جدول المحتويات
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومَن وَالَاه.
أما بعد:
فإن أسباب السلامة والنَّجاة من أضرار المعاصي المُهْلِكَة والمُفْسِدة للأفراد والمُجتمعات تكون على النحو الآتي:
التوبة النَّصوح والاستغفار من جميع الذنوب
أولًا: التوبة النَّصوح، والاستغفار من جميع الذنوب: كبيرها وصغيرها، قال الله : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:31]، وقال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا [التحريم:8]، وقال : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر:53].
وقد مدح الله المُسارعين إلى التوبة فقال: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135]، وقال الله : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى [طه:82].
تقوى الله في السر والعلن
ثانيًا: تقوى الله في السر والعلن، وهي: أن يعمل العبدُ بطاعة الله على نورٍ من الله، يرجو ثواب الله، ويترك معصية الله على نورٍ من الله، يخاف عقاب الله، ويجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه ومن غضبه وسخطه وعقابه وقايةً تَقِيهِ من ذلك.
الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر
ثالثًا: الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، قال الله : وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [آل عمران:104]، وقد ثبت عن النبي أنه قال: والذي نفسي بيده، لَتَأْمُرُنَّ بالمعروف، وَلَتَنْهَوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشِكَنَّ الله أن يبعث عليكم عقابًا من عنده، ثم لَتَدْعُنَّهُ فلا يستجيب لكم[1]رواه الترمذي: 2169، وأحمد: 23301 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2313..
وقام أبو بكرٍ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "يا أيها الناس، إنَّكم تقرؤون هذه الآية: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ [المائدة:105]، وإنَّا سمعنا رسول الله يقول: إنَّ الناس إذا رَأَوا المنكر فلم يُغَيِّرُوه أوشك أنْ يَعُمَّهم الله بعقابه"[2]رواه أبو داود: 4338، وأحمد: 1 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2317..
وعن جريرٍ قال: سمعتُ رسول الله يقول: ما من رجلٍ يكون في قومٍ يعمل فيهم بالمعاصي يَقْدِرُون على أن يُغَيِّرُوا عليه، فلا يُغَيِّرُوا إلا أصابهم الله بعذابٍ من قبل أن يموتوا[3]رواه أبو داود: 4339، وابن حبان: 302، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2316..
وقد قال الله : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الأعراف:165].
رابعًا: الاقتداء بالنبي في جميع الاعتقادات والأقوال والأفعال[4]ينظر: "المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص302- 305..
الدعاء والالتجاء إلى الله
خامسًا: الدعاء والالتجاء إلى الله ؛ فالدعاء من أقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلَّف عنه أثره:
- إما لضعفه في نفسه بأن يكون دعاء لا يُحبه الله؛ لِمَا فيه من العدوان.
- وإما لضعف القلب وعدم إقباله على الله .
- وإما لحصول المانع من الإجابة: من أكل الحرام، والظلم، ورَيْن الذنوب على القلوب، واستيلاء الغفلة والسَّهو واللَّهو.
- وإما لعدم توافر شروط الدعاء المُستجاب[5]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص9..
والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء؛ يُدَافعه ويُعَالجه، ويمنع نزوله، أو يُخَفِّفه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن[6]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص11..
ومقامات الدعاء مع البلاء ثلاثةٌ:
- المقام الأول: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
- المقام الثاني: أن يكون أضعف من البلاء؛ فيقوى عليه البلاء؛ فَيُصَاب به العبد، ولكن قد يُخَفِّفه وإن كان ضعيفًا.
- المقام الثالث: أن يتقاوما، ويمنع كل واحدٍ منهما صاحبه[7]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص12.، فعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي قال: الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء[8]رواه الترمذي: 3548، والحاكم: 1832، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1634.، وعن سلمان قال: قال رسول الله : لا يَرُدُّ القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البِرُّ[9]رواه الترمذي: 2139، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1639..
والإلحاح في الدعاء من أنفع الأدوية، فالمسلم الصادق يُقْبِل على الدعاء ويلزمه ويُواظب عليه، ويُكرره في أوقات الإجابة، وهذا من أعظم ما يُطْلَب به إجابة الدعاء[10]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص13..
ومن آفات الدعاء التي تمنع ترتب أثره: أن يستعجل العبدُ ويَسْتَبْطِئ الإجابة؛ فَيَسْتَحْسِر ويترك الدعاء، وهو بمنزلة مَن بذر بذرًا، أو غرس غرسًا، فجعل يتعهده ويَسْقِيه، فلما استَبْطَأ كماله وإدراكه تركه وأهمله[11]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص15..
وأوقات إجابة الدعاء مهمةٌ، ينبغي أن يعتني الدَّاعي في دعائه بها، ومن أعظمها:
- الثُّلث الأخير من الليل.
- وعند الأذان.
- وبين الأذان والإقامة.
- وأدبار الصلوات المكتوبات.
- وعند صعود الإمام يوم الجمعة على المنبر حتى تُقْضَى صلاة الجمعة.
- وآخر ساعةٍ بعد عصر يوم الجمعة.
فإذا حضر القلب في هذه الأوقات، وصادف خشوعًا وانكسارًا بين يدي الربِّ، وذُلًّا له، وتضرعًا ورِقَّةً، واستقبل الدَّاعي القبلة، وكان على طهارةٍ، ورفع يديه إلى الله، وبدأ بحمد الله والثَّناء عليه، ثم ثَنَّى بالصلاة على محمدٍ عبده ورسوله ، ثم قَدَّم بين يدي حاجته التوبة والاستغفار، ثم دخل على الله وأَلَحَّ عليه في المسألة، وتوسَّل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته وتوحيده، وقَدَّم بين يدي دعائه صدقةً؛ فإن هذا الدعاء لا يكاد يُرَدُّ أبدًا[12]ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص16- 17..
والله أسأل أن يُوَفِّق جميع المسلمين لما يُحبه ويرضاه، وأن يُعِيذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن يُوَفِّق وُلَاة أمرنا لما يُحبه ويرضاه، ويُصلح بِطَانتهم، ويُعِينهم على أمور دينهم ودنياهم، ويجعلهم هُدَاةً مُهْتَدين، غير ضالِّين ولا مُضِلِّين، وأن ينفع بهم الإسلام والمسلمين.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسانٍ إلى يوم الدين.
| ^1 | رواه الترمذي: 2169، وأحمد: 23301 واللفظ له، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2313. |
|---|---|
| ^2 | رواه أبو داود: 4338، وأحمد: 1 واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2317. |
| ^3 | رواه أبو داود: 4339، وابن حبان: 302، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2316. |
| ^4 | ينظر: "المعاصي وآثارها على الفرد والمجتمع" لحامد بن محمد المصلح: ص302- 305. |
| ^5 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص9. |
| ^6 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص11. |
| ^7 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص12. |
| ^8 | رواه الترمذي: 3548، والحاكم: 1832، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1634. |
| ^9 | رواه الترمذي: 2139، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1639. |
| ^10 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص13. |
| ^11 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص15. |
| ^12 | ينظر: "الجواب الكافي" لابن القيم: ص16- 17. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط