جدول المحتويات
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأشكر الله تعالى على توفيقه للوصول إلى هذا المكان، ونسأل الله تعالى أن يتقبل من الجميع.
الغاية من الخلق وشروط قبول العبادة
أيها الإخوة، لا شكَّ أن الله تعالى خلق الجنَّ والإنس لعبادته وحده لا شريك له، فمَن قام بهذه العبادة سعد في الدنيا والآخرة، كما قال الله تبارك وتعالى: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، فالله تعالى خلق العباد لعبادته وحده، وهو غنيٌّ عنهم وعن عبادتهم.
وهذه العبادة لا تُقْبَل إلا بأمرين:
- الأمر الأول: الإخلاص لله تعالى وحده لا شريك له، فأي عبادةٍ كانت -جميع أنواع العبادات- لا تُقْبَل إلا بأن تكون خالصةً لله وحده، يرجو العابدُ ثوابَ الله، ويخشى عقابه، ويطمع في رضاه.
- والأمر الثاني: أن تكون هذه العبادة على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن عمل عملًا ليس عليه أَمْرُنا فهو رَدٌّ[1]رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له..
بُطْلَان العبادة بالشرك بالله
من أعظم الأمور المُفسدة لهذه العبادة والمُهْلِكَة التي تُعتبر كالحَدَث إذا دخل على الطهارة، فالمسلم إذا توضأ وتَطَهَّر للصلاة فإن هذه الصلاة تُقْبَل بشروطها، ومنها: رفع الحَدَث، فإذا حصل الحَدَث بطلت الطهارة، وإن حصل أثناء الصلاة بطلت الصلاة.
هذه العبادة تبطل بالشرك بالله تعالى، بل يُبْطِل الشركُ بالله تعالى الإسلامَ كله إذا دخل الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
فأنا أُحبُّ أن أتكلم عن الوسائل التي تُوصل إلى الشرك الذي يُفْسِد الأعمال، والذي يُحْبِط جميع الحسنات، والذي يُخَلِّد في النار، والذي يُخْرِج من الإسلام، والذي يُبِيح الدم والمال.
هذا الشرك الأكبر -نعوذ بالله من الشرك الأكبر- له وسائل تُوصِل إليه، إذا ابتعد عنها المسلم نجا وسعد، وإذا وقع فيها خسر وخاب ووقع في الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
مفهوم الشرك وخطورته
مفهوم الشرك قبل الوسائل: هو أن تجعل لله نِدًّا، وهو خلقك، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام حينما سأله عبدالله بن مسعود قال: يا رسول الله، أيُّ الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا، وهو خلقك، "نِدًّا" أي: مثيلًا ومُساويًا وشبيهًا، وهو الذي خلقك. قال: قلتُ: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يَطْعَم معك، قال: قلتُ: ثم أيّ؟ قال: أن تُزَانِي حليلة جارك[2]رواه البخاري: 6001، ومسلم: 86.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
وقد حَذَّر الله تعالى منه في آياتٍ كثيرةٍ، منها قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]، وفي الآية الأخرى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116].
ويقول تبارك وتعالى عن هذا الشرك: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72].
وسائل الشرك
هذا الشرك تُوصِل إليه وسائل ينبغي للمسلم أن يحذرها ويبتعد عنها؛ حتى ينجو من هذا الشرك، وينجو من هذا الشر المُهْلِك للدين وجميع الأعمال.
من هذه الوسائل التي تُوصِل إليه:
الغلو في الصالحين
وهو سبب الشرك، السبب الأعظم، سبب شرك بني آدم؛ فقد كان الناس منذ أُهْبِطَ آدم إلى الأرض على التوحيد، كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام"، كلهم على الدين، ألف سنةٍ وهم على الإسلام، وعلى الدين، وعلى التوحيد، حتى عَظَّمُوا الصالحين، وحينما عَظَّمُوا الصالحين وقع الشرك في الأرض بعد آدم بألف سنةٍ، كما بيَّن ابن عباسٍ رضي الله عنهما؛ فأرسل الله تعالى نوحًا إلى أهل الأرض يُعَلِّمهم التوحيد بعد الشرك.
آدم عليه الصلاة والسلام ذُريته على التوحيد ألف سنةٍ حتى وقع الغلو في الصالحين؛ فأرسل الله تعالى نوحًا يُبَلِّغ الناس التوحيد، ويُحَذِّرهم من الشرك بالله تعالى؛ ولهذا كان هذا السبب هو السبب الأعظم لوقوع الشرك من العباد.
بناء المساجد على القبور وإدخال القبور في المساجد
من الوسائل التي تُوصِل إلى الشرك: بناء المساجد على القبور، وإدخال القبور في المساجد.
وهذا وإن كان لا يقع في هذه البلاد، ولا يقع في بعض البلدان، لكن الدنيا الآن أصبحت كالقرية الواحدة، بل كالغرفة الواحدة؛ لوجود وسائل الاتصالات التي تجمع الأخلاق والأديان وتُدْخِلها البيوت، فوجب أن يُحَذَّر من الشرك؛ لأن الإنسان قد يكون من المُوحِّدين والمُخْلِصين، ويدخل الشرك بالله تعالى في بيته عن طريق وسائل الإعلام، فعليه أن يعلم ذلك؛ حتى يحذر من هذا الشر العظيم، ومن هذا الخطر، ومن هذا المُفْسِد الذي يُفْسِد الأديان، ويُفْسِد الأخلاق.
فاصلٌ: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ذكرتْ أمُّ سلمة للنبي كنيسةً رَأَتْهَا في أرض الحبشة يُقال لها: مارية، وذكرتْ له ما رَأَتْ فيها من الصور، فقال رسول الله : أولئك قومٌ إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بَنَوا على قبره مسجدًا، وصَوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شِرَار الخلق عند الله[3]رواه البخاري: 434 واللفظ له، ومسلم: 528..
الشيخ: هذا الحديث الصحيح -الذي رواه مسلمٌ وغيره- يدل على أن الذين يتَّخذون القبور في المساجد، ويَبْنُون المساجد على القبور، ويعبدون القبور، هم شِرَار الخلق عند الله تعالى، كما قال رسول الله عليه الصلاة والسلام، والحديث مُتفقٌ على صحته.
ولا شكَّ أن العبد المسلم إذا أخذ حِذْرَه وانتبه وابتعد عن الوسائل فإنه يكون بعيدًا عن الشرك.
ووصية النبي عليه الصلاة والسلام قبل موته بخمس ليالٍ أوصى بذلك فقال: ألا وإن مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك[4]رواه مسلم: 532.، اللهم صلِّ وسلم عليه، عند موته، الوصية قبل أن يموت بخمسة أيامٍ: ألا وإن مَن كان قبلكم كانوا يتَّخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك، اللهم صلِّ وسلم عليه.
اتِّخاذ القبور أعيادًا
من الوسائل التي تُوصِل إلى الشرك -والعياذ بالله تعالى- اتِّخاذ قبر النبي عليه الصلاة والسلام عيدًا؛ بحيث يُزَار في أوقاتٍ معينةٍ، أو يُدْعَى من دون الله تعالى، أو يُتَمَسَّح بقبره، فإن هذا يكون من الوسائل.
أما إذا دعاه من دون الله فقد وقع في الشرك -والعياذ بالله تعالى-؛ ولهذا سأل ربَّه عليه الصلاة والسلام فقال: اللهم لا تجعل قبري وَثَنًا يُعْبَد، اشتدَّ غضبُ الله على قومٍ اتَّخذوا قبور أنبيائهم مساجد[5]رواه مالك: 1/ 172 مُرسلًا، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 750.، اشتدَّ غضبُ الله تعالى.
وهذا يجعل المسلم يحذر من هذا العمل وينتبه؛ لأن الإنسان قد يقع في الشرك وهو لا يشعر، والعياذ بالله تعالى.
من هذه الوسائل كذلك: اتِّخاذ القبور عيدًا غير قبر النبي عليه الصلاة والسلام، بحيث تُزار زياراتٍ شركيةً -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- غير الزيارات الشرعية؛ بحيث يزورها في أوقاتٍ مُكرَّرةٍ ومُحدَّدةٍ بأوقاتٍ معينةٍ، فإن هذا يُعتبر عيدًا؛ لأن ما يتكرر في أوقاتٍ مُحددةٍ يُقال له: عيد.
فلا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك فقال: لا تجعلوا بيوتكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم[6]رواه أبو داود: 2042، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7226.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
لا تجعلوا بيوتكم قبورًا المعنى: اقرؤوا القرآن فيها، وصَلُّوا فيها، فإن البيوت إذا لم يُصَلَّ فيها فإن الإنسان قد جعلها قبورًا؛ لأن القبور لا يُصلَّى فيها، وإذا لم يُقْرَأ القرآن فيها كذلك.
الخلاصة: أن الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام تبلغ النبيَّ عليه الصلاة والسلام وأنت في أي مكانٍ.
أولًا: يُصلِّي عليك اللهُ تعالى، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن صلَّى عَلَيَّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا[7]رواه مسلم: 384.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
ثانيًا: أن الملائكة يُبَلِّغون النبيَّ عليه الصلاة والسلام، سَيَّاحون في الأرض يلتمسون مَن يُصلِّي على النبي عليه الصلاة والسلام؛ فَيُبَلِّغونه السلام عليه الصلاة والسلام.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعث عليًّا ألَّا يدع تمثالًا إلا طَمَسَه، ولا قبرًا مُشْرِفًا[8]المُشْرِف: العالي. ينظر: "كشف المُشكل من حديث الصحيحين" لابن الجوزي: 1/ 215. إلا سَوَّاه[9]رواه مسلم: 969.، وهذا يدل على الحذر، وأن المسلم عليه أن يحذر هذه الأمور؛ اتِّباعًا للنبي عليه الصلاة والسلام.
إسراج القبور وزيارة النساء لها
من هذه الوسائل الشركية: إسراج القبور، وزيارة النساء لها؛ لحديث ابن عباسٍ رضي الله عنهما: "أن رسول الله لعن زائرات القبور -وفي روايةٍ: زَوَّارات- والمُتَّخذين عليها المساجد والسُّرج"[10]رواه أبو داود: 3236، والترمذي: 320 وحسنه، والنسائي: 2043، وابن ماجه: 1575 بلفظ: "زَوَّارات".، وهذا الحديث رواه النَّسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه، ونقل العَلَّامة عبدالرحمن بن حسن تصحيحه عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، قال أنه صحح هذا الحديث، وشيخ الإسلام أنعم به وأكرم.
الإطراء والغلو في المدح
من هذه الوسائل: الإطراء والإفراط في المدح؛ بحيث يمدح النبي عليه الصلاة والسلام المدح الذي يُوصِله إلى العبادة، أو يرفع منزلته فوق المنزلة التي أنزله الله تعالى إياها عليه الصلاة والسلام.
فهو عبدالله عليه الصلاة والسلام، وهو رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الأولين والآخرين عليه الصلاة والسلام، وهو الرسول عليه الصلاة والسلام، والنبي الخاتم للأنبياء عليه الصلاة والسلام.
لا خير إلا دَلَّ أُمَّته عليه، ولا شرَّ إلا حذَّرها منه عليه الصلاة والسلام.
وهو الذي قال عليه الصلاة والسلام: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر[11]رواه الترمذي: 3148، وأحمد: 10987، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3643.، عليه الصلاة والسلام.
وبَيَّنَ أنه أول مَن ينشق عنه القبر يوم القيامة حينما يخرج الناس من قبورهم[12]روى مسلم: 2278 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول مَن ينشق عنه القبر، … Continue reading، فهذه من صفاته عليه الصلاة والسلام.
أما كون الإنسان يمدحه حتى يرفعه في منزلة الله تعالى -والعياذ بالله- فهذا من الوسائل الشركية؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُطْرُوني كما أَطْرَت النصارى ابنَ مريم، فإنما أنا عبده، فقولوا: عبدالله ورسوله[13]رواه البخاري: 3445..
فقولوا: عبدالله ورسوله يعني: لا ترفعوني فوق منزلتي التي أُنْزِلْتُها من الله تعالى، وإنما قولوا: عبدالله ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، فهو عبدالله ورسوله عليه الصلاة والسلام.
وقال: إياكم والغُلُوَّ في الدين؛ فإنما أهلك مَن كان قبلكم الغُلُوُّ في الدين[14]رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863..
الغلو في الدين: هو الزيادة في الدين بغير ما شرع الله تعالى، كأن يزيد في العبادة التي شرع الله تعالى، أو يزيد في الأذكار ويأتي بأذكارٍ بدعيةٍ غير مشروعةٍ، أو غير ذلك من أنواع العبادات.
والأصل في ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: مَن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردٌّ[15]رواه مسلم: 1718.، أي: مردودٌ عليه إن هو لم يكن على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام.
شَدُّ الرِّحال لغير المساجد الثلاثة
من وسائل الشرك -كما تقدم- شَدُّ الرِّحال إلى غير المساجد الثلاثة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى[16]رواه البخاري: 1995، ومسلم: 827..
الزيارة الشركية للقبور والفرق بينها وبين الزيارة الشرعية
من الوسائل: الزيارة الشركية للقبور.
هناك زيارةٌ شركيةٌ للمقابر، وزيارةٌ شرعيةٌ يُثَاب عليها الإنسان.
فالزيارة الشرعية تكون لأمورٍ:
أولًا: لإحياء سُنَّةٍ؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يزور القبور، ويدعو لأهلها صلوات الله وسلامه عليه، وأمر بزيارتها؛ لأنها تُذَكِّر الآخرة، وهذا هو السبب الثاني للزيارة الشرعية: أنه يزورها ليتذكر المسلمُ الآخرة؛ قال: كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تُذَكِّركم الآخرة[17]رواه أحمد: 1236، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 886.، تُذَكِّر الآخرة.
إذا زُرْتَ القبر وجدتَ أن هذا الشخص في قبره لا ينفع نفسه، وليس له عملٌ إلا ما قدَّم، وهذا من تذكير الآخرة: كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها؛ فإنها تُذَكِّركم الآخرة.
فاصلٌ: عن أبي هريرة ، عن رسول الله قال: إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له[18]رواه مسلم: 1631..
الشيخ: الأمر الثالث من أسباب مشروعية زيارة القبور: الدعاء لأهلها.
انقطعتْ أعمالهم، فأنت إذا زُرْتَهم تقول: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنَّا -إن شاء الله- بكم لاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية[19]رواه مسلم: 975، وابن ماجه: 1547 واللفظ له.، فهذا دعاءٌ للميت ينتفع به، ينتفع بدعاء الحيِّ.
هذه هي الزيارة المشروعة التي شُرِعَتْ، ودَلَّ عليها رسول الله عليه الصلاة والسلام.
أما النوع الثاني من أنواع زيارة القبور: فهي زيارةٌ شركيةٌ، أو زيارةٌ بدعيةٌ.
فالزيارة الشركية: هي أن يسأل الميت حاجته: أسألك يا فلان أن تقضي دَيْنِي، يا فلان، يا سيدي فلان، مدد، مدد، انصرنا على أعدائنا، انظر إلى ما حلَّ بالمسلمين.
هذا من الشرك بالله تعالى، والذي قال الله تعالى فيه: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17]، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ [يونس:107].
فلا شكَّ أن الله تعالى هو المُعطي، وهو المانع، وهو الخافض، وهو المُعِزُّ، وهو الذي بيده كل شيءٍ، وهو الذي يستحق العبادة، وهو الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن؛ فيكون، وهو الذي قال سبحانه: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40].
فيجب على العبد أن يُعلِّق قلبَه بالله تعالى؛ رجاءً وخوفًا ونَذْرًا، وجميع الأعمال الصالحة لا تُصْرَف إلا لله تعالى؛ لأن العبادة لا تُصْرَف إلا له وحده.
ولهذا فإن الشرك: هو أن يصرف العبدُ نوعًا من أنواع العبادة لغير الله تعالى.
فلا يُدْعَى إلا الله، ولا يُسْتَغَاث إلا بالله، ولا يُذْبَح إلا لله، ولا يُنْذَر إلا لله، ولا يُعْطَى إلا لله، ولا يُمْنَع إلا لله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان[20]رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.، رواه أبو داود.
هذا استكمل الإيمان؛ لأن أعماله كلها لله.
ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباسٍ رضي الله عنهما: يا غلام، إني أُعَلِّمك كلماتٍ، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجَاهك، إذا سألتَ فاسأل الله اسأل القادر على كل شيءٍ وإذا استَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بالله، واعلم أن الأُمَّة لو اجتمعتْ على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يَضُرُّوك بشيءٍ لم يَضُرُّوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام، وجَفَّت الصحف[21]رواه الترمذي: 2516، وأحمد: 2669، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5302.، فالله تعالى هو النافع، وهو الضَّار، وهو المُعطي، وهو المانع، وهو الخافض، وهو الرافع، وهو المُعِزُّ، وهو المُذِلُّ، بيده كل شيءٍ؛ إذن هو المُستحق للعبادة : أن تُصْرَف العبادة له وحده لا شريك له.
والعبادة القليلة تكون بالإخلاص كثيرةً، أما إن كانت غير خالصةٍ لله تعالى، ووقع فيها الشرك الأكبر؛ فإن هذا الشرك يُبْطِل الأعمال، والعياذ بالله تعالى.
التوسل
التوسل يكون مشروعًا بأمورٍ ثلاثةٍ:
التوسل المشروع
أولها: باسمٍ من أسماء الله تعالى، أو صفةٍ من صفاته، كأن تقول: أسألك يا الله بأسمائك الحسنى وصفاتك العُلا أن تُجِيب دعوتي.
تسأل الله بأسمائه وصفاته : يا قدير، يا عليم، عَلِّمني، وهكذا.
أو تسأل الله تعالى بعملٍ صالحٍ عملتَه أنت، تتقرب لله تعالى به، ودليل ذلك أحاديث كثيرةٌ، منها: حديث النَّفر الذين خرجوا في رَعْي مواشيهم، فَانْطَبَقَتْ عليهم صخرةٌ، كما ذكرهم النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: إنه لا يُنْجِيكم إلا أن تسألوا الله تعالى بصالح أعمالكم.
فقال الأول: اللهم إنه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنتُ لا أَغْبِق قبلهما أهلًا ولا مالًا[22]أي: ما كنتُ أُقَدِّم عليهما أحدًا في شُرْب نصيبهما من اللَّبَن الذي يَشْرَبَانه، والغَبُوق: شُرْب آخر … Continue reading، فَنَأَى بي طلب الشجر يومًا[23]أي: بَعُدَ بي طلب الشجر التي ترعاها الإبل. ينظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن: 14/ 530.، فلم أَرُحْ[24]أي: أرجع بالماشية. ينظر: "مطالع الأنوار" لابن قرقول: 3/ 194. عليهما حتى ناما، فَحَلَبْتُ غَبُوقَهما وجعلتُه على كَفِّي أنتظر استيقاظهما، والصِّبية يَتَضَاغَون[25]أي: يَتَبَاكون. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 8/ 147. عند قدمي حتى بَرَقَ الفجر[26]أي: أضاء. ينظر: "شرح صحيح البخاري" للأصبهاني: 4/ 180.، فاستيقظا، فَشَرِبَا غَبُوقَهما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فَافْرُجْ عَنَّا ما نحن فيه من هذه الصخرة. فارتفعت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
سألوا الله تعالى بصالح أعمالهم، فلك أن تسأل الله تعالى بصالح عملك: اللهم إني أسألك بإيماني بك، وبمحبتي لرسولك عليه الصلاة والسلام أن تغفر ذنبي، اللهم إني أسألك بمحبتي لرسولك عليه الصلاة والسلام، وبعملي العمل الفلاني ابتغاء مرضاتك أن تُنْجِيني. وهكذا، فهذا لا بأس به، من التوسل المشروع.
وقال الآخر: اللهم إنه كانت لي ابنة عَمٍّ أَحْبَبْتُها كأشدِّ ما يُحِبُّ الرجال النساء، فَأَرَدْتُها عن نفسها فامتنعتْ منِّي، حتى أَلَمَّتْ بها سَنَةٌ من السنين[27]يعني: أَتَتْ عليها سَنَةٌ شديدةٌ أَحْوَجَتْها. ينظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال: 6/ 398.، فَجَاءَتْني فأعطيتُها عشرين ومئة دينارٍ على أن تُخَلِّي بيني وبين نفسها، ففعلتْ، فلما وقعتُ بين رِجْلَيها قالت: يا عبدالله، اتَّقِ الله، ولا تَفُضَّ الخاتم إلا بحقِّه[28]"الخاتم" كنايةٌ عن بَكَارتها، و"إلا بحقِّه" أي: إلا بالنكاح، أي: لا تُزِل البَكَارة إلا بحلالٍ. ينظر: "عمدة … Continue reading، قال: فَقُمْتُ عنها، وتركتُ الذهب الذي أعطيتُها، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فَافْرُجْ عنَّا ما نحن فيه. فَانْفَرَجَت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج.
والثالث قال: اللهم إنِّي استأجرتُ أُجَرَاء -كان عنده عُمَّالٌ- فأعطيتُهم أجرهم غير رجلٍ واحدٍ ترك الذي له وذهب، فَثَمَّرْتُ أجره حتى كَثُرَتْ منه الأموال، فجاءني بعد حينٍ، فقال: يا عبدالله، أَدِّ إليَّ أجري. فقلتُ له: كل ما ترى من أجرك؛ من الإبل والبقر والغنم والرَّقيق. فقال: يا عبدالله، لا تَسْتَهْزِئْ بي. فقلتُ: إنِّي لا أستهزئ بك. فَأَخَذَه كله فَاسْتَاقَهُ، فلم يترك منه شيئًا، اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فَافْرُجْ عنَّا ما نحن فيه. فَانْفَرَجَت الصخرة؛ فخرجوا يمشون[29]رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743..
وهذا دليلٌ على أنه يجوز أن يتوسل الإنسان بالأعمال الصالحة التي يرى أنه قد أخلص لله تعالى فيها في دعائه.
فاصلٌ: عن أبي الدَّرداء : أن رسول الله كان يقول: دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مُستجابةٌ، عند رأسه مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كلما دعا لأخيه بخيرٍ قال المَلَكُ المُوَكَّل به: آمين، ولك بمثلٍ[30]رواه مسلم: 2733..
الشيخ: كذلك من الوسائل المشروعة: طلب الدعاء من الرجل الصالح، لكن الأفضل أن ينوي الإحسان إليه، فإذا أردتَ الإحسان إليه بحيث إذا دعا لك يكون له أجرٌ مثلك فهذا يكون طيبًا، ولكن هذا من التوسل المشروع.
والخلاصة: أن المسلم عليه أن يعلم ذلك؛ حتى لا يتوسل بالأشياء التي ابتُدِعَتْ.
التوسل البدعي
الأمر الثالث من هذه التَّوسلات البدعية: مَن يظنُّ أن الدعاء عند القبور مُستجابٌ، فهذه بدعةٌ لا يخرج من الدين بها، لكنها من البدع المُحْدَثة، فيظن أن الدعاء عند القبور مُستجابٌ أو أفضل من المسجد، وهذا من البدع المُحْدَثة بإجماع أهل السُّنة، ولا شكَّ أن هذا من الأمور العظيمة.
أنواع الشرك
هذا الشرك الذي تُوصِل إليه هذه الوسائل أنواع:
الشرك الأكبر
النوع الأول: هو الشرك الأكبر -كما سمعتم- الذي لا يغفره الله تعالى، بل يُحْبِطُ الأعمال، ويُهْلِكُ الإنسان، وهو هلاكٌ في الدنيا والآخرة.
الشرك الأصغر
النوع الثاني -وهو الذي خافه النبيُّ عليه الصلاة والسلام على أُمَّته[31]عن محمود بن لبيدٍ : أن رسول الله قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشِّرك الأصغر، قالوا: وما الشِّرك الأصغر … Continue reading-: هو الشرك الأصغر، ولا يُخْرِجُ من المِلَّة، لكنه خطرٌ على الإنسان -لما سيأتي- وهو كلُّ وسيلةٍ أو ذريعةٍ تُوصِلُ إلى الشرك الأكبر من الإرادات أو الأقوال أو الأفعال والأعمال.
الرياء وخطره
أما الإرادات فهو الرياء -أعاذنا الله وإياكم من ذلك- أو إرادة الإنسان بعمله الدنيا، فهذا يكون في الإرادات؛ ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام وحذَّر الأُمَّة -بل حذَّر الصحابة - فقال: ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدَّجال؟ قلنا: بلى. فقال: الشرك الخَفِي: أن يقوم الرجل يصلي فَيُزَيِّنَ صلاته؛ لما يرى من نظر رجلٍ[32]رواه ابن ماجه: 4204، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30.، أي: من نظر رجلٍ إليه، وهذا الحديث رواه ابن ماجه، وهو حديثٌ حسنٌ.
هذا يدلُّ على أن الرياء -والعياذ بالله تعالى- يُحْبِطُ العمل الذي قارنه.
وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربِّه تبارك وتعالى أنه قال: أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك، مَن عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشركَه[33]رواه مسلم: 2985.، فالله تعالى غَنِيٌّ عنَّا وعن عبادتنا، لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم، فإذا دخل فيه الرياء -والعياذ بالله- أو يُحِبُّ الإنسان أن يُثْنَى عليه ويُشْكَر، ويُحِبُّ أن يغفر الله له؛ فهذا هو الرياء.
إنسانٌ يُصلِّي، لكن يُزَيِّن صلاته، ويُطيل الركوع والتَّسبيح من أجل أن يغفر الله له، ومن أجل أن يُثْنِيَ عليه مَن حضر، فهذا أشرك مع الله تعالى في عبادته، والله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان لوجهه خالصًا.
ولهذا ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة -ليومٍ لا ريب فيه- نادى مُنَادٍ: مَن كان أشرك في عملٍ عمله لله أحدًا فَلْيَطْلُبْ ثوابه من عند غير الله؛ فإن الله أغنى الشُّركاء عن الشرك[34]رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33.، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.
وهذا يُوجب الحذر، فإن النبي عليه الصلاة والسلام خافه على الصحابة؛ على أبي بكرٍ وعمر رضي الله عنهما، وعلى الصحابة ، قال: أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فَسُئِلَ عنه فقال: الرياء[35]رواه أحمد: 23631، وحسَّن إسناده محققو "المسند".، والعياذ بالله تعالى، فخافه النبي عليه الصلاة والسلام على أُمَّته.
وكذلك يدخل في هذا الشرك: السُّمْعَة -والعياذ بالله- بأن يدعو الإنسانُ إلى الله تعالى من أجل أن يُقال: عالِم، أو يذكر الله تعالى من أجل أن يُقال: هذا من الذَّاكرين، أو يقرأ القرآن حتى يُقال: هذا من القُرَّاء، أو غير ذلك.
هذا من الأخطار التي ينبغي -بل يجب- على العبد أن يحذرها؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ به، ومَن يُرَائي يُرَائي الله به[36]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987.، نسأل الله العفو والعافية.
مَن سَمَّعَ الناسَ بعبادته إما بالإخبار فيقول: أنا أُصلِّي في الليل كذا وكذا، أو أقرأ القرآن في الليل، أو في النهار، أو كذا وكذا، أو أتصدَّق بكذا وكذا؛ من أجل أن يُثْنَى عليه، ومن أجل أن يُحْمَدَ ويُشْكَرَ على عمله، هذا من السُّمْعَة، والعياذ بالله.
أما إذا كانت نيته خالصةً لله تعالى؛ من أجل أن يُشَجِّعَ الناسَ على الخير، وعلى أن يقتدوا به، والله تعالى يعلم ما في قلبه، وأنه لا يريد إلا ذلك، ويريد الثواب من الله؛ حتى يُقْتَدى به؛ لما في قلبه من الإخلاص والصدق، ولكن هذا عزيزٌ إلا على القليل من عباد الله تعالى، حتى العلماء المُحقِّقون وأهل الفضل والإحسان يخافون على أنفسهم.
عمر بن الخطاب يُذْكَر عنه أنه كان يقول: يا حذيفة، أنشدك بالله، هل سمعتَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام عَدَّني من المنافقين؟
سبحان الله! سبحان الله!
يخشى أن يكون من المنافقين.
قال: لا، ولا أُزَكِّي بعدك أحدًا.
يريد أن يقطع الطريق على غيره.
سبحان الله! سبحان الله!
هذا يدلُّ على حرصهم على الخير، وعلى خوفهم من الله تعالى، والله تعالى قد أثنى عليهم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قلوبهم وَجِلَةٌ، يعني: يأتون بالأعمال الصالحة ولكن مع ذلك في قلوبهم خوفٌ من الله: هل تُقْبَل هذه العبادة أم لا تُقْبَل؟
قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أهو الذي يزني ويسرق ويشرب الخمر؟ قال: لا يا بنت الصديق، ولكنه الرجل يصوم ويتصدق ويُصلِّي وهو يخاف ألا يُتَقَبَّل منه[37]رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162.، رواه الترمذي، وهو حديثٌ جيدٌ.
..... الصحابة من علامات الصدق والإخلاص: أن يخاف الإنسان من ربِّه ، ويخاف على عمله ألا يكون خالصًا لوجه الله الكريم، يَتَّهم نفسه، ولكن يُحْسِن الظنَّ بالله تعالى.
ولهذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن مِن أول مَن تُسَعَّرُ بهم النار ثلاثةً: رجلٌ قرأ القرآن، والآخر كان من الكُرَماء؛ يُنْفِقُ في سبيل الله، والثالث جاهد في سبيل الله حتى قُتِلَ، فَيُؤْتَى بهم يوم القيامة، فيُسأل القارئ: لماذا قرأتَ القرآن؟ فيقول: قرأتُه لله تعالى وكذا وكذا. فيُقال: كذبتَ، إنما قرأتَه ليُقال: هو قارئ، وقد قيل. ثم يُؤْمَر به إلى جهنم -والعياذ بالله تعالى- والآخر لكرمه وجوده، فيُسأل ويُعَرَّف نعمة الله تعالى عليه، ثم يُقال: ماذا فعلتَ فيها؟ فيقول: ما تركتُ من سبيلٍ إلا تصدَّقتُ به ابتغاء مرضاة الله. فيُقال له: كذبتَ، وإنما فعلتَ ذلك ليُقال: هو جوادٌ -أي: كريم- نسأل الله العفو والعافية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ثم يُقال للمُجاهد في سبيل الله، الذي جاهد حتى قُتِلَ في سبيل الله، قال: جاهدتُ في سبيلك حتى قُتِلْتُ. فيُقال له: كذبتَ، وإنما فعلتَ ذلك ليُقال: هو جريءٌ، هو شجاعٌ[38]رواه الترمذي: 2382، والنسائي في "السنن الكبرى": 11824، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 22.، هذا على حسب النِّيات.
أما قراءة القرآن فهي من أعظم العبادات، ومن أعظم القُربات التي يُرْفَع بها الإنسان في الدنيا والآخرة، يرفعه درجاتٍ، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين[39]رواه مسلم: 817.، لكن إذا كان لغير الله فإنه يدخل بهذا الرياء والسُّمعة، لا بالقرآن، وإنما بالرياء؛ لعدم الإخلاص.
فاصلٌ: عن أبي سعيدٍ الخدري ، عن النبي قال: يخرج ناسٌ من قِبَل المشرق، ويقرؤون القرآن، لا يُجاوز تَرَاقِيَهم، يَمْرُقُون من الدين كما يَمْرُقُ السَّهم من الرَّمِيَّة، ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فُوقِه[40]موضع الوَتَر من السهم. ينظر: "الكواكب الدراري" للكرماني: 25/ 248.، قيل: ما سِيمَاهم[41]السِّيما: العلامة. ينظر: المرجع السابق.؟ قال: سِيمَاهم التَّحليق، أو قال: التَّسْبِيد[42]استئصال الشعر. ينظر: المرجع السابق.[43]رواه البخاري: 7562..
الشيخ: كذلك الجهاد في سبيل الله، مَن قُتِلَ في سبيل الله فله الجنة، ويشفع لسبعين من أقاربه، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام[44]عن المِقْدَام بن مَعْدِيكَرِبَ قال: قال رسول الله : للشَّهيد عند الله سِتُّ خصالٍ: يُغْفَر له في أول … Continue reading، وأرواح الشهداء في حواصل طيرٍ خُضْرٍ، تأوي إلى قناديل مُعلقةٍ بالعرش حتى يُرْجِعَها الله تعالى إلى أجسادها يوم يبعثها[45]عن مسروقٍ قال: سَأَلْنَا عبدَالله عن هذه الآية: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ … Continue reading، لكن إذا كان هذا العمل لغير الله، يريد أن يُقال: شجاع، ولا يريد الآخرة، فكذلك، نسأل الله العافية.
كذلك الكرم والجود، فالله تعالى يُحب الكُرَماء، كريمٌ يُحب أهل الجود وأهل الكرم، لكن إذا كان هذا لغير الله فإنه يكون من الرياء، والعياذ بالله تعالى.
ولا شكَّ أن النبي عليه الصلاة والسلام خاف هذا على أُمَّته أعظم من خوفه من المسيح الدَّجال، فقال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشِّرك الأصغر، قالوا: وما الشِّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة أي: للمُرَائين إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُرَاؤُون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟[46]رواه أحمد: 23631، وحسَّن إسناده محققو "المسند".، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.
فالمسلم عليه أن يحذر هذا، ويسأل الله التوفيق، ويسأل الله الإخلاص، ومن ذلكم أن يقول إذا خاف: اللهم إني أعوذ بك أن أُشْرِكَ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم[47]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 554.، يسأل الله الإخلاص في القول والعمل، ويسأل الله الصدق في العبادة، وفيما يُحبه الله تعالى ويرضاه.
صورٌ أخرى للشِّرك الأصغر
نوعٌ آخر من أنواع الشرك الأصغر هو: لبس الحلقة والخيط وغير ذلك من الوَدَع، فإن هذا من الشرك الذي بَيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام وحذَّر منه: مَن تَعَلَّق شيئًا وُكِلَ إليه[48]رواه الترمذي: 2072، وأحمد: 18781، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3456.، يُعَلِّق قلبَه بالله، يعتمد على الله بقلبه وبعمل الأسباب.
كذلك من هذه الأمور: إرادة الإنسان بعمل الآخرة عملَ الدنيا؛ لهذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: مَن تعلَّم علمًا مما يُبْتَغَى به وجه الله تعالى، لا يتعلَّمه إلا لِيُصِيبَ به عَرَضًا من الدنيا؛ لم يجد عَرْفَ الجنة يوم القيامة[49]يعني: ريحها. رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه، والأمر خطيرٌ، لكن على العبد المسلم أن يسأل الله العفو والعافية.
أضرار الشرك وآثاره المُدمرة
أختم هذا بأضرار الشرك التي تقع للعباد إذا أشركوا بالله تعالى.
من هذه الأضرار:
الشرك مصدر كل شَرٍّ وبلاءٍ
أولًا: أن شرَّ الدنيا والآخرة من أضرار الشرك وآثاره، فكل ما يحصل للناس من بلاءٍ، ومن شَرٍّ، ومن دمارٍ، ومن هزائم؛ فإنما يكون ذلك -في الغالب- من أضرار الشرك، أو من أضرار المعاصي المُوبِقَات التي تُهْلِك العباد -والعياذ بالله تعالى- كما قال الله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30].
سبب الكُربات في الدنيا والآخرة
الثاني من الأضرار: أنه السبب الأعظم لحصول الكُربات في الدنيا والآخرة، فالكُربات تحصل بسبب الشرك في الدنيا والآخرة، والعياذ بالله تعالى.
الضلال البعيد
الأمر الثالث: يحصل لصاحبه الضلال، ومن ذلك قول الله تعالى: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116].
ذنبٌ لا يُغْفَر
كذلك الرابع: الشرك الأكبر لا يغفره الله تعالى إذا مات صاحبه عليه ولم يَتُبْ قبل الموت؛ فإن الله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48].
حُبُوط جميع الأعمال
الأمر الخامس من أضرار الشرك الأكبر: أنه يُحْبِط جميع الأعمال: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام:88]، وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].
إنسانٌ يعبد الله تعالى ستين سنةً، يدعو الله بإخلاصٍ وصدقٍ ورغبةٍ فيما عند الله، ثم أشرك، أتى بنوعٍ من أنواع الشرك الأكبر: دعا غير الله، استغاث بغير الله، ذبح لغير الله، نذر لغير الله تعالى -والعياذ بالله- ثم مات على ذلك قبل أن يتوب؛ فإن أعماله تكون كلها هَبَاءً مَنْثُورًا -والعياذ بالله تعالى ونسأل الله العفو والعافية- فإن مَنَّ الله عليه بالتوبة وتاب قبل الموت أرجع الله له أعماله السابقة واللاحقة، وهذا من فضل الله تعالى وكرمه وجوده.
تحريم دخول الجنة
الأمر السادس من أضرار الشرك: أنه يُوجِب لصاحبه النار، ويُحَرِّم عليه الجنة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار[50]رواه مسلم: 93.، وكما قال الله تعالى: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، نسأل الله العفو والعافية.
الخلود في النار
الأمر السابع: أن الشرك الأكبر يُخَلِّد صاحبه في النار، خالدًا فيها مُخَلَّدًا، لا يخرج منها أبد الآباد.
من عقيدة أهل السُّنة والجماعة: أن الإنسان إذا مات على الذنوب والمعاصي والكبائر، ولم يَتُبْ منها، فإنه تحت المشيئة؛ إن شاء الله تعالى غفر له بما معه من الإيمان والتوحيد وغير ذلك، وإن شاء عَذَّبه وطَهَّره من هذه القاذورات بالنار -والعياذ بالله تعالى- أو بالعذاب في القبر -والعياذ بالله تعالى- ومصيره إلى الجنة إن سَلِمَ من نواقض الإسلام، وسَلِمَ من الشرك؛ لأن الله تعالى يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]؛ ولهذا قال الله تعالى في المشركين: خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ [البينة:6]، يعني: شَرّ الخَلِيقة المشركون -والعياذ بالله تعالى- وغير ذلك من الأمور.
أعظم الظلم والافتراء
الأمر الثامن من أضرار الشرك: أنه أعظم الظلم والافتراء: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان:13]، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48].
إذن هذا من أضرار الشرك العظيمة؛ أضرار الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى.
البراءة من الله ورسوله
كذلك الأمر التاسع: أن الله بريءٌ من المشركين ورسوله ، فالله تعالى بريءٌ من المُشرك الشرك الأكبر، ورسوله عليه الصلاة والسلام كذلك بريءٌ من المشركين.
سبب غضب الله وعقابه
الأمر العاشر من أسباب الشرك، أو من أضرار الشرك المُدمرة للعباد: أن الشرك هو السبب الأعظم في نيل غضب الله تعالى وعقابه، والبُعد عن رحمته، والعياذ بالله تعالى.
نعوذ بالله من غضبه وعقابه، ونعوذ بالله تعالى أن يُبْعِدَنا عن رحمته، ونسأل الله بوجهه الكريم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعلنا ممن يرحمهم في الدنيا والآخرة.
إطفاء نور الفطرة
الأمر الحادي عشر: الشرك يُطْفِئ نور الفطرة التي فطر الله تعالى عليها عباده؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه في الحديث الصحيح: خلقتُ عبادي حُنَفَاء كلهم، وإنهم أَتَتْهُم الشياطين فَاجْتَالَتْهُم عن دينهم، وحَرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلْتُ لهم، وأَمَرَتْهُم أن يُشْرِكُوا بي ما لم أُنَزِّل به سلطانًا[51]رواه مسلم: 2865.، رواه مسلمٌ.
إذن هو -في الحقيقة- يُطْفِئ نور الفطرة.
القضاء على عِزَّة النفس
الشرك يقضي على عِزَّة النفس، فبدل أن يدعو الإنسان ربه، ويستغيث بالله، ويدعو القادر على كل شيءٍ، ويعبده سبحانه، ويكون عزيزًا، يدعو الضُّعفاء والمساكين، كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]، ضعيفٌ يأوي إلى ضعيفٍ؛ ولهذا قال الله تعالى في كتابه العزيز يُبَيِّن الشرك: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، ضعيفةٌ، من أضعف المخلوقات: العنكبوت، وبيتها من أضعف البيوت، ضعيفٌ يأوي إلى ضعيفٍ.
أما المسلم فهو قويٌّ بطاعة الله تعالى، يأوي إلى الذي إذا أراد شيئًا أن يكون فإنما يقول له: كُنْ، فيكون.
من أضرار الشرك الأصغر
أما الشرك الأصغر فهو يُحْبِط العمل الذي قارنه، ويُنقص الإيمان، هذا الشرك الأصغر؛ فالعمل الذي قارنه يُحْبِطه، فإذا صلَّى ودخل فيه الشرك الأصغر فإن أعماله الماضية لا تبطل، وإنما يبطل العمل الذي قارنه الرياء، والعياذ بالله تعالى.
سبب الخوف ونزع الأمن
الشرك يُسبب الخوف ونزع الأمن في الدنيا والآخرة، أما الأعمال الصالحة والإخلاص لله تعالى فإن ذلك يُسبب الأمن التام إذا كمل في القلوب.
وأسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العُلَا أن يجعلني وإياكم من المُخْلِصين لله ربِّ العالمين، ونعوذ بوجه الله الكريم من الشرك، ونعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم من الرياء، ونسأله أن يجعل أعمالنا خالصةً لوجهه الكريم، وأن يعفو عنَّا وعن جميع المؤمنين، وأن يرزقنا وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحبه ويرضاه.
والإنسان لا ينسى أن الله على كل شيءٍ قديرٌ، وبالإجابة جديرٌ، فيسأله العفو والعافية في الدنيا والآخرة؛ ولهذا ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام شرع لنا أن يقول المسلم إذا أصبح وإذا أمسى: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودُنْيَاي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من بين يَدَيَّ، ومن خلفي، وعن يميني، وعن شمالي، ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أُغْتَال من تحتي[52]رواه أبو داود: 5074، وابن ماجه: 3871، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 659..
فالمسلم يسأل ربَّه التوفيق، ويسأل ربَّه الإخلاص، ويسأل ربَّه تبارك وتعالى أن يجعل عمله مقبولًا خالصًا لوجهه الكريم، والله تعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186].
أسأل الله تعالى أن يتقبل مني ومنكم، إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأن يُثَبِّتنا جميعًا على طاعته حتى نلقاه وهو راضٍ عنَّا.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.
| ^1 | رواه البخاري: 2697، ومسلم: 1718 واللفظ له. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 6001، ومسلم: 86. |
| ^3 | رواه البخاري: 434 واللفظ له، ومسلم: 528. |
| ^4 | رواه مسلم: 532. |
| ^5 | رواه مالك: 1/ 172 مُرسلًا، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 750. |
| ^6 | رواه أبو داود: 2042، وأحمد: 8804، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7226. |
| ^7 | رواه مسلم: 384. |
| ^8 | المُشْرِف: العالي. ينظر: "كشف المُشكل من حديث الصحيحين" لابن الجوزي: 1/ 215. |
| ^9 | رواه مسلم: 969. |
| ^10 | رواه أبو داود: 3236، والترمذي: 320 وحسنه، والنسائي: 2043، وابن ماجه: 1575 بلفظ: "زَوَّارات". |
| ^11 | رواه الترمذي: 3148، وأحمد: 10987، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3643. |
| ^12 | روى مسلم: 2278 عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول مَن ينشق عنه القبر، وأول شافعٍ، وأول مُشَفَّعٍ. |
| ^13 | رواه البخاري: 3445. |
| ^14 | رواه النسائي: 3057، وابن ماجه: 3029، وصححه الألباني في "صحيح سنن النسائي": 2863. |
| ^15 | رواه مسلم: 1718. |
| ^16 | رواه البخاري: 1995، ومسلم: 827. |
| ^17 | رواه أحمد: 1236، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 886. |
| ^18 | رواه مسلم: 1631. |
| ^19 | رواه مسلم: 975، وابن ماجه: 1547 واللفظ له. |
| ^20 | رواه أبو داود: 4681، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029. |
| ^21 | رواه الترمذي: 2516، وأحمد: 2669، وصححه الألباني في "مشكاة المصابيح": 5302. |
| ^22 | أي: ما كنتُ أُقَدِّم عليهما أحدًا في شُرْب نصيبهما من اللَّبَن الذي يَشْرَبَانه، والغَبُوق: شُرْب آخر النهار، مُقابل الصَّبُوح. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 341. |
| ^23 | أي: بَعُدَ بي طلب الشجر التي ترعاها الإبل. ينظر: "التوضيح لشرح الجامع الصحيح" لابن الملقن: 14/ 530. |
| ^24 | أي: أرجع بالماشية. ينظر: "مطالع الأنوار" لابن قرقول: 3/ 194. |
| ^25 | أي: يَتَبَاكون. ينظر: "تهذيب اللغة" للأزهري: 8/ 147. |
| ^26 | أي: أضاء. ينظر: "شرح صحيح البخاري" للأصبهاني: 4/ 180. |
| ^27 | يعني: أَتَتْ عليها سَنَةٌ شديدةٌ أَحْوَجَتْها. ينظر: "شرح صحيح البخاري" لابن بطال: 6/ 398. |
| ^28 | "الخاتم" كنايةٌ عن بَكَارتها، و"إلا بحقِّه" أي: إلا بالنكاح، أي: لا تُزِل البَكَارة إلا بحلالٍ. ينظر: "عمدة القاري" للعيني: 12/ 25. |
| ^29 | رواه البخاري: 2272، ومسلم: 2743. |
| ^30 | رواه مسلم: 2733. |
| ^31 | عن محمود بن لبيدٍ : أن رسول الله قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشِّرك الأصغر، قالوا: وما الشِّرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله لهم يوم القيامة إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تُرَاؤُون في الدنيا، فانظروا هل تجدون عندهم جزاءً؟ رواه أحمد: 23631، وحسَّن إسناده محققو "المسند". |
| ^32 | رواه ابن ماجه: 4204، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 30. |
| ^33 | رواه مسلم: 2985. |
| ^34 | رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 33. |
| ^35 | رواه أحمد: 23631، وحسَّن إسناده محققو "المسند". |
| ^36 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987. |
| ^37 | رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وذكره الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162. |
| ^38 | رواه الترمذي: 2382، والنسائي في "السنن الكبرى": 11824، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 22. |
| ^39 | رواه مسلم: 817. |
| ^40 | موضع الوَتَر من السهم. ينظر: "الكواكب الدراري" للكرماني: 25/ 248. |
| ^41 | السِّيما: العلامة. ينظر: المرجع السابق. |
| ^42 | استئصال الشعر. ينظر: المرجع السابق. |
| ^43 | رواه البخاري: 7562. |
| ^44 | عن المِقْدَام بن مَعْدِيكَرِبَ قال: قال رسول الله : للشَّهيد عند الله سِتُّ خصالٍ: يُغْفَر له في أول دُفْعَةٍ، ويرى مقعده من الجنة، ويُجَار من عذاب القبر، ويَأْمَن من الفزع الأكبر، ويُوضَع على رأسه تاجُ الوَقَار، الياقوتة منها خيرٌ من الدنيا وما فيها، ويُزَوَّج اثنتين وسبعين زوجةً من الحور العين، ويُشَفَّع في سبعين من أقاربه. رواه الترمذي: 1663، وابن ماجه: 2799، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1375. |
| ^45 | عن مسروقٍ قال: سَأَلْنَا عبدَالله عن هذه الآية: وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، قال: أَمَا إِنَّا قد سَأَلْنَا عن ذلك، فقال: أرواحهم في جوف طيرٍ خُضْرٍ، لها قناديل مُعَلَّقَةٌ بالعرش، تَسْرَح من الجنة حيث شاءتْ، ثم تأوي إلى تلك القناديل. رواه مسلم: 1887. |
| ^46 | رواه أحمد: 23631، وحسَّن إسناده محققو "المسند". |
| ^47 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 554. |
| ^48 | رواه الترمذي: 2072، وأحمد: 18781، وحسنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3456. |
| ^49 | يعني: ريحها. رواه أبو داود: 3664، وابن ماجه: 252، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 105. |
| ^50 | رواه مسلم: 93. |
| ^51 | رواه مسلم: 2865. |
| ^52 | رواه أبو داود: 5074، وابن ماجه: 3871، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 659. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط