جدول المحتويات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول اللَّه، وعلى آله وأصحابه ومن والاه.
أما بعد:
أضرار المعاصي على القلوب
فإن المعاصي لها أضرارٌ على القلوب، إذا تمكنت منها أمرضتها، أو أهلكتها، أو أفسدتها، وهي على النحو الآتي:
ضررها كضرر السموم على الأبدان
- ضرر المعاصي على القلب كضرر السموم على الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر، وهل في الدنيا والآخرة شرٌّ وداءٌ إلا سببه الذنوب والمعاصي؟[1]الجواب الكافي: ص84..
حرمان العلم
- حرمان العلم؛ فإن العلم نورٌ يقذفه الله في القلب، والمعصية تُطفئ ذلك النور، وتُعمي بصيرة القلب، وتسدُّ طرق العلم، وتحجب موارد الهداية، قال الله : فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج:46]، ولما جلس الشافعي بين يدي مالك، وقرأ عليه أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقُّد ذكائه، وكمال فهمه، فقال: "إني أرى الله قد ألقى على قلبك نورًا؛ فلا تطفئه بظلمة المعصية"[2]الجواب الكافي: ص104، 148، 173، 212.، وقال الشافعي رحمه الله:
| شكوتُ إلى وكيعٍ سُوءَ حِفظي | فأرشدني إلى ترك المعاصي |
| وأخبرني بأن العلم نورٌ | ونورُ الله لا يُهدَى لعاصي[3]ديوان الشافعي: ص88، وانظر الجواب الكافي: ص104. |
الوحشة في القلب بأنواعها
- الوحشة في القلب بأنواعها: وحشة بين العاصي وبين ربه، وبينه وبين نفسه، وبينه وبين الخلق، وكلَّما كثرت الذنوب اشتدَّت الوحشة.
الظلمة في القلب
- الظلمة في القلب؛ فإن العاصي يجد ظلمةً في قلبه حقيقة، يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسِّية لبصره؛ فإن الطاعة نورٌ، والمعصية ظلمةٌ، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر، وتقوى هذه الظلمة حتى تظهر في العين، ثم تقوى حتى تعلو الوجه وتصير سوادًا فيه يراه كل أحد[4]انظر الجواب الكافي: ص105-106.، قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: "إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونورًا في القلب، وسعةً في الرزق، وقوةً في البدن، ومحبةً في قلوب الخلق، وإن للسيئة سوادًا في الوجه، وظلمةً في القلب، ووهنًا في البدن، ونقصًا في الرزق، وبغضةً في قلوب الخلق"[5]الجواب الكافي: ص106..
تُوهن القلب وتُضعفه
- تُوهن القلب وتُضعفه، أما وهن القلب؛ فإن المعاصي لا تزال تُوهنه حتى تُزيل حياته بالكلية[6]انظر الجواب الكافي: لابن القيم، ص106..
وأما ضعف القلب؛ فإن المعاصي تُضعفه من عدَّة وجوه، هي:- الوجه الأول: تُضعف في القلب تعظيم الربِّ ، وتُضعف وقاره في قلب العبد ولا بدَّ شاء أم أبى.
- الوجه الثاني: تُضعف المعصية إرادة الخير في قلب العبد، وتُقوِّي إرادة المعصية؛ فتُضعف في قلبه إرادة التوبة شيئًا فشيئًا إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية.
- الوجه الثالث: تضعف سير القلب إلى الله والدار الآخرة، أو تعوقه، أو توقفه وتقطعه عن السير، فالذنب إما أن يُميت القلب، أو يُمرضه مرضًا مُخوِّفًا، أو يُضعف قوته ولا بد.
تحجب القلب عن الربّ في الدنيا
- تحجب القلب عن الربِّ في الدنيا، والحجاب الأكبر يوم القيامة، كما قال الله : كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ [المطففين:14-15]، فكانت الذنوب حجابًا بينهم وبين قلوبهم، وحجابًا بينهم وبين ربهم وخالقهم[7]انظر الجواب الكافي: ص215..
- يألف المعصية؛ فينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادةً، وخلقًا يتصف به.
- هوان المعاصي على المُصرِّين عليها، فلا يزال العبد يرتكب المعاصي حتى تهون عليه، وتصغر في قلبه وعينه، وذلك علامة الهلاك؛ لأن الذنب كلما صغر في قلب العبد وعينه عَظُم عند اللَّه تعالى.
تُورث الذلَّ
- تورث الذلَّ؛ فإنَّ العزَّ كلَّ العزِّ في طاعة الله ، والذلَّ كلَّ الذلِّ في معصية الله ، قال الله : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا [فاطر:10]، وقال : وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ [المنافقون:8].
- تُفسد العقل وتُؤثر فيه؛ فإن للعقل نورًا، والمعصية تُطفئ نور العقل.
- تطبع على القلب، فإذا تكاثرت طبعت على قلب صاحبها؛ فكان من الغافلين.
الذنوب تطفئ غيرة القلب
- الذنوب تطفئ غيرة القلب؛ فإنَّ أشرف الناس وأعلاهم همّةً أشدُّهم غيرةً على نفسه وخاصته وعموم الناس؛ ولهذا كان النبي أغير الخلق على الأمَّة، والله أشد غيرةً منه؛ ولهذا قال : أتعجبون من غيرة سعد؟ فوالله، لأنا أغير منه، والله أغير مني، من أجل غيرة الله حرَّم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، ولا شخص أغير من الله، ولا شخص أحبُّ إليه العذر من الله؛ ومن أجل ذلك بعث الله المرسلين مُبشِّرين ومُنذِرين، ولا شخص أحب إليه المدحة من الله؛ ومن أجل ذلك وعد الله الجنة[8]رواه البخاري: 7416، ومسلم: 1499..
وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله قال: يا أُمة محمدٍ، ما أحد أغير من الله أن يرى عبده أو أمته يزني، يا أُمة محمدٍ، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا[9]رواه البخاري: 5221، ومسلم: 901.، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله : إن الله يغار، وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرَّم عليه[10]رواه البخاري: 5223، ومسلم: 2761..
وعن جابر بن عتيك مرفوعًا: إن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، ومن الخيلاء ما يحب الله، ومنها ما يُبغض الله، فأما الغيرة التي يحب الله فالغيرة في ريبة، وأما التي يُبغض الله فالغيرة في غير الريبة، والاختيال الذي يحب الله اختيال الرجل بنفسه عند القتال وعند الصدقة، والاختيال الذي يبغض الله الخيلاء في الباطل[11]رواه أبو داود: 2659، والنسائي: 2558، وأحمد: 23747، وحسنه الألباني في "الإرواء": 1999. .
والمقصود بالغيرة في الريبة: الغيرة في مواضع التهمة والتردد؛ فتظهر فائدتها، وهي الرهبة والانزجار، وإن كانت الغيرة بدون ريبة فإنها تورث البغض والفتن[12]انظر حاشية السندي على سنن النسائي: 5/ 79..
والاختيال في الصدقة: أن يكون سخيًّا؛ فيعطي طيبة بها نفسه؛ فلا يستكثر كثيرًا، ولا يعطي منها شيئًا إلا وهو مستقل.
وأما الحرب: فأن يتقدم فيها بنشاطٍ وقوةٍ وعدم جبن[13]انظر شرح السيوطي على سنن النسائي: 5/ 79..
تُذهب الحياء من القلب
- الذنوب تُذهب الحياء من القلب، وهو أصل كل خيرٍ، وذهابه ذهاب الخير كله؛ فعن عمران بن حصين قال: قال رسول الله : «الحياءُ خيرٌ كله، أو قال: الحياءُ كله خير[14]رواه مسلم: 37.، وعنه عن النبي أنه قال: الحياء لا يأتي إلا بخير[15]رواه البخاري: 6117، ومسلم: 37..
- المعاصي تلقي الخوف والرعب في القلوب؛ فلا ترى العاصي دائمًا إلا خائفًا.
- تُمْرِضُ القلب، وتَصْرِفُهُ عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، وتأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، بل الذنوب أمراض القلوب، ولا دواء لها إلا تركها.
- المعاصي تُصغِّر النفوس، وتقمعها، وتدسِّيها، وتحقِّرها حتى تصير أصغر شيءٍ وأحقره، كما أن الطاعة تنميها وتزكيها.
- خسف القلب ومسخه، وعلامة خسف القلب أنه لا يزال جوَّالًا حول السفليات، والقاذورات، والرذائل، كما أن القلب الذي رفعه اللَّه، وقرَّبه إليه لا يزال جوَّالًا حول العرش.
وأما مسخ القلب، فإن من القلوب ما يمسخ بسبب المعاصي كما تمسخ الصورة؛ فيصير القلب على قلب الحيوان الذي شابهه في أخلاقه، وأعماله، وطبيعته.
فمن القلوب ما يمسخ على قلب خنزير؛ لشدة شبه صاحبه به، ومنها ما يمسخ على قلب كلبٍ أو حمارٍ أو حيةٍ أو عقربٍ، ومن الناس من يكون على أخلاق السباع العادية، ومنهم من يتطوَّس في ثيابه كما يتطوَّس الطاووس في ريشه، ومنهم من يكون بليدًا كالحمار، وغير ذلك.
- المعاصي تُنكِّس القلب حتى يرى الباطل حقًّا والحق باطلًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
- تُضَيِّق الصدر، فالذي يقع في الجرائم، ويُعرض عن طاعة الله يضيق صدره بحسب إعراضه؛ قال الله : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام:125].
وأضرار المعاصي كثيرةٌ مُتشَعِّبةٌ، وسيأتي الحديث على ذلك في المقال الثالث، وصلى اللَّه وسلَّم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | الجواب الكافي: ص84. |
|---|---|
| ^2 | الجواب الكافي: ص104، 148، 173، 212. |
| ^3 | ديوان الشافعي: ص88، وانظر الجواب الكافي: ص104. |
| ^4 | انظر الجواب الكافي: ص105-106. |
| ^5 | الجواب الكافي: ص106. |
| ^6 | انظر الجواب الكافي: لابن القيم، ص106. |
| ^7 | انظر الجواب الكافي: ص215. |
| ^8 | رواه البخاري: 7416، ومسلم: 1499. |
| ^9 | رواه البخاري: 5221، ومسلم: 901. |
| ^10 | رواه البخاري: 5223، ومسلم: 2761. |
| ^11 | رواه أبو داود: 2659، والنسائي: 2558، وأحمد: 23747، وحسنه الألباني في "الإرواء": 1999. |
| ^12 | انظر حاشية السندي على سنن النسائي: 5/ 79. |
| ^13 | انظر شرح السيوطي على سنن النسائي: 5/ 79. |
| ^14 | رواه مسلم: 37. |
| ^15 | رواه البخاري: 6117، ومسلم: 37. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط