تخطى إلى المحتوى

أضرار المعاصي وآثارها المُدَمِّرة على المجتمع

أضرار المعاصي وآثارها المُدَمِّرة على المجتمع - Image 1

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن وَالَاه.

أما بعد:

إنَّ المعاصي لها آثارٌ وأضرارٌ مُهْلِكَةٌ على المجتمع، وهي على النحو الآتي:

إهلاك الأُمم بسبب المعاصي

  • لا شكَّ أنَّ جميع الأضرار في الدنيا والآخرة تحصل بسبب المعاصي؛ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة -دار اللذة والنَّعيم والبهجة والسرور- إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟
    وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء، وطَرَدَه ولَعَنَه ومَسَخَ ظاهره وباطنه، فجعل صورته أقبح صورةٍ وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبُدِّلَ بالقُرْب بُعْدًا، وبالرحمة لعنةً، وبالجمال قُبْحًا، وبالجنة نارًا تَلَظَّى، وبالإيمان كُفْرًا؟
    وما الذي أغرق أهل الأرض كلَّهم حتى علا الماءُ فوق رؤوس الجبال؟
    وما الذي سلَّط الريح على قوم عادٍ حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نَخْلٍ خاويةٍ، ودمَّرتْ ما مَرَّتْ عليه من ديارهم وحُرُوثهم وزُرُوعهم ودوابِّهم حتى صاروا عِبْرَةً للأُمَم إلى يوم القيامة؟
    وما الذي أرسل على قوم ثمود الصَّيحة حتى قَطَّعَتْ قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟
    وما الذي رفع قُرَى اللُّوطية حتى سمعت الملائكة نُبَاح كلابهم، ثم قَلَبَها عليهم فجعل عَالِيَها سافِلَها، فأهلكهم جميعًا، ثم أتبعهم حجارةً من السماء أمطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يَجْمَعْهُ على أُمَّةٍ غيرهم؟ ولإخوانهم أمثالها: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83].
    وما الذي أرسل على قوم شُعَيبٍ سحابَ العذاب كالظُّلَل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارًا تَلَظَّى؟
    وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نُقِلَتْ أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق، والأرواح للحرق؟
    وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟
    وما الذي أهلك القرون من بعد نوحٍ بأنواع العقوبات ودَمَّرَها تدميرًا؟
    وما الذي أهلك قوم صاحب "يس" بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟[1]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص98- 100..
    وما الذي مَزَّق أهل سوريا والعراق وتونس وليبيا واليمن وغيرها في هذه الأزمان، فَدُمِّرَتْ مساكنهم، وهُدِّمَتْ مطاراتهم، ورُمِّلَتْ نساؤهم، ويُتِّمَ أطفالهم، وَانْتُهِكَت الأعراض، وشُرِّدَ كثيرٌ منهم، وأُهْلِكَتْ مزارعهم وثمارهم؟
    لا شكَّ أنَّ الذي أصاب هؤلاء جميعًا وأهلكهم هو ذنوبهم: فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [العنكبوت:40].

إزالة النِّعَم

  • المعاصي تُزِيل النِّعَم بأنواعها، وإنَّ شُكْر الله على نِعَمِه يزيدها، قال الله : وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [إبراهيم:7]، ونِعَم الله على عباده كثيرةٌ لا تُحْصَى، كما قال : وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل:18]، وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم:34].

ومن النِّعَم -على سبيل المثال لا الحصر- ما يأتي:

    • نعمة الإيمان، وهي أعظم النِّعَم على الإطلاق.
    • ونعمة المال والرزق الحلال.
    • ونعمة الأولاد.
    • ونعمة الأمن في الأوطان.
    • ونعمة العافية في الأبدان[2]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص179- 181، و"المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص141- 150..

وهذه النِّعَم وغيرها تزيد بالشكر، وتزول أو تنقص أو لا يُبارَك فيها للعبد بالذنوب والمعاصي والإعراض عن الله ؛ قال الله : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].

