثة: ما يدل عليه الاستفهام من التَّفخيم والتَّعظيم لهذه الليلة في قوله سبحانه: وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ.
- الفضيلة الرابعة: أنَّ هذه الليلة مُباركةٌ: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ.
- الفضيلة الخامسة: أنَّ هذه الليلة خيرٌ من ألف شهرٍ.
- الفضيلة السادسة: تتنزَّل الملائكة فيها والرُّوح -وهو جبريل -؛ لكثرة بركتها، وهم لا ينزلون إلا بالخير والبركة.
- الفضيلة السابعة: أنَّ هذه الليلة سلامٌ حتى مَطْلَع الفجر؛ لكثرة السلامة فيها من العقاب والعذاب بما يقوم به العبد من طاعة الله .
- الفضيلة الثامنة: أنَّ مَن قامها إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه.
- الفضيلة التاسعة: أنَّ مَن أدركها واجتهد فيها ابتغاء مرضاة الله فقد أدرك الخير كله، ومَن حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، كما قال النبي : أتاكم رمضان شهرٌ مباركٌ، فَرَضَ الله عليكم صيامه، تُفْتَح فيه أبواب السماء، وتُغْلَق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، مَن حُرِمَ خيرها فقد حُرِمَ[1]رواه النسائي: 2106، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1992..
وعن أنسٍ قال: دخل رمضان، فقال رسول الله : إنَّ هذا الشهر قد حَضَرَكم، وفيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهرٍ، مَن حُرِمَها فقد حُرِمَ الخير كله، ولا يُحْرَمُ خيرَها إلا محرومٌ[2]رواه ابن ماجه: 1644، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000.. - الفضيلة العاشرة: أنَّ الله أنزل في فضلها سورةً كاملةً تُتْلَى إلى يوم القيامة: إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
ثالثًا: من خصائص هذه العشر: اجتهاد النبي في قيامها والأعمال الصالحة فيها اجتهادًا عظيمًا؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله إذا دخل العشرُ أَحْيَا الليل، وأَيْقَظَ أهله، وجَدَّ وشَدَّ المِئْزَرَ"[3]رواه البخاري: 2024، ومسلم: 1174 واللفظ له..
ومعنى "شَدَّ المِئْزَر" أي: شَمَّرَ واجتهد في العبادات، وقيل: كنايةٌ عن اعتزال النساء.
وعنها رضي الله عنها قالت: "كان رسول الله يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره"[4]رواه مسلم: 1175..
وهذا الإحياء شاملٌ لجميع أنواع العبادات من: صلاةٍ، وقرآنٍ، وذكرٍ، ودعاءٍ، وصدقةٍ، وغيرها.
ومما يدل على فضل العشر: إيقاظ الأهل للصلاة والذكر.
ومن الحرمان العظيم: أن ترى كثيرًا من الناس يُضَيِّعون الأوقات في الأسواق وغيرها ويسهرون، فإذا جاء وقت القيام ناموا، وهذه خسارةٌ عظيمةٌ.
فعلى المسلم الصادق أن يجتهد في هذه العشر المُباركة، فلعله لا يُدركها مرةً أخرى باختطاف هاذِم اللَّذات، ولعله يجتهد فَتُصيبه نفحةٌ من نفحات الله تعالى؛ فيكون سعيدًا في الدنيا والآخرة.
رابعًا: من خصائص هذه العشر: الاعتكاف فيها، وهو: لزوم المسجد لطاعة الله تعالى، وهو ثابتٌ بالكتاب والسُّنة؛ قال الله تعالى: وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ [البقرة:187].
وعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكف أزواجُه من بعده[5]رواه البخاري: 2026، ومسلم: 1172..
وعن أبي هريرة قال: "كان النبي يعتكف في كل رمضان عشرة أيامٍ، فلما كان العام الذي قُبِضَ فيه اعتكف عشرين يومًا"[6]رواه البخاري: 2044..
وفي لفظٍ: "كان يَعْرِضُ [7]يعني: جبريل . على النبي القرآن كل عامٍ مرةً، فَعَرَضَ عليه مرتين في العام الذي قُبِضَ، وكان يعتكف كل عامٍ عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الذي قُبِضَ"[8]رواه البخاري: 4998..
وذكر ابن حَجَرٍ رحمه الله أن المراد بالعشرين: العشر الأوسط والعشر الأخير[9]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 9/ 46.، ويدل على معناه حديث أبي سعيدٍ في "صحيح مسلم"[10]ومنه قوله : إني كنتُ أُجاور هذه العشر، ثم بَدَا لي أن أُجاوِرَ هذه العشر الأواخر، فمَن كان اعتكف معي … Continue reading.
وكان رسول الله يعتكف في العشر الأوسط من رمضان، فاعتكف عامًا، حتى إذا كان ليلة إحدى وعشرين قال : مَن كان اعتكف معي فَلْيَعْتَكِفِ العشر الأواخر، وقد أُرِيتُ هذه الليلة ثم أُنْسِيتُها ... فالتمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وِتْرٍ[11]رواه البخاري: 2027 واللفظ له، ومسلم: 1167..
وفي حديث أبي سعيدٍ : أن النبي اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال : إني اعتكفتُ العشر الأول أَلْتَمِسُ هذه الليلة، ثم اعتكفتُ العشر الأوسط، ثم أُتِيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمَن أَحَبَّ منكم أن يعتكف فَلْيَعْتَكِف، فاعتكف الناس معه، قال: وإني أُرِيتُها ليلة وِتْرٍ[12]رواه مسلم: 1167..
وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما قال: "كان النبي أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان؛ لأنَّ جبريل كان يلقاه في كل ليلةٍ في شهر رمضان حتى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عليه رسولُ الله القرآن، فإذا لَقِيَهُ جبريل كان أجود بالخير من الريح المُرْسَلة"[13]رواه البخاري: 4997 واللفظ له، ومسلم: 2308..
والمقصود بالاعتكاف: انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرَّغ لطاعة الله تعالى في مسجدٍ من مساجد الله؛ طلبًا لفضل ثواب الاعتكاف من الله تعالى، وطلبًا لإدراك ليلة القدر.
وله الخروج من مُعْتَكَفِه فيما لا بد منه؛ كقضاء الحاجة والأكل والشرب إذا لم يُمْكِن ذلك في المسجد.
الحثُّ على اغتنام العشر الأواخر
اغتنموا ما بقي من هذا الشهر الكريم، واجتهدوا في طاعة الله تعالى، وخُصُّوا هذه العشر المُباركة بمزيدٍ من الاجتهاد؛ طلبًا للثواب ومُضاعفة الأجر في هذه الليالي، وطلبًا لليلة القدر التي اختُصَّتْ بها العشر الأواخر من رمضان، كما قال النبي : إني أُرِيتُ ليلة القدر، ثم أُنْسِيتُها -أو نُسِّيتُها- فالتمسوها في العشر الأواخر في الوتر[14]رواه البخاري: 2016 واللفظ له، ومسلم: 1167..
وفي حديث عائشة رضي الله عنها، عن النبي أنه قال: تَحَرَّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان[15]رواه البخاري: 2020، ومسلم: 1169.، فليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان يقينًا لا شكَّ فيه، وهي في الأوتار أقرب؛ لحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن النبي قال: التمسوها في العشر الأواخر من رمضان؛ ليلة القدر في تاسعةٍ تبقى، في سابعةٍ تبقى، في خامسةٍ تبقى[16]رواه البخاري: 2021.، وفي لفظٍ: هي في العشر؛ هي في تسعٍ يَمْضِين، أو في سبعٍ يَبْقَيْن[17]رواه البخاري: 2022..
وقد تكون في الأشفاع؛ فإنه جاء في البخاري عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "التمسوا في أربعٍ وعشرين"[18]رواه البخاري: 2022..
وقد كان النبي يجتهد في هذه العشر ما لا يجتهد في غيرها، وكان الصحابة يجتهدون اجتهادًا عظيمًا.
قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أرأيتَ إن علمتُ أيَّ ليلةٍ ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال : قولي: اللهم إنك عفوٌّ تُحِبُّ العفو فَاعْفُ عَنِّي[19]رواه الترمذي: 3513، والنسائي في "السنن الكبرى": 10642، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3391..
فعلى العبد الصادق أن يجتهد في جميع ليالي العشر؛ ليحصل عليها يقينًا لا شكَّ فيه.
وقد أخفى الله ليلة القدر رحمةً بعباده؛ لأمورٍ، منها: زيادة حسناتهم إذا اجتهدوا في العبادة بأنواعها في هذه الليالي، واختبارًا لعباده؛ ليتبيَّن الصادق في طلبها من غيره، فإنَّ مَن حَرَصَ على شيءٍ جَدَّ في طلبه.
والله أسأل أن يُوَفِّق الجميع لكل ما يُحِبُّه ويرضاه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
حُرِّرَ في 20/ 9/ 1438هـ
| ^1 | رواه النسائي: 2106، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 1992. |
|---|---|
| ^2 | رواه ابن ماجه: 1644، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1000. |
| ^3 | رواه البخاري: 2024، ومسلم: 1174 واللفظ له. |
| ^4 | رواه مسلم: 1175. |
| ^5 | رواه البخاري: 2026، ومسلم: 1172. |
| ^6 | رواه البخاري: 2044. |
| ^7 | يعني: جبريل . |
| ^8 | رواه البخاري: 4998. |
| ^9 | ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 9/ 46. |
| ^10 | ومنه قوله : إني كنتُ أُجاور هذه العشر، ثم بَدَا لي أن أُجاوِرَ هذه العشر الأواخر، فمَن كان اعتكف معي فَلْيَبِتْ في مُعْتَكَفِه. رواه البخاري: 2018، ومسلم: 1167 واللفظ له. |
| ^11 | رواه البخاري: 2027 واللفظ له، ومسلم: 1167. |
| ^12 | رواه مسلم: 1167. |
| ^13 | رواه البخاري: 4997 واللفظ له، ومسلم: 2308. |
| ^14 | رواه البخاري: 2016 واللفظ له، ومسلم: 1167. |
| ^15 | رواه البخاري: 2020، ومسلم: 1169. |
| ^16 | رواه البخاري: 2021. |
| ^17, ^18 | رواه البخاري: 2022. |
| ^19 | رواه الترمذي: 3513، والنسائي في "السنن الكبرى": 10642، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3391. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط