تخطى إلى المحتوى

خطر المظاهرات على الدين والبلاد والعباد

خطر المظاهرات على الدين والبلاد والعباد - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهُداه.

أما بعد:

فإنَّ الدعوة إلى المظاهرات وتفريق المجتمع المسلم من المفاسد العظيمة، والمخالفات الظاهرة لدين الله ؛ لأنَّ المظاهرات من مبادئ أعداء الإسلام والمسلمين، وليس للمظاهرات أصلٌ في دين الله، ولم تحصل في عهد النبي ولا خلفائه الراشدين، ولا في القرون المفضلة، ولم يأمُر بها علماء الإسلام من الأئمة الأعلام، وليس لها أصلٌ في كتاب الله ولا سُنَّة رسوله .

وإنما تحصل المظاهرات في المجتمعات الكافرة، أو المجتمعات الجاهلية الضالَّة المُنحرفة، أو في المجتمعات الجاهلة التي لم تُوَفَّق للصواب؛ لجهلها، وبُعْدها عن كتاب الله وسُنَّة رسوله ، وعدم رجوعها إلى العلماء الربانيين الراسخين في علم الكتاب والسُّنَّة.

أضرار المظاهرات

والمظاهرات لها أخطارٌ عظيمةٌ وأضرارٌ جسيمةٌ؛ منها الأضرار والأخطار الآتية:

أولًا: المظاهرات دعوةٌ إلى تفريق المسلمين، وإلى مُحادَّة الله ورسوله ؛ فإنَّ الله قد أمر بالاجتماع، ونهى عن التفرُّق والاختلاف في الدِّين، وهذا أصلٌ من أصول الدِّين.

  • قال الله تعالى: وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103].
  • وقال : وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:105].
  • وقال سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ [الأنعام:159].

ثانيًا: الاجتماع أصلٌ من أصول الإسلام؛ ولهذا قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "من أعجب العجائب، وأكبر الآيات الدالات على قدرة الملك الغلَّاب: ستة أصولٍ، بيَّنها الله تعالى بيانًا واضحًا للعوام، فوق ما يظنُّه الظانُّون، ثم بعد هذا غَلِطَ فيها كثيرٌ من أذكياء العالم وعُقَلاء بني آدم، إلا أقل القليل"[1]ينظر: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية": 1/ 172.، ثم ذكر هذه الأصول؛ ومنها:

  • الأصل الأول: إخلاص الدِّين لله وحده لا شريك له، وبيان ضدِّه الذي هو الشرك بالله.
  • الأصل الثاني: أمر الله بالاجتماع في الدِّين، ونهى عن التفرُّق فيه.
  • الأصل الثالث: أنَّ مِن تمام الاجتماع: السمع والطاعة لمن تأمَّر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًّا.
    وقد أوصى النبي بذلك فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة وإن تأمَّر عليكم عبدٌ، وإنه مَن يَعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، عَضُّوا عليها بالنواجذ[2]النواجذ: أواخر الأسنان، وقيل: التي بعد الأنياب. وهو مَثَلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدِّين؛ لأنَّ العضَّ … Continue reading، وإياكم ومُحْدَثَاتِ الأمور؛ فإنَّ كل بدعةٍ ضلالةٌ[3]رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، والنسائي في "السنن الكبرى": 20364، وابن ماجه: 42، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.

ثالثًا: المظاهرات فيها دعوةٌ إلى الانحراف عن شرع الله بالخروج على ولي أمر المسلمين، وقد قال النبي : مَن خَرَجَ من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات مِيتةً جاهليةً[4]رواه مسلم: 1848.، وقال عليه الصلاة والسلام: مَن خَلَعَ يدًا من طاعةٍ لَقِيَ اللهَ يوم القيامة لا حُجَّةَ له، ومَن مات وليس في عُنُقِه بَيْعَةٌ مات مِيتةً جاهليةً[5]رواه مسلم: 1851.
ومات مِيتةً جاهليةً أي: على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم. ينظر: "المنهاج" للنووي: 12/ 238.
.

رابعًا: المظاهرات تُسَبِّبُ قَتْل الأنفس المعصومة المحرَّمة، وتُوجب لمن فعل ذلك الخسران والهلاك.

  • قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93].
  • وقال النبي : لَزَوال الدنيا أهون عند الله مِن قَتْل رجلٍ مسلمٍ[6]رواه الترمذي: 1395، والنسائي: 3987، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5077..
  • وقال عليه الصلاة والسلام: كلُّ ذنبٍ عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يَقْتُلُ مؤمنًا متعمدًا[7]رواه النسائي: 3984، وأحمد: 16907، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2445..

خامسًا: المظاهرات تُسَبِّبُ إراقة الدماء المعصومة، وانتهاك المحرَّمات التي حرَّم الله .

  • قال النبي : لن يَزَالَ المؤمنُ في فُسْحَةٍ من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا[8]رواه البخاري: 6862..
  • وقال عبدالله بن عُمَرَ رضي الله عنهما: "إنَّ مِن وَرْطات الأمور التي لا مَخْرَجَ لمن أوقع نفسه فيها: سَفْكَ الدم الحرام بغير حِلِّه"[9]رواه البخاري: 6863. والورطة: الهُوَّة العميقة في الأرض، ثم استُعِير للناس إذا وقعوا في بَلِيَّةٍ يَعْسُرُ … Continue reading.

سادسًا: المظاهرات تُسَبِّبُ اختلال الأمن، وانتهاك الأعراض، واغتصاب النساء، واختلاط الأنساب.

سابعًا: المظاهرات يخرج بسببها الخمَّارون والسُّرَّاق والقَتَلة والمفسدون من السجون، فينتهكون أعراض المسلمين، وينتهبون أموالهم وممتلكاتهم، ويُفسدون الحرث والنَّسل، والله لا يحب الفساد.

ثامنًا: المظاهرات يحصل بسببها اختلال أمن الطرق، واعتداء قُطَّاع الطرق، ونهبهم للأموال، وقتل الأنفس، واستباحة المحرمات، والوقوع في الفواحش والمنكرات.

تاسعًا: المظاهرات تحصل بها الفوضى، وتخرج العصابات المجرمة لاختلاس الأموال والممتلكات.

عاشرًا: المظاهرات يحصل بها تدمير المساكن، وإهلاك المتاجر، وتشريد المواطنين.

الحادي عشر: يكفي في فساد المظاهرات وقُبْحها ما حلَّ لمن حولنا ممن استحلُّوا المظاهرات والخروج على الحكام؛ فلا أعرف أحدًا رَبِحَ منها، بل خسروا الأهل والمال والمساكن والأوطان، وشُرِّدُوا من بلادهم، واستُحِلَّت أعراضهم، ويُتِّمَ أطفالهم، واختلَّ أمنهم، ورُمِّلَت نساؤهم، ودُمِّرَت الممتلكات بسبب المظاهرات القبيحة.

طريق النجاة والسلامة من خطر المظاهرات

وطريق النجاة والسلامة على النحو الآتي:

  • سؤال الله العفو والعافية والسلامة والتوفيق والهداية لجميع المسلمين.
  • الاعتصام بالكتاب والسُّنَّة، وسؤال الله الثبات.
  • طاعة وُلاة الأمر بالمعروف، قال الإمام ابن رجبٍ رحمه الله: "وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، ففيها سعادة الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم"[10]ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: 2/ 117..
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "فطاعة الله ورسوله واجبةٌ على كل أحدٍ، وطاعة وُلاة الأمور واجبةٌ؛ لأمر الله بطاعتهم. فمَن أطاع الله ورسوله بطاعة وُلاة الأمر لله فأجرُه على الله، ومَن كان لا يُطيعهم إلا لِما يأخذه من الولاية والمال، فإن أعطَوه أطاعهم، وإن منعوه عصاهم؛ فما له في الآخرة من خَلَاقٍ"[11]ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 35/ 16- 17..
  • الالتفاف حول علماء أهل السُّنَّة الراسخين في علم الكتاب والسُّنَّة، قال الله تعالى: فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [النحل:43].
  • العلم بأنَّ مَن يُعادي المملكة العربية السعودية -بلاد الحرمين الشريفين- فإنما يدعو إلى إلغاء الأحكام الشرعية التي تحكم بها المملكة من كتاب الله وسنة رسوله ، ويدعو إلى الحرية المحرَّمة، ويدعو إلى الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ويدعو إلى الإلحاد في الحرمين الشريفين، وإلى تخريبهما وصدِّ الناس عنهما -والعياذ بالله تعالى-، ويدعو إلى نَبْذ التوحيد وعلوم الشريعة، ويدعو إلى الإفساد في الأرض.
    فإنَّ المملكة العربية السعودية -من عهد مؤسسها الملك عبدالعزيز، إلى عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله- حُكْمُها قائمٌ على الكتاب والسُّنَّة، وتدريس التوحيد والفقه وأحكام الشريعة الإسلامية في الجامعات والمدارس، وتحمي الحرمين الشريفين، وتقوم بتوسعتهما والعناية بهما عنايةً فائقةً، وتُعِين الدُّعاة إلى التوحيد في كل مكانٍ، حتى خارج الدول الإسلامية في جميع أقطار الأرض، وتبني المساجد في جميع الدول، وتطبع المصحف الشريف ويُوَزَّع في جميع أقطار الدنيا، وتطبع كتب الحديث والفقه وتُوَزَّع على طلاب العلم في الداخل والخارج، وتقوم بخدمة الحُجَّاج والمعتمرين والزائرين، وتصرف على ذلك (المليارات) من الأموال، وتُعِين الدول الإسلامية المحتاجة بالأموال الطائلة؛ فتبيَّن أن مَن يُعادي المملكة العربية السعودية فإنما يُعادي دين الله، ويكون بهذا عدوًّا لله ولرسوله ودين الإسلام.
    وَلْيَعْلَمْ كلُّ عاقلٍ أنَّ له في المملكة العربية السعودية بيتين: البيت الكبير الأول هو وطنه وبلاده، والبيت الصغير الثاني هو بيته الذي فيه أبوه وأمه وزوجته وبناته وأبناؤه؛ فإذا حافظ على أمن بيته الكبير سَلِمَ له بيتُه الصغير، وحصل الأمن فيه على أولاده وأسرته، وإذا أضاع بيته الكبير واختلَّ الأمن فيه اختلَّ الأمن في بيته الصغير، وشُرِّدَ أولاده، وحصل فيه الخوف والرعب؛ فَلْيُحَافِظْ على أمن بيته الكبير -وهو وطنه- حتى يحصل له الأمن في بيته الصغير -وهو مسكنه-.
    من كان له حقٌّ من الحقوق، فعليه أن يُراجع المحاكم الشرعية التي أقامها ولي الأمر، أو ديوان المظالم، وسوف يجد حقَّه حتى من الدولة -إن كان له حقٌّ- إن شاء الله تعالى.

واللهَ أسأل التوفيق والسداد لنا ولولاة أمرنا وجميع وُلاة أمر المسلمين، وأن يُديم علينا أمننا وأماننا، ويحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل مكروهٍ.

وصلى الله وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

حُرِّرَ في: 24/ 12/ 1438هـ، الموافق: 15/ 9/ 2017م

^1 ينظر: "الدرر السنية في الأجوبة النجدية": 1/ 172.
^2 النواجذ: أواخر الأسنان، وقيل: التي بعد الأنياب. وهو مَثَلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدِّين؛ لأنَّ العضَّ بالنواجذ عضٌّ بجميع الفم والأسنان. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 252.
^3 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، والنسائي في "السنن الكبرى": 20364، وابن ماجه: 42، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37.
^4 رواه مسلم: 1848.
^5 رواه مسلم: 1851.
ومات مِيتةً جاهليةً أي: على صفة موتهم من حيث هم فوضى لا إمام لهم. ينظر: "المنهاج" للنووي: 12/ 238.
^6 رواه الترمذي: 1395، والنسائي: 3987، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5077.
^7 رواه النسائي: 3984، وأحمد: 16907، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2445.
^8 رواه البخاري: 6862.
^9 رواه البخاري: 6863.
والورطة: الهُوَّة العميقة في الأرض، ثم استُعِير للناس إذا وقعوا في بَلِيَّةٍ يَعْسُرُ المَخْرَج منها. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 5/ 174.
^10 ينظر: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب: 2/ 117.
^11 ينظر: "مجموع الفتاوى" لابن تيمية: 35/ 16- 17.