تخطى إلى المحتوى

أسباب التأليف بين القلوب

إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَن يَهْدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضْلِل فلا هاديَ له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد:

فأشكر الله تعالى أن يسَّر الوصول إلى هذا المكان، وإلى هذه الوجوه كذلك، وأسأل الله تعالى أن يجعل عملي وعملكم خالصًا لوجه الله الكريم، وأن يرزقنا العلم النافع، والعمل الصالح، والتوفيق لما يُحِبُّه ويرضاه.

سَمِعْنا بعض الإشارات في كلام الشيخ الإمام جزاه الله خيرًا، لكن على كل مسلمٍ أن يَعلم أن الله تعالى يقول: وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ [يوسف:76]، ويقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء:85]، وموسى عليه الصلاة والسلام -كما في "صحيح البخاري"- قال له الخَضِر حينما مرُّوا على البحر وكان العصفور يأخذ نَقْرَةً من البحر: "يا موسى، ما نَقَصَ عِلمي وعِلمُك من عِلم الله إلا كنَقْرة العصفور في البحر"[1]رواه البخاري: 122 واللفظ له، ومسلم: 2380.، فالعلم عند الله، والله تعالى يقول وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا.

وذُكِرَ عن بعض السلف أنه قال: "العلم ثلاثة أشبارٍ، مَن دَخَلَ في الشبر الأول تكبَّر، ومَن دَخَلَ في الشبر الثاني تواضع، ومَن دَخَلَ في الشبر الثالث عَلِمَ أنه لا يعلم"، والمعنى: أن الإنسان إذا بدأ ولم يُوفَّق للإخلاص، فإنه إذا حفظ بعض النصوص وبعض الأحاديث تكبَّر وقال: "أنا من العلماء" في نفسه، وإذا دخل في العلم تواضع، وإذا تعمَّق وفَهِمَ وفَقُهَ عَلِمَ أنه لا يعلم؛ لأنه بحاجةٍ إلى العلم.

كان سماحة شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز رحمة الله تعالى عليه كثيرًا ما يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا، هو عالمٌ علَّامةٌ؛ ولهذا قال مَن أثق به: إنه سُئل عن هذا، والذي يخبرني الشيخ الدكتور عمر العيد، قال: إن العلَّامة عبدالرحمن بن ناصر البراك كان بجوار سماحة الشيخ قبل موته، فسُئِلَ سماحة الشيخ عن مسألةٍ، ولكنه اعتذر عن الإجابة عنها، وبعدما انتهى السائل وخرج أو أغلق الهاتف -لا أدري هل هو عن طريق الهاتف أو عن طريق السؤال مشافهةً- قال الشيخ: "عبدالرحمن، ما عندنا علمٌ، وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا"، فبكى العلَّامة عبدالرحمن البراك؛ لخشيته لله تعالى، ولا نُزَكِّيه على الله تعالى!

وهذا الشيخ ابن باز يقول: "ما عندنا علمٌ"، وكم من الناس ادَّعوا العلم، والله تعالى يقول: وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا!

تأليف القلوب مِنَّةٌ إلهيةٌ ومقصدٌ شرعيٌّ

وهذه الكلمة في هذه الليلة أنتم الذين وضعتموها ووضعها المكتب، وهي مناسبة جدًّا، جزاهم الله خيرًا، وهي: أسباب تأليف القلوب، والذي وضعه الإخوان قالوا: وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ، هذا في قول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ...، أي: كافيك الله، في المعاهدة بين النبي عليه الصلاة والسلام وبين الكفار، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ ۝وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال:62- 63].

هؤلاء هم الأوس والخزرج، كان بينهم تنافُرٌ وتناقُرٌ قبل هجرة النبي عليه الصلاة والسلام، وطال ذلك، حتى ذكر بعض أهل السِّيَر أنَّ المُشاحنة والقتال استمرَّا بينهم ما يُقارب مئةً وعشرين سنةً تقريبًا، فهم كانوا على تناقضٍ وكانت قلوبهم مُتنافرةً، وكان بعضهم يقتل بعضًا، وكان بينهم إحَنٌ، أي: عداواتٌ وشَحْناء، فألَّف الله تعالى بين قلوبهم بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

وهذا كما قال الله تعالى في الآية الأخرى في سورة آل عمران: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، وتقوى الله تعالى حقَّ تُقاته -كما قال ابن مسعودٍ - هي: "أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفَر".

هذه تقوى الله، إذا أردتَ أن تعلم ما معنى حَقَّ تُقَاتِهِ، قال ابن مسعودٍ : "هو أن يُطاع فلا يُعصَى..." مُطلقًا، ليست هناك ولا معصيةٌ، وطاعته حاصلةٌ، "هو أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكَر فلا يُنسى، ويُشكَر فلا يُكفَر"، إذن هذا الذي اتقى الله حقَّ تُقاته.

قال : وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ...، أي: استمِرُّوا على هذه التقوى حتى تموتوا وأنتم على الإسلام. هذه وصيةٌ من الله، وأمرٌ من الله تعالى.

قال : وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ۝وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا [آل عمران:102- 103]. الاعتصام بحبل الله، قيل: بعهد الله، وقيل: بالقرآن، وكلاهما حقٌّ؛ الاعتصام بحبل الله، وبالقرآن الكريم الذي هو حبل الله المتين، والذي هو النور المبين. هذا في الحقيقة هو الاعتصام بحبل الله، كما بيَّن الله تعالى.

وَلَا تَفَرَّقُوا: التفرُّق يُسبِّب الخلاف، والاختلاف يُسبِّب الشحناء ويُسبِّب البغضاء، حتى يصل إلى القتال، والعياذ بالله تعالى!

وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ...: هذا للأوس والخزرج، هذه مثل الآية الأولى التي في الأنفال، قال : وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ...، الشَّفَا هو: الطَّرَف، ما بقي بينهم وبين النار إلا أن يسقطوا في النار، وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا، أنقذهم بمن؟ بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ [آل عمران:103].

وهذا من فضل الله تعالى على الأمة جميعًا، وعلى الأوس والخزرج؛ أنَّ الله تعالى مَنَّ عليهم بهذا النبي صلوات الله وسلامه عليه.

لزوم الجماعة سبيل النجاة وأساس الأُلفة

وقد وقع الافتراق قبلنا، وفي أُمة النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يُسبِّب الخلاف، ويُسبِّب القتل، ويُسبِّب الشَّحْناء، ويُسبِّب التقاطع؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً؛ فواحدةٌ في الجنة، وسبعون في النار. وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقةً؛ فإحدى وسبعون في النار، وواحدةٌ في الجنة. والذي نفس محمدٍ بيده، لتفترقَنَّ أُمَّتي على ثلاثٍ وسبعين فرقةً؛ واحدةٌ في الجنة، وثنتان وسبعون في النار...

هذا يدلُّ على عِظَم الأمر، وأنَّ هذه الأمة -أُمة النبي عليه الصلاة والسلام، الذين استجابوا وبيَّنوا أنهم قد دخلوا في الإسلام، ويدَّعون الإسلام، أُمَّة الإجابة- افترقوا على ثلاثٍ وسبعين فرقةً، كلها في النار إلا واحدةٌ.

قيل: "يا رسول الله، مَن هم؟"، قال : الجماعة[2]رواه ابن ماجه: 3992، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌1492.، وفي روايةٍ: ما أنا عليه وأصحابي[3]رواه الترمذي: 2641، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343.، والمعنى: هم الذين على مثل ما أنا عليه وأصحابي، أي: اليوم.

إذن؛ هذا ضابطٌ لأهل السُّنة والجماعة، لمَن أراد أن يعرف نفسه: هل هو من أهل السُّنة؟ وهل هو من أهل الحق؟ فينظر، فإذا كانت أعماله على هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكان على مثل ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام في الاعتقاد وفي الأعمال الصالحة والقيام بأمور الإسلام، فإنه من الفرقة الناجية، أي: الناجية من النار، والفرقة المنصورة؛ لأنه جاء في الحديث الثابت الأصل عن النبي عليه الصلاة والسلام: لا يزال طائفةٌ من أمتي على الحق منصورين، لا يضرهم مَن خالفهم حتى يأتيَ أمر الله [4]رواه ابن ماجه: 10، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7289. وأصله عند البخاري: 3641، ومسلم: 1920، 1037 باختلاف يسير..

مهما حصل من النقص، ومهما حصل من الكفر، ومهما حصل من المعاصي والجرائم، ومهما حصل من الأمور الأخرى؛ لا بُدَّ أن تكون هناك أُمةٌ قائمةٌ بأمر الله، وبالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم الناس الخير، مُستقيمين على طاعة الله، وعلى هَدْي رسول الله عليه الصلاة والسلام، حتى يأتيَ أمر الله، حتى تقوم الساعة.

والأمة قليلٌ، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام وقال لأصحابه عليه الصلاة والسلام، حينما ذكر حديث آدم ، وأنه نظر إلى... يقول الله تعالى له: يا آدم... أَخْرِج بَعْثَ النار. قال: وما بَعْثُ النار؟ قال: من كل ألفٍ تِسْعَمِئَةٍ وتسعةً وتسعين، يعني: تِسْعُمِئَةٍ وتسعةٌ وتسعون كلهم إلى جهنم، وواحدٌ من الألف إلى الجنة، هذا من ذرية آدم إلى قيام الساعة.

فحصل للصحابة بعض الألم وبعض الخوف، وخافوا واضطربت قلوبهم؛ لحُبِّهم لله تعالى، ولحُبِّهم للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال لهم النبي عليه الصلاة والسلام: إني أرجو أن تكونوا رُبُعَ أهل الجنة، قالوا: "فكبَّرنا"، الله أكبر! هذا هو السُّنة، إذا استغرب الإنسان شيئًا أو أحبَّ شيئًا أو حصل له شيءٌ، من باب التشجيع أو الفرح أو غير ذلك أو حتى الغضب يقول: "الله أكبر". قال : أرجو أن تكونوا ثُلُثَ أهل الجنة، قالوا: "فكبَّرنا"، قال : إني أرجو أن تكونوا نِصْفَ أهل الجنة، قالوا: "فكبَّرنا"[5]رواه البخاري: 3348 واللفظ له، ومسلم: 222.، هذا يدلُّ على أن أُمة النبي عليه الصلاة والسلام هم شَطْرُ أهل الجنة.

وبيَّن أنَّ في الأمة -أي: في بني آدم- يأجوج ومأجوج؛ فإنهم أُمَّةٌ كبيرةٌ، فالنبي عليه الصلاة والسلام بيَّن أن هذه الطائفة قليلٌ، لكنهم نصف أهل الجنة كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

والخلاصة: أنَّ الجماعة ومَن أراد أن ينتسب إلى سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام ودين النبي عليه الصلاة والسلام، فعليه أن يعلم بأنه لا يكون من هذه الفرقة الناجية المنصورة إلا إذا كان على مثل ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه .

هذا مُميِّزٌ، فكثيرٌ من الناس يدَّعي ويقول: نحن على ملة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى دين النبي عليه الصلاة والسلام، وبعضهم يقول: نحن أهل الحق. انظر إلى الأمر، مَن كان على مثل ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ فهو من الفرقة الناجية، ومن الفرقة المنصورة.

أسأل الله تعالى، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يجعلني وإياكم من هذه الفرقة التي تتَّبع النبي عليه الصلاة والسلام، والطائفة المنصورة التي زكَّاها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

المنهج النبوي في بناء المجتمع وتأليف القلوب

التمهيد للدولة بالدعوة إلى التوحيد

وكان النبي عليه الصلاة والسلام حينما قَدِمَ إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، من حكمته عليه الصلاة والسلام، ومن توفيق الله له صلوات الله وسلامه عليه: أنه أسَّس الأُسُس قبل أن يدخل المدينة عليه الصلاة والسلام؛ بالدعوة إلى الله وبالحكمة، عليه الصلاة والسلام، حتى جمع بين قلوب الأوس والخزرج، وبين قلوب الناس ومَن اتَّبَعَه عليه الصلاة والسلام.

فأول ما كان يدعو إليه النبي عليه الصلاة والسلام في مكة... كان قد بقي عشر سنواتٍ وهو يدعو الناس إلى التوحيد، إلى "لا إله إلا الله"، يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تُفلحوا[6]رواه أحمد: 16023، وابن خزيمة: 159، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6528.، أي: تفوزوا، من الفوز، فكان كثيرٌ من الناس -قريشٌ الكفار- يقولون: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5].

وكان عليه الصلاة والسلام في مواسم الحج والأسواق يتتبَّع عليه الصلاة والسلام الناسَ، وكان أبو جهلٍ وأبو لهبٍ يَتْبَعونه ويقولون: "هذا صابئٌ"، ولكن الله نَصَرَه، فكان يمرُّ على الأسواق ويمرُّ على مواسم الحُجَّاج عليه الصلاة والسلام، ويدعوهم إلى الله تعالى، فوجد نَفَرًا من الأنصار -من الأوس والخزرج- قد حجُّوا إلى بيت الله الحرام على دينهم، فدعاهم إلى الإسلام عليه الصلاة والسلام، فرجعوا، وكانوا ستةً. قال أهل السِّيَر: "إن هذا كان في السنة العاشرة من البَعْثة في أثناء دعوته إلى التوحيد". فاستجابوا ولكنهم لم يُبايعوه، ورجعوا إلى المدينة في السنة العاشرة من البَعْثة، ولكنهم لم يُبايعوه

وفي موسم حجِّ السنة الحادية عشرة من البَعْثة، عَرَضَ  الإسلامَ على بعض الأوس والخزرج في الحج، كانوا قد حجُّوا فوجدهم قد اجتمعوا في الحج، ووجد منهم ستةً من الأنصار، ورجعوا بعد هذه الدعوة في هذا الحج في عام أحد عشر للبَعْثة.

وفي العام الثاني عشر كان من بين حُجَّاج يثرب اثنا عشر رجلًا، فيهم خمسةٌ من الستة الذين أسلموا في العام الحادي عشر، السادس الله أعلم؛ هل مات؟ لم يُذكَر أين ذهب! كان منهم خمسةٌ، فكانوا اثني عشر رجلًا فيهم خمسةٌ، والتقوا بالنبي عليه الصلاة والسلام عند جمرة العقبة آخر الليل خوفًا من المشركين، ودعاهم عليه الصلاة والسلام إلى الله، وبيَّن لهم، وأسلموا، وهذه بداية الخير، وهي -كما يقولون- العقبة الأولى، وبايعوه عليه الصلاة والسلام على ما بايع عليه النساء في سورة الممتحنة.

قال : بايعوني على ألا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببُهْتانٍ تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروفٍ؛ فمَن وَفَى منكم فأجره على الله، ومَن أصاب من ذلك شيئًا فعُوقِبَ به في الدنيا فهو كفَّارةٌ له... -لو أُقِيمَ عليه الحدُّ أو القصاصُّ فهو كفارةٌ له- ومَن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، قالوا: "فبايعناه على ذلك"[7]رواه البخاري: 18 واللفظ له، ومسلم: 1709.. وهذا رواه البخاري وغيره.

بايعوه على هذا وهم اثنا عشر، ورجعوا بعد المُبايعة، وبعث معهم النبي عليه الصلاة والسلام مُصعبَ بن عُمَيْرٍ يُعَلِّم الناس الإسلام، بعثه مع هؤلاء يُعَلِّمه الناس في المدينة؛ الأوس والخزرج، وكانوا قد سابقوا اليهود؛ لأن اليهود كانوا يقولون: "يخرج نبيٌّ ونُقاتلكم معه"، لا يظنون أنه من العرب، ولكن حينما كان من العرب حصل الحسد والعدوان من اليهود، فلم يُسْلِم منهم إلا قليلٌ.

فرجعوا، وكان مصعبٌ معهم، فما بقي بيتٌ في المدينة من بيوت الأنصار -الأوس والخزرج- إلا ودخله الإسلام، وهذا من فضل الله تعالى.

وفي موسم العام الثالث عشر، حَضَرَ لأداء الحج من يثرب -كان يُقال لها: "يثرب" قبل النبي عليه الصلاة والسلام- ثلاثةٌ وسبعون رجلًا مسلمين ومعهم امرأتان، كلهم قد أسلموا، وهذه البيعة الثانية في العقبة، قال : تُبايعوني على السمع والطاعة...، هذا يدل على أن السمع والطاعة لولي الأمر من الأمور التي تجمع بين قلوب الناس، ومن الأمور التي يتعاون بها الناس على البر والتقوى؛ ما لم يَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عندهم من الله فيه برهانٌ.

قال : تُبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنَّفَقة في العُسر واليُسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا في الله لا تخافون في الله لومة لائمٍ، وعلى أن تنصروني...، وبيَّن لهم النبي عليه الصلاة والسلام ذلك، فتمنعوني -إذا قَدِمْتُ عليكم- مما تمنعون أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم[8]رواه أحمد: 14456 واللفظ له، والبيهقي في "السنن الكبير": 16634، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌63.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فبايعوه على ذلك. رواه الإمام أحمد والبيهقي، وهذا حديثٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

الهجرة إلى المدينة.. والبدء ببناء المساجد

فاشتدَّ أذى المشركين -هذا في الثالث عشر- للنبي صلوات الله وسلامه عليه بعد موسم الحج هذا؛ ففي ستةٍ وعشرين من صَفَرٍ عام أربعة عشر من الهجرة، أرادوا قتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولكنَّ الله أيَّده ونصره وأعطاه الحكمة، فأمر عليَّ بن أبي طالبٍ أن يَبيت في فراشه، وهذا يدلُّ على حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى ثقته بالله، وأن الله سيحفظ ابن عمه، فكانوا ينظرون إلى عليٍّ من صِير الباب -أي: من ثَقْب الباب- وهو على فراش النبي عليه الصلاة والسلام؛ يريدون أن يقتلوا رسول الله عليه الصلاة والسلام.

فخرج ولم يَرَوْه من حفظ الله تعالى له، ومَرَّ بأبي بكرٍ ، وهاجر معه أبو بكرٍ ، وفي الغار قال : "يا رسول الله، لو أنَّ أحدهم نَظَرَ إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه"، فقال : يا أبا بكرٍ، ما ظنُّك باثنين الله ثالثُهما؟[9]رواه البخاري: 3653، ومسلم: 2381 واللفظ له.، الله ثالثهما بتوفيقه وإعانته ونصرته .

فهاجر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا التاريخ صلوات الله وسلامه عليه، فجمع الله تعالى المسلمين عليه في المدينة من الأوس والخزرج، وأول ما نزل في المدينة بدأ بمسجد قُباء. هذا يدلُّ على أن الناس إذا أرادوا أن يقتدوا بالنبي عليه الصلاة والسلام ويؤسسوا قريةً أو يؤسسوا بلدةً، فالأوْلى أن يبدؤوا ببناء المسجد، قبل كل شيءٍ؛ لأنَّ هذا المسجد وهذه الصلوات تجمع بين قلوب الناس، يجتمعون على هذه الصلاة.

بنى عليه الصلاة والسلام مسجد قُباء، ثم صلَّى الجمعة في مسجد بني عامرٍ بين المدينة وقُباء، صلوات الله وسلامه عليه، ثم بنى مسجد المدينة قبل أن ينزل من راحلته، تركها حتى بركت، وبُيِّنَ أنها مأمورةٌ، وبنى المسجد من حيث بركت، عليه الصلاة والسلام.

أول ما بدأ به في المدينة بناء المساجد؛ هذا يدلُّ على أن المساجد هي أساس ما يجمع بين الناس ويجمع بين قلوب الناس.

دعوة اليهود وإقامة الحُجَّة عليهم

بعد ذلك، أول ما عَمِلَ عليه الصلاة والسلام... المسلمون موجودون من الأوس والخزرج، وقد فرحوا بقدوم رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولكنه عليه الصلاة والسلام بدأ بدعوة اليهود.

جاء عبدالله بن سَلَامٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: "فجِئتُ في الناس لأنظر إليه، فلما استبنتُ وجه رسول الله عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّابٍ"، يعرف؛ لأنه حَبْرٌ -يُقال: حَبْرٌ، ويقال: حِبْرٌ- من أحبار اليهود[10]أي: عالمٌ من علماء دينهم. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 3/ 218..

قال: فلما استبنتُ وجه رسول الله عَرَفْتُ أنَّ وجهه ليس بوجه كذَّابٍ، فكان أول شيءٍ تكلَّم به أن قال: يا أيها الناس؛ أفشوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصَلُّوا بالليل والناس نيامٌ؛ تدخلوا الجنة بسلامٍ[11]رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 3251 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616.، فدعاه إلى الإسلام ففتح الله عليه، وأسلم على يد النبي عليه الصلاة والسلام.

فقال : "يا رسول الله، إنَّ اليهود قومٌ بُهُتٌ[12]جمع: بَهُوتٍ، وهو: الكثير البُهتان. ينظر: "شرح صحيح البخاري" للأصبهاني: 4/ 387.، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك"[13]أي: كذبوا عليَّ مع حضوري. والبُهتان: الكذب الذي تتحيَّر من بطلانه، وتَعجب من إفراطه. ينظر: "كشف المشكل من حديث … Continue reading، ولكن أريد أن أختفي وتسألهم عني يا رسول الله، يريد أن يكون قدوةً حتى يُسلموا معه، هذا عمله حتى يجرَّ اليهود إلى الإسلام.

فقال : أيُّ رجلٍ فيكم عبدالله بن سلامٍ؟، قالوا: "أعلمُنا وابن أعلمِنا، وأخيرُنا وابن أخيرِنا"، وأثنوا عليه كثيرًا، فقال : أفرأيتم إنْ أَسْلَمَ عبدالله؟، قالوا: "أعاذه الله من ذلك!"، نسأل الله العافية، فخرج عليهم عبدالله بن سَلَامٍ فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، فقالوا: "شَرُّنا وابن شَرِّنا"[14]رواه البخاري: 3329.، وذمُّوه، يعني: كذَّبوا أنفسهم بالحال! ولم يُسْلِم من اليهود إلا قليلٌ.

وكان سماحة شيخنا رحمه الله يقول: "إنَّ اليهود بعد ذلك لم يُسْلِم منهم إلا قليلٌ، حتى مَن ادَّعى الإسلام في العصور المتقدمة والمتأخرة ففي إسلامه نظرٌ: هل هو صحيحٌ أو غير صحيحٍ؟"، قال: "أما النصارى فيُسْلِم منهم جموعٌ كثيرةٌ".

اليهود طَمَسَ الله على قلوبهم وعلى أبصارهم وبصيرتهم، فلا يفقهون؛ نسأل الله العفو والعافية.

ولهذا بيَّن الله تعالى أنهم لا يتمنَّون الموت، فقال: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [الجمعة:6- 7]، ما يتمنَّون الموت؛ لأنهم يعلمون أنهم لو تمنَّوا الموت ماتوا.

كنتُ في عام ألفٍ وأربعمئةٍ وأحد عشر في الجامع الذي أُصلِّي فيه في الرياض، فكنتُ جالسًا قبل إقامة الصلاة، وإذا رجلٌ يَدُقُّني من الخلف ويُعطيني جريدةً، ما أدري والله أي جريدةٍ، لكنها من الجرائد التي تُنشَر في المملكة، وفيها: أن واحدًا من النصارى ذهب إلى كنيسةٍ وقال أمام الناس: "إن كان الإسلام حقًّا، فلا ردَّني الله إلى بيتي سالمًا"، يعني: دعا على نفسه بالموت، تمنَّى الموت. قال: فخرج من الكنيسة، وذهب إلى بيته، وأماته الله بأقل الأسباب. قالوا: كان يوجد جدول مياه تمشي معه، فعثر فمات. قالوا: فكل مَن أراد أن يُنقذه مات معه، يُريدون أن يُسعفوه، فأيُّ واحدٍ يأتي إليه كان يموت معه، وهذا ذكرتُه وذكرتُ رقم الجريدة في كتاب "الحكمة في دعوة اليهود والنصارى" بالتاريخ.

قالوا: فأسلم ثلاث قُرًى مجاورة، دخلوا في الإسلام بسبب موت هذا القسيس، مَن مات بأتفه الأسباب، وكان إذا أراد أحدٌ أن يُنقذه مات! هذا من قُدرة الله: فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ۝وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ [الجمعة:6- 7].

فالخلاصة: أن النبي عليه الصلاة والسلام دعاهم، ولم يُسْلِم إلا عبدالله بن سَلَامٍ ، والله أعلم من أسلم معه، لكني لا أحفظ إلا هذا الرجل، أسلم.

المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

وبعد ذلك عَمِلَ عليه الصلاة والسلام على تربية المسلمين، صلوات الله وسلامه عليه، فجمع عليه الصلاة والسلام المسلمين؛ الأوس والخزرج. وأول ما بدأ بالربط بين القلوب؛ لأنَّ المحاضرة: "التأليف بين القلوب: وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]"، أول ما فعل عليه الصلاة والسلام: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والأنصار هم الأوس والخزرج، فجعل لكل واحدٍ أخًا في الإسلام يكون معه، ويتوارثان كما يتوارثُ أهل التَرِكَات فيما بينهم، وهذا في أول الإسلام.

ومن أروع ما ذُكِرَ أن عبدالرحمن بن عوفٍ كان أخوه الذي حدَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام هو سعد بن أُمَيَّةَ ، فجاء إليه فقال: "والله لقد عَلِمَت الأنصار أني أكثرهم مالًا؛ فلك نصف مالي، وعندي زوجتان، انظر إلى أيهما أحبُّ إليك، فأَخبِرني باسمها أُطلِّقها، ثم تخرج من العدَّة، ثم تتزوجها". لكن انظر إلى الرجال أهل الوفا وأهل الكرم، قال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، دُلُّوني على السوق"، ولم يقبل لا أهله ولا ماله.

فدلَّه على السوق فباع واشترى، ثم حصل على مالٍ وتزوَّج. تزوَّج بوزن نواةٍ من ذهبٍ، وزن عَجَمةٍ، وجاء إلى النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فقال : مَهْيَمْ![15]مَهْيَمْ: كلمةٌ يمانيةٌ معناها: ما أمرُك؟ أو: ما هذا الذي أرى بك؟ ونحو هذا من الكلام. ينظر: "غريب الحديث" لأبي … Continue reading، فأخبره بأنه تزوَّج، فقال : بارك الله لك، أَوْلِمْ[16]من الوليمة، وهي: الطعام المُتَّخَذ للعُرس. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 344. ولو بشاةٍ[17]رواه البخاري: 6386 واللفظ له، ومسلم: 1427.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا يدلُّ على المؤاخاة، وهذا ربطٌ بين القلوب، وأول ما ربط بين قلوبهم بالمسجد؛ وهذا يدلُّ على أن الناس إذا حافظوا على صلاة الجماعة في المساجد فهذا يربط بين قلوبهم، ويحصل التآلُف. وحينما كانوا يبنون المسجد -الأوس والخزرج والنبي صلوات الله وسلامه عليه يشاركهم في بناء المسجد-، كان بعضهم ينظر إلى بعضٍ من العداوة السابقة، لكن الله جمع بينهم وجمع بين قلوبهم؛ ولهذا قال الله تعالى: لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]، الله هو الذي ألَّف بين قلوبهم بالنبي صلوات الله وسلامه عليه.

وهذه من أولى الخطوات: بناء المساجد، ودعوة اليهود إلى الإسلام.

توجيهاتٌ نبويةٌ لكسب القلوب وتعزيز المحبة

إفشاء السلام وإطعام الطعام

ثم أخذ النبي عليه الصلاة والسلام بالأمور الأخرى التي يربط بها بين القلوب صلوات الله وسلامه عليه، حتى يُرَبِّيَهم على الأُخُوَّة في الله، وعلى المحبة في الله، وأن يربط بين قلوبهم عليه الصلاة والسلام؛ فقد كانوا مُتنافرين، بينهم شحناءُ وتاراتٌ وإحَنٌ، أي: عداواتٌ وحزازاتٌ، ولكن الله ألَّف بينهم وألَّف بين قلوبهم.

ثم النبي عليه الصلاة والسلام سَلَكَ مَسْلَكًا آخر لهم ولغيرهم في الجمع بين القلوب، فقال صلوات الله وسلامه عليه: يا أيها الناس؛ أفشُوا السلام، وأطعِموا الطعام، وصلُّوا بالليل والناس نيامٌ؛ تدخلوا الجنة بسلامٍ[18]رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2697.، هذا يدلُّ على أن المحبة تحصل بهذه الأمور؛ بإطعام الطعام، وإفشاء السلام، والصلاة بالليل والناس نيامٌ.

ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا، أوَلَا أَدُلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشُوا السلام بينكم[19]رواه مسلم: 54.. السلام يُزيل حزازات القلوب، ويُزيل الشحناء. هذا علاجٌ ناجعٌ، علاجٌ حاصلٌ يُؤَلِّف بين القلوب.

كفُّ الأذى وحِفْظ الحقوق

ولهذا قال النبي : لا يدخل الجنة مَن لا يأمن جارُه بَوَائِقَه[20]رواه البخاري: 6016، ومسلم: 46 واللفظ له. والبوائق: الغوائل والشرور، واحدها: بائقةٌ، وهي الداهية. ينظر: "النهاية" … Continue reading. رواه مسلم. هذا تعليمٌ لهم، حتى لا يعتديَ بعضُهم على بعضٍ، عليه الصلاة والسلام.

وقال : المسلمُ مَن سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده[21]رواه البخاري: 10، ومسلم: 41.، إذن كَفُّوا ألسنتهم وأيديهم عن إخوانهم.

وقال عليه الصلاة والسلام: لا يؤمنُ أحدُكم حتى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه[22]رواه البخاري: 13، ومسلم: 45..

أحاديثُ صحيحةٌ، تعليمٌ من النبي ، وهذه الأحاديث حصلت بعد هجرته عليه الصلاة والسلام في الغالب، صلوات الله وسلامه عليه.

وقال : المؤمن للمؤمن كالبُنيان؛ يَشُدُّ بعضُه بعضًا، وشبَّك بين أصابعه عليه الصلاة والسلام[23]رواه البخاري: 2446، ومسلم: 2585..

النهي عن أسباب الشَّحْناء

قال -تعليمًا لهم-: لا تَحَاسَدُوا، ولا تَنَاجَشُوا...، والنَّجش: هو أن يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد أن يَضُرَّ صاحب السلعة، أو يريد أن يَضُرَّ المشتري، أو غير ذلك، ولا تَبَاغَضُوا، ولا تَدَابَرُوا...، أي: لا يتكلم أحدٌ في دُبر أحدٍ وهو غير موجودٍ، أو: لا يُعرِض أحدٌ عن أحدٍ، قال: ولا يَبِعْ بعضُكم على بيع بعضٍ، وكونوا عباد الله إخوانًا. المسلم أخو المسلم؛ لا يَظْلِمُه، ولا يَخْذُلُه، ولا يَحْقِرُه. التقوى هاهُنا، ويشير إلى صدره...

لكن لا يُحتجُّ بهذا! فكثيرٌ من الناس إذا قلتَ: "اترك هذا العمل، هذا معصيةٌ لله"، قال: "التقوى هاهنا". إذا كانت التقوى هاهنا خرجت التقوى على الجوارح، معنى ذلك: لا بُدَّ... لكن أصل التقوى وأصل الإيمان هو في القلب، لكنه يخرج على الجوارح، لا شكَّ في ذلك؛ لأنَّ الإيمان قولٌ باللسان، واعتقادٌ بالقلب، وعملٌ بالأركان، يزيد بالطاعة، وينقص بالعصيان.

لا يَقُل: "الإيمان في القلب"، ويعمل الجرائم! "الإيمان في القلب"، ويعمل الموبقات! لا، الإيمان لو كان في القلب صادقًا لخرج على الجوارح، كما بيَّن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

قال : بِحَسْبِ امرئٍ من الشر أن يَحْقِرَ أخاه المسلم. كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ: دَمُه، ومالُه، وعِرْضُه[24]رواه مسلم: 2564..

إذن؛ الأوس والخزرج جمع الله بين قلوبهم بتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال لهم بعد ذلك، ولغيرهم من المسلمين إلى قيام الساعة: لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يهجُر أخاه فوق ثلاثٍ...، هذا من باب التآلف، يلتقيان؛ فيُعْرِض هذا، ويُعْرِض هذا...، إذا لقيه في الطريق بينه وبينه شحناءُ أَعرَضَ، أخذ مكانًا ثانيًا، والثاني أخذ مكانًا ثانيًا، قال: فيُعْرِض هذا، ويُعْرِض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام[25]رواه البخاري: 6077 و6237، ومسلم: 2560 واللفظ له..

خيرهما عند الله وأفضلهما عند الله الذي يبدأ فيقول: "السلام عليكم"، لكن تصوَّر إنسانًا يُسَلِّم على واحدٍ بينه وبينه شحناءُ، في الغالب لا يرد، وإن كانت الأولى قد لا يحصل عليها إلا مَن وفَّقه الله، لكن لا بُدَّ أن يردَّ عليه ويقول: "وعليكم السلام ورحمة الله"، إن كان يخشى الله، وإن كان يُراقبه، وإن كان يُحِبُّ الله ورسوله عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام هذا.

قال : تُفْتَحُ أبوابُ الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغْفَر لكل عبدٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيُقال: أنظِروا هذين حتى يصطلحا، أنظِروا حتى يصطلحا، أنظِروا هذين حتى يصطلحا[26]رواه مسلم: 2565.، يعني: لا يُغفَر له.

إذن؛ هذا رابطٌ بين القلوب، ما دام يعرف أن أعماله موقوفةٌ؛ نسأل الله العافية. أعماله ما تُبطَل، لكنها موقوفةٌ، وموقوفةٌ المغفرة، حتى يصطلحا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، والحديث رواه مسلم.

قال : تُعْرَض الأعمال في كل يوم خميسٍ واثنين، فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئٍ لا يُشرك بالله شيئًا، إلا امرأً كانت بينه وبين أخيه شحناءُ، فيُقال: ارْكُوا هذين يصطلحا[27]رواه مسلم: 2565.، وارْكُوا يعني: أجِّلوا وأخِّروا. رواه مسلم.

هذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام جمع بين القلوب، والله تعالى هو الذي دلَّه على ذلك، وجمع بين قلوب الأوس والخزرج، وبين قلوب مَن قام بهذه التوجيهات العظيمة التي بيَّنها النبي صلوات الله وسلامه عليه.

نُصْرَة الأخ المسلم ظالمًا أو مظلومًا

وقال : انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا...، إذا كان بينك وبينه عداوةٌ، فقال رجلٌ: "يا رسول الله، أَنصُرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أَنصُرُه؟"، قال : تَحْجُزُه أو تمنعه من الظلم؛ فإنَّ ذلك نَصْرُه[28]رواه البخاري: 6952.، تمنعه من الظلم؛ بالنصيحة، بالتوجيه.

بعض الناس يقول: "هذا ما لنا فيه دخلٌ". لا! وَجِّهْهُ، حَذِّرْه من الظلم: الظلم ظُلُمَاتٌ يوم القيامة[29]رواه البخاري: 2447، ومسلم: 2579.، وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ [إبراهيم:42]، هكذا، يُبَيِّن له ويمنعه من الظلم، هكذا قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

تأكيد إطعام الطعام وإفشاء السلام

وبيَّن عليه الصلاة والسلام في هذا، قال -وتقدَّم هذا الحديث-: لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تُؤمنوا حتى تَحَابُّوا، أَوَلَا أَدُلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحابَبْتُم؟ أفشوا السلام بينكم[30]رواه مسلم: 54..

وسُئل عليه الصلاة والسلام: "أيُّ الإسلام خيرٌ؟"، فقال عليه الصلاة والسلام: تُطْعِم الطعام...، إطعام الطعام؛ إما للضيافة، وإما للفقراء، وإما للمساكين، وإما للأصحاب، وإما للأقرباء، وإما للجماعة. إطعام الطعام ابتغاء مرضاة الله تعالى فيه خيرٌ كثيرٌ، وفيه تأليفٌ بين القلوب، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، فقال : تُطْعِم الطعام، وتقرأ السلام على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تَعْرِف[31]رواه البخاري: 12، ومسلم: 39.. رواه البخاري ومسلم.

كثيرٌ من الناس الآن ما يُسَلِّم، لو سلَّمتَ عليه في السوق وأنت ماشٍ فقلتَ: "السلام عليكم"، قال: "وعليكم السلام، تعرفني؟". سبحان الله! الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: وتقرأ السلام على مَن عَرَفْتَ ومَن لم تَعْرِف، فكيف يكون السلام للمعرفة؟ هذا من علامات الساعة؛ نسأل الله العفو والعافية.

قال -يُبَيِّن لهم عليه الصلاة والسلام-: مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتَرَاحُمِهم وتَعَاطُفِهم مَثَلُ الجسد؛ إذا اشتكى منه عضوٌ تَدَاعى له سائرُ الجسد بالسَّهَر والحُمَّى[32]رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586 واللفظ له.، يُؤَثِّر فيه ما يحصل لإخوانه المسلمين من الجوع والفقر والقتل وغير ذلك.

وقال : سِبَابُ المسلم فسوقٌ، وقتاله كُفْرٌ[33]رواه البخاري: 48، ومسلم: 64..

وقال : مَن لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ[34]رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318..

فهذه الخطوات التي جمع بها النبي عليه الصلاة والسلام بين قلوب أهل المدينة، وخاصةً الأوس والخزرج، ولكنَّ الأمر لله تعالى كما قال الله تبارك وتعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ [آل عمران:103]، فالله تعالى هو الذي ألَّف بين القلوب ، وقال: وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال:63]؛ فمع أنَّ هذه التوجيهات نافعةٌ، لكن الله هو الذي أعانه على ذلك، صلوات الله وسلامه عليه.

وصايا جامعةٌ للثبات والأُلْفة عند الفِتَن

لزوم جماعة المسلمين وإمامهم

أعظم ما يُؤَلِّف بين القلوب: لزوم جماعة المسلمين، وعدم التفرُّق، ولزوم إمام المسلمين؛ ولهذا قال حذيفة : "كان الناس..."، هذا الحديث يا إخوان، واللهِ، عظيمٌ، هذا صالحٌ في كل زمانٍ ومكانٍ إلى قيام الساعة، حديثٌ عظيمٌ!

قال حذيفةُ : "كان الناس يسألون رسول الله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مَخَافَةَ أن يُدرِكَني"، يخاف من الشر فيسأل الرسول عليه الصلاة والسلام! فسأله، قال: "يا رسول الله، إنَّا كُنَّا في جاهليةٍ وشرٍّ، فجاءنا الله بهذا الخير..." -أي: بالإسلام- "فهل بعد هذا الخير شرٌّ؟".

خيرٌ عظيمٌ؛ الإسلام، والانتماء إلى النبي عليه الصلاة والسلام، والأُلْفَة بين المسلمين، والتعاون على البر والتقوى.

"جاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرٌّ؟"، قال الرسول عليه الصلاة والسلام: نعم، اللهم صلِّ عليه، يعني هذا الخير بعده شرٌّ.

قال: "قلتُ: هل بعد ذلك الشر من خيرٍ؟"، يعني: هذا الشر إذا جاءنا بعد هذا الخير، هل يوجد خيرٌ آخر؟ قال : نَعَم، وفيه دَخَنٌ، إذن هذه مصيبةٌ، خيرٌ لكن فيه دَخَنٌ!

"قلتُ: وما دَخَنُه؟"، ما هذا الدخن؟ قال عليه الصلاة والسلام: قومٌ يَسْتَنُّون بغير سُنَّتي، ويهدون بغير هَدْيِي، تَعْرِفُ منهم وتُنْكِرُ، هذا الدخن.

"قلتُ: هل بعد ذلك الخير من شرٍّ؟"، هذا خيرٌ، لكن فيه دَخَنٌ، ودَخَنُه هو قومٌ يستنُّون بغير سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام، وهم من المسلمين، لكن إسلامهم فيه دَخَنٌ، فيه نقصٌ، فيه ضعفٌ.

قال: "قلتُ: هل بعد ذلك الخير من شرٍّ؟"، بعد هذا الخير الذي فيه دَخَنٌ، قال : نعم، دُعَاةٌ على أبواب جهنم، مَن أجابهم إليها قذفوه فيها. إذن؛ بعد هذا الخير الذي فيه دَخَنٌ -وهو قومٌ يستنُّون بغير سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام- جاء شرٌّ آخر، وهو: دعاةٌ على أبواب جهنم؛ (ليبرالية)، (علمانية)، غير ذلك من الأمور الأخرى -نسأل الله العافية-، (نُصَيرية)، ويَدْعُون إلى غير سُنَّة النبي عليه الصلاة والسلام! هؤلاء دعاةٌ على أبواب جهنم، يدعون إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، يقذفونه في جهنم، هؤلاء الدُّعاة.

فحذيفةُ قال: "فقلتُ: يا رسول الله، صِفْهم لنا!"، مَن هم هؤلاء؟ يريد أن يجتنبهم، هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم مَن هم يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم، قومٌ من جِلْدَتِنا[35]أي: من أنفُسنا وعشيرتنا. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 285.، ويتكلَّمون بألسنتنا، بلُغَتِنا، ومع ذلك يدعون إلى أبواب جهنم، بيَّنهم النبي عليه الصلاة والسلام.

"قلتُ: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟"، إذا أدركتُ هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، كيف أعمل؟ كيف أَفِرُّ منهم؟ هذا معنى كلامه، قال عليه الصلاة والسلام: تَلْزَم جماعة المسلمين وإمامهم، أي: وإمام المسلمين تلزمه، فلا تنفلت عنه، ولا تخرج على ولي الأمر، وإن حصل ما حصل، ما دام يشهد أن لا إله إلا الله، ويقيم الصلاة، هكذا أُمِرنا، قال : تَلْزَم جماعة المسلمين وإمامهم.

انظروا إلى ذكاء حذيفةَ ، قال: "قلتُ: فإن لم تكن لهم جماعةٌ ولا إمامٌ؟"، لا يوجد جماعةٌ ولا إمامٌ، انفلت الأمر، ماذا أعمل؟ قال عليه الصلاة والسلام: فاعتزل تلك الفرق كلَّها، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ، حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنت على ذلك[36]رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847 واللفظ له.، اعتزل هؤلاء كلهم ما دام لا يوجد إمامٌ ولا جماعة مسلمين، فاعتزلهم إلى الصحراء أو إلى البادية أو غير ذلك، ولو أن تَعَضَّ على أصل شجرةٍ، حتى يُدرِكَكَ الموتُ وأنت على ذلك.

هذا في الحقيقة -لزوم جماعة المسلمين وإمام المسلمين- مما يُعِين على تأليف القلوب كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام، وهي وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام.

الوصية بتقوى الله والسمع والطاعة

قال بعض الصحابة، العِرْباض بن ساريةَ : "صلَّى بنا رسول الله ذات يومٍ، ثم أقبل علينا فوَعَظَنا موعظةً بليغةً ذَرَفَتْ منها العيون، ووَجِلَتْ منها القلوب، فقال قائلٌ: يا رسول الله، كأنَّ هذه موعظةُ مُوَدِّعٍ، فماذا تَعْهَدُ إلينا؟"؛ فقال عليه الصلاة والسلام: أُوصِيكم بتقوى الله....

تقوى الله هي الوصية، وتقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نورٍ من الله، ترجو ثواب الله، وتترك معصية الله، على نورٍ من الله، تخشى عقاب الله.

تقوى الله: هي أن تجعل بينك وبين عقاب الله، وبينك وبين غضبه، وبينك وبين سخطه؛ وقايةً تقيك من عذابه، وتقيك من انتقامه، وتقيك من ناره، فتكون سعيدًا في الدنيا والآخرة. هذه تقوى الله.

والسمع والطاعة...، أي: لوُلاة الأمور. انظر إلى مَن خالفوا ولي أمرهم، ولو كانوا عُصاةً! انظر إلى الدولة الفلانية، ماذا حصل لهم بعد أن خرجوا على إمامهم؟ والدولة الأخرى مثلًا، والدولة الثالثة، والدولة الرابعة، والدولة الخامسة، دولٌ -خاصةً في آخر الأزمان- ماذا حصل لهم؟ حصل سفك الدماء، وحصل قتل الأطفال، وحصل ترميل النساء، وحصل تيتيم الأطفال، وغيره، وحصل إهلاك الممتلكات، وحصل الاعتداء على الأعراض! السمع والطاعة لولي الأمر فيه نجاةٌ، على طاعة الله تعالى، في المعروف، هذا -في الحقيقة- من الأمور التي أوصى بها النبي عليه الصلاة والسلام.

قال عليه الصلاة والسلام: والسمع والطاعة، وإن عبدًا حبشيًّا...، أي: وإن كان الأمير وإن كان الإمام عبدًا حبشيًّا، فعليك أن تُطِيعَه، قال: وإن عبدًا حبشيًّا.

قال : فإنه مَن يَعِشْ منكم...، الآن بيَّن؛ عليك أن تلتزم بطاعة الله، وتقوى الله، وطاعة ولي الأمر ولو كان عبدًا حبشيًّا، ولكن عليكم أن تعلموا، قال : فإنَّه مَن يَعِشْ منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسُنَّتي...، اللهم صلِّ وسلِّم عليه، وسُنَّة الخلفاء الراشدين المهديِّين، تمسَّكوا بها وعَضُّوا عليها بالنَّواجِذ[37]النواجذ: أواخر الأسنان، وقيل: التي بعد الأنياب. وهو مَثَلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين؛ لأنَّ العضَّ بالنواجذ … Continue reading، وإياكم ومُحْدَثَاتِ الأمور[38]رواه أبو داود: 4607 واللفظ له، والترمذي: 2676، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

هذا يدلُّنا على أن الإنسان ينبغي له أن يأخذ بوصية رسول الله عليه الصلاة والسلام.

محبَّة الله ورسوله أساس الأُلفة

مما يُسبِّب الأُلفة بين القلوب: اجتماع هذه القلوب على محبة الله تعالى ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا كان الناس -كلهم أو أغلبهم في الغالب أو جمهورهم- يُحبون الله ويُحبون النبي عليه الصلاة والسلام؛ حصلت بينهم الأُلفة، ولو كان معهم غيرهم فإنه ينقاد معهم بإذن الله؛ فإنَّ محبة الله تعالى هي من أسباب الأُلْفَة التي تجمع بين القلوب؛ لأنهم يُحبون إلهًا واحدًا، ويعبدون إلهًا واحدًا؛ ولهذا قال الله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31].

