جدول المحتويات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن وَالَاه.
أما بعد:
فإنَّ للمعاصي آثارًا خطيرةً وأضرارًا جسيمةً على الأرزاق، وهي على النحو الآتي:
المعاصي تَحْرِم الرزق
- لا شكَّ أنَّ الرجل قد يُحْرَم الرزق بالذنب؛ لحديث ثوبان قال: قال رسول الله : إن الرجل لَيُحْرَم الرزق بالذنب يُصيبه، ولا يَرُدُّ القَدَر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البِرُّ[1]رواه ابن ماجه: 4022، وأحمد: 22386 واللفظ له.، كما أنَّ تقوى الله مَجْلَبَةٌ للرزق، كما قال سبحانه: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق:2- 3].
المعاصي تُزِيل النِّعَم، وتُحِلُّ النِّقَم
- ما زالت عن العبد نعمةٌ إلا بذنبٍ، ولا حَلَّتْ به نقمةٌ إلا بذنبٍ، كما ذُكِرَ عن علي بن أبي طالبٍ أنه قال: "ما نَزَلَ بلاءٌ إلا بذنبٍ، ولا رُفِعَ بلاءٌ إلا بتوبةٍ"[2]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص179.، قال الله : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]، وقال : ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ [الأنفال:53]، فلا يُغَيِّر الله تعالى نعمته التي أنعم بها على أحدٍ حتى يكون هو الذي يُغَيِّر ما بنفسه؛ فَيُغَيِّر طاعة الله بمعصيته، وشُكْره بِكُفْره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيَّرَ غُيِّرَ عليه؛ جزاءً وفاقًا: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت:46]، فإن غَيَّر المعصية بالطاعة غَيَّر الله عليه العقوبة بالعافية، والذُّلَّ بالعِزِّ، قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد:11].
ولقد أحسن القائل:إذا كنتَ في نعمةٍ فَارْعَها فإنَّ المعاصي تُزِيلُ النِّعَم وَحُطْهَا بطاعة ربِّ العباد فَرَبُّ العباد سريع النِّقَم[3]البيتان لأبي العتاهية. ينظر: "الدر الفريد" لمحمد بن أيدمر: 2/ 395.
المعاصي تُزِيل البركة في المال وقد تُتْلِفُه
- من ذلك: أنَّ مَن كَذَبَ في بيعه وشرائه، وكَتَمَ العيوب في السلعة؛ عُوقِبَ بِمَحْقِ البركة، فعن حكيم بن حِزَامٍ ، عن النبي قال: البَيِّعَان[4]هما البائع والمشتري، وكل واحدٍ منهما بَيِّع وبائع. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 3/ 150. بالخيار ما لم يَتَفَرَّقَا -أو قال: حتى يَتَفَرَّقا- فَإِنْ صَدَقَا وبَيَّنَا بُورِكَ لهما في بيعهما، وإنْ كَتَمَا وكَذَبَا مُحِقَتْ بركةُ بيعهما[5]رواه البخاري: 2079 واللفظ له، ومسلم: 1532..
وعن أبي هريرة ، عن النبي قال: مَن أَخَذَ أموال الناس يُريد أداءها أدَّى الله عنه، ومَن أَخَذَ يُريد إتلافها أَتْلَفَه الله[6]رواه البخاري: 2387.، والمعنى: أنَّ مَن أَخَذَ أموال الناس يُريد أداءها فإنَّ الله يفتح عليه في الدنيا؛ فَيُيَسِّر له أداءها، أو يتكفَّل الله بها عنه يوم القيامة، ومَن أَخَذَها يُريد إتلافها وَقَعَ له الإتلاف في معاشه وماله، وقيل: المراد بذلك عذاب الآخرة[7]ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 5/ 54..
والمعاصي أضرارها وأخطارها متنوعةٌ، وسيأتي إتمام ذلك -إن شاء الله- في المقال السادس.
وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه ابن ماجه: 4022، وأحمد: 22386 واللفظ له. |
|---|---|
| ^2 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص179. |
| ^3 | البيتان لأبي العتاهية. ينظر: "الدر الفريد" لمحمد بن أيدمر: 2/ 395. |
| ^4 | هما البائع والمشتري، وكل واحدٍ منهما بَيِّع وبائع. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 3/ 150. |
| ^5 | رواه البخاري: 2079 واللفظ له، ومسلم: 1532. |
| ^6 | رواه البخاري: 2387. |
| ^7 | ينظر: "فتح الباري" لابن حجر: 5/ 54. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط