تخطى إلى المحتوى

مفهوم العبادة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أما بعد:

لا شكَّ أن الله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته ، كما قال سبحانه: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ۝ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ۝ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56- 58].

فالله تعالى خلق الجن والإنس لعبادته، وإذا قام العبد بهذه العبادة التي هي اسمٌ جامعٌ لكلِّ ما يُحبه اللهُ تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة؛ فإنه يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة.

فالعبادة تشمل هذه الأمور، تشمل هذا التعريف: كل اسمٍ من الأقوال يُعبَد الله تعالى به. كل اسمٍ من العبادة، فعلٍ وقولٍ، من الأعمال والأقوال، الظاهرة والباطنة؛ يكون عبادةً لله تعالى بالنية الصالحة، بطلب الثواب من الله تعالى.

ولهذا؛ فالعبادةُ على نوعين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: الدعاء هو العبادة[1]رواه الترمذي: 2969، وابن ماجه: 3828، وأحمد: 18352، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3407.، يعني: الدين كله عبادةٌ، الدين كله دعاءٌ، معنى ذلك: أن قوله عليه الصلاة والسلام: الدعاء هو العبادة، دعاء مسألةٍ، كأن يسأل العبدُ -ذكرًا كان أو أنثى- ربَّه: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك الهدى والسداد، اللهم اهدني وسدِّدني، اللهم أصلح قلبي وعملي، اللهم اجعلني مباركًا أينما كنت. هذا سؤالٌ.

اللهم إني أسألك الجنة، وأعوذ بك من النار. هذا في الحقيقةِ دعاءُ مسألةٍ باللسان، ودعاءُ عبادةٍ.

دعاءُ العبادة يشملُ جميعَ أنواع العبادات: الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجيران، والقيام بما أوجب الله، والابتعاد عما نهى الله، يُقال له: دعاء عبادة.

كيف دعاء عبادةٍ؟ يعني: ما صلَّى هذا العبدُ المسلم -ذكرًا كان أو أنثى- ما صلَّى إلا يطلب الثواب؛ هذا دعاءُ عبادةٍ، ما صام إلا يطلب الثواب، ما برَّ والديه ووَصَل أرحامه إلا يطلب الثواب من الله تعالى.

إذن؛ العبادة: اسمٌ جامعٌ لكل ما يُحبه الله تعالى ويرضاه، من الأقوال والأعمال، الظاهرة والباطنة. وقد يدخل في هذه العبادة -بل تَدْخل فيها- المباحات إذا نوى العبد المسلم -سواءٌ أكان ذكرًا أم أنثى- إذا نوى بذلك طاعة الله تعالى.

مثال ذلك: لو نام الإنسان مبكرًا من أجل أن يستيقظ ويصلِّي صلاة الفجر؛ فإنه يكون هذا النوم عبادةً لله؛ لأنه يُعينه على الطاعة. لو أمسك عن بعض الكلام المباح حتى لا يقع في المُحرَّم فإنه يكون عبادةً، لو نوى بعمله -الذي يعمل من أجل الراتب، ومن أجل العمل- نوى به أن يقوم بالواجب من النفقة على العيال ومن النفقة على نفسه وعلى أولاده يكون عبادةً، إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئٍ ما نوى[2]رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907..

ركنا العبادة الصحيحة

وهذه العبادة كلُّها تقوم على ركنين: الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله عليه الصلاة والسلام. فلا تُقبل العبادة ولا يكون العمل صالحًا إلا إذا كان خالصًا لوجه الله الكريم، وكان على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا يُقال للعمل الصالح "عملٌ صالح" إذا كان خالصًا لوجه الله، وكان على سُنَّة رسول الله عليه الصلاة والسلام.

ولهذا بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: إنما الأعمال بالنيات -هذا يدل على الإخلاص لله- وإنما لكل امرئٍ ما نوى.

وبيَّن في المتابعة للنبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ[3]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له..

فيقوم الدين على ركنين: على الحديث الأول إنما الأعمال بالنيات، وعلى الحديث الثاني مَن عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ؛ فإذا قام بهذه العبادة على هذين الشرطين أو الركنين كان سعيدًا في الدنيا والآخرة.

ولهذا قال الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة إذا أخلص عمله لله، وعَبَدَ اللهَ تعالى على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام، لا شكَّ أن هذا فضلٌ عظيم.

أمثلةٌ للعبادة

ثم العبادة أنواعٌ، أعظم العبادات: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، ومعنى شهادة أن "لا إله إلا الله": لا معبود حقٌّ إلا الله، لا يُدعَى إلا الله، ولا يُستغاث إلا بالله، ولا يُذبَح إلا لله، ولا يُنذَر إلا لله، ولا يُحَب إلا لله، ولا يُعطَى إلا لله، ولا يُصرَف أيُّ نوعٍ مِن أنواع العبادة إلا لله تعالى. هذا هو معنى "لا إله إلا الله".

ومعنى شهادة "أن محمدًا رسول الله" عليه الصلاة والسلام: الاعتقاد الجازم أن محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام هو رسول الله حقًّا، عليه الصلاة والسلام، بعثه الله بالبشارة والنذارة عليه الصلاة والسلام، ورسول الله حقًّا للجن والإنس، لا نبيَّ بعده إلى يوم القيامة، عليه الصلاة والسلام.

ولا يكون العبد مؤمنًا بالنبي عليه الصلاة والسلام إلا بعد أن يعمل بالمقتضى: وهو تصديقه فيما أخبَر، واجتناب ما نَهَى عنه وزَجَر، وطاعته فيما أمَر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألا يُعبَد الله إلا بما شَرَع عليه الصلاة والسلام، فإذا آمن العبد بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام وبهذه الكلمة التي مَن قالها دخل الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن كان آخِرُ كلامِه "لا إله إلا الله" دخل الجنة[4]رواه البخاري: 5827، ومسلم: 27.، وكذلك قال : مَن قال "لا إله إلا الله" مِن قلبه خالصًا فإنه يدخل الجنة[5]رواه البخاري: 128، ومسلم: 385. كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ومِن أعظم العبادات بعد الشهادتين: الصلاة، مَن حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة، ومَن لم يحافظ عليها لم يكن له نورٌ ولا برهانٌ ولا نجاةٌ، وحُشِرَ يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبَيِّ بن خلف[6]رواه أحمد: 6576، وابن حبَّان: 2449، والبيهقي في "الشُّعب": 2565، وحسَّنه محققو "المسند"..

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة[7]رواه مسلم: 82.، وهذا للرجل والمرأة؛ فإذا سمعتِ المرأةُ القرآنَ والحديثَ بتوجيهٍ للرجال؛ فهو للرجال والنساء، إلا ما خصَّه الدليل: إذا كان يخص النساء أو يخص الرجال، يعني: ما يخص النساء -مثلًا-: الحجاب، وكذلك أحكام الحيض والنفاس. والرجال يختصون بأمورٍ منها: الصلاة في المسجد مع الجماعة واجبةٌ فريضةٌ على الرجال لا على النساء، والجهاد إذا كان الجهاد من أنواع الفرض المفروض فإنه يكون على الرجال لا النساء.

فهناك أمورٌ خاصةٌ يسيرةٌ بالرجال، وأمورٌ خاصةٌ بالنساء، لكن القرآن إذا سمعه العبدُ المسلم -سواءٌ أكان ذكرًا أم أنثى- يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102] فهذا للرجال والنساء، ويقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70- 71]، فهذا للرجال والنساء، وهكذا.

فالمسلم عليه أن يعلم بأن الأمور والواجبات على الرجال والنساء، إلا ما خصَّه الدليل، وعلى هذا فالصلاة فريضةٌ من فرائض الإسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمَن تركها فقد كفر[8]رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وأحمد: 22937، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4143..

فالصلاة ركنٌ عظيمٌ مِن أركان الإسلام، وهي مِن أعظم العبادات بعد الشهادتين، وكذلك الزكاة لمَن كان عنده مالٌ واكتملت الشروط، والصيام -صيامُ رمضانَ- كذلك، وحج البيت إذا اكتملت الشروط الخمسة كما ذكر العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأن الحج يجب في العمر مرةً واحدةً، والعُمرة كذلك لا تجب إلا في العمر مرةً واحدةً، وما زاد فهو تطوُّعٌ. هذا من فضل الله تعالى، هذا من أعظم العبادات.

ومن أعظم العبادات: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره مِن الله تعالى.

ومن أعظم العبادات: بِرُّ الوالدين، والإحسان إلى الجيران، وصلة الأرحام، وغير ذلك مما أوجب الله تعالى.

ومن أعظم العبادات: الابتعاد عن المُحرَّمات، والقيام بالواجبات، فيقوم بجميع ما أمر الله به، ويبتعد عما حرَّم الله عليه.

ومن العبادات الخاصة بالنساء: التزام الحجاب، كما قال الله تبارك وتعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ... -هذا للجميع- وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ -للرجال خاصةً هذا، وللنساء خاصةً ما بعده:- وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا... -ما ظهر منها: أي: اللباس الخارجي، فهذا لا تُؤاخَذ به، هذا ظاهرٌ؛ لأنه لا بُدَّ منه، هو ظاهر العباءة، ظاهر الحجاب يُرى ولا بأس، لكن لا بُدَّ أن يكون الحجاب فَضْفاضًا- إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ... -ذَكَر اللهُ ​​​​​​​ اثني عشر:- إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور:30- 31].

هذا توجيهٌ من الله تعالى للنساء ألا تُبديَ زينتها إلا لهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى، وكذلك ما جاء في الأدلة الأخرى؛ لأن المحارم للمرأة إما أن يكونوا من جهة النسب، وإما من جهة السبب كالرضاعة وما يتعلق بها، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: يَحرُم من الرَّضاع ما يَحرُم من النسب[9]رواه البخاري: 2645، ومسلم: 1445.، سبعٌ من النسب وسبعٌ من الرضاعة يُحرِّمن على الرجال.

ويجوز للنساء أن يُبدين زينتهن لهؤلاء، إلا الفسقة المجرمين، قد يكون الأخ أو يكون العم من المجرمين السكارى والعياذ بالله تعالى، فإنه يُخشَى منه؛ فالمرأة تكون على حذرٍ من هذه الأمور، وعليها أن تقصد بعملها وجه الله تعالى وتحصل على الثواب العظيم.

ولهذا بيَّن الله تبارك وتعالى في هذا البيان العظيم للنبي عليه الصلاة والسلام: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الأحزاب:59]، فالله تعالى أمر النبيَّ عليه الصلاة والسلام أن يقول لنسائه وبناته ونساء المؤمنين أن يُدْنين عليهن من جلابيبهن. والجلباب: هو الذي يُغطِّي صَدْر المرأة ويُغطي شعرها ويُغطي سائر جسدها، ولا يُرى منها إلا العينان أو عينٌ واحدةٌ كما ذكر السلف رحمهم الله تعالى.

وحينما نزلت هذه الآية قامت نساء الأنصار رضي الله عنهن ودخلن في مُرُوطِهن، وصَلَّيْن مع النبي عليه الصلاة والسلام صلاةَ الفجر كأنهن الغِرْبان، يَقْصِدْنَ وجه الله تعالى والدارَ الآخرة. هذا يدل على أن الصحابيات رضي الله عنهن من أفضل النساء بعد زوجات النبي صلوات الله وسلامه عليه.

وقد بيَّن اللهُ تبارك وتعالى ذلك بآياتٍ أخرى، فأوجب اللهُ تعالى فيها الحجاب على المرأة. فعليها أن تراقب الله ​​​​​​​، تراقب الله، لا تنظر إلى الناس، إذا راقبت الله وقامت بما أوجب الله عليها من بِرِّ الوالدين، والإحسان إلى الجيران، ومن طاعة الزوج، ومن طاعة الله تعالى قبل ذلك، وحافظت على الصلوات الخمس؛ فإنها تدخل الجنة من أيِّ أبواب الجنة شاءت، كما جاء في الحديث[10]رواه أحمد: 1661، وابن حبان: 4163، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 660..

ولا شكَّ أن المسلمة عليها أن تتقيَ الله، وتُبشِر بالخير والسعادة في الدنيا والآخرة.

ثم مِن أعظم العبادات كذلك: تعلُّمُ القرآن، هذا القرآن العظيم هو كلام الله تعالى، مُنزَّلٌ غيرُ مخلوقٍ، منه بدأ وإليه يعود، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: خيركم مَن تعلَّم القرآن وعلَّمه[11]رواه البخاري: 5027.، خير الناس، خير المسلمين مَن تعلَّم القرآن وعلَّم القرآن.

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله بذلك الحرف حسنة، لا أقول: الم حرفٌ، ولكن ألفٌ حرفٌ ولامٌ حرفٌ وميمٌ حرف[12]رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6469.، يعني: كل حرفٍ بحسنةٍ، والحسنةُ بعَشْرِ أمثالها.

وثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أيُّكم يحب أن يغدو إلى بُطْحانَ، فيأتي بناقتين كَوْماوَيْن... -أي: عظيمتين- في غير إثمٍ ولا قطيعة رحم. قالوا: نحب ذلك يا رسول الله. قال: لَأَنْ يغدوَ أحدُكم إلى المسجد فيَعْلَم آيتين أو يقرأ آيتين خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربعٍ، ومِن أعدادِهن من الإبل[13]رواه مسلم: 803..

هذا يدل على فضل الله تعالى، وأن القرآن العظيم... يحصل المسلم على هذا الأجر العظيم بتلاوة القرآن وبتدبُّر القرآن، كما بيَّن الله تعالى: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص:29].

والقرآن يُقرأ للعمل، ويَحتسب الأجر من الله تعالى على هذه القراءة؛ لأنه كلام الله تعالى. وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنَّ مَن قرأ القرآن كله فإنه يَحصُل على الأجر العظيم الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، في هذه الآيات، وفي هذه الأحاديث؛ فثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال عليه الصلاة والسلام في الحديث كما سمعنا: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله فله به حسنةٌ، والحسنة بعشر أمثالها[14]سبق تخريجه..

القرآن -كما ذَكَر بعض العلماء كالقرطبي وغيره- ثلاثُمئةٍ وأحدَ عشرَ ألفًا ومئتان وواحدٌ وخمسون حرفًا، اضرِب هذه الثلاثَمئة وأحد عشر ألفًا ومئتين وواحدًا وخمسين في عشرةٍ؛ تُصبح حسناتٍ عظيمة.

وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام كما سمعنا في الحديث: فيَعْلَم آيتين أو يقرأ آيتين خيرٌ له من ناقتين، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ[15]سبق تخريجه..

والقرآن بالإجماع أكثر من ستة آلاف آيةٍ، فإذا ختم الإنسانُ القرآنَ -المسلم ذكرًا كان أو أنثى- فإنه يحصل على أعظم وأفضل من ستة آلاف ناقةٍ مِن المَزَاين حتى من أعظم الإبل.

هذا يدل على عِظم ثواب القرآن؛ لأنه كلام الله تبارك وتعالى؛ ولأن هذا القرآن أنزله الله تعالى رحمةً، وأنزله الله تعالى حُكمًا للناس، مَن عمل به كان على السعادة وعلى الصراط المستقيم، ومَن زاغ عنه وأعرض عنه فالله تعالى قد بيَّن: وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ۝ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا ۝ قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى [طه:124- 126].

فالمسلم عليه أن يُعنَى بهذا القرآن، ثم على الأخوات اللواتي يَدْرُسن القرآن أن يَشْكرن الله تعالى، يَشْكرن الله على هذه النعمة، اللهُ يسَّر هذه النعمة لهؤلاء الأخوات حتى تعلَّمْنَ القرآن، وغيرُهن من الناس ربما يتعلَّم الموسيقى والأغاني والطرب والمجون وما يُقرِّبه إلى نار جهنم! وأنتن تَعَلَّمتن القرآن؛ فاشكرن الله على هذه النعمة العظيمة، وسَلُوا الله تعالى أن يُثبِّت القلوب على الهدى كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: يا مُقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك[16]رواه الترمذي: 3587، وأحمد: 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4801.، يا مُصرِّف القلوب، صرِّف قلوبنا على طاعتك[17]رواه مسلم: 2654..

أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه؛ إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبقية الكلام -إن شاء الله- مع الأسئلة، إذا كان هناك أسئلةٌ تأتي عن طريق الكتابة، والله تعالى المُوفِّق.

^1 رواه الترمذي: 2969، وابن ماجه: 3828، وأحمد: 18352، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 3407.
^2 رواه البخاري: 1، ومسلم: 1907.
^3 رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له.
^4 رواه البخاري: 5827، ومسلم: 27.
^5 رواه البخاري: 128، ومسلم: 385.
^6 رواه أحمد: 6576، وابن حبَّان: 2449، والبيهقي في "الشُّعب": 2565، وحسَّنه محققو "المسند".
^7 رواه مسلم: 82.
^8 رواه الترمذي: 2621، والنسائي: 463، وابن ماجه: 1079، وأحمد: 22937، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4143.
^9 رواه البخاري: 2645، ومسلم: 1445.
^10 رواه أحمد: 1661، وابن حبان: 4163، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 660.
^11 رواه البخاري: 5027.
^12 رواه الترمذي: 2910، والبيهقي في "شُعب الإيمان": 1830، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 6469.
^13 رواه مسلم: 803.
^14, ^15 سبق تخريجه.
^16 رواه الترمذي: 3587، وأحمد: 12107، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع الصغير": 4801.
^17 رواه مسلم: 2654.