كل إنسانٍ إذا كان يُحِبُّ الله يتَّبع الرسول عليه الصلاة والسلام، ومن علامات صدقه: اتِّباع الرسول ، والعمل بما قاله الرسول عليه الصلاة والسلام من هذه الأحاديث، والانقياد لما دلَّ عليه النبي عليه الصلاة والسلام، من الأمر بالتآلُف، ومن النهي عن الشحناء والبغضاء والحسد بين الناس، وغير ذلك من الأمور؛ لأنه يقتدي بالرسول، ويُحِبُّ الرسول، ويُحِبُّ أن يعمل بما عمل به الرسول عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[39]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44 واللفظ له..

هذا من محبة النبي ومحبة الله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في هذا: ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان: مَن كان اللهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يُحِبَّ المرء لا يُحِبُّه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر -بعد أن أنقذه الله منه- كما يكره أن يُقْذَفَ في النار[40]رواه البخاري: 21، ومسلم: 43 واللفظ له..

قال النبي عليه الصلاة والسلام: لا يؤمنُ أحدُكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين[41]رواه البخاري: 15، ومسلم: 44 واللفظ له.، في البخاري ومسلم. فإذا أحبَّ اللهَ وأحبَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام أكثر من نفسه ووالده وولده والناس أجمعين؛ عَمِلَ بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام.

حينما قال عليه الصلاة والسلام عن التهاجُر: لا يَحِلُّ لمسلمٍ أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاث ليالٍ؛ يلتقيان، فيُعْرِض هذا، ويُعْرِض هذا! وخيرهما الذي يبدأ بالسلام[42]رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560 واللفظ له.، فهو يُحِبُّ الرسول ، ويُحِبُّ أن يُنَفِّذ كلام الرسول عليه الصلاة والسلام. وكذلك إذا حصل له هذا فإنه يرجو ثواب الله، ويرجو أن يُحِبَّه الله. إذا أطاع الرسول عليه الصلاة والسلام، وأطاع الله، فإنَّ الله يُحِبُّه.

ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى: آية المحنة، وهي قوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران:31]، فكل إنسانٍ -حتى من تَبِعَه، حتى مَن يُشركون ويدعون الأولياء من دون الله- يقول: "نحن نُحِبُّ الرسول عليه الصلاة والسلام"؛ يبقى كذبًا!

قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي...، اتَّبِعوا النبي عليه الصلاة والسلام، يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، فإذا كنت صادقًا في محبة الرسول فاتَّبِعه، عليك أن تتَّبعه عليه الصلاة والسلام.

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله إذا أحبَّ عبدًا دعا جبريلَ فقال: إني أُحِبُّ فلانًا فأَحِبَّه. قال : فيُحِبُّه جبريل، ثم يُنادي في السماء فيقول: إنَّ الله يُحِبُّ فلانًا فأَحِبُّوه؛ فيُحِبُّه أهل السماء. قال : ثم يُوضَع له القبول في الأرض. وإذا أبغض عبدًا...، نسأل الله العافية، نعوذ بالله، دعا جبريلَ فيقول: إني أُبْغِضُ فلانًا فأَبْغِضْه. نعوذ بالله، هذه خسارةٌ وتعاسةٌ في الدنيا والآخرة! قال : فيُبْغِضُه جبريل، ثم يُنادِي في أهل السماء: إنَّ الله يُبْغِضُ فلانًا فأَبْغِضُوه. قال: فيُبغضونه...، نسأل الله العافية، ثم تُوضَع له البغضاء في الأرض[43]رواه البخاري: 3209، ومسلم: 2637 واللفظ له. هذا في البخاري وفي مسلمٍ كذلك.

فإذا كان يُحِبُّ الله، ويُحِبُّ الرسول ، ويُحِبُّ أن يُنادي ربُّه جبريلَ ؛ فعليه أن يمتثل أوامر الله وأوامر النبي عليه الصلاة والسلام؛ بعدم عقوق الوالدين، وبعدم قطيعة الأرحام، وبعدم الشَّحْناء بينه وبين الجيران، وبينه وبين الإخوان. يمتثل أمر النبي عليه الصلاة والسلام؛ حتى يُحِبَّه الله ويُحِبَّه الرسول .

وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب:36]، أي: واضحًا بَيِّنًا؛ لأنه ما أطاع الرسول ، ولا أطاع الله ​​​​​​​!

حتى النزاع، لو حصل بين الناس نزاعٌ أو خلافٌ، قال الله تعالى: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا [النساء:59]، فإذا لم يُقبَل: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [النساء:65].

إذن؛ هذا مما يُعين على المحبة بين الناس، وعلى تآلُف القلوب، وعلى محبة الله تعالى، ومحبة النبي عليه الصلاة والسلام؛ فيحصل التوفيق، ويكون الإنسان بهذا وليًّا من أولياء الله.

مَن هو الولي؟ الله تعالى بيَّنه، يقول: أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ [يونس:62- 64].

أولياء الله، قال الله تعالى: مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنْتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سَمْعَه الذي يسمع به، وبَصَرَه الذي يُبصِر به، ويده التي يَبْطُِشُ بها، ورِجْلَه التي يمشي بها، وإن سألني لَأُعْطِيَنَّه، ولئن استعاذني لَأُعِيذَنَّه، وما تردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُه تَرَدُّدِي عن نفس المؤمن؛ يكره الموت، وأنا أكره مساءته[44]رواه البخاري: 6502.، وفي رواية: ولا بُدَّ له منه[45]رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 38219.، سبحان الله! هذا أمرٌ عظيمٌ! رواه البخاري، وآخره رُوِيَ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

هذا يدلُّ على عِظَم الأمر، وأنَّ الله إذا أحبَّ العبد وفَّقه وأعانه وسدَّده، ومنعه من كل ما يُغضب الله تعالى.

كذلك -ولعله أن يكون من أواخر هذه الكلمة- مما يُعين على تآلُف القلوب: الحبُّ في الله، والبُغض في الله. ما دام أنك تُحِبُّ الله وتُحِبُّ النبي عليه الصلاة والسلام، فعليك أن تُحِبَّ لله؛ لأنك تُحِبُّ مَن يُحِبُّ الله، وتُحِبُّ مَن يُطيع الله، تُحِبُّه لله؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: أوثق عُرَى الإيمان: الحُبُّ في الله، والبُغض في الله[46]رواه أحمد: 18524، والطيالسي: 783 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3030. وأوثق عُرَى الإيمان، … Continue reading، يُحِبُّه لله، لا يُحِبُّه إلا لله تبارك وتعالى!

قال تعالى: لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا...، ثم قال في آخر الآية: أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ...، ليسوا حزب الشيطان، أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [المجادلة:22]، هؤلاء هم حزب الله.

هذا يدلُّ على عِظَم الأمر، وأنَّ مَن أحبَّ لله وأبغضَ لله فإنه يحصل على الثواب العظيم.

وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: قال الله : وَجَبَتْ مَحَبَّتِي...، انظر إلى هذه، هذه أعمالٌ تُؤَلِّف بين القلوب، واللهِ تُؤَلِّف بين القلوب، قال: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمُتحابِّين فيَّ، والمُتجالسين فيَّ...، يتجالسون فيما بينهم، لماذا؟ في الله، من أجل الله؛ إما في طلب العلم، وإما في المذاكرة، وإما في الخير، وإما في غير ذلك من أعمال الخير، قال: والمُتَزَاوِرين فيَّ...، المتزاورون: الذين يزور بعضهم بعضًا لله.

وَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمُتَحابِّين فيَّ، والمُتَجالسين فيَّ والمُتَزاوِرين فيَّ، والمُتَباذلين فيَّ[47]رواه أحمد: 22030، ومالك: 2/ 953، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2581. والمُتَباذلين فيَّ معناه: بذلُ … Continue reading، يعني: من أجل الله تعالى.

وعن النبي عليه الصلاة والسلام: أنَّ رجلًا زار رجلًا في قريةٍ، فأرصد اللهُ له على طريقه مَلَكًا من الملائكة في صورة رجلٍ، الله أعلم أنه لا يدري أمر هذا الرجل، فوجده، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمةٍ تَرُبُّها؟، يعني: تريدها؟ أنت منعمٌ عليه فتُريد منه شيئًا؟ قال: لا، غير أني أحببتُه في الله ، قال: فإني رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه[48]رواه مسلم: 2567..

سبحان الله! يعني يزوره من أجل الله؛ لأنه يُحِبُّه في الله، لا يزوره من أجل دنيا، ولا من أجل أمورٍ أخرى، يزوره يُحِبُّه في الله، من باب الزيارة، قال: فإني رسول الله إليك بأنَّ الله قد أحبَّك كما أحببتَه فيه، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ويوم القيامة -هذا الحديث صحيحٌ ثابتٌ، رواه مسلم- يقول الله تعالى -كما قال النبي عليه الصلاة والسلام-: إنَّ الله يقول يوم القيامة: أين المُتَحَابُّون بجلالي؟ اليوم أُظِلُّهم في ظِلِّي يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي[49]رواه مسلم: 2566. رواه مسلم.

أين المُتَحَابُّون بجلالي؟، من أجل الله، أين هم؟ قل لي -بالله-: هل إذا تَحَابَّ الناس من أجل الله، وأحبَّ بعضُهم بعضًا من أجل الله، وتزاوروا من أجل الله، وتجالسوا من أجل الله، وتباذلوا -أي: أعطوا المال- من أجل الله؛ هل يكون بينهم شحناءُ وعداوةٌ وتفرُّق قلوبٍ؟ لا، يُحِبُّون الخير، ويُحِبُّون هذا العمل.

ولهذا قال الله تعالى في حديثٍ آخر: المُتحابُّون في جلالي لهم منابرُ من نورٍ، يَغْبِطُهُم[50]من الغِبْطة، وهي: أن يتمنى الإنسان مثل حال المغبوط، من غير أن يُريد زوالها عنه. ينظر: "الميسر في شرح مصابيح … Continue reading النبيُّون والشهداء[51]رواه الترمذي: 2390، وأحمد: 22080، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3019.. رواه الترمذي، وهو حديثٌ ثابتٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

منابر من نورٍ يوم القيامة، لماذا؟ لأنهم يتحابُّون من أجل الله تعالى، ويُحِبُّون في الله تعالى.

مما يُؤَلِّف بين القلوب: الحبُّ في الله تعالى -كما تقدَّم-، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه...، الحقيقة بعض هذه الخصال هي مما يُؤَلِّف بين القلوب تأليفًا عظيمًا:

إمامٌ عَدْلٌ، وشابٌّ نشأ في عبادة الله...، هذا من أعظم الناس، الشاب الذي نشأ في عبادة الله، شابٌّ، لكن الله وفَّقه وجعله ينشأ في عبادة الله تعالى.

ورجلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ في المساجد...، يُحِبُّ المساجد، ما يخرج من صلاةٍ إلا يُفَكِّر في الصلاة الأخرى في المسجد.

ورجلان تحابَّا في الله؛ اجتمعا عليه، وتفرَّقا عليه. ورجلٌ دَعَتْه امرأةٌ ذات مَنْصِبٍ وجمالٍ فقال: إني أخاف الله...، لها منصبٌ ولها جمالٌ، ما يُصيبه ولا شيءٌ، مضمونٌ محفوظٌ، ومنهم: يوسف عليه الصلاة والسلام؛ دَعَتْه امرأةٌ ذات مَنْصِبٍ وجمالٍ، فقال: "إني أخاف الله".

ورجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتى لا تَعْلَمَ شِمالُه ما تُنْفِقُ يمينه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه[52]رواه البخاري: 1423 واللفظ له، ومسلم: 1031.، ذكر ذنوبه، وذكر معاصيه، وذكر رحمة الله تعالى، وذكر أن الله تبارك وتعالى يقول: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء:110]، فبكى من خشية الله وما عنده أحدٌ، وما يراه إلا الذي خلقه. هذا يكون في ظل الله يوم لا ظِلَّ إلا ظلُّه.

هؤلاء السبعة أعمالهم مما يُؤَلِّف بين القلوب، خاصةً الذي قلبه مُعَلَّقٌ في المساجد؛ لأنه يعرف مَن يُصَلِّي معه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: بَشِّر المَشَّائين[53]من صِيَغ المبالغة، فالمراد: كثرة مشيهم واعتيادهم ذلك، لا مَن اتفق له المشي مرةً أو مرتين، والحديث يعني: … Continue reading إلى المساجد في الظُلَّم بالنور التامِّ يوم القيامة[54]رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4207 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب … Continue reading.

وقال عليه الصلاة والسلام: مَن ‌غَدَا ‌إلى ‌المسجد ‌أو ‌راح، أعدَّ الله له في الجنة نُزُلًا كلما غَدَا أو راح[55]رواه البخاري: 662، ومسلم: 669 واللفظ له.، نُزُلًا أي: ضيافةً عند الله في الذهاب والإياب، تُعَدُّ له الضيافة، فهو يُحِبُّ أن يُصَلِّي مع جماعة المسلمين، فتتآلف القلوب، ويُسَلِّم بعضهم على بعضٍ، وهكذا من الأمور التي بيَّنها .

ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى لله، ومَنَعَ لله؛ فقد استكمل الإيمان[56]رواه أبو داود: 4681، وابن أبي شيبة في "المصنف": 37457، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029..

زيارة المرضى وصِلَة الأرحام

مما يُؤَلِّف بين القلوب: زيارة المرضى، وربما تقدَّم بعضها. زيارة المرضى، زيارة المريض لله؛ ولهذا كان عليٌّ يُذكَر عنه أنه زار بعض أولاده -الحسن أو الحسين رضي الله عنهما-، فوجد عنده أبا موسى ، فقال عليٌّ : "أعائدًا جئتَ يا أبا موسى أم زائرًا؟"، قال: "لا، بل عائدًا"، فبيَّن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ما من مسلمٍ يعود مُسلمًا غُدْوَةً[57]الغُدْوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والظاهر أن المراد به: أول النهار ما قبل الزوال. ينظر: "مرقاة … Continue reading إلا ‌صلَّى ‌عليه ‌سبعون ‌ألف ‌مَلَكٍ حتى يُمسِيَ، وإن عاده عَشِيَّةً[58]أي: ما بعد الزوال، أو: أول الليل. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 3/ 1134. إلا ‌صلَّى ‌عليه ‌سبعون ‌ألف ‌مَلَكٍ حتى يُصبِحَ[59]رواه الترمذي: 969 واللفظ له، وأحمد: 702، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476.، والحديث ثابتٌ عن النبي عليه الصلاة والسلام.

سبعون ألف مَلَكٍ، وهم يستغفرون لك؛ هذا يدلُّ على فضل زيارة المرضى والتأليف بين القلوب.

كذلك التعزية: إذا حصلت مصيبةٌ بين الناس ثم عزَّاهم؛ إن كان قريبًا واساهم، وإن كان بعيدًا اتصل بهم.

وكذلك النعمة: إذا حصلت للإنسان من ولدٍ أو زواجٍ أو غير ذلك، هنَّأه وبارك له ودعا له، هذا مما يُؤَلِّف بين القلوب.

وغير ذلك من الأمور الكثيرة التي لا تُحصَر، لكن هذا -في الحقيقة- من أعظم ما يُؤَلِّف بين القلوب، ولكن هذا يرجع إلى الله تعالى، يرجع إلى فضل الله الذي يُؤَلِّف بين القلوب، كما ألَّف بين قلوب الأوس والخزرج وقد مضى القتال بينهم أكثر من مئةٍ وعشرين سنةً أو ما يُقاربها كما ذكر المؤرِّخون، مئةٌ وعشرون سنةً والحروب بينهم والثارات والأمور والشَّحْناء وغير ذلك! وألَّف الله تعالى بين قلوبهم بالنبي صلوات الله وسلامه عليه، وبإسلامه وبدعوته إلى الإسلام؛ فصلوات الله وسلامه عليه.

يقول : مَن دلَّ على خيرٍ فله مِثْلُ أجر فاعله[60]رواه مسلم: 1893.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه؛ فكل خيرٍ يعمله الناس فللنبي عليه الصلاة والسلام مثله، هذا من فضل الله عليه. كل عملٍ صالحٍ يتقرَّب به العبد إلى الله، للرسول عليه الصلاة والسلام مثله؛ لقوله : مَن دلَّ على خيرٍ فله مِثْلُ أجر فاعله.

ولهذا أعطاه الله الوسيلة، والوسيلة أعلى درجةٍ في الجنة، لا تكون لنبيٍّ مُرْسَلٍ ولا مَلَكٍ مُقَرَّبٍ، إلا لرسول الله عليه الصلاة والسلام، أعلى درجةٍ في الجنة.

سُئل عن الوسيلة فقال: فإنها مَنْزِلَةٌ في الجنة...، في أعلى مكانٍ، لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو؛ فمَن سأل لي الوسيلة حلَّت له الشفاعة[61]رواه مسلم: 384.، أو شفاعتي يوم القيامة[62]رواه البخاري: 614.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.

ولهذا فإن الإنسان إذا صلَّى يقول: اللهم -ربَّ هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة- آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَه[63]رواه البخاري: 614.، إنك لا تخلف الميعاد[64]رواه البيهقي في "السنن الكبير": 1954.. بعض الناس يقول: "هذه الزيادة فيها ضعفٌ"، ولكن سماحة شيخنا رحمه الله تعالى على منهج الحافظ ابن حجر وعلى منهج النووي والعراقي؛ أنَّ زيادة الثقة مقبولةٌ ما لم تقع مُنافيةً لمَن هو أوثق، فهم يأخذون بزيادات الثقات، يعني: الزيادة التي ليس فيها خلافٌ.

اللهم -ربَّ هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة- آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وَعَدْتَه؛ إنك لا تُخلِف الميعاد.

أسأل الله الذي لا إله إلا هو، بأسمائه الحُسنى وصفاته العُلا، أن يرزقني وإياكم العلم النافع، والعمل الصالح، والفقه في دينه على ما يُحِبُّه ويرضاه؛ إنه على كل شيءٍ قديرٌ، وأن يجعلنا وإياكم من الفرقة الناجية من النار، الطائفة المنصورة الذين يكونون على مثل ما كان عليه رسول الله عليه الصلاة والسلام وأصحابه ، أسأله ذلك، وأسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يُحِبُّه ويرضاه.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

نعم، لا شكَّ أن هذا من أعظم... صلة الأرحام، وذُكِرَت، ذكرناها فيما مضى، بر الوالدين، الإحسان إلى الجيران، صلة الأرحام؛ ولذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: مَن أحبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقه ويُنْسَأَ له في أَثَرِه، ‌فَلْيَصِلْ ‌رَحِمَه[65]رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.، يعني: يطول عمره، والرزق يكفي، مَن أحبَّ أن يُبْسَطَ له في رِزْقه ويُنْسَأَ له في أَثَرِه، ‌فَلْيَصِلْ ‌رَحِمَه.

ومعنى يُنْسَأ له في أثَره: يعني: يُطَوَّل له في عمره. ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه يكون على أحد معنيين: إما أنه يكون على حقيقته، وأن الله يُطيل في عمره سنين، فإذا كان عمره مثلًا ثلاثين سنةً إن لم يصل رَحِمَه، وإن وصل رَحِمَه يكون عمره تسعين أو أقل أو أكثر، لكنه في علم الله، معلومٌ عند الله، ما يخفى عليه شيءٌ، لكن الملائكة لا يعلمون، المكتوب عند الملائكة أنه إن وَصَلَ رَحِمَه فعمره كذا، وإن لم يَصِلْ رَحِمَه فعمره كذا، ولا يدري الملائكة، ولكن الذي خلقه والذي كتب رزقه وأجله وعمله وشقيٌّ أو سعيدٌ يعلم ذلك، ويعلم هل يَصِلُ رَحِمَه أو لا يَصِلُه، .

والمعنى الثاني -كما ذكر ابن القيم وغيره-: أنَّ الله يُبارك له في عمره، وأن عمره المكتوب له يجعله الله مُضاعفًا مباركًا؛ فإذا عمل العمل بارك الله له في هذا العمل، وبارك الله له في هذا العمر، فاستفاد من عمره، واستفاد من وقته، واستفاد من عبادته، حتى تكون كأنها عبادة سنين.

هذا كله خيرٌ، سواءٌ مَدَّ الله في عمره على طاعته، أو كان هذا بالبركة في العمل الصالح.

أما الله تعالى، فالله يعلم أجله، ويعلم مَن يموت، وهو الذي قدَّر ذلك، قدَّر المقادير ، ولا تخفى عليه خافيةٌ. أما الملائكة فلا يعلمون، حتى الملائكة لا يعلمون الموت، ولا يعلمون الغيب، ولا يعلمون إلا ما يُخبرهم الله تعالى، حتى ملك الموت ما عنده هذا؛ لأن الموت هذا -يعني: خروج الروح- عِلمُ غيبٍ ما يعلمه أحدٌ، كما بيَّن الله تعالى ذلك في قوله تبارك وتعالى: وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [لقمان:34]، فهو الذي يعلم سبحانه.

أسأل الله لي ولكم العلم النافع والعمل الصالح.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

^1 رواه البخاري: 122 واللفظ له، ومسلم: 2380.
^2 رواه ابن ماجه: 3992، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌1492.
^3 رواه الترمذي: 2641، وحسَّنه الألباني في "صحيح الجامع": 5343.
^4 رواه ابن ماجه: 10، وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": 7289. وأصله عند البخاري: 3641، ومسلم: 1920، 1037 باختلاف يسير.
^5 رواه البخاري: 3348 واللفظ له، ومسلم: 222.
^6 رواه أحمد: 16023، وابن خزيمة: 159، وصحَّحه الألباني في "التعليقات الحسان": 6528.
^7 رواه البخاري: 18 واللفظ له، ومسلم: 1709.
^8 رواه أحمد: 14456 واللفظ له، والبيهقي في "السنن الكبير": 16634، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة": ‌‌63.
^9 رواه البخاري: 3653، ومسلم: 2381 واللفظ له.
^10 أي: عالمٌ من علماء دينهم. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 3/ 218.
^11 رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 3251 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 616.
^12 جمع: بَهُوتٍ، وهو: الكثير البُهتان. ينظر: "شرح صحيح البخاري" للأصبهاني: 4/ 387.
^13 أي: كذبوا عليَّ مع حضوري. والبُهتان: الكذب الذي تتحيَّر من بطلانه، وتَعجب من إفراطه. ينظر: "كشف المشكل من حديث الصحيحين" لابن الجوزي: 3/ 289.
^14 رواه البخاري: 3329.
^15 مَهْيَمْ: كلمةٌ يمانيةٌ معناها: ما أمرُك؟ أو: ما هذا الذي أرى بك؟ ونحو هذا من الكلام. ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد: 2/ 191.
^16 من الوليمة، وهي: الطعام المُتَّخَذ للعُرس. ينظر: "العين" للخليل بن أحمد: 8/ 344.
^17 رواه البخاري: 6386 واللفظ له، ومسلم: 1427.
^18 رواه الترمذي: 2485، وابن ماجه: 1334 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2697.
^19, ^30 رواه مسلم: 54.
^20 رواه البخاري: 6016، ومسلم: 46 واللفظ له.

والبوائق: الغوائل والشرور، واحدها: بائقةٌ، وهي الداهية. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 162.

^21 رواه البخاري: 10، ومسلم: 41.
^22 رواه البخاري: 13، ومسلم: 45.
^23 رواه البخاري: 2446، ومسلم: 2585.
^24 رواه مسلم: 2564.
^25 رواه البخاري: 6077 و6237، ومسلم: 2560 واللفظ له.
^26, ^27 رواه مسلم: 2565.
^28 رواه البخاري: 6952.
^29 رواه البخاري: 2447، ومسلم: 2579.
^31 رواه البخاري: 12، ومسلم: 39.
^32 رواه البخاري: 6011، ومسلم: 2586 واللفظ له.
^33 رواه البخاري: 48، ومسلم: 64.
^34 رواه البخاري: 5997، ومسلم: 2318.
^35 أي: من أنفُسنا وعشيرتنا. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 1/ 285.
^36 رواه البخاري: 3606، ومسلم: 1847 واللفظ له.
^37 النواجذ: أواخر الأسنان، وقيل: التي بعد الأنياب. وهو مَثَلٌ في شدة الاستمساك بأمر الدين؛ لأنَّ العضَّ بالنواجذ عضٌّ بجميع الفم والأسنان. ينظر: "النهاية" لابن الأثير: 3/ 252.
^38 رواه أبو داود: 4607 واللفظ له، والترمذي: 2676، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 37.
^39, ^41 رواه البخاري: 15، ومسلم: 44 واللفظ له.
^40 رواه البخاري: 21، ومسلم: 43 واللفظ له.
^42 رواه البخاري: 6077، ومسلم: 2560 واللفظ له.
^43 رواه البخاري: 3209، ومسلم: 2637 واللفظ له.
^44 رواه البخاري: 6502.
^45 رواه ابن أبي شيبة في "المصنف": 38219.
^46 رواه أحمد: 18524، والطيالسي: 783 واللفظ له، وحسَّنه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3030.

وأوثق عُرَى الإيمان، أي: أقواها وأثبتها وأحكمها، جمع عُرْوةٍ، وهي: ما يُعلَّق به الدلو والكوز وغيرهما؛ فاستُعير لما يُتَمَسَّك به من أمر الدين ويُتَعَلَّق به من شُعَب الإيمان. ينظر: "فيض القدير" للمناوي: 3/ 69.

^47 رواه أحمد: 22030، ومالك: 2/ 953، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 2581.

والمُتَباذلين فيَّ معناه: بذلُ الرجلِ لصاحبه مالَه إذا احتاج إليه؛ لحق أُخُوَّة الإسلام. ينظر: "مشارق الأنوار" للقاضي عياض: 1/ 204.

^48 رواه مسلم: 2567.
^49 رواه مسلم: 2566.
^50 من الغِبْطة، وهي: أن يتمنى الإنسان مثل حال المغبوط، من غير أن يُريد زوالها عنه. ينظر: "الميسر في شرح مصابيح السُّنة" للتوربشتي: 3/ 1078.
^51 رواه الترمذي: 2390، وأحمد: 22080، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3019.
^52 رواه البخاري: 1423 واللفظ له، ومسلم: 1031.
^53 من صِيَغ المبالغة، فالمراد: كثرة مشيهم واعتيادهم ذلك، لا مَن اتفق له المشي مرةً أو مرتين، والحديث يعني: العشاء والصبح. ينظر: "صحيح الترغيب والترهيب" للألباني: 1/ 246.
^54 رواه أبو داود: 561، والترمذي: 223، والطبراني في "المعجم الأوسط": 4207 واللفظ له، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 315.
^55 رواه البخاري: 662، ومسلم: 669 واللفظ له.
^56 رواه أبو داود: 4681، وابن أبي شيبة في "المصنف": 37457، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3029.
^57 الغُدْوة: ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، والظاهر أن المراد به: أول النهار ما قبل الزوال. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 3/ 1134.
^58 أي: ما بعد الزوال، أو: أول الليل. ينظر: "مرقاة المفاتيح" للملا علي القاري: 3/ 1134.
^59 رواه الترمذي: 969 واللفظ له، وأحمد: 702، وصحَّحه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3476.
^60 رواه مسلم: 1893.
^61 رواه مسلم: 384.
^62, ^63 رواه البخاري: 614.
^64 رواه البيهقي في "السنن الكبير": 1954.
^65 رواه البخاري: 5986، ومسلم: 2557.