الشيخ:
بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إنَّ الحمدَ للهِ، نحمدُه ونستعينُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا.
مَن يهدِهِ اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلَّى اللهُ عليه وعلى آله وأصحابِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أيها الإخوة، لا شكَّ أنَّ الإنسانَ إذا عملَ بأعظمِ ما أمرَ اللهُ به، وابتعدَ عمَّا نهى اللهُ عنه، سعدَ في الدنيا والآخرة، وحصلت له السعادةُ والكرامةُ، والعزَّةُ والتمكينُ في دنياه وفي أُخراه، بل من حقَّق ذلك وأعطاه أعظمَ الحقوقِ التي أمرَ اللهُ بها كان من أهلِ الفردوسِ الأعلى من الجنة.
لا شكَّ أنَّ هذا أمرٌ عظيم، وهو في الحقيقة هو رأسُ الأمرِ للعبدِ المسلم، فإذا حقَّقه فإنَّه يكون سعيدًا في الدنيا والآخرة، ويكون من أولى مَن قال اللهُ فيهم : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل:97]، هذا الذي أمرَ اللهُ به، وأعظمُ ما أمرَ اللهُ به: التوحيد، وأعظمُ ما نهى اللهُ عنه: الشرك.
واللهُ تعالى خلقَ الخليقةَ، خلقَ الجنَّ والإنسَ لعبادتِه؛ لتوحيدِه، كما قال اللهُ تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات:56-58] .
ولا شكَّ أنَّ أعظمَ ما أمرَ اللهُ به لا بدَّ له من تخليصٍ وتصفية، وهو ما يُقال له: تخليصُ التوحيد، وتصفيةُ التوحيد من شوائبِ الشرك، من شوائبِ الشرك والبدع والمعاصي.
فإذا حقَّق العبدُ توحيدَه من شوائبِ الشرك، وابتعدَ عن الشرك والبدع والمعاصي، دخلَ الجنةَ بغير حساب، كما بيَّن النبيُّ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه.
والمسلمُ عليه أن يعرفَ معنى التوحيد.
التوحيدُ: مُشتقٌّ من "وحَّد الشيءَ" إذا جعله واحدًا، وهو مصدرُ وحَّد يُوحِّد توحيدًا، أي: جعل الشيءَ واحدًا، أي: قال معتقدًا: إنَّ اللهَ تعالى واحدٌ أحد، أو قال: لا إلهَ إلا اللهُ خالصًا من قلبِه أو نفسِه.
وهو في اصطلاحِ الشرع، كما ذكر العلماءُ رحمهم اللهُ تعالى: إفرادُ اللهِ تعالى بالألوهية والربوبية والأسماء والصفات.
"إفراده"، أي: تُصرَف لله الألوهية، وهي العبادة؛ فلا يدعو إلا الله، ولا يستغيثُ إلا بالله، ولا ينذرُ إلا لله، ولا يذبحُ إلا لله، ولا يعطي إلا لله، ولا يمنع إلا لله، ولا يخافُ إلا اللهَ ، ولا يخضعُ إلا لله - كلُّ هذه من العبادات - ولا يتوكَّلُ إلا على الله.
هذه في الحقيقة هي العبادة، مُكوَّنة من ثلاثة أمور: الذلُّ مع الحب: ذلٌّ، من يخاف من إنسان، ويذل مع حبه؟ لا أحد، لكن العبد يخاف الله ويحبه ، هذا هوالمطلوب مع الحب، كذلك مع الانقياد لأوامرِ الله تعالى، فهو يستعينُ بالله تعالى على أموره، ويقومُ بعبادتِه وحده.
إذن الأمرُ الأول: توحيدُ الألوهية، وهو أن يصرفَ العبدُ العبادةَ لله تعالى لا لغيره .
من الأسماء والصفات بل من الربوبية، وهو أن يعتقدَ العبدُ أنَّ اللهَ تعالى هو الخالقُ الرازقُ المعطي المانعُ الخافضُ المعزُّ المذلُّ المدبِّرُ للأمور، لكن لا ينفعُ هذا التوحيدُ إلا بتوحيدِ الألوهية؛ ولهذا قال اللهُ تعالى عن المشركين: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ [لقمان:25]، هم مشركون؛ ولهذا قال الشيخُ محمدُ بنُ عبدِالوهاب رحمه الله تعالى في"الأربع قواعد"، القاعدةُ الأولى: "أن تعلمَ أنَّ المشركين الذين قاتلهم رسولُ الله كانوا يُقرُّون بتوحيدِ الربوبية، لكنه لم يُدخلهم في الإسلام؛ لأنهم ما أقرُّوا بتوحيد الألوهية".
بل حينما قال لهم النبيُّ عليه الصلاة والسلام: قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا[1]رواه أحمد: 16023، والطبراني في "المعجم الكبير": 5/ 61، 4582، وصححه محققو المسند.، قالوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِن هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ص:5]، هذا يدلُّ على أنهم يعرفون معنى لا إله إلا الله.
ولهذا بعضُ الناس ربما يدعو غيرَ الله، ويستغيثُ بغير الله، وينذرُ لغير الله، ويعبدُ الله: يحجُّ، ويصوم، ويزكِّي، ويصلِّي الصلوات، ويقومُ بالعبادات، ومع ذلك يتقرَّبُ لبعض المخلوقات من الإنس أو الضعفاء، أو من الجن، بعضهم يعبدُ الجنَّ - والعياذُ بالله تعالى - ويصلِّي، ويصوم، ويزكِّي!
ولهذا قال الإمامُ محمدُ بنُ عبدِالوهاب رحمه الله تعالى: "فلا خيرَ فيمن كان كفَّارُ المشركين أعرفَ منه بمعنى لا إله إلا الله".
المشركون يعرفون معنى: "لا إله إلا الله"؛ ولهذا ما قالوها خوفًا من أن يتركوا آلهتَهم ويعبدوا إلهًا واحدًا، أمَّا هؤلاء فهم لا يعرفون معنى: "لا إله إلا الله"، يصلِّي ويصوم ويزكِّي، وإن لم يكن في هذه البلاد، ربما بعضُ الناس يقول: هذه الشركيات لا تكون في بلادِنا، والحمدُ لله، ولا نعرف، ولكنها في بلادنا دخلت في البيوت عن طريق وسائل الاتصال، يعني: هذه الوسائل عن النت وغيره، تدخل في البيوت.
ولهذا قيل قبل ثلاثين سنة: إنَّ الدنيا أو الكرة الأرضية أصبحت كالقرية الواحدة، أمَّا الآن فأصبحت كالغرفة الواحدة، كلُّ ما في الدنيا يُنقل في غرفةٍ خاصة.
ولهذا ينبغي، بل يجب أن يُحذَّر من الشرك الأكبر والأصغر؛ لأنه دخل في البيوت عن طريق وسائل الاتصال التي دخلت البيوت، وربما نظرها مَن لا علمَ عنده بالتوحيد فوقع في الشرك وهو لا يشعر، نسأل الله العفوَ والعافية.
ولهذا كان من أهمِّ ما دعا إليه رسولُ الله عليه الصلاة والسلام أولًا قبل كلِّ شيء: التوحيد؛ بعثَ معاذًا إلى اليمن، فقال: إنك تقدمُ على قومٍ من أهلِ الكتاب، فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله، وفي رواية: إلى أن يوحِّدوا الله[2]رواه البخاري: 7372.، وفي رواية: إلى أن يعبدوا الله[3]رواه البخاري: 1458.، فإن هم أطاعوك لذلك، فأعلِمهم أنَّ اللهَ افترض عليهم خمسَ صلواتٍ في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلِمهم أنَّ اللهَ افترض عليهم صدقةً تُؤخذ من أغنيائهم فتُردُّ في فقرائهم[4]رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19..
فأعظمُ ما أمرَ اللهُ به التوحيد، وأولُ ما يُدعى إليه التوحيد؛ لأنه به ينجو العبدُ من النار، وتصلح الأعمال؛ لو عبدَ الإنسانُ ربَّه بالليل والنهار: بالصلاة، والزكاة، والحج، والتسبيح، والتهليل، والعبادة، ولكن في توحيدِه خللٌ لم يكن مخلصًا في ذلك، أو لم يكن مُوحِّدًا؛ فإنَّ هذه العبادة تصبح هباءً منثورًا، نسأل الله العافية، لقولِ الله تعالى: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].
ولهذا لو سُئل بعضُ الناس، بل سأل بعضُ الناس في بعض البلدان: لماذا بعضُ العلماء يهتمون بالتوحيد كثيرًا؟ فيُجيب: بأنَّ بالتوحيد تصلح الأعمال، وتُقبل الأعمال، وبغيره لا تُقبل ولو كانت كثيرةً؛ لأن الأعمال تُقبل بالتوحيد، بالإخلاص لله تعالى، وصرف العبادة له ؛ ولهذا بيَّنه اللهُ تعالى، وبيَّنه النبيُّ صلواتُ الله وسلامُه عليه.
وشهادةُ أنَّ محمدًا رسولُ الله عليه الصلاة والسلام هي في الحقيقة قرينتها، قرينةُ لا إله إلا الله، وأنه عبدُ الله ورسولُه عليه الصلاة والسلام.
معنى شهادةِ "أنَّ محمدًا رسولُ الله": يعتقدُ العبدُ أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام محمد بن عبدِالله بنِ عبدِ المطلب بنِ هاشم القرشيَّ العربيَّ هو رسولُ الله حقًّا عليه الصلاة والسلام إلى جميع الإنس والجن، لا نبيَّ بعده عليه الصلاة والسلام.
وتحقيقُ ذلك، أو الأدلةُ على ذلك، أو مقتضى ذلك: تصديقُه فيما أخبر عليه الصلاة والسلام، وطاعتُه فيما أمر، واجتنابُ ما نهى عنه وزجر، وألَّا يُعبدَ اللهُ إلا بما شرع.
هذا مَن شهد أنَّ محمدًا رسولُ الله عليه الصلاة والسلام، فهذا يدلُّ على أنه قد شهد هذه الشهادة، قد قام بها، وصرف العبادة لله، واتَّبع النبيَّ عليه الصلاة والسلام.
ولهذا بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام ذلك بقوله صلواتُ الله وسلامُه عليه في الحديث الذي رواه مسلم: والذي نفسي بيده، لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة: يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ، ثم لا يؤمنُ بالذي أُرسلتُ به ويموتُ على ذلك، إلا دخلَ النار[5]رواه مسلم: 153.، كلُّ مَن لم يعبدِ الله، ولم يتبعِ النبيَّ عليه الصلاة والسلام، ولم يؤمن به، ولا بالذي أُرسل به عليه الصلاة والسلام يكون في هذا الذي بيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام. نعم.
فلا شكَّ أنَّ التوحيدَ هو أعظمُ ما أمرَ اللهُ به ؛ ولهذا بيَّنه النبيُّ صلواتُ الله وسلامُه عليه، وكان يقولُ للمشركين: قولوا لا إلهَ إلا الله تُفلحوا، قولوا لا إلهَ إلا الله تُفلحوا[6]رواه أحمد: 16023، والطبراني في "المعجم الكبير": 5/ 61، 4582، وصححه محققو المسند.، يعني: يكونُ الإنسانُ مفلحًا في الدنيا والآخرة.
بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام فضلَ التوحيد ومَن قام به؛ فقال عليه الصلاة والسلام: مَن شهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، يعني معنى لا إله إلا الله: لا معبودَ بحقٍّ إلا الله، هناك آلهةٌ تُعبد من دون الله لكنها تُعبد بباطل، كما قال اللهُ تعالى: ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [الحج:62]، مَن شهد أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل[7]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.، متفقٌ على صحته، أي: أخرجه البخاري ومسلم.
وهذا يدلُّ على عِظَم هذا الحديث: أنَّ مَن شهد أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ له، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، عبدُ الله ورسولُه، وليس بثالثِ ثلاثة، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، معنى ذلك: هو كان "بكن"، ولم يكن هو كلمةَ الله، وإنَّ معنى ذلك كلمتُه، أي: كن بكلمة: كن؛ فكان، وروحٌ منه، أي: روحٌ من جملة الأرواح التي خلقها اللهُ تعالى، وإنما هذا من باب التشريف لعيسى عليه الصلاة والسلام، وأنَّ الجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل.
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث جابر أنه قال: مَن مات لا يُشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَن مات يُشرك بالله شيئًا دخل النار[8]رواه مسلم: 93.، رواه مسلم، نسأل الله العفوَ والعافية.
فلا شكَّ أنَّ التوحيدَ هو من أعظمِ ما أمرَ اللهُ به، وهو في الحقيقة أعظمُ ما يُكفِّر اللهُ تعالى به الذنوب، ويرفعُ به الدرجات في الدنيا والآخرة؛ ولهذا قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام في حديث عتبان: فإنَّ الله حرَّم على النار مَن قال: لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ الله، فإنَّ الله حرَّم على النار مَن قال لا إلهَ إلا اللهُ يبتغي بذلك وجهَ الله[9]رواه البخاري: 5401، ومسلم: 33.، لا إله إلا الله أي: لا معبودَ حقٌّ إلا الله. هذا من فضل الله تعالى على عباده الموحِّدين، والتوحيدُ هو حقُّ الله الأعظم على عباده، حقُّ الله الأعظم، كما سمعتم في العنوان: هو أعظمُ ما أمرَ اللهُ به.
كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يسيرُ على حمار، ومعاذٌ رديفُه، وهذا يدلُّ على أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام من المتواضعين، بل هو سيِّدُ المتواضعين عليه الصلاة والسلام، يركبُ على الحمار، وعنده خيلٌ، وعنده إبلٌ عليه الصلاة والسلام، لكن من باب التواضع كان يركبُ الحمار عليه الصلاة والسلام، ويُردف.
العظماء لا يُردفون أحدًا على الدابة إذا كانت دابة، كذلك بعضُهم لا يسمح أن يركب أحدٌ بجانبه، ولكن النبيَّ عليه الصلاة والسلام أردف؛ لأنه يتواضع عليه الصلاة والسلام، وركب على الحمار، قال: يا معاذ، أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلم. قال: حقُّ الله على العباد أن يعبدوه ولا يُشركوا به شيئًا، ثم سار، ثم قال: يا معاذ، قال: قلتُ: لبيك يا رسول الله، قال: أتدري ما حقُّ العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قال: قلتُ: اللهُ ورسولُه أعلم، قال: ألا يُعذِّب مَن لا يُشرك به شيئًا[10]رواه البخاري: 7373، ومسلم: 30.؛ هذا يدلُّ على أنَّ هذا من أعظم الحقوق التي حقَّها اللهُ تعالى على نفسه، هو الذي أوجبها على نفسه سبحانه، ما كُتب عليه أن يكتب هذا الحق، وإنما هو فضلٌ منه، وإحسانٌ، وتكرُّم، أوجب هذا الحقَّ على نفسه كرمًا وجودًا وإحسانًا . أتدري ما حقُّ الله على العباد إذا فعلوا ذلك؟ قال: ألا يُعذِّب منهم أحدًا، لا يُعذِّب مَن لا يُشرك به شيئًا أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وقد يدورُ في ذهن الإنسان أنَّ التوحيدَ شيءٌ أمرُه يسير، وليس يحتاج إلى إفراد محاضرة كاملة؛ لأنه يقول: تعبدُ الله ولا تُشرك به شيئًا، لكن لو نظرتَ إلى هذا القرآن العظيم، القرآن الكريم، من أوله إلى آخره في التوحيد، في التوحيد.
القرآنُ الكريم، كيف؟! لا بدَّ أن يُقدِّم الإنسانُ البراهين؛ فالقرآنُ إمَّا خبرٌ عن أسماءِ الله وصفاتِه وأفعالِه وأقوالِه؛ فهذا توحيدُ الربوبية، وتوحيدُ الأسماء والصفات، إذن؛ ذكره اللهُ تعالى في القرآن.
وإمَّا أن يكون دعوةً إلى عبادةِ الله وحده، وخلعِ ما يُعبد من دونه؛ فهذا توحيدُ الألوهية، توحيدُ العبادة.
ثالثًا: وإمَّا أن يكون أمرًا ونهيًا، أمرٌ بالواجبات، ونهيٌ عن المحرمات، وإلزامٌ بطاعةِ الله تعالى؛ فهذا يكون من حقوقِ التوحيد، يعني: من حقوق التوحيد أن يقوم بالواجبات، ويبتعد عن المحرمات.
أمرٌ رابع: وإمَّا أن يكون ما في القرآن خبرًا عن أهل الشرك، وما فعل اللهُ بهم، وما في الدنيا والآخرة من العذاب والنكال والهزائم والخسارة ودخول النار يوم القيامة؛ فهذا جزاءُ مَن خرج عن التوحيد، ولم يعمل بالتوحيد.
أمرٌ خامس: وإمَّا أن يكون خبرًا عن إكرام أهل طاعته، وما يفعل بهم في الدنيا من النصر والتأييد والتمكين والإعانة والسعادة في الدنيا والآخرة؛ فهذا جزاءُ مَن قام بالتوحيد.
فالقرآنُ كلُّه في التوحيد، في حقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم، هكذا ذكر الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله تعالى أنَّ القرآنَ كلَّه في التوحيد.
هذا يدلُّ على عِظَم التوحيد، وأنَّ الإنسانَ عليه أن يُعنى بالتوحيد، وهو ثلاثة أنواع كما تقدَّم:
- توحيدُ الألوهية، وهو: أن تعبدَ الله تعالى وحده لا شريكَ له، وهو إفرادُ الله تعالى بالعبادة، أو يُقال: إفرادُ الله تعالى بأفعال العباد، أي: من العبادة.
- وتوحيدُ الربوبية: إفرادُ الله تعالى بالخلق والرزق والتدبير والملك ، أو يُقال: هو إفرادُ الله تعالى بأفعاله.
- وتوحيدُ الأسماء والصفات: وهو أن يُوصَف اللهُ تعالى بأسمائه وصفاته التي جاءت في كتاب الله تعالى، وفي سنة النبي عليه الصلاة والسلام، من غير تعطيلٍ ولا تحريفٍ ولا تكييفٍ ولا تمثيلٍ، ويُمرُّها كما جاءت عن الله تعالى وعن النبي عليه الصلاة والسلام.
فله يدان لا كأيدينا، وله سمعٌ لا كأسماعنا، وله وجهٌ لا كوجوهنا، وله قدرة، وله عظمةٌ لا كعظمتنا، وهكذا، كما قال اللهُ تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى [طه:5]، أي: استواءً يليقُ بجلاله .
والتحذيرُ من أعظم ما نهى اللهُ عنه: الشركُ بالله تعالى.
والشركُ بالله تعالى: هو صرفُ نوعٍ أو فردٍ من أفراد العبادة أو أنواعها لغير الله تعالى، كالذبح والنذر وغير ذلك من العبادات، والخوف والرجاء والتوكل والاستعانة والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة.
فإذا صُرِف نوعٌ من هذه الأنواع لغير الله تعالى؛ فيكون مشركًا بالله تبارك وتعالى، ويُقال: هو مساواةُ الله بغير الله فيما هو من خصائص الله، ويُقال: بأن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك.
عن عبدِ الله بن مسعود قال: قلتُ: يا رسول الله، أيُّ ذنبٍ أعظم؟ قال: أن تجعلَ لله نِدًّا وهو خلقك، نِدًّا: شبيهًا ومثيلًا ونظيرًا يُساويه ، وهو الذي خلق. قال: قلتُ: ثم أي؟ - هذا يدلُّ على أنَّ الشرك أعظمُ الذنوب أعظمُ ما نهى الله عنه - قال: أن تقتلَ ولدك خشيةَ أن يطعم معك. قال: قلتُ: ثم أي؟ قال: أن تُزاني بحليلةِ جارك[11]رواه البخاري: 7520، ومسلم: 86.، الزنا حرَّمه اللهُ تعالى في كتابه، وحرَّمه رسولُه عليه الصلاة والسلام بسنته، لكنه في حقِّ الجار أقبحُ وأشنع، نسأل الله العفوَ والعافية؛ لأن حقَّ الجار عظيم، فهو جريمة، لكن يكون أقبح إذا كان في حرمات الجار.
وكذلك بيَّن اللهُ تعالى قُبحَ الشرك، وأنه أعظمُ ما نهى الله عنه، كما قال اللهُ تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء:48]؛ هذا يدلُّ على أنَّ مَن قال بأن بعضَ الناس يكفرُ بالمعاصي والذنوب - وهو من المسلمين - فهو قد كذَّب الله. مَن قال بأن الإنسان إذا عمل الجرائم والكبائر يكون كافرًا فهذا كذَّب الله؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48].
ولهذا اختار بعضُ المحققين - منهم سماحةُ شيخنا عبدالعزيز بن باز رحمه الله تعالى - أنَّ الخوارجَ كفَّار، الذين يُكفِّرون المسلمين بالذنوب والجرائم، قال: لأنهم كذَّبوا الله؛ فالله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48]، فهم يقولون: لا، ما يغفر الله للمشرك الذي يشرك، ويشرب الخمر، ويعمل الكبائر، هذا لا يغفر الله ذنبه. لا، هذا تحت المشيئة، لا نقول: إنه من الناجين، بل من الهالكين، إلا أنه لا يخلد في النار إذا مات على ذلك ولم يتب قبل موته، أما من تاب تاب الله عليه.
ولهذا قال الله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [الفرقان:68-70].
لا شكَّ أنَّ الإنسانَ على خطرٍ من المعاصي والكبائر والموبقات وعقوق الوالدين، فإن مات على ذلك ولم يتب، ولم يأتِ بناقضٍ من نواقض الإسلام، مات على ذلك، فلا نحكم له بالجنة ولا بالنار، ولكن هو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذَّبه، ثم أخرجه برحمته أو بشفاعة الشافعين بعد التطهير.
ولهذا ثبت أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام بيَّن أنه يخرج من النار أقوامٌ قد امتحشوا كالفحم، لم يبقَ منهم إلا موضع السجود؛ لأن الله حرَّم على النار أن تأكل موضع السجود[12]انظر صحيح البخاري: 6560، ومسلم: 184.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. هذا خطر.
لكن كونه يخلد في النار مع الكفار أبدَ الآباد حتى قاتِل النفس الذي يقتل النفس ويموت ولم يتب فهو على خطرٍ عظيم إن لم يتب، قال الله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا [النساء:93]، نسأل الله العافية.
خَالِدًا فِيهَا ذكر العلماء أنه إن لم يستحلَّ قتلَ المسلم فهو يُخلَّد في النار خلودًا طويلًا لا يعلمه إلا الله، لكنه لا يكون كخلود الكفار أبد الآباد ودهرَ الداهرين، وإنما يكون له نهاية، يكون له نهاية، إلا من تاب قبل موته، فالله تعالى يتوب عليه، أو إن شاء الله تعالى أن يعفو عنه؛ فهذا إلى الله؛ لأن الله يقول: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [النساء:116]، وفي الآية الأخرى: فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا [النساء: 48].
كذلك يقول الله: إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ [المائدة:72]، وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ [يونس:106]، وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام:17]، قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا [الإسراء:56]، هؤلاء الناس أو الذين يدعون الأولياء ويستغيثون بهم من دون الله وغير ذلك في بعض الأقطار وفي بعض الأماكن، هؤلاء لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملكون كشف الضر ولا تحويلًا من عضوٍ إلى عضوٍ، ولا كشفه.
وقال سبحانه في ضرب الأمثال للمشركين: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج:73]، مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ [العنكبوت:41]، العنكبوتُ حشرةٌ ضعيفة، تأوي إلى بيتٍ ضعيف، فكذلك من دعا غير الله فهو ضعيف، ويدعو الضعيف، لا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، عليه أن يدعو الذي إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن؛ فيكون، ويدعو الذي يقول - سبحانه -: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]، بيده كلُّ شيء، الذي يقول في الحديث القدسي: يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وجنكم وإنسكم قاموا في صعيدٍ واحد، فسألوني؛ فأعطيتُ كلَّ واحدٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر[13]رواه مسلم: 2577.، والحديث رواه مسلم، حديث طويل عظيم.
هذا يدلُّ على أنه بيده كلُّ شيء. يدُ الله ملأى، كما ثبت في البخاري ومسلم، وفي رواية: يمينُ الله ملأى، لا تغيضها نفقة، سحَّاء الليل والنهار[14]رواه البخاري: 7419، ومسلم: 993.، يعني: تصبُّ بالإنفاق، لا تغيضها نفقة، .
إذن؛ هذا هو الذي يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، وبيده كلُّ شيء، أما الكفار الذين يدعون غير الله فلا ينفعونهم ولا يضرونهم؛ ولهذا قال الله تعالى فيهم: وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [الفرقان:23].
والشرك على أنواع، والصواب أنه على نوعين:
- النوع الأول: أن تجعل لله ندًّا، وهو خلقك، وهو الشرك الأكبر، والعياذ بالله تعالى، وهو أنواع.
- الشرك الأكبر أنواع: شرك الدعوة، كما قال الله تعالى عن المشركين: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت:65]، هؤلاء دعوا غير الله، استغاثوا بغير الله.
- ومنها: شرك الإرادة والنِّيَّة والقصد، قال: مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ [الشورى:20]، وقال سبحانه: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [البقرة:200]، أي: من نصيب، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]؛ فالمسلم يسأل الله في الدنيا وفي الآخرة؛ لأنه هو الذي بيده كلُّ شيء.
- شرك الطاعة: هذا نوع ثالث من أنواع الشرك الأكبر، وهو أن يطيع غير الله تعالى في معصية الله تعالى، يعتقد بأنه ينفع ويضر؛ ولهذا قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة:31]، هذا يقال له: شرك الطاعة.
- شرك المحبة: يحب غير الله أكثر من الله، أو مثل حب الله تعالى؛ هذا شرك، كما قال الله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ [البقرة:165].
- النوع الثاني من أنواع الشرك: شرك أصغر، لكن الشرك الأصغر أكبر من الزنا، وأكبر من اللواط، وأكبر من عقوق الوالدين.
الشرك الأصغر لا يظن بعض الناس أنه هيِّن، الشرك الأصغر هو أخوف ما خاف علينا النبي عليه الصلاة والسلام، وهو كل وسيلةٍ أو ذريعةٍ قوليَّةٍ أو فعليَّةٍ أو إراديَّةٍ توصل إلى الشرك الأكبر.
لا بد أن تعرف ما هو الشرك الأصغر: هو كل وسيلةٍ قوليَّةٍ، كأن يحلف بغير الله، كأن يقول: "والنبي"، هذا شركٌ أصغر، لكنه أكبر من الكبائر.
ولهذا ذكر بعض العلماء أنه لا يُغفر، وأن صاحبه لا بد أن يدخل النار ثم يخرج منها، ومنهم من قال بأنه تحت المشيئة، والله تعالى أعلم، فقالوا، الذين قالوا بأنه يدخل في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء:48]، هذا خطرٌ عظيم، الإنسان يسأل الله العافية من الشرك الأصغر والأكبر حتى ينجو، ويكون من الناجين، ومن تاب قبل موته تاب الله تعالى عليه .
فالشرك الأصغر: هو كل وسيلةٍ قوليَّةٍ أو فعليَّةٍ أو إراديَّةٍ.
القولية: كأن يقول: "ما شاء الله وشئت"، أو يحلف بغير الله، أو يقول: "هذا من الله ومنك"، أو يقول: "أنا بالله وبك"، أو يقول: "توكلت على الله وعليك"، أو يقول: "أنا بالله وبك"، أشرك؛ لأنه في الحقيقة جعل الواو التي فيها التشريك.
لكن أعلى الدرجات أن يقول: "أنا بالله وحده"، "توكلت على الله وحده"، "لولا الله وحده"، "أنا بالله وحده"، هذا أعظم الدرجات.
درجةٌ ثانيةٌ جائزةٌ، لكن هذه الأولى أحسن منها، يقول: "لولا الله ثم أنت"، "لولا الله ثم أنت"، "أنا بالله ثم بك"، يجعل فيها "ثم"، وهكذا؛ فهذا لا بأس.
أما الممنوع فهو أن يشرك بالواو، يقول: "لولا الله وأنت"، أو "أنا بالله وبك"، أو غير ذلك، أو يحلف بغير الله، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت[15]رواه البخاري: 2679، ومسلم: 1646.، وقال: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك[16]رواه أبوداود: 3251، والترمذي: 1535، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6204..
وجاء في الحديث الذي رواه أحمد: من حلف بشيء دون الله فقد كفر أو أشرك[17]رواه أحمد: 4904.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.
تعريف آخر: وكذلك هذا قولية أو فعلية، الفعلية: هي أن يعلِّق الحلقة والخيط والتمائم، هذا من الفعل، كونه يعلِّق الحروز ويعلِّق الخيوط على جنبه أو على رقبته أو على الأولاد الصغار أو غير ذلك، هذا من الشرك، عليه أن يتوب إلى الله تعالى، هذا من الشرك الأصغر من الأفعال.
أو إرادية: هذا النوع الثالث، الإرادية هي الرياء - والعياذ بالله تعالى - أو يطلب الآخرة بعمل الدنيا، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من تعلَّم علمًا مما يُبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلَّمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرْف الجنة[18]رواه أبوداود: 3664، وابن ماجه: 252، وأحمد: 8457، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6159.، أي: لم يجد ريح الجنة، نسأل الله العفو والعافية، خطر عظيم؛ فلا بد من الإخلاص.
والرياء - والعياذ بالله تعالى - هو عمل قبيح، المسلم يسأل الله تعالى أن يُعيذه من هذا العمل، وأن يُعيذه من آثاره.
ولا شك أن العمل للدنيا يعملُ العملَ الصالحَ، كالزكاةِ والصلاةِ والحجِّ وغيرِ ذلك، ولا يريدُ وجهَ الله! طيب، من يريد؟ لا، بل يريدُ وجهَ الله، يريدُ وجهَ الله، لكنه لا يريدُ ثوابَ الآخرة، يريدُ أنَّ الله يحفظه في أهلِه، ويحفظه في مالِه، ويحفظ أولاده، ويصح بدنه، ويجعله سعيدًا في الدنيا، ولا يريدُ الهربَ من النار، ولا يريدُ دخولَ الجنة - نسألُ الله العفوَ والعافية - هذا ليس له في الآخرةِ من نصيبٍ، نسألُ الله تعالى العفوَ والعافية.
لهذا قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ[الذاريات:56-58]، نسألُ الله العافية.
وقد يحصلُ له، وقد لا يحصلُ له، كما قال تعالى:مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا [الإسراء:18]، قد لا يُعجَّلُ له ما يريد! إذن؛ هذا نوعٌ من أنواعِ العملِ للدنيا.
النوعُ الثاني: أن يعملَ الأعمالَ الصالحةَ، ولكنه يريدُ الرياءَ - والعياذُ بالله - لا يريدُ وجهَ الله ولا الدارَ الآخرة، لكنه يريدُ الرياءَ - والعياذُ بالله تعالى - يُراعي الناسَ كالمنافقين - نسألُ الله العافية - هذا أكبرُ من الأول، الأولُ فيه بعضُ الشيءِ، لكنه لا ينفعُه، لكن هذا ما يريدُ من العملِ إلا الرياءَ مطلقًا حتى يُثنَى عليه، إن حضرَ مع الناسِ صلَّى، وإن لم يحضرْ لم يُصلِّ - نسألُ الله العافية - هذا من المنافقين الكُمَّل - ولا يُقال: الكُمَّل - المنافقين أعظم النفاق، نسألُ الله العافية.
النوعُ الثالث: أن يعمل عملًا من الأعمالِ الصالحةِ يريدُ مالًا: كمن يحجُّ لا يريدُ وجهَ الله، وإنما يريدُ المال، ولا يريدُ قضاءَ فريضةِ هذا المسلم، وإنما يريدُ المال. هذا يدخلُ في العملِ للدنيا - نسألُ الله العفوَ والعافية - ولهذا من حجَّ بهذه النِّيَّةِ لا يُكمِلُ الحجَّ في الغالب، ولهذا بعضُهم يسألُ، يقول: أنا حججتُ عن غيري، لكني لم أطُفْ طوافَ الوداع - بعد ما تاب، بعد ما يتوب، منَّ الله عليه بالتوبة، ويسأل الآن - هذا يدلُّ على أنه حجَّ؟ لا، لم يحجَّ لله، وإنما حجَّ من أجلِ الدنيا.
النوعُ الرابع: وهو أن يعمل الصالحات على هدي رسولِ الله عليه الصلاة والسلام؛ إخلاصًا لله، طلبًا في ثوابِ الآخرة، لكنه أتى بناقضٍ من نواقضِ الإسلام - والعياذُ بالله - سبَّ الله، أو سبَّ النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام، أو استهزأ بالدِّين، أو أعانَ المشركين على المسلمين، مظاهرة المشركين على المسلمين: أعانهم بمالِه أو بنفسِه، أو عمل عملًا من نواقضِ الإسلام؛ فهدم جميع أعمالِه الصالحة - نسألُ الله العفوَ والعافية - هذا يُقالُ له في الحقيقة، له من الأعمالِ التي تُعملُ لغيرِ الله تعالى، وفي الحقيقة أعظمُ الشركِ الأصغر، أعظمُ الشركِ الأصغر هو الرياء، والعياذُ بالله تعالى؛ لأنه يُبطِلُ العملَ الذي قارنه، يُبطِلُ العملَ الذي قارنه.
ولأن النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام قال: ألا أُخبرُكم بما هو أخوفُ عليكم عندي من المسيحِ الدجال؟ الشركُ الخفي: أن يقومَ الرجلُ يُصلِّي فيُزيِّنَ صلاتَه لِما يرى من نظرِ رجلٍ إليه[19]رواه ابن ماجه: 4204، وأحمد: 11252، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 2607..
نسألُ الله العفوَ والعافية.
وهذا إنسانٌ يخاف، الإنسانُ يخافُ على نفسِه من هذا، يسألُ الله العافية؛ ولهذا كان الصحابةُ يخافون.
علامةُ الإخلاصِ لله أن يخافَ الإنسانُ من الرياءِ - نسألُ الله العافية في الدنيا والآخرة - وأن يُكثرَ من الدعاءِ الذي بيَّنه النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام: اللهم إني أعوذُ بك أن أُشركَ بك شيئًا أعلمُه، وأستغفرُك لما لا أعلم[20]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وأبو يعلى: 60، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 555.، هذا يُحيطُ بينه وبين الشركِ إن شاء الله إذا داومَ عليه وأكثرَ منه: اللهم إني أعوذُ بك أن أُشركَ بك شيئًا أعلمُه، وأستغفرُك لِما لا أعلم. احفظْ هذا الحديثَ يا أخي، وكرِّره دائمًا؛ لعلَّ الله أن يتقبَّلَ منك: اللهم إني أعوذُ بك أن أُشركَ بك شيئًا وأنا أعلمُه، وأستغفرُك لِما لا أعلم، هذا يُكثرُ منه الإنسان، وإذا أكثرَ منه دلَّ على إخلاصِه وعلى صدقِه مع الله تبارك وتعالى.
ولهذا كان الصحابةُ يخافون، اللهُ تعالى أثنى عليهم، يخافون من الرياءِ: أبو بكرٍ وعمرُ وغيرُهم من الصحابة .
قال الله فيهم: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [المؤمنون:60]، قالت عائشةُ: يا رسولَ الله، أهو الرجلُ يزني ويسرقُ ويشربُ الخمر؟ قال: لا يا ابنةَ الصدِّيق، أو يا ابنةَ أبي بكر، ولكنه الرجلُ يصومُ ويتصدقُ ويُصلِّي ويخافُ ألا يُتقبَّلَ منه[21]رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162.، قلبُه وَجِلٌ، خائفٌ، هل قَبِلَ اللهُ صلاتي؟
ولهذا يُروى ويُذكرُ عن أبي أُمامةَ أنه قال: لو علمتُ أن الله تقبَّلَ لي صلاةً واحدةً، كان ذلك خيرًا لي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله يقول: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27]. ما دام تقبَّلَ له صلاةً واحدةً، معناه صار من المتقين، وتقبَّلَ الله أعمالَه كلَّها، إن شاء الله تعالى. إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة:27].
ويُذكرُ عنه أنه قال: استعيذوا بالله، أو قال: كان يستعيذُ، يقول: اللهم إني أعوذُ بك من خشوعِ النفاق. قيل: وما خشوعُ النفاق؟ قال: "أن ترى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع"[22]رواه أحمد في "الزهد": 762، وابن أبي شيبة في "المصنف": 35711، موقوفًا على أبي الدرداء ، وورد مرفوعًا والموقوف أصح.. يستعيذُ بالله من خشوعِ النفاق.
فلا شكَّ أن الإنسانَ ضعيفٌ إلا بالله تعالى، يسألُ الله التوفيق، ويسألُ الله العون.
هذا عمرُ رضي الله عنه وأرضاه كان قد شهد له النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام بالجنة، شهد له بالجنة، ومع ذلك خافَ من الرياءِ، بل رأى له النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام قصرًا في الجنة أبيض، عنده امرأة تتوضأ، كما في البخاري. قال: رأيتُ قصرًا أبيضَ، في روايةٍ: بجانبِ امرأةٍ تتوضأ في الجنة، فقلتُ: لمن هذا؟ قالوا: هذا لعمر[23]رواه البخاري: 3679، ومسلم: 2395.. وفي بعض الروايات: لرجلٍ من قريش. قال: فأدبرتُ حينما علمتُ من غيرتِك يا عمر[24]رواه البخاري: 7024.؛ لأن المرأةَ تتوضأ، يعلمُ بأن عمرَ عنده غيرة.
فذاك عمرُ رضي الله عنه وأرضاه، إمَّا من الفرحِ وإمَّا من قولِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام: لما علمتُ من غيرتِك يا عمر، فقال: بأبي أنتَ وأمي يا رسولَ الله، أو عليك أغار؟![25]رواه البخاري: 5226، وبنحوه مسلم: 2394.، يعني: أغارُ منك يا رسولَ الله؟! أنت رسولُ الله.
هذا في البخاري: رأى له قصرًا في الجنة، ما يتغيرُ هذا القصر، وبيَّن أن الشيطانَ يفرُّ منه.
كان النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام مع بعضِ النساء، فرفعن أصواتَهن، فدخل عمرُ أميرُ المؤمنين ، دخل عمرُ في حياةِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام؛ فسكتت النساءُ وتغطَّين - لعلَّ هذا يكونُ قبل الحجاب أو يكونُ النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام مستثنًى، العلمُ عند الله تعالى - فقال: «يا عدوَّاتِ أنفسِهن». فتبسَّم النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام، فقال: «أضحكَ اللهُ سنَّك يا رسولَ الله». من ماذا؟ لماذا تضحكُ يا رسولَ الله؟ قال: فأخبره النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام بالخبر؛ فقال: «يا عدوَّاتِ أنفسِهن، أليس رسولُ الله أحقَّ أن تستحين منه؟». فقال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام: والذي نفسي بيده، يا عمر، ما سلكتَ فجًّا إلا سلك الشيطانُ فجًّا غيرَ فجِّك[26]رواه البخاري: 6085، ومسلم: 2396..
الله أكبر!
هذا الذي يهرب منه الشيطان، وهذا الذي شهد له النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام بالجنة، من العشرةِ المشهودِ لهم بالجنة، وهذا الذي رأى النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام له قصرًا في الجنة كان يأتي إلى حذيفةَ بعد موتِ النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام، أو في حياتِه - الله أعلم - ذكر ابنُ كثيرٍ "في البداية والنهاية" أنه جاء إلى حذيفة، وقال: أشهدك بالله، هل سمَّاني لك رسولُ الله منهم؟
الرسولُ عليه الصلاةُ والسلام أخبر حذيفةَ بنَ اليمان بأسماءِ بعضِ المنافقين: فلانٌ منافق، وفلانٌ منافق، وفلانٌ منافق، فعنده علم، وهو صاحبُ سرِّ الرسولِ عليه الصلاةُ والسلام، فعمرُ خافَ أن يكونَ من المنافقين، سبحان الله العظيم! الله أكبر! فجاء إليه وقال: أشهدك بالله، هل سمَّاني لك رسولُ الله منهم؟ قال حذيفة: لا، ولا أُزكِّي بعدك أحدًا. يعني: يريدُ أن يقطعَ الطريقَ عليه حتى لا يأتيَ آخرُ من المنافقين ويقول: نعم، أنت منهم، أو يأتيَ آخرُ ويقول: لا. قال: ولا أُزكِّي بعدك أحدًا. يعني: هي لك فقط.
كانوا يخافون النفاقَ على أنفسِهم. الحسنُ البصريُّ يقولُ في البخاري: "ما خافه إلا مؤمن، وما أَمِنه إلا منافق"[27]انظر "صحيح البخاري": 1/ 18.، أي: الرياءُ - والعياذُ بالله - والنفاق، نسألُ الله العفوَ والعافية.
ثبت في صحيحِ مسلمٍ عن جابرٍ أن النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام قال فيما يرويه عن ربِّه: أنا أغنى الشركاءِ عن الشرك، من عمل عملًا أشرك معي فيه غيري تركتُه وشركَه[28]رواه مسلم: 2985.، رواه مسلم، نسألُ اللهُ العافيةُ، اللهُ غنيٌّ عنا وعن عبادتِنا، وهذا يدلُّ العبدَ المسلمَ أنه يجبُ عليه أن يسألَ اللهَ العفوَ والعافية، ويسألَ الإخلاصَ، ويسأله الصدقَ، ويسأله أن ينجيه من الرياءِ ويعيذه منه.
وثبت أن النبيَّ عليه الصلاةُ والسلام - هذا رواه الترمذيُّ، وحسَّنه الألباني-: إذا جمعَ اللهُ الأولينَ والآخرينَ ليومِ القيامةِ، ليومٍ لا ريبَ فيه، نادى منادٍ: من كان أشركَ في عملٍ عملَه لله أحدًا، فليطلبْ ثوابَه من عندِ غيرِ الله؛ فإن الله أغنى الشركاءِ عن الشرك[29]رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وأحمد: 17888، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 482.، رواه الترمذيُّ وابنُ ماجه، وحسَّنه الألبانيُّ رحمه الله تعالى. هذا خطرٌ يومَ القيامة؛ يقول: "اذهبوا إلى الذين كنتم تُراؤون في الدنيا، فالتمسوا عندهم جزاءً".
وثبت أنه عليه الصلاةُ والسلام قال: من سمَّعَ سمَّعَ اللهُ به، ومن يُرائي يُرائي اللهُ به يومَ القيامة[30]رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987.، سمعَ بأعمالِه؛ إما أنه يُسمِعُ بها، يُخبرُ عنها، يقول: "أنا البارحة - والحمدُ لله - قرأتُ من القرآنِ كذا، صلَّيتُ كذا"، نيتُه وقصدُه أن يُثنَى عليه ويُشكَر، هذا من أنواعِ التسميع. أو يرفعُ قراءتَه بالقرآنِ من أجلِ أن يُثنَى عليه، أما من أجلِ أن يُعلِّمَ الناسَ، أو يُسمِعَه الذي بجانبِه حتى يستفيدَ، أو يعني: حتى يتعلَّمَ القرآنَ، ولا يدورُ في بالِه الرياءُ، ولا يخطرُ بباله - والحمدُ لله - فهذا يُثابُ على نيتِه، يُثابُ على نيةٍ صالحة، لكنه لا يفعلُ ذلك حتى يُقال: إنه قارئٌ للقرآن، إنه عالم، نسألُ الله العفوَ والعافية.
ولهذا ثبت في "صحيحِ مسلمٍ": أن أول من تُسعَّرُ به النارُ ثلاثةٌ: قارئٌ للقرآن، ومجاهدٌ في سبيلِ الله، ومنفِقٌ للأموال، فيُؤتَى بالمجاهدِ الذي قُتلَ في سبيلِ الله يومَ القيامة، فيُعرِّفُه نعمَ الله، فيعرفُها، فيُقال: ما فعلتَ فيها؟ فيُقال: قاتلتُ فيك حتى قُتلتُ، فيُقال له: كذبتَ، وإنما فعلتَ ذلك ليُقال: هو جريءٌ - أي: شجاع - وقد قيل، ثم يُؤمَرُ به إلى جهنم؛ فيُسحَبُ على وجهِه إلى جهنم، والعياذُ بالله تعالى؛ لأنه ما يريدُ وجهَ الله، يريدُ أن يُقال: فلانٌ، ما شاء الله! فلانٌ شجاع، قُتلَ في سبيلِ الله، شجاع، ما يريدُ الجنةَ، ولا يريدُ الشهادة، نسألُ الله العفوَ والعافية.
ويُؤتَى بقارئِ القرآنِ - الذي علمه وتعلمه، وتعلم العلم - فيُعرِّفُه نعمَ الله؛ فيعرفُها، فيُقال: ما فعلتَ فيها؟ فيُقال: تعلَّمتُ العلمَ من أجلِك، وقرأتُ القرآنَ من أجلِك، وعلَّمتُه، فيُقال له: كذبتَ، إنما قرأتَ القرآنَ ليُقال: هو قارئٌ، أو مُقرِئ، ما شاء الله! قارئ، وتعلَّمتَ العلمَ ليُقال: هو عالم، وقد قيل، ثم يُؤمَرُ به، ويُسحَبُ على وجهِه إلى جهنم، والعياذُ بالله تعالى، نعوذُ بالله، نسألُ الله العفوَ والعافية.
ويُؤتَى بصاحبِ المالِ - الذي كان يُنفقُه على الفقراءِ والمساكينِ وفي وجوهِ الخير - فيُعرِّفُه نعمَ الله تعالى؛ فيعرفُها، فيُقال: ما فعلتَ فيها؟ فيُقال: يا ربِّ، ما تركتُ من سبيلٍ تُحبُّ أن يُنفَقَ لك فيها إلا أنفقتُ، فيُقال له: كذبتَ، إنما فعلتَ ذلك ليُقال: هو جوادٌ، أي: كريم، هذا كريمٌ، ما شاء الله! وقد قيل، ثم يُؤمَرُ به، ويُسحَبُ على وجهِه إلى جهنم[31]رواه مسلم: 1905.، رواه مسلم، نسألُ الله العفوَ والعافية.
كان أبو هريرةَ إذا حدَّثَ بهذا الحديثِ بكى رضي الله عنه وأرضاه.
لكن واللهِ، ثم واللهِ - أيمانٌ مكرَّرةٌ - أن من اتقى الله، وأخلص عمله لله، وسأل الله الإخلاص بصدقٍ وعزيمة، وجَدَّ في ذلك، وأخلصَ عملَه، أنه قد نجا من عذابِ النار، إن مات على ذلك، على الإخلاصِ والصدقِ مع الله تبارك وتعالى.
لا شكَّ أن هذا في الحقيقة مما يُعينُ المسلمَ على أن يسألَ اللهَ العفوَ والعافية، كما بيَّن النبيُّ صلواتُ الله وسلامُه عليه.
هذا الذي هو أعظمُ ما أمر اللهُ به، له ثمراتٌ، وله فوائدُ يجنيها العبدُ في الدنيا والآخرة.
ما هذه الفوائد؟
يغفرُ اللهُ تعالى بالتوحيدِ جميعَ الذنوب، أولها وآخرها، يغفرُ اللهُ تعالى به الذنوب، سمعتم في حديثِ عبادةَ ، النبي عليه الصلاةُ والسلام قال: أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل، حينما قال: من شهدَ أن لا إلهَ إلا الله وحده لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُ الله ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله ورسولُه، وكلمتُه ألقاها إلى مريم، وروحٌ منه، وأن الجنةَ حقٌّ، والنارَ حقٌّ، أدخله اللهُ الجنةَ على ما كان من العمل[32]رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28.، إذن؛ هذا التوحيدُ من ثمراتِه، ومن فوائدِه أن يُدخلَ صاحبَه الجنة.
التوحيدُ هو السببُ الأعظمُ الذي يُفرِّجُ اللهُ تعالى به الكرباتِ في الدنيا، ويدفعُ به العقوباتِ في الدنيا والآخرة.
الأمرُ الثالثُ من ثمراتِ التوحيد: أنه يمنعُ الخلودَ في النار إذا كان في القلبِ منه أدنى مثقالِ حبَّةٍ من خردل، يخرج من النار ولو بعد حين، إن قام بأركانِ الإسلام.
والأمرُ الرابع: أنه إذا كمل في القلب يدخل الجنة من أول وهلة، ما يدخل النار ولا يراها، ما يدخلُ النارَ ولا يقربُها، وإنما يدخلُ الجنةَ من أولِ وهلة، يحصلُ لصاحبِه هذا.
الأمرُ الخامس: الهدى الكامل، والأمن التامُّ في الدنيا والآخرة، هو السببُ الوحيدُ لنيلِ رضا الله تعالى وثوابِه، وأن أسعدَ الناسِ من قامَ بهذا التوحيد، كما قال النبيُّ عليه الصلاةُ والسلام: أسعدُ الناسِ بشفاعتي من قال: لا إلهَ إلا الله خالصًا من قلبِه أو نفسِه[33]رواه البخاري: 99.، اللهم صلِّ وسلِّم عليه.
يُسهِّلُ على العبدِ فعلَ الخير وتركَ المنكرات، ويُسلِّيه عن المصائب.
كذلك جميعُ الأعمالِ والأقوالِ الظاهرةِ والباطنةِ لا تُقبلُ إلا بالتوحيد، إذا كمل التوحيدُ في القلب حبَّبَ اللهُ تعالى لصاحبِه الإيمانَ، وكرَّه إليه الكفرَ والفسوقَ والعصيان.
يُخفِّفُ عن العبدِ المكارهَ، ويُهوِّنُ عليه الآلام، يُحرِّرُ العبدَ من عبادةِ العبادِ إلى عبادةِ ربِّ العباد.
كذلك إذا كمل التوحيدُ في القلب وتحقَّق فله الأمنُ التامُّ في الدنيا والآخرة.
كذلك تكفَّلَ اللهُ تعالى لأهلِ التوحيدِ بالفتحِ والنصرِ في الدنيا، والعزِّ والشرفِ وحصولِ الهداية.
يُدافعُ اللهُ تعالى عن أهلِ التوحيد: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ [الحج:38]، هذا من ثمراتِ التوحيد.
أما أضرارُ الشرك، فأضرارُه كثيرةٌ لا تُحصى، منها: أن هذا الشركَ يهدمُ الأعمالَ، ويُحبِطُ الأعمالَ، نسألُ الله العافية، ويُخلِّدُ في النار، والشركُ الأصغرُ يُبطِلُ العملَ الذي قارنه.
والإنسانُ عليه أن يسألَ اللهَ العفوَ والعافية في الدنيا والآخرة، ويُكثرَ من الدعاءِ؛ فاللهُ تبارك وتعالى يقول: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة:186].
أسألُ اللهَ تعالى بأسمائِه الحسنى وصفاتِه العُلى أن يجعلَني وإياكم من الموحدين المخلصين الصادقين مع ربِّ العالمين، وأن يجعلَ أعمالَنا خالصةً لوجهِه الكريم؛ إنه على كلِّ شيءٍ قدير، وبالإجابةِ جدير.
وصلَّى اللهُ وسلَّم وباركَ على نبينا محمدٍ، وعلى آلِه وأصحابِه أجمعين.
| ^1, ^6 | رواه أحمد: 16023، والطبراني في "المعجم الكبير": 5/ 61، 4582، وصححه محققو المسند. |
|---|---|
| ^2 | رواه البخاري: 7372. |
| ^3 | رواه البخاري: 1458. |
| ^4 | رواه البخاري: 1395، ومسلم: 19. |
| ^5 | رواه مسلم: 153. |
| ^7, ^32 | رواه البخاري: 3435، ومسلم: 28. |
| ^8 | رواه مسلم: 93. |
| ^9 | رواه البخاري: 5401، ومسلم: 33. |
| ^10 | رواه البخاري: 7373، ومسلم: 30. |
| ^11 | رواه البخاري: 7520، ومسلم: 86. |
| ^12 | انظر صحيح البخاري: 6560، ومسلم: 184. |
| ^13 | رواه مسلم: 2577. |
| ^14 | رواه البخاري: 7419، ومسلم: 993. |
| ^15 | رواه البخاري: 2679، ومسلم: 1646. |
| ^16 | رواه أبوداود: 3251، والترمذي: 1535، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6204. |
| ^17 | رواه أحمد: 4904. |
| ^18 | رواه أبوداود: 3664، وابن ماجه: 252، وأحمد: 8457، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6159. |
| ^19 | رواه ابن ماجه: 4204، وأحمد: 11252، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 2607. |
| ^20 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وأبو يعلى: 60، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 555. |
| ^21 | رواه الترمذي: 3175، وابن ماجه: 4198، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 162. |
| ^22 | رواه أحمد في "الزهد": 762، وابن أبي شيبة في "المصنف": 35711، موقوفًا على أبي الدرداء ، وورد مرفوعًا والموقوف أصح. |
| ^23 | رواه البخاري: 3679، ومسلم: 2395. |
| ^24 | رواه البخاري: 7024. |
| ^25 | رواه البخاري: 5226، وبنحوه مسلم: 2394. |
| ^26 | رواه البخاري: 6085، ومسلم: 2396. |
| ^27 | انظر "صحيح البخاري": 1/ 18. |
| ^28 | رواه مسلم: 2985. |
| ^29 | رواه الترمذي: 3154، وابن ماجه: 4203، وأحمد: 17888، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 482. |
| ^30 | رواه البخاري: 6499، ومسلم: 2987. |
| ^31 | رواه مسلم: 1905. |
| ^33 | رواه البخاري: 99. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط