تخطى إلى المحتوى

فضل صيام يوم عاشوراء

فضل صيام يوم عاشوراء - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بِهُدَاه.

أما بعد:

مشروعية صيام عاشوراء

إنَّ يوم عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المُحَرَّم، وصيامه سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، ويُكَفِّر ذنوب السنة التي قبله.

وقد صامه النبي في الجاهلية والإسلام، وحَثَّ على صيامه ورَغَّب فيه، وصامه قبله موسى شكرًا لله تعالى على أن نَجَّاه وقومه فيه من الغرق، وأغرق عدوَّه فرعون وقومه.

والسُّنة أن يُصام اليوم التاسع مع العاشر، فإن لم يَصُم التاسع صام معه الحادي عشر، وإن صام معه يومًا قبله ويومًا بعده كان أكمل وأفضل وأعظم في الأجر.

وعاشوراء في هذا العام (1439هـ) يُوافق يوم السبت، ويوم الجمعة هو اليوم التاسع الذي قال النبي فيه: لَئِنْ بقيتُ إلى قابلٍ لَأَصُومَنَّ التاسع[1]رواه مسلم: 1134.، يعني: مع العاشر.

وقد ثبت عن النبي  في فضل صيامه أحاديث كثيرةٌ؛ منها الأحاديث الآتية:

  • حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كانت قريشٌ تصوم عاشوراء في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه، فلمَّا هاجر إلى المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فُرِضَ شهر رمضان قال: مَن شاء صامه، ومَن شاء تَرَكَه[2]رواه البخاري: 2002، ومسلم: 1125 واللفظ له..
  • حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأن رسول الله صامه والمسلمون قبل أن يُفْتَرَضَ رمضان، فلما افتُرِضَ رمضان قال رسول الله : إنَّ عاشوراء يومٌ من أيام الله، فمَن شاء صامه، ومَن شاء تَرَكَه[3]رواه البخاري: 4501، ومسلم: 1126 واللفظ له..
  • حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، وقد خطب الناسَ في المدينة في قَدْمَةٍ قَدِمَها في العام الذي حجَّ فيه، فقال على المنبر: يا أهل المدينة، أين علماؤكم؟ سمعتُ رسول الله يقول: هذا يوم عاشوراء، ولم يُكْتَب عليكم صيامه، وأنا صائمٌ، فمَن شاء فَلْيَصُمْ، ومَن شاء فَلْيُفْطِرْ[4]رواه البخاري: 2003 واللفظ له، ومسلم: 1129..
  • حديث عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما قال: قَدِمَ النبي المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ صالحٌ؛ أَنْجَى الله فيه موسى وقومه، وغَرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا لله، فنحن نصومه. فقال رسول الله : فنحن أحقُّ وأولى بموسى منكم، فصامه وأمر بصيامه[5]رواه البخاري: 2004 و3397، ومسلم: 1130..
  • حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أيضًا، قال: "ما رأيتُ النبي يتحرَّى صيام يومٍ فَضَّلَه على غيره إلا هذا اليوم؛ يوم عاشوراء، وهذا الشهر"، يعني: شهر رمضان[6]رواه البخاري: 2006 واللفظ له، ومسلم: 1132..
  • حديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما أيضًا، قال: حين صام رسول الله يوم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يومٌ تُعَظِّمُه اليهود والنصارى. فقال رسول الله : فإذا كان العام المُقْبِل -إن شاء الله- صُمْنَا اليوم التاسع، فلم يَأْتِ العام المُقْبِل حتى تُوفِّي رسول الله .
    وفي روايةٍ: لَئِنْ بقيتُ إلى قابلٍ لَأَصُومَنَّ التاسع[7]رواه مسلم: 1134.، يعني: مع العاشر، ويُفَسِّره قول ابن عباسٍ رضي الله عنهما الآتي.
  • ما ثبت من قول ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه كان يقول: "صوموا التاسع والعاشر، وخالفوا اليهود"[8]رواه عبدالرزاق: 8086، والبيهقي في "السنن الكبرى": 8478 واللفظ له، وصححه الألباني في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة": 2095..
  • حديث أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء يومًا تُعَظِّمُه اليهود وتتخذه عيدًا، فقال رسول الله : صوموه أنتم[9]رواه البخاري: 2005، ومسلم: 1131 واللفظ له..
  • حديث أبي قتادة ، وفيه أن النبي قال: وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يُكَفِّر السنة التي قبله[10]رواه مسلم: 1162..

قال الإمام النووي رحمه الله: "والحاصل من مجموع الأحاديث: أن يوم عاشوراء كانت الجاهلية من كفار قريشٍ وغيرهم واليهود يصومونه، وجاء الإسلام بصيامه مُتأكِّدًا، ثم بقي صومُه أخفَّ من ذلك التَّأكُّد، والله أعلم".

وقال: "وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو اليوم العاشر من المُحرَّم".

وقال: "قال الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق وآخرون: يُسْتَحَبُّ صوم التاسع والعاشر جميعًا؛ لأن النبي صام العاشر ونوى صيام التاسع"[11]ينظر: "شرح النووي على صحيح مسلم": 8/ 9- 12، وقال في 8/ 14: "لم يكن واجبًا عند الجمهور -كما سبق في أول الباب- وإنما كان … Continue reading.

وسمعتُ شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: "ثم لما قَدِمَ المدينة صامه وأمر بصيامه، فكان صيامه واجبًا، فلما فُرِضَ رمضان قال : مَن شاء صام، ومَن شاء أفطر[12]رواه البخاري: 4502 واللفظ له، ومسلم: 1125.، فكان سُنَّةً، والأفضل أن يصوم قبله يومًا أو بعده يومًا، أو يصوم يومًا قبله ويومًا بعده"[13]سمعتُه في أثناء تقريره على حديثين في "صحيح البخاري" برقم: 2000- 2007..

مراتب صوم يوم عاشوراء

مراتب صوم يوم عاشوراء ثلاثةٌ:

  • أولًا: أكملها: أن يُصَامَ قبله يومٌ وبعده يومٌ.
  • ثانيًا: أن يُصَامَ التاسع والعاشر، وعليه أكثر الأحاديث.
  • ثالثًا: إفراد العاشر وحده بالصوم[14]ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 2/ 72..

وسمعتُ شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يقول: "الظاهر أن صيام يوم عاشوراء وحده يُكْرَه، فالسُّنَّة أن يصوم يومًا قبله أو بعده، والأفضل لِمَن لم يَصُمْ قبله أو بعده ألا يصومه؛ حتى لا يُوافق اليهود"[15]سمعتُه في أثناء تقريره على حديثين في "صحيح البخاري" برقم: 2000- 2007..

وقال رحمه الله أيضًا: "أما صومه وحده فَيُكْرَه"[16]ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 15/ 404..

وإذا عَمِلَ المسلم بالمرتبة الأولى -وهي صيام ثلاثة أيامٍ: اليوم التاسع والعاشر والحادي عشر- حصل على فوائد؛ منها:

  • أولًا: أدرك صيام يوم عاشوراء يقينًا لا شكَّ فيه؛ لأن شهر ذي الحجَّة قد يكون تسعةً وعشرين، وقد يكون ثلاثين، فإذا لم يُرَ الهلال فقد عَمِلَ باليقين، فحينئذٍ يحصل بصيام الثلاثة الأيام على إدراك يوم عاشوراء الذي يُكَفِّر الله به ذنوب سنةٍ ماضيةٍ.
  • ثانيًا: حصل على فضل صيام ثلاثة أيامٍ من الشهر، فَيُكْتَب له صيام شهرٍ كاملٍ؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها.
  • ثالثًا: صام ثلاثة أيامٍ من شهر الله المُحَرَّم الذي قال فيه النبي : أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المُحَرَّم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل[17]رواه مسلم: 1163..
  • رابعًا: خالف اليهود في صيامهم، فلم يُفْرِد عاشوراء بالصيام، بل صام معه غيره.

والله أسأل التوفيق والإعانة والتَّسديد والقبول لي ولجميع المسلمين، وأن يُوَفِّق الجميع لكل ما يُحِبُّه ويرضاه.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.

حُرِّرَ في يوم الخميس 8/ 1/ 1439هـ

^1, ^7 رواه مسلم: 1134.
^2 رواه البخاري: 2002، ومسلم: 1125 واللفظ له.
^3 رواه البخاري: 4501، ومسلم: 1126 واللفظ له.
^4 رواه البخاري: 2003 واللفظ له، ومسلم: 1129.
^5 رواه البخاري: 2004 و3397، ومسلم: 1130.
^6 رواه البخاري: 2006 واللفظ له، ومسلم: 1132.
^8 رواه عبدالرزاق: 8086، والبيهقي في "السنن الكبرى": 8478 واللفظ له، وصححه الألباني في تعليقه على "صحيح ابن خزيمة": 2095.
^9 رواه البخاري: 2005، ومسلم: 1131 واللفظ له.
^10 رواه مسلم: 1162.
^11 ينظر: "شرح النووي على صحيح مسلم": 8/ 9- 12، وقال في 8/ 14: "لم يكن واجبًا عند الجمهور -كما سبق في أول الباب- وإنما كان سُنةً مُتأكِّدةً".
^12 رواه البخاري: 4502 واللفظ له، ومسلم: 1125.
^13, ^15 سمعتُه في أثناء تقريره على حديثين في "صحيح البخاري" برقم: 2000- 2007.
^14 ينظر: "زاد المعاد" لابن القيم: 2/ 72.
^16 ينظر: "مجموع فتاوى ومقالات متنوعة" لابن باز: 15/ 404.
^17 رواه مسلم: 1163.