نزول العقوبات العامَّة المُهْلِكَة

  • من خطر المعاصي: نزول العقوبات العامَّة المُهْلِكَة من: ظهور الطاعون، ونزول الأوجاع التي لم تكن في الأسلاف الذين مَضَوا، والأخذ بالسنين وشدة المَؤُونة[3]السنين: القَحْط، وشدة المَؤُونة أي: مصاريف البيت بغلاء السعر في المطاعم والمشارب والملابس مثلًا. ينظر: "شرح … Continue reading، وجَوْر السلطان، ومَنْع القَطْر من السماء: ولولا البهائم لم يُمْطَرُوا، وتسليط الأعداء، ويجعل الله بأسهم بينهم؛ فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: أقبل علينا رسول الله  فقال: ‏‏يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتُلِيتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تُدْرِكُوهنَّ: لم تظهر الفاحشة في قومٍ قطُّ حتى يُعْلِنوا بها إلا فَشَا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مَضَتْ في أسلافهم الذين مَضَوا، ولم يَنْقُصُوا المِكْيَال والميزان إلا أُخِذُوا بالسنين وشدة المَؤُونة وجَوْر السلطان عليهم، ولم يَمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنِعُوا القَطْرَ من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَرُوا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلَّط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا مما أنزل الله إلا جعل اللهُ بأسَهم بينهم‏‏[4]رواه ابن ماجه: 4019، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 764..

حلول الهزائم

  • إنَّ ذلك بأسباب المعاصي والإعراض عن دين الله ، كما أنَّ من أسباب النصر: الطاعة والإقبال على الله ؛ قال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ۝ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ۝ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:45- 47]، وقال سبحانه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ [غافر:51]، وقال الله : وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ [الروم:47]، وقال سبحانه: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [الحج:40]، وقال الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ۝ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد:7- 8]، فالأخذ بهذه الأسباب من أعظم أسباب النصر، وتَرْكُها من أعظم أسباب حلول الهزائم والخسارة في الدنيا والآخرة[5]ينظر: "المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص142- 144..
  • المعاصي مواريث الأمم الظالمة، فَلْيَحْذَر المسلم أن يَرِثَ المعاصي عن الظالمين، فإنَّ اللُّوطية ميراثٌ عن قوم لوطٍ، وأَخْذ الحقِّ بالزائد ودفعه بالنَّاقص ميراثٌ عن قوم شُعيب، والعُلُو في الأرض بالفساد ميراثٌ عن قوم فرعون، والتَّكبُّر والتَّجبُّر ميراثٌ عن قوم هود، وغير ذلك، فالعاصي لابسٌ ثياب هذه الأمم، وهم أعداء الله [6]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص142..
  • المعاصي تُؤَثِّر في الدَّوابِّ والأشجار والأرض، وفي المخلوقات.

تُسَبِّب عذاب القبر

  • المعاصي تُسَبِّب عذاب القبر، وعذاب يوم القيامة، وعذاب النار، نعوذ بالله من ذلك[7]ينظر: "المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص149- 152..

ولا شك أنَّ النَّجاة من أضرار المعاصي قد بَيَّنها الله تعالى، وأرشد إليها رسول الله ، وستأتي -إن شاء الله تعالى- أسباب السلامة والنَّجاة من شرور المعاصي في المقال الثامن الآتي.

وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص98- 100.
^2 ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص179- 181، و"المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص141- 150.
^3 السنين: القَحْط، وشدة المَؤُونة أي: مصاريف البيت بغلاء السعر في المطاعم والمشارب والملابس مثلًا. ينظر: "شرح سنن ابن ماجه" للهرري: 24/ 184.
^4 رواه ابن ماجه: 4019، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 764.
^5 ينظر: "المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص142- 144.
^6 ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص142.
^7 ينظر: "المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص149- 152.