جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَن يهده الله فلا مُضل له، ومَن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
أيها الإخوة، لا شك أن موضوع الكلمة التي ستسمعونها يَهُم كلَّ مسلم؛ لأن الأعمال مبنيةٌ على النِّيَّة، النِّيَّة هي أساس العمل، وقاعدته ورأسه وعموده، وأصله الذي يُبنى عليه؛ لأن النِّيَّة روح العمل، فالجسد بلا روح لا حياة له، وهي قائده تقوده إلى ما ينفع العبد في الدنيا والآخرة، وتسوقه إلى العمل الذي يهدف بالعمل، وبها تصح الأعمال أو تفسد ويحصل الخِذْلان، وبها يحصل التوفيق، وبعدمها تحصل الخسارة في الدنيا والآخرة.
وبها تميز العبادات عن بعضها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه[1]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907..
وهذا الحديث ... مثال على جميع الأعمال؛ فمن كانت هجرته ونيته صالحة يريد وجه الله حصل له العمل الصالح، ومن كانت صلاته لله، ومن كانت زكاته لله، ومن كانت أعماله الصالحة لله، ومن كانت نفقته لله، ومن كانت أعماله في صلة الأرحام وبر الوالدين لله؛ فهذا يكون لله تعالى.
فهذا الحديث مثال، لا يُقال بأنه يقتصر على الهجرة، وإنما هو مثال لجميع الأعمال؛ ولهذا قال الله تعالى: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114].
معنى ذلك: إذا عمل هذا العمل ابتغاءَ مرضاة الله يرجو ثواب الله: فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، ما قال: سوف نؤتيه أجرًا وثوابًا، قال: أَجْرًا، كم هذا الأجر؟ كم عدده؟ كم وزنه؟ أَجْرًا عَظِيمًا تفخيم لهذا الأجر إذا عمله لله تعالى.
لهذا قال في هذه الآية: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء:114]، لا خير في كثير من نجوى الناس وحديث الناس فيما يخوضون فيه؛ ولهذا ما قال: لا خير في نجوى الناس، قال: فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ، في الكثير، قد يكون القليل فيه خير: لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ما قال: نؤتيه أجرًا عظيمًا، قال: ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ: يريد وجه الله والدار الآخرة: نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا، بغير وزن ولا حساب. وهذا من فضل الله تعالى على عبده.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في "صحيح البخاري" أنه بيَّن أن العبد المسلم قد يعمل العمل في الإقامة أو في السفر، ثم لا يعمله في السفر، قد يعمله في الإقامة أو في الصحة ثم يَحُول بينه وبينه حائل، إما بمرض وإما بسفر فينشغل عن هذا الخير، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مرض العبد أو سافر كتب الله له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا. هذا من فضل الله تعالى، رواه البخاري[2]صحيح البخاري: 2996..
ولهذا ينبغي للمسلم أن يُعنى بوقته، وبطاعة الله تعالى في إقامته إذا كان مقيمًا، وفي صحته إذا كان صحيح البدن معافًى غير مشغولٍ؛ فإنه إذا اجتهد في حال الصحة وفي حال الإقامة يُكتب له ما عمله إذا كان في السفر وقصَّر فيه، أو كان في المرض وقصَّر فيه. تصور! نسأل الله لنا ولكم ولجميع المسلمين العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
رجلٌ كان يصلي في الصف الأول يُحافظ على الصف الأول، مع جماعة المسلمين في الصلاة، ويحافظ على قيام الليل ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ويحافظ على صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيام الاثنين والخميس، أو صيام عشر ذي الحجة الأول، أو صيام محرم كاملًا أو ما تيسر منه، أو صيام شعبان أو ما تيسر منه، أو صيام الفرض رمضان، ثم ابتُلي -نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة- بالمرض الذي منعه من الصلاة مع الجماعة، والذي منعه من صيام رمضان، والذي منعه من صيام هذه النوافل وهذه الأعمال، عجز عنها؛ فإنه واللهِ يُكتب له ما كان يعمله صحيحًا.
هذا من فضل الله على عبده، مريضٌ ويُكتب له هذا العمل الكثير مهما عاش، ما دام على قيد الحياة، أو غاب ذهنه، فُقِدَ وعيه؛ فإنه يُكتب له حتى يفارق الدنيا؛ لأنه إذا فارق الدنيا انقطع العمل. وكذلك المسافر.
وقول النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مرض العبد أو سافر كُتِب له ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا[3]سبق تخريجه.، يحثُّ الإنسان على العمل في أثناء الإقامة، وفي أثناء الصحة والعافية.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قد يُكتب للإنسان العمل وهو لم يعمله، بالنِّيَّة الصالحة؛ لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما من امرئٍ تكون له صلاةٌ بليلٍ فيغلبه عليها نومٌ إلا كُتب له أجرُ صلاته، وكان نومه عليه صدقة[4]رواه أبو داود: 1314، والنسائي: 1784، وأحمد: 24441، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 454..
انظر: هذا نام وأراد أن يُصلي إحدى عشرة ركعة من الليل، ويقرأ فيها ما كُتب له من قراءة القرآن، غلبه النوم ولم يستيقظ، بعد أن أخذ بالأسباب، فلم يستيقظ إلا مع صلاة الفجر؛ يُكتب له ما نوى. هذا الحديث رواه أبو داود، وهو حديث ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام[5]سبق تخريجه..
فضل كبير، ثوابٌ عظيم، نائم ويُكتب له الأجر والثواب: إنما الأعمال بالنيات[6]سبق تخريجه.، وثبت عنه عليه الصلاة والسلام، وهذا يخص الذي يُحافظ على صلاة الجماعة ولا تفوته إلا مِن عُذرٍ.
أما المنافق الذي يتأخر فلا نصيب له في هذا الحديث؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن علامات المنافقين، وقال عليه الصلاة والسلام: إن للمنافقين علامات يُعرفون بها: تحيتهم لعنة: إذا أقبل بعضهم على بعض يلعن بعضهم بعضًا، فيرد الثاني عليه باللعنة.
وطعامهم نُهبة: طعامهم نُهبة ينتهبونه مِن أموال الناس. وغنيمتهم غلول: الغنيمة التي تُؤخذ للمسلمين ويحصل عليها الناس غلول، يعني يأخذونها من بيت مال المسلمين ويَغُلُّون من بيت المال المسلمين: وغنيمتهم غلول كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا يأتون المساجد إلا هجرًا أو لا يقربون المساجد إلا هجرًا، ولا يأتون الصلاة إلا دَبْرًا[7]رواه أحمد: 7926، والبيهقي في "شعب الإيمان": 2702.، يعني دبرًا: يأتي والناس قَبْل السلام، وتعوَّد على ذلك، قبل أن يُسلم الإمام وإذا هو قد دخل وصلى، ربما يجلس في التشهد أو غير ذلك، ولكن هذا عادة له.
فلان من الناس تراه دائمًا يتأخَّر، يقضي ما فاته في جميع الصلوات في الغالب، مُستمرٌّ على ذلك، خُلُقٌ له من أخلاقه، هذا مسلمٌ في الظاهر لكنه عملُ المنافقين، هذا من عمل المنافقين: التأخر عن الصلوات، فهذا الرجل الذي يأتي فَضْلُه ليس من هذا النوع.
ثواب النِّيَّة الصادقة
قال: مَن توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد فوجد الناس قد صَلَّوْا؛ أعطاه اللهُ مثل أجر مَن صلى وحضر، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئًا. رواه أبو داود[8]رواه أبو داود: 564، النسائي: 855، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6163.. هذا خاصٌّ بالذي يحافظ على صلاة الجماعة: أنه إذا فاتته الصلاة أحيانًا: في بعض الأحيان انشغل، شُغلٌ لا بد منه اضطره إلى تأخره بغير تعمد، فتوضأ وأحسن الوضوء ثم ذهب ووجد الناس قد صلوا؛ كتب الله له مثل أجر مَن حضر مِن غير أن يَنقص من أجرهم شيئًا. هذا من فضل الله تعالى على المحافظ على الطاعات، والمبتعد عن التأخر عن صلوات الجماعة.
والنبي عليه الصلاة والسلام ثبت عنه في البخاري أنه قال في غزوة تبوك: لقد تركتم بالمدينة أقوامًا ما سِرْتم مسيرًا ولا أنفقتم نفقةً ولا قطعتم مِن وادٍ إلا وهم معكم في الأجر، أو قال: وما أنفقتم من نفقة أو قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه، قالوا: يا رسول الله، كيف يكونون معنا وهم في المدينة؟ قال: حبسهم العذر. يعني من المعذورين. رواه البخاري[9]رواه البخاري: 4423..
سبحان الله! مع النبي عليه الصلاة والسلام والصحابة في الطريق وفي النفقة وفي عبور الأودية وفي الجهاد وهم في المدينة، قال: حبسهم العذر، قلوبهم مع النبي عليه الصلاة والسلام، ومع أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، والذي يحصلون عليه هذا الأجر العظيم والثواب الكبير، يحصلون على هذا الخير، بهذه النية الصالحة.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: قد يعمل العمل ويدخل الجنة وهو ما صلى لله ركعة واحدة[10]رواه بنحوه أبو داود: 2537، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2288.، ثبت أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام جاء إليه رجل فقال: يا رسول الله، أسلم أو أقاتل؟ يعني هل أدخل الإسلام أو أقاتل وأدخل في القتال؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أسلم، ثم قاتل؛ لأن القتال لا يُقبل إلا بالإسلام، أولًا يشهد أن لا إله إلا الله، ثم يقاتل. فأسلَم ثم قاتل قبل أن يُصلي لله ركعةً واحدة فقُتل، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عمل قليلًا وأُجر كثيرًا. رواه مسلم[11]رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900.. هذا عمل قليل؛ لأن هذا الرجل كان صادقًا، وكانت نيته صادقة مع ربه؛ ولهذا حصل على هذا الثواب العظيم.
ورجلٌ آخر علَّمه الرسول عليه الصلاة والسلام الإسلام في طريقه، انظر إلى النِّيَّة الصادقة ولو بدون العمل، علَّمه الإسلام في طريقه وهو على بعيره، على جملٍ، وهذا مِن تواضُعِ النبي عليه الصلاة والسلام: يُعلِّم حتى المُتعلِّم ولو كان هو يمشي على جملٍ، فسقط خفُّ البعير في جُحْر يربوع، فقيل: عليكم... وسقط الرجل فقيل: عليكم بالرجل.
وفي بعض الروايات في مسند الإمام أحمد: قال الرجل بعدما علَّمَه، قال: أقررتُ، يعني أنا مستعد بما قلتَ. قال النبي عليه الصلاة والسلام، قيل: عليكم بالرجل. فوجدوه قد مات، ما عمل شيئًا إلا الذي علمه الرسول وقال: أقررتُ. يعني أنا مُستعد لما تقول لأعمله. فقيل: عليكم بالرجل. فوجدوه قد مات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عمل قليلًا وأجر كثيرًا، قال الراوي حمَّاد: عمل قليلًا وأُجر كثيرًا ثلاث مرات[12]رواه أحمد: 19158، وحسنه محققو المسند..
بماذا عمل؟ بالنِّيَّة الصادقة مع الله تعالى، وأنه سيقوم بهذا العمل كله، وسيمتثل لأمر الله تعالى بهذا الخير.
منزلة النِّيَّة الصالحة
ومما يدلُّ على منزلة النِّيَّة الصالحة وعِظمها: أن الرجل إذا أنفق النفقة الواجبة على زوجته وعلى أولاده وعلى أهل بيته يُكتب له الأجر والثواب على هذا، بالنِّيَّة الصادقة؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا أنفق الرجل على أهله يحتسبها فهي له صَدَقة[13]رواه البخاري: 55، ومسلم: 1002.. الله أكبر! كم من الناس يصرف بالألوف في الشهر الواحد، بالملايين في السنين، من هذه الأطعمة والأشربة والمأكولات والمشروبات، وهل نوى؟!
لهذا ذكر العلامة السعدي رحمه الله: أنه ينبغي للمسلم أن ينوي نية كاملة صادقة من أولها، في نيته، في قلبه، لا يأتي من عمل إلا ويجعله لله تعالى، ولا يُنفق من نفقةٍ إلا لله تعالى، ثم ينوي نية مُفصَّلة في كل وقتٍ، فإذا ذهب وأخذ المقاضي والبضائع وحازها، أو قبل أن يحوزها؛ النِّيَّة حاصلة لأنه يريد بها وجه الله، يريد القيام بالواجب، يريد أن الله تعالى يكتبها له صدقة. واللهِ تُكتب له صدقة عند الله؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، قال: إذا أنفق الرجل النفقة على أهله يحتسبها فهي له صدقة[14]سبق تخريجه..
وقال النبي كما ذكر في الحديث الصحيح: إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله تعالى إلا أُجرت عليها[15]رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628.. سبحان الله! حتى ما تجعل في فيِّ امرأتك. سبحان الله! ما تنفق من نفقة.
والإنسان يحتسب هذا ويسأل الله التوفيق، ويحصل على السلامة من الهلاك؛ ولهذا ثبت في الحديث: النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما من يومٍ تَطلُع فيه الشمس إلا وملكان ينزلان، يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خَلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا[16]رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010.. وهذا الحديث يدخل فيه النفقة على العيال إذا نوى ذلك، وعلى الأضياف، وعلى الفقراء على المساكين.
ولو سُئل الإنسان: هل النفقة الواجبة أفضل، أو النفقة المستحبة؟ يعني هل يتصدق على الفقراء والمساكين أو يقوم بالنفقة على أهله؟ النفقة الواجبة أعظم أجرًا، لكن لا يقتصر عليها المسلم، المسلم لا يقتصر على هذا، فيكون أعظم من هذا؛ يقوم بالواجب ويقوم بالمستحب حتى يحصل على الثواب العظيم. فبعض الناس يظن أن النفقة على الأهل والعيال لا تكون من الخير ولا تكون من الصدقات ولا تكون من الأعمال الصالحة. لا، بالنِّيَّة تكون من الأعمال الصالحة.
أحوال الناس بحسب نياتهم
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام في بيان النِّيَّة أنه قال: إنما الدنيا لأربعة: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يتقي فيه ربَّه، ويَصِلُ فيه رَحِمَه، ويعلم بأن لله فيه حقًّا، عنده علم وعنده مال فهذا بأعلى المنازل أعلى المنازل، ورجل آتاه الله علمًا ولم يؤتِه مالًا، فهو يقول: لو أن لي مِثْلَ مالِ فلانٍ لَعَمِلْتُ مثل عمله. فهما في الأجر سواء[17]رواه الترمذي: 2325، وابن ماجه: 4228، وأحمد: 18031، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3024..
سبحان الله! هذا ما أنفق شيئًا، وهذا أنفق من هذه الأموال يَصِلُ الأرحام أو يقوم بالواجبات ويبني المساجد ويُنفق على الفقراء والمساكين والدعوة إلى الله تعالى وغير ذلك من الخيرات والبركات، وهذا المسكين ما عنده، عنده علم بالنِّيَّة الصالحة وعلم بالخير، ولكن ما عنده مال، فيقول: لو أن لي مثل مال فلان لعملت مثل عمله.
ولهذا كان -يعني- مِن باب المناسبة أنَّ بعض الناس كانوا يمشون في طريقٍ في سيارة، فقيل بأن فلانًا من الناس عنده مئة مليون، مئة مليون، من الناس ممن يعرفهم، فواحدٌ عامي كان في السيارة، رفع رأسه وقال: واللهِ لو كان هذا المال لي واللهِ لَأبني منه أربعة جوامع. فقلت له: حصل لك الخير إن شاء الله، إن صدقت.
سَمِع بأن فلانًا من الناس عنده مئة مليون، هذا العامي قال: والله لو كان هذا المال لي. أَقْسَم بالله أن يبني لله تعالى منه أربعة جوامع. هذا واللهِ يحصل له -إذا كانت نيته لله تعالى- هذا خيرٌ عظيم.
والرجل الثالث قال -ورجلٌ لم يؤتِه الله مالًا-: لم يؤتِه الله علمًا وآتاه مالًا عنده مال طائل، ولكن ما عنده علم، فهو يتخبَّط في ماله فلا يعرف لله فيه حقًّا، ولا يَصِل فيه رَحِمًا، ولا يتقي الله فيه فلا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم بأن لله فيه حقًّا؛ فهذا بأخبث المنازل أخبث المنازل[18]تقدم تخريجه، وهذا تتمة الحديث السابق..
ورجل لم يؤتِه الله مالًا ولا علمًا ما أعطاه لا مالًا ولا علمًا، ما عنده شيء، ويقول: لو أنَّ لي مثل مال فلان لَعملتُ مثل عمله؛ فهما في الإثم سواء أو في الوزر سواء. والحديث رواه الترمذي، وهو حديث ثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام[19]سبق تخريجه..
انظر إلى هذه النِّيَّة العظيمة التي تجعل الإنسان بأعلى الدرجات إذا نوى وصدق في كلامه، صدق في نيته. هذا مما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام.
النِّيَّة والحسنات والسيئات
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: إنَّ الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بيَّن ذلك؛ فمَن هَمَّ بحسنةٍ فلم يعملها كتب الله له حسنةً كاملة، همَّ بها: همَّ بأن يعمل عملًا صالحًا، بأن يتصدق، بأن يقوم بعمل، ثم لم يتيسر له ذلك، ترك ذلك. وفي بعض الروايات التي تدلُّ على أن هذا لا بد أن يكون لله تعالى: ومَن هَمَّ بحسنةٍ فعملها كتبها الله له عشر حسنات، إلى سبعمئة ضعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة[20]رواه البخاري: 6491، ومسلم: 128..
وهذا يدلُّ على أن الحسنات قد تكون تُضاعَف عشر حسنات، وقد تضاعف سبعمئة ضعف، وقد تضاعف أكثر من ذلك، لماذا؟
على حسب النِّيَّة وصدق النِّيَّة؛ كانت النِّيَّة صادقةً: عشر حسنات، وإذا كانت صادقة قوية: أعظم من ذلك حتى تصل إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة، هذا: وإذا همَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له حسنةً كاملة، فإن هم بها وعملها كتبها الله له سيئةً واحدة[21]رواه البخاري: 6491، ومسلم: 128.، قال: حسنة كاملة، وهناك قال: سيئة واحدة.
والعلماء ذكروا في الهَمِّ بالسيئة أحوالًا: أما الهمُّ بالحسنة فلا إشكال فيه: همَّ بحسنة ولم يعملها، تركها تهاونًا عنها، ما تيسَّر له أن يعملها، هنا كما يقولون: تُكتب له حسنة كاملة. لكن همَّ بها وعملها، وفَّقه الله لعملها: عشر حسنات. لكن السيئة إذا همَّ بها وعملها: إذا همَّ بها ولم يعملها كتبها الله له حسنة كاملة لكن بالنِّيَّة؛ لأن الروايات في الأحاديث يُفسر بعضها بعضًا، قال في بعض الروايات قال: إنما تركها مِن جَرَّائي، أي من أجلي[22]رواه البخاري: 7501، ومسلم: 129 واللفظ له..
إذن؛ إذا همَّ بسيئةٍ وعملها كتبها الله له سيئةً واحدة، فإن همَّ بها ولم يعملها فإنه في هذه الحالة: إن تركها من أجل الله كتبها الله له حسنة كاملة، لكن من أجل الترك من أجل الله؛ لأنه في الحديث يقول: إنما تَرَكها مِن جَرَّائي أي مِن أجلي، فإن هَمَّ بها وجاهَد فيها واجتهد على أن يعمل هذه السيئة لكن أُحيل بينه وبينها...
إنسانٌ أراد أن يسرق من بيتٍ، وكَسَر الأبواب وتقدَّم، ولكنه قُبض عليه قبل أن يسرق، لم يعمل، قد عمل تكسيرَ الباب؛ هذا سيئة، لكنَّ هذا تُكتب عليه.
لكن إذا همَّ بالسيئة ولم يعملها تهاونًا وكسلًا، تكاسَل عنها، ما تيسَّر أن يعملها، يعني انشغَل عنها؛ هذا تُكتب عليه سيئة لأنه في الحديث الذي سمعتموه: إنما تركها مِن جَرَّاء الله أي من أجل الله. وإنما تركها تهاونًا عنها.
التفصيل في السيئات: إذا هَمَّ بالسيئة ولكن منعه منها مخافة الله، فهذا تُكتب له حسنة كاملة، فإن همَّ بها وتركها تهاونًا، تركها ما تيسرت له، هذا لا يُكتب عليه لا سيئات ولا حسنات، تركها تكاسلًا عنها ما. لكن إن همَّ بها واجتهد في الحصول عليها وفي العمل بها لكنه أُحِيل بينه وبينها؛ تُكتب عليه.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الرجل... في القاتل والمقتول: القاتل والمقتول في النار. فقال... قالوا: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بالُ المقتول؟ قال: لأنه كان حريصًا على قتل صاحبه[23]رواه البخاري: 31، ومسلم: 2888.، كان حريصًا على قتل صاحبه، هذا الحرص هو الذي أوقعه في هذا الإثم العظيم.
علاقة النِّيَّة بالعمل
لا شك أن العبد المسلم عليه أن يعلم بأن النِّيَّة الصالحة تَزِيد في حسناته، ويَقبل اللهُ تعالى بها العملَ؛ ولهذا قال الله تبارك وتعالى للنبي عليه الصلاة والسلام: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162-163].
هذا يدلُّ على أن الإنسانَ كلُّ حياته لله: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي؛ نُسُكِي: الذبح، سواء كان أضحيةً أو هَدْيًا أو غير ذلك من الأعمال. وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي: في حياتي ومماتي وما يحصل لي بعد الممات أو أثناء الموت، لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ؛ ولهذا قال الله تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [الملك:1-2]، أحسنُ عملًا.
قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: "هو أخلصه وأصوبه"؛ أيُّ نيةٍ صالحة خالصة، قالوا: "يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا صوابًا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على سنة رسول الله". ثم قال... ثم قرأ: فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا [الكهف:110].
فالعمل الصالح هو الذي يقوم على ركنين: الإخلاص لله، ومتابعة النبي عليه الصلاة والسلام في هَدْيه. هذا من أعظم الأمور التي ينبغي للمسلم أن يُعنى بها؛ لهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ثلاثٌ لا يُغَلُّ عليهن قلب مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر[24]رواه الترمذي: 2658، وابن ماجه: 3056، وأحمد: 13350، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 4..
ناصِح ولاة الأمر... باتصال من العلماء، من الوزراء، نصيحة خاصة بينه وبينه، يقصد بها وجه الله تعالى، لا على المنابر ولا بالتشهير ولا بالذم، وإنما تكون نصيحة فيما بينه وبينه: ولزوم جماعة المسلمين، يلزم جماعة المسلمين وإمام المسلمين؛ فإن دعوتهم تُحيط مَن وراءهم[25]رواه الترمذي: 2658، وابن ماجه: 3056، وأحمد: 13350، عند عدد من الصحابة ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 92.، دعوتهم تحيط من وراءهم.
هذه الثلاث لا يُغَل عليهن قلب مسلم، وإنما يُخرجها لله تبارك وتعالى؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي للنبي عليه الصلاة والسلام، قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [يوسف:108]. الشاهد مِن هذه الآية في قوله: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ يعني لله، النِّيَّة لله، إخلاصًا لله، رغبةً فيما عند الله، ما قال: أدعو لنفسي؛ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو لمن؟ لله، أَدْعُو إِلَى اللَّهِ. قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ.
هذا يدلُّ على الإخلاص، وأن الإنسان يدعو إلى الله تعالى، قال: وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ [فصلت:33]، ما قال: ممَّن دعا إلى نفسه أو غير ذلك، يُذكر بأن بعض الناس -وهذا في الحقيقة يعني لعله يدلُّ على الإخلاص- أن بعض المُقدِّمين للمُحاضِر كان جالسًا وأراد أن يُبيِّن سيرةَ الشيخ وكلامَ الشيخ، فالشيخُ كتب له سيرته، وكتب: الدكتور فلان ابن فلان ابن فلان، كذا كذا، كذا كذا، ثم أعطاها المُقدِّم، فقدَّمه وتكلم بما عنده من الورقة، وبعد أن انتهى المُقدِّم قال: لقد قطعتَ ظهر أخيك. قطعت ظهر أخيك! أنت الذي كتبتَه لي، أنت الذي قلتَ لي أقوله وأكتبه. ما قال أملِه أمام الناس.
الإخلاص لله والنِّيَّة الصالحة لله لا تكون هكذا، بحيث الإنسان يعمل العمل لله ابتغاء مرضاة الله تعالى.
خطورة فساد النِّيَّة
لا شك أن المسلم عليه أن يقصد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة، وأن يكون موفقًا بتوفيق الله تبارك وتعالى.
ولا شك أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن صلوات الله وسلامه عليه أن العبد إذا قام بالأعمال الصالحة يحصل على الثواب في الدنيا والآخرة، ويكون سعيدًا في الدنيا والآخرة؛ ولهذا بيَّن العلماء رحمهم الله تعالى بأن العمل بغير نية لا أساس له ولا قيمة له، بل يجني الإنسان مِن وراء هذا العمل الخسارة والتعاسة والذل في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال الله تعالى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا [الإسراء:18-19].
فإذا كان عمل الإنسان للدنيا قد يحصل له وقد لا يحصل له: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء:18]، قد لا يُعجل له ما يريد: ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18].
قال في الآية الأخرى: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [هود:15-16]. نسأل الله العفو والعافية.
قال: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
بل قال الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [البقرة:200]، يعني ما له من نصيب، مِنْ خَلَاقٍ: من نصيبٍ، يسأل اللهَ مِن الدنيا، لكن الآخرة ما يسأل اللهَ أنَّ اللهَ يُنجِيه من النار ويُعِيذه منها ومن عذاب القبر ويرزقه الجنة، لا ما يرغب هذا، يسأل الله من الدنيا فقط.
ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: مَن تعلم علمًا مما يُبتغى به وجه الله تعالى، لا يتعلمه إلا ليُصيب به عرضًا من الدنيا لم يرَح عَرْفَ الجنة[26]رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6259.، أي ريح الجنة، ما يجد ريحها، هذا خسارة، تعاسة -نسأل الله العفو والعافية-، ما حصل له هذا الخير العظيم، حصلت له الخسارة.
ولهذا ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أن العمل للدنيا في هذه الآيات وهذا الحديث على أربعة أنواع:
- مَن عَمِل العمل الذي يُبتغى به وجه الله تعالى يُريد من الله أن يحفظ ماله ويحفظ أولاده، وأن يُصلح بدنه، وأن يُكثر ماله، ولا يريد ثواب الآخرة ولا النجاة من النار ولا الحصول على الجنة. نسأل الله العفو والعافية، هذا كُفر، لو عمل العمل مخلصًا لله على سنة رسول الله إلا أنه يُريد ثواب الدنيا فحسب يدخل في قوله: مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ [الإسراء:18]، يدخل في قوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [البقرة:200].
- النوع الثاني: أن يعمل العمل للرياء والسُّمعة، ما يريد ثواب الله مطلقًا، وإنما يُريد الرياء والسمعة والعياذ بالله تعالى، فهذا أكبر من الأول وأقبح من الأول.
- النوع الثالث: أن يعمل العمل الصالح من أجل المال، كأن يحج من أجل أن يأخذ أموال الناس، يأخذ المال ولا يريد وجه الله، ولا يريد قضاء فريضة هذا المسلم، ولا يريد الأجر ولا الثواب؛ فهذا ما له في الآخرة من نصيب، ما يريد إلا النقود، وربما لا يقوم بالواجبات.
بعض الناس بعد التوبة يسأل يقول: أنا حججت عن غيري ولم أطُف طواف الإفاضة، ولم أَسْعَ بين الصفا والمروة، أو لم أعمل أعمالًا إلا إن كان أحدٌ يراقبه، يسير معه؛ هذا من هذا النوع.
- الأمر الرابع الذي يكون من أعمال الدنيا: أن يعمل العمل الصالح خالصًا لوجه الله، على سنة رسول الله، لكنه أتى بناقضٍ من نواقض الإسلام -نسأل الله العفو والعافية-، فهذا في الحقيقة قد أبطل جميع الأعمال في هذا العمل.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بيَّن صلوات الله وسلامه عليه أن الأعمال إن لم تكن خالصة والنية خالصة صادقة لا تُقبل، قال النبي عليه الصلاة والسلام: ... أنا أغنى الشركاء عن الشِّرك، من عَمِل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشِرْكَه[27]رواه مسلم: 2985.، وقال: مَن سمَّع سمَّع الله به، ومَن يُرائي يرائي الله به يوم القيامة[28]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986.، وقال: أول مَن تُسعَّر بهم النار ثلاثة: رجلٌ جاهد في سبيل الله حتى قُتل، ورجل أعطاه الله تعالى من العلم تعلَّمَ العِلمَ وقرأ القرآن، ورجل أعطاه الله من أصناف المال وهو يتصدق ويُنفق، فيؤتى بهم يوم القيامة، فيُعرَّف المجاهِدُ نِعَمَ الله فيَعرفها، فيقول: ماذا عَمِلتَ فيها؟ فيقول: يا ربي، قاتلتُ فيك حتى قُتلت. فيُقال له: كذبتَ؛ إنما فعلت ذلك ليقال: هو جريء أي شجاع، ويُؤتى بالذي تعلم القرآن، وعلَّمَ العلم وتعلَّمه[29]رواه مسلم: 1905.. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
أبو هريرة الذي حفظ خمسة آلاف حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولازَمَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، كان إذا حدَّث بهذا الحديث يبكي، خاف على نفسه.
ورجلٌ تعلَّمَ العلم وقرأ القرآن، فيُؤتى به يوم القيامة فيُعرَّف نِعَمَ الله فيَعرفها، فيقال: ما فعلتَ فيها؟ يُقال: تعلمتُ العلم من أجلك، وقرأت القرآن من أجلك. فيقال له: كذبت، إنما فعلت ذلك ليُقال: هو قارئ هو عالم، وقد قيل يعني حصلتَ على ما أردت، ثم يُؤمَر به ويسحب على وجهه إلى جهنم. ويُؤتى بالتاجر صاحب الأموال الطائلة الذي كان يُنفقها، فيُعرَّف نِعَمَ الله فيعرفها، فيقال له: ما فعلتَ فيها؟ فيقول: ما تركتُ من سبيلٍ إلا أنفقتُ لك فيه. فيقال له: كذبت؛ إنما فعلت ذلك ليقال: هو جوادٌ هو كريم، وقد قيل يعني أنت حصلتَ على ما أردت، ثم يُؤمر به ويُسحب على وجهه إلى جهنم[30]رواه مسلم: 1905..
نسأل الله بوجهه الكريم أن يُعافينا من هذا البلاء، أسأل الله الذي لا إله إلا هو بأسمائه الحسنى وصفاته العُلا أن يعافيني وإياكم من هذا البلاء، الذي قال فيه النبي عليه الصلاة والسلام: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر أعوذ بالله، سُئل عنه فقال: الرياء[31]رواه أحمد: 23630، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6412، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1555.. نعوذ بالله، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال، الشرك الخفي، أن يقوم الرجل فيُصلِّي فيُزيِّن صلاته لما يرى مِن نَظَرِ رجلٍ. رواه ابن ماجه، وهو حديث حسن[32]رواه ابن ماجه: 4204، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6413، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 2607..
قال في الحديث الآخر: إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: مَن أشرك في عملٍ عَمِلَه لله أحدًا فَلْيطلب ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك[33]رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وأحمد: 15838، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33.، هذا يُنادى على رؤوس الخلائق: أيها الناس، مَن كان قد عَمِل عملًا لغير الله والله يعلم ذلك، يذهب إلى الذي عمله مِن أجله فيطلب ثوابه من عند غير الله، قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر. قالوا: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة إذا جزى الله الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟. اللهم إنا نسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى[34]رواه أحمد: 23630، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6412، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1555..
فالفرار مِن ذمِّ الله هو الواجب على العبد: أن يفر مِن ذم الله، هذا ذمٌّ للعبد، ذمٌّ يذمه الله؛ لهذا جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "يا رسول الله"، اسمَعْ كلامه: "إن مَدْحي زَيْنٌ، وذَمِّي شَيْن"، يعني يقول: إذا مدحتُ أحدًا ما أحدٌ يَصِل إلى درجته، سواء كان بالشعر أو بغير ذلك، أو بالنثر، أو بالكلام. "وذمي شين"، إذا ذممتُ أحدًا وضعتُه، فالنبي عليه الصلاة قال: ذاك الله[35]رواه الترمذي: 3267، والنسائي في "السنن الكبرى": 11451، وقال الترمذي: حديث حسن.، ذاك الله يعني: هذا الذي ذمُّه شين ومَدْحه زين هو الله.
فإذا مَدَح اللهُ المسلمَ العبد هذا هو أعظم المدح؛ ولهذا قال الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ إلى آخر الآيات الست [المؤمنون:6]، ثم بيَّن بأن هؤلاء هم الذين يرثون الفردوس: أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ [المؤمنون:10-11]. هذا هو المدح الزين؛ المدح الزين مَدْحُ الله.
والذَّمُّ الشَّيْن منه أن الله تعالى بيَّن في ذم المشركين وذم العصاة وغير ذلك، كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56]، اللهم صل وسلم عليه، ثم بيَّن الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا [الأحزاب:57-58]، وقال في آخره: إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ [الأحزاب:64-66]. نسأل الله العفو، هذا ذم، هذا الذمُّ الشين.
أما المَدْح الزين فهو المدح بصفات المؤمنين والمؤمنات، فالله تعالى ذمُّه هو الذم الزين الطيب؛ ذمُّه هو ذمُّ الشينِ الخبيث، إذا ذمَّ ما يقال بأنه يأتي من الله خبيث، لا، لكنه هو الذم الضار الذي يضر الإنسان في الدنيا والآخرة. أما ما يأتي من الله تعالى مِن ذمٍّ فهو زَيْنٌ وطيب من ناحية أنه أتى من عند الله، لكنه لهذا الشخص هو هلاك له ويسوؤه. أما ربُّنا فلا يأتي منه إلا الزين ولا يأتي منه إلا الطيب، أعماله كلها طيبة : إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيبًا[36]رواه مسلم: 1015.، ولا يأتي منه إلا خيرٌ ، ولا يأتي الشرُّ منه، المحض.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث: إن الله تبارك وتعالى بيَّن أنه لا يأتي منه إلا الخير، قال: والشر ليس إليك[37]رواه مسلم: 1015.، ما يأتي الشرُّ من الله، كيف؟
ما يأتي من الله تعالى إلا كلُّ خير، لكن الشر يكون بالنسبة لعمل الإنسان، للإنسان يكون فيه شرٍّ؛ إذا أتى مرضٌ، عقابٌ، أو ذُل؛ فإنما هذا يكون للإنسان في عمل الإنسان، أما الله فلا يأتي منه إلا كل خير، ولا يأتي منه إلا الطيب ، فاللهُ تعالى "الشر ليس إليه" بمعنى: أنه لا يأتي منه شرٌّ.
إذا أتى الإنسانَ مرضٌ -نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة، لي ولكم ولجميع المسلمين-؛ إذا أتاه مرضٌ هذا خيرٌ من الله لأنه يُكفر سيئاته، لكنه قد يكون شرًّا بالنسبة لعمله، للإنسان، في الألم وفي غير ذلك، لكنْ مِن الله لا يأتي إلا بخير؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يصيب المؤمن من همٍّ ولا غمٍّ ولا نصبٍ ولا وَصَب، حتى الشوكة يُشَاكُها إلا كفر الله بها من سيئاته كما تحط الشجرة ورقها. رواه مسلم[38]رواه البخاري: 5641، ومسلم: 2572.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
فالله لا يأتي منه إلا خير، فلا تقول بأن ذمَّ الله شينٌ بالنسبة لله، لا، لا يأتي من الله إلا الطيب؛ لأنه طيبٌ لا يأتي منه إلا الخير.
أما الإنسان: ما يحصل للإنسان فقد يحصل في المفعولات، فما يفعله الإنسان فيحصل للإنسان، لكنه يأتي من الله بالخير والثواب العظيم من الله تعالى.
خوف السلف من فساد النِّيَّة
والصحابة كانوا يخافون من سوء النِّيَّة ومن فساد النِّيَّة، يخافون خوفًا عظيمًا.
هذا عمر بن الخطاب الذي قال فيه النبيُّ عليه والسلام حينما دَخَل الجنة ورأى قصرًا أبيض، بجانب هذا القصر امرأة تتوضأ، فقيل: لمن هذا؟، قصر من ذهب أبيض في الجنة. هذا في البخاري وفي غيره[39]رواه البخاري: 3242، ومسلم: 2395، قيل: لمن هذا. قالوا: لرجلٍ من قريش وقيل: لعمر. قال: فولَّيْتُ مدبرًا لِمَا علمتُ مِن غيرتك يا عمر. فبكى عمر رضي الله عنه وأرضاه، قال: بكى عمر وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أوعليك أغار؟
هذا عمر، رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام له قصرًا في الجنة، وعمر الذي إذا سلك طريقًا سلك الشيطان فجًّا آخر، طريقًا آخر هرب منه، يمشي مع طريقٍ فالشيطان يمشي مع طريق آخر.
ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام مع مجموعة من النساء، وكُنَّ يرفعن أصواتهن عند النبي عليه الصلاة والسلام، وحينما دخل عمر - ولعل هذا يكون قبل الحجاب، أو يكون من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام والله تعالى أعلم: فدخل عمر فتغطَّيْنا وسكتنا، فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أضحك الله سنَّك يا رسول الله؟ من ماذا؟ فأخبره الخبر، فقال: يا عَدُوَّاتِ أنفسِهن، أليس رسول الله بحقٍّ أن تستحين منه؟ فقُلْنَ: إنه رسول الله أرحمُ منك. وكما قُلْنَ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: والذي نفسي بيده أو كما قال عليه الصلاة والسلام: ما سلكتَ فجًّا يا عمر إلا وسلك الشيطان فجًّا غير فجك[40]رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396..
الله أكبر! هذا عمر -بعد موت النبي عليه الصلاة والسلام أو قبل موته الله أعلم، ذكر ابن كثير هذه القصة في "البداية والنهاية"، وهي ثابتة- جاء إلى حذيفة، حذيفة أخبره النبي عليه الصلاة والسلام بعلامات المنافقين، بل بأسماء بعض المنافقين، فجاء إلى حذيفة وقال -هذا عمر، اسمع عمر؛ شهد له النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة، وحصل له ما حصل من هذه التزكية من النبي عليه الصلاة والسلام، وما رأى النبيُّ عليه الصلاة والسلام في الجنة له من هذا القصر العظيم-.
قال عمر لحذيفة: أَنْشُدك بالله -يعني أسألك بالله- هل سَمَّاني لك رسول الله منهم؟ أي من المنافقين. لا إله إلا الله! سبحان الله العظيم! هل سَمَّاني لك رسول الله من المنافقين؟ خاف على نفسه.
حذيفة ذكي حكيم، قال: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحدًا. يعني حتى لا يطَّلِع أحدٌ مثله، حتى لا يأتي واحدٌ وهو من المنافقين يقول: نعم. قال: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا. قَطَع الطريق عليهم.
والله تعالى يقول عن الصحابة: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ [المؤمنون:60-61]، قالت عائشة: يا رسول الله، أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويخاف ألا يُتقبل منه[41]رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162..
هذا أمر عظيم؛ الصحابة يخافون على أعمالهم، هذه من علامات الإخلاص ومن علامات الصدق: أن الإنسان يخاف على عمله إذا كان فيما بينه وبين الله، إذا كان في خلواته بينه وبين الله: هل يقبل عملي؟ هل أخلصتُ في عملي؟ لا يتهم ربَّه، ولا يُحسن الظن بالله، لا يسيء الظن بنفسه، فإنه إذا قام بالعمل بإخلاص ومتابعةٍ يُقبل. وهذا يدلُّ على الصدق مع الله تعالى.
ولهذا كان ابن أبي مُليكة يقول: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، ما منهم من أحدٍ إلا ويخاف النفاق على نفسه، وما منهم من أحدٍ يقول: إنه على إيمانِ جبريل وميكائيل. أدرك ثلاثين تابعيًّا، يعني "أدرك": قابل ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يخاف على نفسه.
أما نحن، إذا قيل لفلان كذا: لِمَ تُسبِل ثوبك يا أخي؟ قال: الحمد لله أصلي، الحمد لله رجل طيب، ما تطَّلع على ما في القلوب، القلب خير، وما عليك من الظاهر: تحلق لحيتك، تُسبل ثوبك، تشرب دخانًا، تشرب شيشة، هذه أعمال ظاهرة، القلب: الإيمان ها هنا. هذا باطني، من الباطنية نعوذ بالله، نسأل الله العافية، لو كان الإيمان ها هنا لَطَلع وخرج على الجوارح.
فالإنسان هذا ما يخاف النفاق، والصحابة يخافون ألا تُقبل أعمالهم؛ ولهذا قال الحسن البصري: ما خافه إلا مؤمن -كما في البخاري- ولا أَمِنَه إلا منافق. وقال إبراهيم التَّيمي: ما عرضتُ قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مُكذِّبًا[42]هذه الآثار علقها البخاري في "الصحيح": 1/ 18..
سبحان الله! يا أخي، انظر السلف رحمهم الله تعالى، يقول: أنا لا أفكر في قولي وكلامي مع الناس، وكلامي يعني في عملي، لكني أعرضه على عملي: كيف العمل عندي؟ إلا أن أخاف أن أكون من المكذبين. نسأل الله العفو والعافية، يخشى أنه ما يُطبِّق بعض الشيء، فيقول: إلا خشيت أن أكون مكذبًا. نسأل الله العفو والعافية.
ويُذكر عن أبي الدرداء أنه قال: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق، قال: اللهم إني أعوذ بك من خشوع النفاق. قيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع. نسأل الله العافية.
يعني قد نرى الإنسان أنه في صلاته خاشع ومُقبل على ربه، لكن قد يكون قلبه -يعني- خارج الصلاة، يعني ما عنده خشوع، لكن من يحكم بذلك؟ ما يعلمه إلا الله؛ لأن الله الذي يعلم ما في القلوب سبحانه. لا تحكم على أحدٍ مطلقًا، لا تقُل: هذا خاشٍ ولا خاشع؛ لنا الظاهر والباطن لله، لا يعلمه إلا الله ، من أظهر لنا خيرًا رجونا له خيرًا، ومن أظهر شرًّا كذلك.
قال: ورُوي عن أبي الدرداء أنه قال: لو علمت أن اللهَ تقبَّل لي صلاةً واحدة لكان أحبَّ إليَّ من الدنيا وما عليها. صلاةً واحدة، لماذا يا أبا الدرداء؟ قال: لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]. الله أكبر، يعني ما دام أن الله تقبَّل مني هذه الصلاة فأنا من المتقين.
المسلم عليه دائمًا إذا أراد أن يعرف نفسه: هل هو صادق النِّيَّة أو خائب النِّيَّة؟ ينظر إلى خوفه من النفاق، وإلى خوفه من الأعمال التي -يعني- يَبطل بها عمله.
ثبت عن عبدالرحمن -اسمع هذا الكلام- ابن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومئة من الأنصار من أصحاب رسول الله ، لا يُسأل أحدٌ منهم عن مسألة إلا وَدَّ أن يكون أخاه قد كفاه. يعني أدرك مئة وعشرين من الصحابة؛ لأنه تابعيٌّ، ما منهم من أحدٍ إذا عُرضت عليه المسألة إلا ويُحب أن أخاه قد أفتى فيها وكفاه إياها، وربما تدور المسألة في مجلس الصحابة من الأوَّل وترجع إليه، يسأله العلماء . هؤلاء علماء، صحيحٌ العالم أو طالب العلم إذا سُئل وعنده عامَّةٌ لا يقول: اسأل فلانًا العامي، لكن إذا كانوا علماء وطلاب علم: أهل حديث، أهل فقه ومعرفة للعلم الشرعي؛ يُحيل بعضهم إلى بعض إن تيسر؛ قال: ما منهم مِن أحدٍ إلا ويحب أن أخاه قد كفاه. هذا يدلُّ على الإخلاص والصدق.
بعض الشباب الآن في بعض المجالس، حتى لو يكون فيها بعض العلماء، حتى قد بلغني أن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى كان في مجلسٍ في كلية من الكليات، وكان به أساتذة وبحضور الشيخ، وكان معهم طالب من الطلاب، فجاء واحد ثانٍ يسأل -طالب من الطلاب- يسأل سماحة الشيخ، فالطالب استعجل قال: في مذهب الإمام أبي حنيفة كذا، وفي مذهب كذا. فسكت الشيخ، ما قال شيئًا، فأراد الاجابة عنه، يعني: عندك هذا، يعني اسأله، كمِّل، ها!
سبحان الله! بعض الناس يستعجل، هذا من الأمور التي لا يجوز للمسلم أن يستعجل فيها؛ ولهذا قال العلماء: العلم ثلاثة أشبار، مَن دخل في الشبر الأول تكبَّر. حفظ حديثًا، حفظ قولًا من الأقوال.. صار ما شاء الله عالمًا كبيرًا! قال: ومَن دخل في الشبر الثاني تواضع، ومن دخل في الشبر الثالث علم أنه لا يعلم.
ولهذا كان سماحة شيخنا رحمه الله تعالى أحيانًا يعتذر عن الأسئلة ويقول أو عن بعض الأجوبة يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85].
سبحان الله! بعض الناس لا يقول هذا، يحاول أنه يخرج أو يُخرج للسائل إجابةً على أيِّ طريقةٍ، على أقلِّ الأحوال يقول: المسألة فيها قولان، "المسألة فيها قولان" يصرف السائل، أو "مُختلف فيها". قُل: "ما عندي علم"، خلاص يكفي، قُل: "ما أعرف"، قُل: "أراجع المسألة" إذا كنت طالب علم، أو "أسأل لك أهل العلم". هذا يدلُّ على عدم الإخلاص والصدق.
ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى -اسمع هذا الكلام الجميل، والله كلام صحيح، ما هناك شيء أفضل من الأحاديث والآيات، لكن كلام الحكمة يُقبل- قال: العمل بغير إخلاصٍ ولا اقتداء -أي بالنبي عليه الصلاة والسلام- كالمسافر يملأ جرابه رملًا، يُتعبه ولا ينفعه.
اسمع كلامه، واحدٌ مسافر عنده كيس، مرَّ على رملٍ وعبَّأ الكيس هذا من الرمل، وحمله في ظهره، هذا يُتعبه لكن هل يستفيد من هذا الرمل؟ التراب؟ قالوا: العمل بلا إخلاصٍ ولا اقتداء -يعني بالنبي عليه الصلاة والسلام- كالمسافر يحمل في جرابه رملًا يُتعبه ولا ينفعه. نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
فالمسلم عليه أن يُعنى بهذا، وعليه أن يتقي الله تعالى، ويسأل الله التوفيق، يسأل الله التوفيق والإخلاص في العمل، ويسأل الله النِّيَّة الصادقة: يا مقلب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك. يا مصرف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك. يسأل الله الخير؛ لأن هذا بيد الله تعالى؛ الله إذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، يسأل الله الإخلاص والصدق.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما أُعطي الإنسان بعد الإخلاص خيرًا من العافية، فاسألوا الله العافية[43]رواه الترمذي: 3558، وابن ماجه: 3849، وأحمد: 10، واللفظ له، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 946. أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
الإخلاص شأنه عظيم، والصدق في النِّيَّة شأنه عظيم؛ ولهذا الإنسانُ الصادق -يعني- يحصل على الثواب العظيم، كما قال أبو أمامة قال عن النبي عليه الصلاة: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا، وابتُغي به وجه الله تعالى[44]رواه النسائي: 3140، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 52.، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام في هذا أحاديث كثيرة.
فوائد النِّيَّة الصالحة
لا شك أن الإنسان إذا قام بهذا العمل يحصل على فوائد، فوائد كثيرة:
أولًا: أن النِّيَّة هي الأساس في قبول الأعمال والأقوال.
الأمر الثاني: أن النِّيَّة هي الأساس في قبول الدعاء، إذا دعوتَ الله يقبل اللهُ دعاءك وأنت صادق.
ثالثًا: يرفع الله تعالى منزلة الإنسان في الدنيا والآخرة بصدق النِّيَّة، إذا كانت نيته صادقة خالصة، يبتعد الإنسان عن الوساوس وعن الشيطان إذا كانت نيته صالحة، يتحرَّر الإنسان من عبودية المخلوقين إلى عبودية الله تعالى، يُقوِّي العلاقات الاجتماعية، وينصر الله تعالى بالإخلاصِ والنِّيَّةِ الصالحة الأمةَ، يُفرِّج الله تعالى على الإنسان بالنِّيَّة الصالحةِ الشدائدَ في الدنيا والآخرة. هذا من الفوائد، كذلك يُقوِّي الإيمان، حصول كمال الإيمان والاهتداءِ للصادق مع الله تعالى.
وصور الإخلاص كثيرة، منها: الإخلاص في التوحيد، والنِّيَّة الصادقة في التوحيد، رجلٌ يومَ القيامة يُؤتى عليه بتسعةٍ وتسعين سِجِلًّا مكتوبة عليه من السيئات، فيُقال: هل لك من حسنات؟ فيقول: لا، ما عندي شيء. فيقال: بلى، إن لك عندنا. ثم يُؤتى ببطاقة يُسمونه العلماء حديث البطاقة مكتوبٍ بها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ثُم توزن هذه البطاقة بتسعة وتسعين سجلًا فتَرْجح البطاقة وتخف السجلات، لا يَثقُل مع اسم الله شيءٌ[45]رواه الترمذي: 2639، وابن ماجه: 4300، وأحمد: 6994، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 135..
لكن ذكر العلماء بأن هذه الشهادة إما أن تكون عند الموت صدقًا، أو تكون في بداية الإسلام والله أعلم؛ فلا يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وهو لا يصلي، ويقوم بالمنكرات والبلايا والجرائم. لا، المقصود ليس هذا، المقصود أنه أتى بهذه الكلمة فأحرقت جميع أعماله الكفرية، مثل الرجل -انظر- قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، وقاتل فقُتل، فقال: عمل قليلًا وأُجِر كثيرًا[46]رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900.، كيف؟ إذن؛ هذا يأتي بالبطاقة، وكذلك يأتي -والله أعلم- بهذا الجهاد.
هذا الرجل -والله أعلم- أن الحديثَ ينطبق عليه أحسن من الأول، الذي علَّمه النبيُّ عليه الصلاة والسلام الإسلام، علَّمه الإسلام، تقدم، علَّمه الإسلام ثم سقط خُفُّ بعيره في جُحْر اليربوع، فقيل: عليكم بالرجل، فوجدوه قد مات، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: عمل قليلًا وأُجر كثيرًا[47]رواه أحمد: 19158، وحسنه محققو المسند.، يعني معناه: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.
إذن؛ هذا قال الكلمة عند الموت أو قبل الموت فأحرقت جميع الكفريات، وأحرقت جميع المعاصي، أو قالها في وقتٍ ولم يتمكَّن. أما الذي يقول: "لا إله إلا الله" ولا يُصلي، أو يأتي ببطاقةٍ: عنده إقامة أو عنده جوازٌ مكتوبٌ فيه: محمد بن عبدالله يشهد: مسلم الديانة، مسلم ولا يُصلي، ولا يعمل أعمال الإسلام؛ هذا لا يدخل في هذه البطاقة؛ البطاقة لمن أتى بسببٍ من الأسباب: إما قالها عند الموت وأهلكت جميع السيئات، وإما قالها تائبًا لله تعالى واستمر على ذلك.
أسأل الله تعالى لي ولكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يحبه ويرضاه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907. |
|---|---|
| ^2 | صحيح البخاري: 2996. |
| ^3, ^5, ^6, ^14, ^19 | سبق تخريجه. |
| ^4 | رواه أبو داود: 1314، والنسائي: 1784، وأحمد: 24441، وصححه الألباني في "إرواء الغليل": 454. |
| ^7 | رواه أحمد: 7926، والبيهقي في "شعب الإيمان": 2702. |
| ^8 | رواه أبو داود: 564، النسائي: 855، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6163. |
| ^9 | رواه البخاري: 4423. |
| ^10 | رواه بنحوه أبو داود: 2537، وحسنه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2288. |
| ^11, ^46 | رواه البخاري: 2808، ومسلم: 1900. |
| ^12, ^47 | رواه أحمد: 19158، وحسنه محققو المسند. |
| ^13 | رواه البخاري: 55، ومسلم: 1002. |
| ^15 | رواه البخاري: 56، ومسلم: 1628. |
| ^16 | رواه البخاري: 1442، ومسلم: 1010. |
| ^17 | رواه الترمذي: 2325، وابن ماجه: 4228، وأحمد: 18031، وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3024. |
| ^18 | تقدم تخريجه، وهذا تتمة الحديث السابق. |
| ^20, ^21 | رواه البخاري: 6491، ومسلم: 128. |
| ^22 | رواه البخاري: 7501، ومسلم: 129 واللفظ له. |
| ^23 | رواه البخاري: 31، ومسلم: 2888. |
| ^24 | رواه الترمذي: 2658، وابن ماجه: 3056، وأحمد: 13350، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 4. |
| ^25 | رواه الترمذي: 2658، وابن ماجه: 3056، وأحمد: 13350، عند عدد من الصحابة ، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 92. |
| ^26 | رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6259. |
| ^27 | رواه مسلم: 2985. |
| ^28 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2986. |
| ^29, ^30 | رواه مسلم: 1905. |
| ^31, ^34 | رواه أحمد: 23630، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6412، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 1555. |
| ^32 | رواه ابن ماجه: 4204، والبيهقي في "شعب الإيمان": 6413، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 2607. |
| ^33 | رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وأحمد: 15838، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33. |
| ^35 | رواه الترمذي: 3267، والنسائي في "السنن الكبرى": 11451، وقال الترمذي: حديث حسن. |
| ^36, ^37 | رواه مسلم: 1015. |
| ^38 | رواه البخاري: 5641، ومسلم: 2572. |
| ^39 | رواه البخاري: 3242، ومسلم: 2395 |
| ^40 | رواه البخاري: 3294، ومسلم: 2396. |
| ^41 | رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162. |
| ^42 | هذه الآثار علقها البخاري في "الصحيح": 1/ 18. |
| ^43 | رواه الترمذي: 3558، وابن ماجه: 3849، وأحمد: 10، واللفظ له، وصححه الألباني في "التعليقات الحسان": 946. |
| ^44 | رواه النسائي: 3140، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 52. |
| ^45 | رواه الترمذي: 2639، وابن ماجه: 4300، وأحمد: 6994، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 135. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط