تخطى إلى المحتوى

أخلاق النبي الكريم صلى الله عليه وسلم

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، منَّ على رسوله عليه الصلاة والسلام بالخُلق العظيم الحسن، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخليله وأمينه على وحيه، وصفيه من خَلقه، جعله الله رحمةً للعالمين، وبعثه ليتمم مكارم الأخلاق، وصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه إلى يوم الدِّين.

عباد الله، اتقوا الله ، وراقبوه في السرِّ والعلن؛ فإن من اتقى الله ​​​​​​​ يسر الله له أمره؛ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [الطلاق:4]، وقد أمركم الله بذلك في كتابه العزيز، وأمر بذلك النبي عليه الصلاة والسلام، يقول الله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب:70-71].

عباد الله، إن الله تفضل على رسوله صلوات الله وسلامه عليه بنعمٍ عظيمة، ونحن والحمد لله من أتباعه؛ فنسأل الله أن يجعلنا ممن يقتدون بهديه، ويسيرون على طريقته، صلوات الله وسلامه عليه.

وقد بيَّن الله أن لنا في الرسول عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنةً لمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام بعثه الله ، وجعله على قدرٍ عظيمٍ من الأخلاق العظيمة، والأخلاق الحميدة، وشهد له بذلك في كتابه العزيز: وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم:4]، وشهدت له عائشة رضي الله عنها، بل فسرت رضي الله عنها هذا الخلق العظيم حينما سئلت عن خلق رسول الله عليه الصلاة والسلام فقالت: "كان خلق نبيكم القرآن، خلقه الذي يسير عليه"[1]بنحوه رواه مسلم: 746..
فالخُلق يعم جميع الأخلاق الحسنة، وكذلك الأخلاق السيئة، لكن يقال: خُلق حسن، وخُلق سيئ.

والخُلق: هو الهيئة الراسخة في النفس، تدلُّ على هذه الهيئة الأعمال والسلوك الخارجية؛ ولهذا يقال: فلان سيء السلوك، أو حسن السلوك.

إذن؛ هذا السلوك وهذه الأعمال تدلُّ على هذا الخُلق العظيم، فإن استمرت الأعمال الصالحة دائمًا وأبدًا فهي هيئة راسخة في النفس، تدلُّ على أن هذا الخُلق حسنٌ قد رسخ في النفس، وإن كان الإنسان يتردد: تارة خُلقه حسن، وتارة خُلقه سيء، فهذا دليلٌ واضحٌ على أن هذا لا يسمى خُلقًا، وإنما هو أعمالٌ يريد بها أشياء، الله مُطَّلِعٌ على سريرته.

فالنبي عليه الصلاة والسلام بُعِث في قومٍ انتشر فيهم الزنا، فلم يَزْنِ قط عليه الصلاة والسلام، بُعِث في قومٍ انتشر فيهم الشرك بالله ، فلم يسجد لصنمٍ قط، وهو عليه الصلاة والسلام لم يُعَلَّم، وإنما الذي علمه ربه .

بُعِث في قومٍ انتشر فيهم الربا، فلم يتعامل مع الناس بالربا عليه الصلاة والسلام، بُعِث في قومٍ - وهم قومه - يعني: هو بُعِث للناس جميعًا، لكن عليه الصلاة والسلام بُعِث في مجتمعه أولًا، أي: كان يعيش في مجتمع قد انتشرت فيه الرذائل.

بُعِث في قومٍ أو من قومٍ قد انتشر فيهم الكذب والخيانة، وحينئذٍ لم يفعل شيئًا من ذلك عليه الصلاة والسلام، وإنما عُرِف بينهم صلوات الله وسلامه عليه بالأمين حتى نسوا اسمه صلوات الله وسلامه عليه، اسمه محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام، ولكنه اشتهر بينهم بمحمدٍ الأمين عليه الصلاة والسلام.

فحينئذٍ هذا دليل على أن الله اصطفاه صلوات الله وسلامه عليه، وجعل خُلقه القرآن، وجعله من أحسن الناس خُلقًا صلوات الله وسلامه عليه.
فمن اتبعه وسار على هديه والتزم سيرته عليه الصلاة والسلام فحينئذٍ يكون من أحسن الناس دينًا، ومن أحسن الناس خُلقًا، ولا يمكن أن يصل إلى ما وصل إليه رسول الله عليه الصلاة والسلام من الخُلق الحسن؛ فإن الله بعثه ليتمم مكارم الأخلاق.

قال عليه الصلاة والسلام: إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق[2]هذا اللفظ رواه البزار: 8949، والبيهقي في "السنن الكبرى": 20819.، وفي بعض الروايات: صالح الأخلاق[3]رواه أحمد: 8952، والبخاري في "الأدب المفرد": 273، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2349.، ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال هذا الحديث العظيم، يتمم مكارم الأخلاق، مكارم الأخلاق ومحاسن الأخلاق التي بعث الله بها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بُعِثَ محمدٌ عليه الصلاة والسلام ليتمم مكارم الأخلاق أو هذه المكارم، ويحتل القمة من هذه الأخلاق صلوات الله وسلامه عليه.

فنحن المسلمون جميعًا يجب علينا أن نفتخر بالنبي عليه الصلاة والسلام وبدينه وخلقه طاعةً لله تعالى واتباعًا لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، يجب علينا أن لا نتأثر بشرقيٍّ أو بغربيٍّ أو بغيره من البشر، بل بمحمدٍ عليه الصلاة والسلام، نسير على هديه، ونقتبس من أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه.

ولهذا حثَّ النبي صلوات الله وسلامه عليه على الأخلاق الحسنة، وكان يدعو الله ، كان يدعو الله، من دعائه بالليل صلوات الله وسلامه عليه، يقول في دعاء الاستفتاح، دعاء طويل، يقول: اللهم اهدني لأحسن الأخلاق؛ فإنه لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها؛ لا يصرف عني سيئها إلا أنت[4]رواه مسلم: 771.، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يدعو ربه أن يهديه إلى أحسن الأخلاق، ويدعوه أن يصرفه عن مساوئ الأخلاق؛ ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خُلقًا، وحثَّ النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، وأمر بذلك صلوات الله وسلامه عليه، وطبق ذلك على نفسه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قدوةٌ، صلوات الله وسلامه عليه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21]، لنا في رسول الله عليه الصلاة والسلام أسوةٌ وقدوةٌ حسنةٌ؛ ينبغي لنا أن نتبعه صلوات الله وسلامه عليه، فهذه الأخلاق التي طبقها على نفسه بقوله وفعله؛ يجب علينا أن نكون من أتباعه.

ولهذا حثَّ النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك، ورغَّب في ذلك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن المؤمن ليدرك درجة الصائم القائم بحسن خلقه[5]رواه أبوداود: 4798، وأحمد: 25537، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 795.، قد يكون هناك إنسانٌ مؤمنٌ، لكن عنده أخلاقٌ ولا يصوم مثلًا ولا يصلي الليل، لا يصوم النفل كالاثنين والخميس والثلاثة أيام من كل شهر والنوافل، لكن عنده حسن الخُلق، يحافظ على الواجبات، ويبتعد عن المحرمات، وخُلقه حسن؛ فهذا يدرك درجة الصائم القائم.

الذي قد ساء خلقه -أخلاقه قد ساءت؛ وهذا لا ينبغي للمسلم- ولكنه يقوم الليل، ويصوم النهار، ولهذا ذكر عن النبي عليه الصلاة والسلام أن امرأةً دخلت النار وهي تصوم النهار وتصلي الليل، ولكنها كانت تؤذي جيرانها؛ فبين النبي عليه الصلاة والسلام أنها دخلت النار لأنها كانت تسيء إلى جيرانها[6]رواه أحمد: 9675، والبخاري في "الأدب المفرد": 119، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 190.، ومع ذلك لم ينفعها صيامها النوافل، وكذلك قيامها الليل؛ لأن أخلاقها قد ساءت.

والحقيقة أن قيام الليل كذلك وصيام ما تيسر من النوافل دليلٌ على حسن الخُلق كذلك، لكن ربما الإنسان يعمل أعمالًا ويخالف قوله فعله، أو يخالف فعله قوله، وهذا لا ينبغي، ينبغي له أن يكون ما في باطنه يوافق ما في ظاهره حتى يكون من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام.

فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم[7]تقدم تخريجه.، وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن حسن الخُلق يرفع الإنسان درجاتٍ في الدنيا والآخرة، وهو من أعلى الناس إيمانًا؛ يقول النبي عليه الصلاة والسلام: أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلقًا، وخيركم خيركم لأهله[8]رواه الترمذي: 1162، وأحمد: 10106، وروى شطره الأول أبو داود: 4682، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1923..

وبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن صاحب الخُلق الحسن يكون من أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة مجلسًا.

إذن؛ أحسن الناس خُلقًا هو أقرب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام مجلسًا يوم القيامة.

حسن الخُلق يرفع درجات الإنسان المسلم في الدنيا والآخرة، ويثقل في موازينه، بيًّن النبي عليه الصلاة والسلام أنه: ليس من شيءٍ أثقل في ميزان العبد المسلم يوم القيامة من حسن الخلق[9]رواه أبو داود: 4799، الترمذي: 2002، وأحمد: 27496، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5390.، حسن الخُلق ذهب بخير الدنيا والآخرة.

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام الصادقين المخلصين في أخلاقه وأفعاله وسيرته، وفيما يحبه رسول الله .

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

عباد الله، إن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قد بيَّن لنا صلواتُ الله وسلامُه عليه أنَّ حُسنَ الخُلُقِ من أعظمِ ما يُدخلُ الناسَ الجنةَ، سُئل عليه الصلاة والسلام عن أكثرِ ما يُدخلُ الناسَ النارَ، وسُئل عليه الصلاة والسلام عن أكثرِ ما يُدخلُ الناسَ الجنةَ، فقال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: أكثرُ ما يُدخلُ الناسَ النارَ الأجوفان: الفمُ والفرجُ، وأكثرُ ما يُدخلُ الناسَ الجنةَ تقوى اللهِ وحُسنُ الخُلُقِ[10]رواه الترمذي: 2004، وابن ماجه: 4246، وأحمد: 9696، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 977..

فالنبيُّ عليه الصلاة والسلام بيَّن أنَّ من أكثرِ الأعمالِ الصالحةِ التي تُقرِّبُ الناسَ إلى ربِّهم وتُدخلُهم الجنةَ حسن الخُلُقِ والتقوى، الابتعادُ عن جميعِ المُحرَّماتِ، والقيامُ بجميعِ الواجباتِ؛ ولهذا كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يُوصي بعضَ أصحابِه، بل يُوصيهم كلَّهم؛ لأنَّ وصيَّتَه لرجلٍ واحدٍ وصيَّتُه لجميعِ الناسِ.

حينما بعث معاذًا إلى اليمنِ، أمره النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأشياء، ووجَّهه إلى أشياء، وأمره عليه الصلاة والسلام، قال: اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ[11]رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وحسنه محققو المسند.؛ ولهذا ذكر الإمامُ ابنُ تيمية رحمه الله هذه الوصيَّة، وقال: "الوصيَّةُ الكبرى"، وصيَّةٌ سمَّاها: "الوصيَّةَ الكبرى"، سطرٌ واحدٌ كتب فيه كتابًا وسمَّاه "الوصيَّةَ الكبرى"، وصيَّةٌ عظيمةٌ وصَّى بها النبيُّ عليه الصلاة والسلام هذا الصحابيَّ الجليلَ في سطرٍ واحدٍ: اتَّقِ اللهَ حيثما كنتَ، وأتبعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ[12]رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 97..

فالخُلُقُ الحسنُ هو الذي يعودُ على الإنسانِ بالسعادةِ في الدنيا والآخرةِ، وهو يعمُّ جميعَ الأعمالِ الصالحةِ، جميعَ الأعمالِ؛ لأنَّ اللهَ جعل ذلك في كتابِه، وبيَّنه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بقولِه وفعلِه، وبيَّنت عائشةُ رضي الله عنها بتفسيرِها، قالت: كان خُلُقُ رسولِ اللهِ أو نبيِّكم القرآنَ[13]بنحوه رواه مسلم: 746.؛ فدلَّ ذلك على أنَّ من تمسَّك بالدِّينِ على هدي النبيِّ عليه الصلاة والسلام فقد حَسُنَ خُلُقُه، وهو من المتقين أصحابِ الخُلُقِ الحسنِ.

وهناك صورٌ تدلُّ على أنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام من أحسنِ الناسِ خُلُقًا، ولن يصلَ إلى ما وصل إليه أحدٌ من خلقِ اللهِ أبدًا مطلقًا، لا يصلُ إلى ما وصل إليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام في أخلاقِه ومعاملاتِه مع الناسِ أحدٌ من خلقِ اللهِ، لا من الجنِّ ولا من الإنسِ.

ومن ذلك أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يُجاهدُ في سبيلِ اللهِ، ويبصر الغزواتِ، فكان ممَّن يدعوهم إلى الإسلامِ، وقد أعرضوا وصدُّوا عن دينِ اللهِ ، وتكبَّروا وطغَوا، رجلٌ يُقالُ له: "ثمامة" من أهلِ اليمامةِ، كما ذكر ذلك البخاريُّ في "صحيحِه" وغيره، كان رجلًا عظيمًا، وسيِّدَ قومِه، ولم يَنقَد إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وكان أهلُ اليمامةِ - أهلُ نجدٍ - من أتباعِه، كانوا لم يلتفتوا إلى دعوةِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام بسببِ سيِّدِهم هذا العظيمِ.

وفي يومٍ من الأيامِ أتى اللهُ بهذا الرجلِ معتمرًا على طريقتِه وعلى دينِه، فجاء به بعضُ أصحابِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وجدوه في الطريقِ، فأسروه، وأتوا به إلى المدينةِ، وربطوه بساريةِ المسجدِ، في الساريةِ، في العمودِ الذي يقومُ عليه المسجدُ، ربطوه بدون إذن النبي عليه الصلاة والسلام، قبلَ أن يعلمَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بذلك، فجاء إليه النبيُّ عليه الصلاة والسلام ووجده مربوطًا مكتوفًا على هذه الساريةِ، فقال: ما عندك يا ثمامة؟ قد غضبَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام عليه قبلَ ذلك، لكنَّه الآن أصبح مربوطًا، فلو كان ممن لا يكظمون غيظهم لأقبل إليه وصفعَه وضربَه وتفلَ في وجهِه؛ لأنَّه قد اعتدى على أصحابِه، وقتل بعضَ أصحابِه، وردَّ دعوتَه، لكنَّه عليه الصلاة والسلام وقف عليه وقال: ما عندك يا ثمامةُ؟ قال: "عندي خيرٌ"، أو كما قال : "إن تقتلْ تقتلْ ذا دمٍ، وإن تنعمْ تنعمْ على شاكرٍ، وإن تسألِ المالَ تُعطَ ما شئتَ"، فتركه النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأعرض عنه، تركه مربوطًا، ثم أتى إليه اليومَ الثاني وهو لا يزالُ مربوطًا على ساريةِ المسجدِ، قال: ما عندك يا ثمامةُ؟ قال: "إن تقتلْ تقتلْ ذا دمٍ - ومعنى"تقتلْ ذا دمٍ"، أي: صاحبَ دمٍ، يعني: هذا الرجل، يعني معنى ذلك: صاحبُ دمٍ قد اعتدى وقد قتل، فأنت إن قتلتَه فأنت صاحبُ حقٍّ، أو قيل: إن تقتلْ تقتلْ ذا دمٍ، أي: سيِّدًا في قومِه مطاعًا في قومِه، له شأنٌ عظيمٌ، إذن؛ إذا قتلتَه فقد حصلتَ على أمرٍ عظيمٍ -"إن تقتلْ تقتلْ ذا دمٍ، وإن تنعمْ تنعمْ على شاكرٍ، وإن تطلبْ من المالِ تُعطَ ما شئتَ"، أو كما قال ، فتركه النبيُّ عليه الصلاة والسلام مربوطًا، ثم أتى إليه في اليومِ الثالثِ، وحينما أتى إليه في اليومِ الثالثِ قال: ما عندك يا ثمامةُ؟ قال: عندي ما قلتُ لك: "إن تقتلْ تقتلْ ذا دمٍ، وإن تنعمْ تنعمْ على شاكرٍ، وإن تطلبْ من المالِ، أو تسألْ من المالِ تُعطَ ما شئتَ".

فلمَّا أصدرَ النبيُّ عليه الصلاة والسلام أمرَه الكريمَ، فقال: أطلقوا ثمامةَ، أطلقوا، ولم يقل: أسلمْ، ولم يقل: اقتلوه، ولم يقل: اضربوه، عليه الصلاة والسلام؛ لأنَّه قد تمكَّن منه، وهذا خُلُقٌ عظيمٌ أعطاه اللهُ النبيَّ عليه الصلاة والسلام.

تصوَّر لو أن إنسانًا من المسلمين اعتدى عليه بعضُ الناسِ، فلطمَه لطمةً، أو سبَّه سبَّةً، أو تعرَّض له، أو عرقلَ له معاملةً، أو يعني: تسبَّب في شيءٍ من أمورِه الدنيويَّةِ، ثم مكَّنه اللهُ منه في يومٍ من الأيامِ، الله أكبر! لا يمكنُ أن يتركَه، ولا يمكنُ أن يعفوَ عنه، إلَّا إذا كان من أتباعِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام الصادقين الذين يرجون وجهَ اللهِ .

فأطلقوا ثمامةَ، فذهب ولم يأتِ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، أدبر مسرعًا، ولم يدرِ ماذا يفعلُ؟ ثم ذهب إلى النخلِ واغتسل، ثم أتى إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام ووقف أمامه وقال: "أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ، وأشهدُ أنَّك رسولُ اللهِ، واللهِ، ما كان على وجهِ الأرضِ وجهٌ أبغضَ إليَّ من وجهِك، ولقد أصبح وجهُك أحبَّ الوجوهِ إليَّ كلها، واللهِ، ما كان على وجهِ الأرضِ أرضٌ أبغضَ إليَّ من بلادِك، ولقد أصبحت بلادُك أحبَّ البلادِ إليَّ كلها، واللهِ، ما كان دينٌ على وجهِ الأرضِ أبغضَ إليَّ من دينِك، ولقد أصبح دينُك أحبَّ الدِّينِ...، أحبَّ الدِّينِ إليَّ كله.

وإنِّي كنتُ معتمرًا، فأخذني قومُك أو أصحابُك، فمُرْني بما شئتَ، فبشَّره النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وأمره أن يعتمرَ على طريقةِ الإسلامِ، على هديِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فذهب معتمرًا على هديِ النبيِّ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، غيَّر نيَّتَه في الطريقِ، غيَّر نيَّتَه من عمرةِ الشركِ إلى عمرةِ الإسلامِ.

وحينما طاف بالبيتِ سمع المشركون دعاءً من دعاءِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، فقالوا: "صبأ، لقد صبأ ثمامةُ"، قال: واللهِ، ما صبوتُ، وجمع الناسَ وناداهم بأعلى صوتِه: واللهِ، ما صبوتُ، ولكنِّي أسلمتُ مع محمدٍ ، وواللهِ، لا يأتيكم حبَّةٌ من اليمامةِ ممَّا كان يأتيكم من قبلُ إلَّا بعدَ أن يأمرني النبيُّ".

ثم رجع إلى قومِه، إلى اليمامةِ، وكانت مصادرُ الحبوبِ تأتي من نجدٍ إلى مكةَ، فأصدر أوامرَه للناسِ، وقطع على مكةَ وأهلِها الإمداداتِ من الغذاءِ، الحبوبِ، فأصبح الناسُ، يعني: كادوا أن يموتوا جوعًا، حتى أصابهم سنونٌ كما يُقال: كَسِنِيِّ يوسفَ، أو كسبعِ يوسفَ عليه الصلاة والسلام.

وأرسلوا إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام يسألونه باللهِ والرحمِ، ويقولون: قتلتَنا، أو قتلتَ الرجالَ في بدرٍ، وقتلتَ النساءَ والأطفالَ بالجوعِ، فمُرْ ثمامةَ ليرسلْ إلينا الحبوبَ؛ فأمر النبيُّ عليه الصلاة والسلام في كتابِه إلى ثمامةَ أن يرسلَ إليهم الحبوبَ، وأن يفكَّ الحصارَ؛ ففكَّ الحصارَ رضي الله عنه وأرضاه[14]رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764.، هذا رجلٌ هو عظيمٌ، ولكن هذه العظمة وهذا الخُلُق العظيم كان مصدرُه وكان أساسُه خُلُقَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وإنعامَ النبيِّ عليه الصلاة والسلام.

وحينما ارتدَّ المرتدُّون في عهدِ أبي بكرٍ ، كان هذا الرجلُ من المقاتلين في البحرينِ، وكان يقول ويردِّد أبياتًا عظيمةً، يقول:

أهِمُّ بترك القول ثم يردني  

إلى القول إنعام النبي محمد

شكرت له فكي من الغل بعدما  

رأيت خيالًا من حسامٍ مهند[15]انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٠٣.

إنعامُ النبيِّ محمدٍ عليه الصلاة والسلام يردُّه، يتذكَّر هذا الإنعامَ العظيمَ، فيزداد إيمانُه، ويزداد ثباتُه على دينِ محمدٍ عليه الصلاة والسلام.

ومن هذه الصورِ التي تدلُّ على أنَّ محمدًا عليه الصلاة والسلام من أعظمِ الناسِ خُلُقًا، ولم يبلغْ مبلغَه في الخُلُقِ الحسنِ أحدٌ من خلقِ اللهِ؛ ما ثبت في البخاريِّ أنَّه عليه الصلاة والسلام كان يسيرُ يومًا في طريقِه، فأتى إليه رجلٌ، وشدَّ - من الأعرابِ، من الباديةِ الجفاة - وشدَّه بإزارِه حتى أثَّر، أو حتى أثَّرتْ، أو حتى أثَّر هذا الإزارُ في عنقِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، شدَّه شدًّا عظيمًا، وقال: "مُرْ لي من مالِ اللهِ؛ فإنَّك لا تأمرُ من مالِك ولا من مالِ أبيك، أعطني من هذا المالِ"، وشدَّه عليه الصلاة والسلام ببُردتِه شدًّا عظيمًا، فكان الصحابةُ ينظرون إليه حتى قال بعضُهم: "دعني يا رسولَ اللهِ، دعني يا رسولَ اللهِ، أضرب عنقَه"، فأمر له النبيُّ عليه الصلاة والسلام بعطاءٍ وتركه عليه الصلاة والسلام، ضحك عليه الصلاة والسلام وتبسَّم، وأمر له بعطاءٍ كما قال[16]رواه بنحوه البخاري: 6088، ومسلم: 1057..

تصوَّر لو أن إنسانًا عنده، يعني: مالٌ، أو عنده، يعني: بعضُ المالِ، أو أمين مستودعٍ أو غيرُ ذلك، ثم أتى إليه إنسانٌ من الشارعِ فقيرٌ، وشدَّه بعنقِه شدًّا عظيمًا، وقال: هذا المالُ ليس من مالِك ولا من مالِ أبيك، وإنَّما هذا المالُ من مالِ الدولةِ، أعطني كذا وكذا، ليس من مالِك ولا من مالِ أبيك، تصوَّر ماذا يفعل؟ يضربُه، ولا يكفي الكفُّ الأولُ ولا الثاني ولا يكفيه هذا، بل ربما إذا كان عنده سلطةٌ يسجنُه، ويرفعُ به التقريرَ إلى المسؤولين، إلى من هو أكبرُ من هذا، اعتدى وفعل وفعل، لكنَّ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قابله بالإحسانِ.

أتى رجلٌ آخرُ إليه عليه الصلاة والسلام، وهو في غزوةٍ من غزواتِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، فتفرَّق الناسُ في الأشجارِ ليناموا؛ لأنَّه كان عليه الصلاة والسلام يحبُّ النومَ عليه الصلاة والسلام في القيلولةِ إن تيسر ذلك عليه الصلاة والسلام، فنام عليه الصلاة والسلام تحت شجرةٍ، وعلَّق سيفَه في الشجرةِ آمنًا عليه الصلاة والسلام، فأتى أعرابيٌّ من الأعرابِ من الباديةِ الجفاة، فأخذ السيفَ من الشجرةِ، وقال: يا محمدُ، يعني: يدعوه لكي يستيقظ، يعني: من شجاعةِ هذا الرجلِ أنَّه لم يضربِ النبيَّ عليه الصلاة والسلام وهو نائمٌ، وإنَّما يريدُ أن يقتلَه وهو صاحٍ، وهو مستيقظٌ، محمدُ يا محمدُ، ولم يقل: يا رسولَ اللهِ؛ فاستيقظ النبيُّ عليه الصلاة والسلام والسيفُ صلتًا في يدِ هذا الرجلِ، فقال: "من يمنعُك منِّي؟" فقيل في بعضِ الرواياتِ: اللهُ، فسقط السيفُ، كما يُروى في بعضِ الرواياتِ، أصلُ الحديثِ في البخاريِّ ومسلمٍ، لكن بعضُ الرواياتِ يُذكرُ فيها أنَّ السيفَ سقط من يدِه، فأخذه النبيُّ عليه الصلاة والسلام، وقال: من يمنعُك منِّي؟، فقال: قل خيرًا، أو كن خيرَ آخذٍ، قال: هل تُسلمُ؟  قال: "لا، ولكنِّي أُعاهدُك ألَّا أُقاتلَك، ولا أُقاتلَ مع أناسٍ يُقاتلونك"، فدعا النبيُّ عليه الصلاة والسلام أصحابَه، ، وقصَّ لهم هذا الخبرَ، ثم بعد ذلك أطلقه[17]رواه البخاري: 4139، ومسلم: 843.، تركه، فقيل بأنَّه رجع إلى قومِه، وصار يُخبرُ الناسَ، ويدعو الناسَ إلى الإسلامِ، يقول: جئتُكم من عندِ خيرِ الناسِ، جئتُكم من عندِ خيرِ الناسِ[18]رواه أحمد: 14929، وأبو يعلى: 1778.، ويُذكر، كما يذكر ابنُ حجرٍ في فتحِ الباري[19]انظر "فتح الباري":7/ 428.، يُذكر بأنَّه أسلم على يدَيه خلقٌ كثيرٌ من خلقِ اللهِ بسببِ إنعامِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام على هذا الرجلِ.

وهناك صورٌ عظيمةٌ من أخلاقِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، لا يتَّسعُ المقامُ هذا لذكرِ بعضِها، ولكنَّه سيأتي - إن شاء الله - بعد ذلك أخلاقٌ عظيمةٌ تدلُّ على أنَّ اللهَ أعطى هذا النبيَّ الكريمَ الخُلُقَ العظيمَ، وجعلَه سيِّدَ الأوَّلين والآخرين، كما قال عليه الصلاة والسلام: أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يوم القيامة، ولا فخرَ[20]رواه الترمذي: 3615، وابن ماجه: 4308، وأحمد: 10987، وصححه محققو المسند، وشطره الأول رواه مسلم: 2278.، عليه الصلاة والسلام بيَّن بأنَّه سيِّدُ الناسِ يومَ القيامةِ، وهو سيِّدُ الناسِ في الدنيا والآخرةِ، عليه الصلاة والسلام؛ فمن اتَّبعه، وسار على هديِه، وتمسَّك بسنَّتِه فهو الكريمُ، وهو الذي وفَّقه اللهُ لأحسنِ الأخلاقِ، ومن أعرض عنه، ولم يتَّبعْ سنَّتَه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، ولم يمتثلْ أمرَه، ولم يقمْ بما أُمِر به فحينئذٍ هذا من أشقى الناسِ، ومن أخسرِ الناسِ في الدنيا والآخرةِ.

أسألُ اللهَ بأسمائِه الحُسنى وصفاتِه العُلا أن يجعلني وإيَّاكم من الذين يستمعون القولَ فيتَّبعون أحسنَه؛ إنَّه وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وصلُّوا وسلِّموا على خيرِ خلقِ اللهِ، نبيِّنا محمدٍ .

الحمدُ للهِ، نحمدُه ونستعينُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا وسيِّئاتِ أعمالِنا، من يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومن يُضللْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، بعث رسولَه بالهدى ودينِ الحقِّ ليُظهرَه على الدِّينِ كلِّه، وبعثَه ليُتمِّم مكارمَ الأخلاقِ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه صلى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

عبادَ اللهِ، اتَّقوا اللهَ تعالى وراقبوه في السرِّ والعلنِ؛ فقد أمرنا جميعًا بذلك، أمر عبادَه المؤمنين بذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا  [الأحزاب:70-71]، وأمر الناسَ جميعًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

عبادَ اللهِ، سمعنا في الخطبةِ الماضيةِ بعضَ الأخلاقِ التي كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام يتحلَّى بها، وبعضَ الصورِ التي كان النبيُّ عليه الصلاة والسلام قد وقفها في حياتِه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، والهدفُ من سياقِ هذا، ومن تتبُّعِ هذا أن يكونَ المسلمُ على صلةٍ بأخلاقِ رسولِه ؛ وليتَّخِذَه قدوةً، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

هذه أُسوةٌ، فالإنسانُ المسلمُ إذا سمع شيئًا من أحكامِ اللهِ، أو من أخلاقِ رسولِ اللهِ ؛ فعليه أن يقتديَ بذلك، ويمتثلَ لذلك، ويتَّخذَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام أُسوةً حسنةً وقدوةً له في أعمالِه الدنيويَّةِ والأخرويَّةِ، حتى يكونَ من أتباعِه صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه.

والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قد حثَّ على مكارمِ الأخلاقِ في أكثر من حديثٍ، وفي أحاديثَ كثيرةٍ غيرِ ما سمعنا في الخطبةِ الماضيةِ، منها: أنَّه بيَّن عليه الصلاة والسلام: أنَّ أقربَ الناسِ منه مجلسًا يومَ القيامةِ، وأحبَّهم إليه، أحسنُهم أخلاقًا، وبيَّن عليه الصلاة والسلام في هذا الحديثِ: أنَّ أبغضَ الناسِ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام الثرثارون والمتشدِّقون والمتفيهقون[21]رواه الترمذي: 2018، وأحمد: 17743، عن عدد من الصحابة ، وحسنه محققو المسند..

بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ هؤلاء هم أبغضُ الناسِ إلى النبيِّ عليه الصلاة والسلام، الثرثارون: الذين يُكثرون الكلامَ في غيرِ طاعةِ اللهِ ، وفيما يُغضِبُ اللهَ.

والمتشدِّقون: الذين يُحاولون أن يتفاصحوا ويتقعَّروا في الكلامِ.

والمتفيهقون: المتكبِّرون الذين يتكبَّرون في كلامِهم وعلى عبادِ اللهِ ، أخبر النبيُّ عليه الصلاة والسلام بأنَّهم من أبغضِ الناسِ إليه، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، وأبعدُهم منه مجلسًا يومَ القيامةِ.

وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ من حَسُنَ خُلُقُه فقد تكفَّل اللهُ له، أو قد تكفَّل له النبيُّ عليه الصلاة والسلام ببيتٍ في أعلى الجنةِ، يقول النبيُّ صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه: أنا زعيمٌ ببيتٍ في ربضِ الجنةِ لمن ترك المراءَ وإن كان محقًّا[22]رواه أبوداود: 4800، والطبراني في "الكبير": 8/ 98 برقم 7488، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع":  1464..

المراءُ: المجادلةُ، إذا كان المسلمُ يُجادلُ، ورأى بأنَّ الجدالَ بالتي هي أحسنُ لا يُجدي في الإنسانِ، ولا ينفعُ فحينئذٍ لا فائدةَ في الاستمرارِ في الجدالِ، فيتركُ الجدالَ إن علم بأنَّه لا يكونُ مجديًا، فهذا قد بيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ له بيتًا في ربضِ الجنةِ.

وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: وأنا زعيمٌ ببيتٍ في وسطِ الجنةِ لمن ترك الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنةِ لمن حَسُنَ خُلُقُه[23]هذا الحديث تتمة الحديث السابق..

البيتُ الأعلى، في أعلى الجنةِ، تكفَّل النبيُّ عليه الصلاة والسلام به لمن حَسُنَ خُلُقُه؛ لأنَّه كان قدوةً له، صلواتُ اللهِ وسلامُه عليه، اتَّخذَ النبيَّ عليه الصلاة والسلام قدوةً؛ فتكفَّل له النبيُّ عليه الصلاة والسلام ببيتٍ في أعلى الجنةِ.

وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ البرَّ وهو الأعمالُ الصالحةُ الجامعةُ، أنَّ البرَّ حُسنُ الخُلُقِ، البرُّ حُسنُ الخُلُقِ، قال عليه الصلاة والسلام: البرُّ حُسنُ الخُلُقِ[24]رواه مسلم: 2553..

وبيَّن النبيُّ عليه الصلاة والسلام في أحاديثَ كثيرةٍ لا يتَّسعُ المقامُ لذكرِها في الترغيبِ في حُسنِ الخُلُقِ، ومن ذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال في الحديث العظيم الذي يبين أن الإنسان إذا كظم الغيظ كان ذلك خيرًا له عند ربه تبارك وتعالى في الدنيا والآخرة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: من كظم غيظًا وهو قادرٌ على أن ينفذه، دعاه الله على رؤوس الأشهاد يوم القيامة حتى يخيره من الحور ما شاء[25]رواه أبوداود: 4777، والترمذي: 2021،  وابن ماجه: 4186، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 6522.، رواه أبوداود بإسنادٍ جيد.

هذا الحديث يبين أن من ترك الغيظ، ومن كظم الغيظ لله ، وهو قادر على أن ينفذ غيظه وغضبه، وينفذ عقوبته، لكنه ترك هذا ابتغاء وجه الله ، فحينئذٍ جزاؤه وثوابه، أو من جزائه ومن ثوابه أن الله يدعوه على رؤوس الخلائق؛ فيخيره من الحور ما شاء، كما بين النبي صلوات الله وسلامه عليه؛ فالمسلم عليه أن يكون له قدوةٌ حسنةٌ، وهو النبي عليه الصلاة والسلام.

وهناك بعض الصور التي لم تذكر تدلُّ على أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ مبلغًا عظيمًا في الأخلاق الكريمة، بلغ مبلغًا عظيمًا في عفوه، بلغ مبلغًا عظيمًا في حلمه، بلغ مبلغًا عظيمًا في كرمه صلوات الله وسلامه عليه.

ومن هذه الصور ما فعله عليه الصلاة والسلام مع من أتى إليه، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام كريمًا، وكان يوزع ويعطي أصحابه صلوات الله وسلامه عليه ما لا يعطيهم غيره، صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه مع ذلك كان يراعي عليه الصلاة والسلام بعض الأحوال: شديد أو ضعيف الإيمان، حديث عهد بالإسلام، كافر، يعني: يرجى إسلامه، وغير ذلك، كان يراعي ذلك عليه الصلاة والسلام؛ ترغيبًا في الإسلام، وتأليفًا للناس، ودعوةً لهم في الإسلام.

فكان بعض المنافقين وبعض ضعفاء الإيمان، بل بعض المنافقين، حقيقة ينتقدون النبي عليه الصلاة والسلام، ويتكلمون في عرضه صلوات الله وسلامه عليه، فكان عليه الصلاة والسلام بعد غزوة حنين، كان يوزع أموالًا طائلةً، أعطى بعض الناس، منهم: الأقرع بن حابس، مئةً من الإبل، والثاني، والثالث.

فسمع بعض الصحابة أن بعض المنافقين تكلم في عرض النبي عليه الصلاة والسلام وقال: "هذه قسمةٌ ما عُدِل فيها، وما أُريد بها وجه الله تعالى"؛ فاستلحقه النبي عليه الصلاة والسلام، وبين أنه إن لم يعدل الله ورسوله، فمن يعدل؟! من يعدل؟! ثم قال عليه الصلاة والسلام: رحم الله موسى؛ فقد أوذي بأكثر من ذلك فصبر، فصبر عليه الصلاة والسلام، ولم يعاقبه، ولم يقتله صلوات الله وسلامه عليه، ولم يحبسه، بل تركه عليه الصلاة والسلام، وقال: رحم الله موسى؛ فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر[26]رواه البخاري: 6059، ومسلم: 1062..

وآذاه قومه صلوات الله وسلامه عليه، فكان يدعو لهم صلوات الله وسلامه عليه، يدعو لهم كثيرًا صلوات الله وسلامه عليه، كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون[27]رواه البخاري: 3477، ومسلم: 1792..

تصور لو كان هناك إنسانٌ مسلمٌ يدعو إلى الله ، ويعني: يراقب الناس في الخير، فأتى إليه جماعةٌ ممن يدعوهم فضربوه وطعنوه وعذبوه، تصوروا ماذا يفعل؟ هل يقول: "اللهم اغفر لهم؛ فإنهم جهلاء لا يعلمون"؟! سيدعو عليهم، وينتقم منهم إن كان له قوةٌ وسلطةٌ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمسح الدم عن وجهه ويقول: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون[28]رواه البخاري: 3477، ومسلم: 1792..

وكما ثبت في الصحيح أنه أتى إليه ملك الجبال وقال: ما تريد؟ تريد أن نطبق عليهم الأخشبين؟ فعلنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا، لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئًا[29]رواه البخاري: 3231، ومسلم: 1795.، أو كما قال النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ومن صور أخلاقه العظيمة ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم: أن علي بن أبي طالب بعث بذهب من اليمن إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ فوزعه النبي عليه الصلاة والسلام، وقسمه بين أربعة نفر، ممن يرجى أو ممن يخاف أن يرتدوا على أعقابهم، منهم: الأقرع بن حابس رضي الله عنه وأرضاه، وغيره ممن كان له سلطة في قومه، وممن يخشى أن يرتد على عقبيه؛ فوزع النبي عليه الصلاة والسلام هذه الأموال، فقال بعض المنافقين: "هذه قسمة ما عُدِل فيها، هذه قسمة ما عُدِل فيها" وقال للنبي عليه الصلاة والسلام: "يا رسول الله، يا رسول الله، اتق الله"، فغضب النبي عليه الصلاة والسلام عند ذلك؛ لأنه متقٍ لله ، وقال لهذا الرجل... بين لهذا الرجل، قال: ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟! يأتيني الوحي أو الخبر من الله صباحًا ومساءً، ألا تأمنوني على هذا؟!، معنى ذلك أن هذا الأمر الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام هو بأمرٍ من الله : وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى۝ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى [النجم:3-4]، ثم بعد ذلك كان حاضرًا من الصحابة، كان من الصحابة من الحضور رجلٌ: خالد بن الوليد - وهو معروف عند الجميع - فقال للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه بسيفي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: دعه؛ لعله أن يكون يصلي، فقال خالد : "وكم من مصلٍ يقول بلسانه ما لم يفعل[30]وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه.، أو كما قال ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا عن صدورهم[31]رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064.، معنى ذلك أنه عليه الصلاة والسلام يأخذ بالظاهر، وهذا دين الإسلام، الظاهر لنا، والباطن والخافي لله ، ما ظهر لنا من الأعمال الصالحة، ومن القربات، ومن الأخلاق الحسنة، فهذا لنا نأخذ به، وما لم يظهر لنا فهو لله ؛ لأنه يعلم: يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ [غافر:19]، فإنه قال: "كم من مصلٍ يقول بلسانه ما لم يفعل؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا عن صدورهم، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا. كانت أخلاقه عاليةً صلوات الله وسلامه عليه.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلني وإياكم وسائر المسلمين من أتباعه المخلصين الصادقين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

عباد الله، إن الأخلاق التي يسمعها المسلم تساق في النبي عليه الصلاة والسلام، أو من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام ينبغي للمسلم أن يطبق ذلك على نفسه، كل حادثةٍ تحدث له، كل عملٍ يصادفه أو يقابله عليه أن يتخذ من النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً حسنةً له حتى يكون على هدًى، حتى يكون من أتباع النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ومن هذه الصور العظيمة: ما فعله عليه الصلاة والسلام مع بعض اليهود، أتى إليه زيد بن سَعْنَةَ اليهودي رضي الله عنه وأرضاه، أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ يختبره، يختبره، قال: "لقد رأيت علامات النبوة، أو ما من علامات النبوة إلا وقد رأيتها، اتصف بها النبي عليه الصلاة والسلام إلا خصلتين، إلا أمرين، لم أرهما، ولم أعلمهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلمًا".

فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وكان يطلبه دينًا، كان قد أقرضه دينًا - الله أعلم - ربما يكون ذلك اختبارًا للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام موعدًا، يعني: محددًّا أجلًا مسمًّى بين النبي عليه الصلاة والسلام وهذا اليهودي.

فسبق اليهودي هذا الموعد، ولم يتأخر إلى الموعد الذي بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام، سارع وجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام في جمعٍ من أصحابه، ومسكه بتلابيبه وجره، وقال: "يا محمد، ألا تقضيني؟! فإني لم أعلم أنكم يا بني عبد المطلب إلا قوم مطل"، مطل: يعني تماطلون في القضاء، ولا تقضون، ثم شده - شد النبي عليه الصلاة والسلام - وكان بجانب النبي عليه الصلاة والسلام عمر، فنظر إليه، قال: نظر إليه وعيناه تدوران في رأسه كالفلك، وقال: "يا عدو الله، والله لولا ما أحاذر من غضب رسول الله لرمتك بسيفي هذا، تفعل ما أرى، وتقول ما أسمع، يا عدو الله؟!"فقال النبي عليه الصلاة والسلام له: يا عمر، ما كان ينبغي لك أن تقول إلا أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب يا عمر، فاقضه وزده عشرين صاعًا من تمر مكان ما رعته، يعني إكرامًا لهذا الرجل؛ لأن عمر حينما نظر إليه وكاد أن يقتله لولا أمر النبي، لولا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، راعه وفجعه.

فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يقضيه وأن يزيده عشرين صاعًا، فذهب به وقضاه وزاده عشرين صاعًا من تمر، فحينما زاده قال: "ما هذا يا عمر؟"

قال: "هذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن أزيدك هذا مكان ما رعتك".

فقال: "أتعرفني يا عمر؟"

قال: "لا".

قال: "ومن أنت؟"

قال: "أنا زيد بن سَعْنَة".

قال: "الحبر اليهودي؟!"

قال: "نعم".

قال: "وما هداك أو ما وصلك إلى هذا الأمر؟"

قال: "لقد سمعت أو لقد رأيت أن النبي عليه الصلاة والسلام اتصف بجميع خصال النبوة إلا أمرين لم أرهما منه: يسبق حلمه غضبه، ولا تزيده شدة الجهل إلا حلمًا؛ ففعلت ذلك، وإني قد وجدت ذلك فيه؛ فأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله".

فقال له عمر ، قال لعمر: "وإني أكثرها مالًا" - يعني: أكثر أهل المدينة مالًا - "فأشهدك يا عمر، أني قد جعلت أموالي كلها صدقةً على أمة محمدٍ ".

فقال عمر: "إن مالك لا يسع أمة محمدٍ ، قل على بعضهم"، فقال: "على بعضهم"[32]رواه ابن المنذر في "الأوسط": 8103، والحاكم: 6728..

معنى ذلك: أمة محمد أتباع محمد عليه الصلاة والسلام كثير لا يسع، لا يسعهم مالك، فقل: على بعضها، فقال: أو على بعضهم. فذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.

هذا مما يدل الإنسان المسلم على أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغ في الحلم مبلغًا، بلغ في الحلم مبلغًا عظيمًا، بلغ في الحلم مبلغًا عظيمًا، لا يبلغه غيره صلوات الله وسلامه عليه.

وأسلم هذا الرجل العظيم، أسلم على يد النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأخلاقه الكريمة، ولمكارم أخلاقه التي بُعِث بها صلوات الله وسلامه عليه.

ومن ذلك: ما فعله عليه الصلاة والسلام مع معاوية بن الحكم -رجلٍ من الصحابة- أتى إلى المسجد يصلي مع المسلمين، فصلى مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان النبي صلوات الله وسلامه عليه في صلاته، فعطس رجلٌ من القوم في الصف، فقال هذا الأعرابي، قال: "يرحمك الله"، قال: "يرحمك الله"، عطس هذا الرجل؛ فحمد الله - يجوز للإنسان المسلم إذا عطس في صلاته أن يحمد الله بينه وبين نفسه وبصوتٍ منخفضٍ؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يعب على من حمد الله في الصلاة؛ ولأن هذا من جنس الصلاة، ومِن حمد الله ، فقال حينما حمد الله، قال هذا الرجل: "يرحمك الله".

فحينئذٍ نظر إليه بعض القوم وصاروا يضربون أفخاذهم، فقال: "واثكل أمياه! ماذا فعلت؟! وصار ينظر إلى وجوههم - ما يدري، ما يعلم عن هذا الحكم رضي الله عنه وأرضاه - فقال: "واثكل أمياه! ماذا فعلت؟!"، فصار الناس يزيدون يعني في ضرب أفخاذهم، ويشيرون إليه أن يسكت، فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته قال: من فعل هذا؟ فأخبروه، فأتى إليه وعلمه عليه الصلاة والسلام، قال: "فبأبي وأمي هو، لم يقهرني، ولم يضربني، ولم يؤنبني، وإنما قال: إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنما هو التسبيح، والتكبير، وقراءة القرآن[33]رواه مسلم: 537..

فهذا الصحابي كان جاهلًا فأمره النبي عليه الصلاة والسلام برفق، وأحسن إليه، ولم يكن كبعض الناس، ربما إذا كان هناك إنسانٌ جاهلٌ من الناس وأخطأ في مكانٍ من الأمكنة وربما يضربه.

أتى إليه عليه الصلاة والسلام رجلٌ من الأعراب -من البادية- ودخل المسجد -كما في البخاري وغيره- فصلى، وحينما صلى قال: "اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا". فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: لقد حجرت واسعًا[34]رواه البخاري: 6010.، أي: هذه رحمة الله التي وسعت كل شيء، قصرتها علي وعليك.

ثم لم يلبث هذا الرجل أن بال في المسجد، حينما انتهت الصلاة، انصرف الرجل وبال، والناس ينظرون إليه، من الأعراب؛ فحينئذٍ أراد الناس أن يبطشوا به، وأن يضربوه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا تزرموه، أي: لا تقطعوا عليه بوله، دعوه؛ فتركوه يبول، ثم دعا النبي عليه الصلاة والسلام بسجلٍ من ماء أو بذنوبٍ من ماء، ثم صبه على بوله[35]رواه البخاري: 220.، واستدعى هذا الرجل وقال: إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيءٌ من هذا[36]لم أجدها.، لم تبن لهذا، وإنما بنيت للصلاة ولذكر الله .

فلم يؤنب هذا الرجل، فقال: فبأبي وأمي لم يضرب ولم يؤنب وغير ذلك من الكلمات التي قالها هذا الرجل.

فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يعامل الناس بالأخلاق الحسنة، والإنسان قد يخطئ لكنه يرجع إذا أخطأ، وعلم بأنه قد جاوز أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام يستغفر الله ويرجع ويتوب ويلتزم أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه.

فالمسلم عليه أن يتقي الله ويتخذ النبي عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنةً في أخلاقه، في أعماله، في معاملاته، في كلامه، في بشره، في حركاته، في عباداته؛ لأنه عليه الصلاة والسلام قد كان القرآن أخلاقه كما قالت عائشة رضي الله عنها: "وكان خلق نبيكم القرآن"، كانت أخلاقه عليه الصلاة والسلام: حلمه، وكرمه، وشجاعته، كانت بمقتضى القرآن الكريم.

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وأسأله تبارك وتعالى أن يصلي ويسلم ويبارك على نبينا محمدٍ .

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1]

عباد الله، سمعنا في الخطبتين الماضيتين بعضًا من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام الكريمة التي بعثه الله بها؛ لأنه كما سمعنا بعثه الله ليتمم مكارم الأخلاق، من اتبعه وسار على طريقته واستن بسنته فقد سعد في الدنيا والآخرة، ومن اتبع غيره عليه الصلاة والسلام سواءٌ كان نصرانيًّا أو يهوديًّا أو صوفيًّا كما يدعي الإسلام، أو غير ذلك من الملل والنحل والشركيات والمبتدعات فقد ضل وخاب مسعاه وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لا خير إلا دلنا عليه، ولا شر إلا حذرنا منه عليه الصلاة والسلام.

وهذه الأخلاق - كما سمعنا - ينبغي للمسلم الذي يراقب الله أن يتخذ النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً له، وأسوةً له، حسنة في حياته وفي أموره كلها، ومن هذه الأخلاق العظيمة، الأخلاق الكريمة، سمعنا أخلاق الحلم، وسمعنا من أخلاقه عليه الصلاة والسلام الرفق، وسمعنا كذلك العفو والصفح، ومن هذه الأخلاق أخلاقه عليه الصلاة والسلام، وهي تتبع أخلاق العفو والصفح وعدم العجلة والتأني في الأمور، ولم يعجل عليه الصلاة والسلام في أموره إلا بعد أن يراها حقًّا عليه الصلاة والسلام، ومن هذا:

أنه قدم رجلٌ من دوسٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام في مكة - وهو الطفيل بن عمرو الدوسي - قدم من بلاده بلاد دوس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقصد النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما قصد مكة، وحينما أتى إلى مكة قالت له قريش، المشركون قالوا: إن هذا الرجل ساحر؛ فإنك إذا سمعته رق قلبك له، واتبعت دينه، فهذا الرجل يفرق بين المرء وزوجه، وبين المرء وأخيه؛ فننصحك ونناشدك ألا تستمع إلى كلمةٍ واحدةٍ منه؛ فإنه يأتي إليه الرجل الحازم العاقل فيسحره ويتبعه.

قال: فخفت وأخذت كرسفًا، أي: قطنًا، وسددت أذني، قلت: خفت على نفسي، قال: سددت أذني بالقطن وأتيت إليه، فرأيته يتكلم، فقلت في نفسي: أنا رجلٌ شاعرٌ، ورجلٌ عاقلٌ إن سمعت كلامًا طيبًا أخذته، وإن سمعت كلامًا غير طيبٍ لا يليق تركته، ولماذا أسد أذني؟!

قال: ففككت القطن أو الكرسف عن أذني، قال: فسمعت كلامًا عظيمًا، كلامًا كريمًا، وعلمت أن الله أرسله، وأنه نبيٌّ من عند الله ، فتبعته إلى البيت، تبعته إلى البيت، ودخلت عليه فقلت: إن قومي قالوا، وإني سمعتك تقول كذا وكذا، فأخبرني عن دينك، قال: فأمرني بشرائع الإسلام، وأخبرني بأمور الدِّين، وأسلم رضي الله عنه وأرضاه؛ لأنه عاقلٌ، قال: إن سمعت كلامًا طيبًا أخذته وقبلته، وإن سمعت كلامًا غير طيبٍ وغير صالحٍ تركته، قال: فحينئذٍ أسلم ؛ لأنه سمع كلامًا طيبًا، كلامًا عظيمًا، كلام النبي .

فقال: يا رسول الله، إني رجلٌ مطاعٌ في قومي، فأمرني بدعوتهم، أو كما قال ، واجعل لي آيةً، فأمره النبي ، وجعل له، قال: اللهم اجعل له آيةً، فحينئذٍ حينما نزل من جبال الطائف أو أشرف على قومه جعل الله له نورًا بين عينيه، فقال: "اللهم ربي في غير هذا الموضع؛ فإن قومي سيقولون: هذا مُثلة"؛ فتحول هذا النور العظيم من بين عينيه، وصار في رأس سوطه، صار في رأس العصا يضيء له كالقنديل العظيم، فأقبل إلى قومه، وأتى إليه أبوه، ودعاه إلى الإسلام، وأسلم، وأمه كذلك، وزوجته كذلك، ودعا قومه إلى الإسلام، دعاهم إلى الإسلام، فأبوا عليه وكفروا وطغوا وتكبروا، فأتى إلى النبي وهو في مكة لم يهاجر، فقال: "يا رسول الله، إن دوسًا كفروا وطغوا وتجبروا؛ فادع الله عليهم"، فاستقبل القبلة عليه الصلاة والسلام، ورأى الناس بأن دوسًا قد هلكوا وماتوا - قبيلة دوس المعروفة، ولا زالت إلى الآن - قال: فاستقبل القبلة النبي ورفع يديه، وقال الناس: هلكت دوس، وينتظرون كلام النبي ، فقال: اللهم اهدِ دوسًا، اللهم اهدِ دوسًا، وائتِ بهم مسلمين[37]رواه البخاري: 4392، ومسلم: 2524، دون قوله: مسلمين.، عليه الصلاة والسلام.

قال: فرجع ، وأمره بالرجوع عليه الصلاة والسلام، فلو كان من بعض الناس المستعجلين حينما يوصف له بعض القرى أو بعض القبائل أو بعض المدن بالكفر والطغيان والاستمرار في الربا والزنا وغير ذلك مما حرم الله ، وأكبر من ذلك الشرك، ولو جاء بعض الناس إلى داعية وسألوه أن يدعو عليهم؛ لفعل، لكن النبي لم يعجل عليه الصلاة والسلام، وتريث، واستقبل القبلة وقال: اللهم اهدِ دوسًا، وائتِ بهم مسلمين.

فرجع إلى دوس رضي الله عنه وأرضاه، ودعاهم إلى الإسلام، وهاجر النبي إلى المدينة، وفات الطفيل بن عمرو بدر وأُحد والخندق، ثم أتى بتسعين بيتًا، تصور أتى إلى النبي لم يسلم معه إلا أبوه وأمه وزوجته، ورجع إليه المرة الأخرى بعد دعوة النبي ، ثمانون أو تسعون بيتًا أتت إلى النبي قد أسلموا وانقادوا لأوامر الله بسبب عدم عجلة النبي ؛ لأن بعض الناس يستعجل، عنده العجلة، والعجلة، خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ [الأنبياء:37]، لكن على الإنسان أن يتريث ويتعلم الرفق في الأمور، ويتعلم عدم العجلة؛ فإن العجلة ما كانت في شيء إلا غيرته كما قال النبي فيما سيأتي إن شاء الله.

إذن؛ هذا الشاهد من أخلاق النبي : رفقه وعدم عجلته عليه الصلاة والسلام، ورحمته بالناس، فإنه لم يدعُ عليهم، وإنما دعا لهم صلوات الله وسلامه عليه، فأتوا فعوضه الله على هذا الرفق العظيم، أو بهذا الرفق العظيم عوضه الله بتسعين أسرةً من هؤلاء الناس أسلموا ودخلوا في دين الله .

ومن هذا الكرم، أو من هذه الأخلاق العظيمة التي اتصف بها النبي ما فعله مع بعض الناس، وهذا يدلُّ على رفقه صلوات الله وسلامه عليه ورحمته بالناس، أتى إليه بعض الشباب قد أسلم وانقاد إلى الإسلام، فجاء إلى النبي وقال: "يا رسول الله، إني قد أسلمت، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، والتزمت بجميع أوامر الإسلام إلا أمرًا واحدًا، ائذن لي به يا رسول الله"، اسمح لي فيه، معنى كلامه.

فقال: "يا رسول الله، إلا أمرًا واحدًا وهو الزنا، ائذن لي في الزنا"، التزم بأوامر الإسلام كلها إلا الزنا فلم يلتزم به، فحينئذٍ لم يكن من النبي إلا أن قال: أقروه، يعني ادْنُه، فدنا منه رضي الله عنه وأرضاه، فقال: أتحبه لأمك؟ قال: أعوذ بالله يا رسول الله، قال: تحبه لأختك؟ قال: أعوذ بالله يا رسول الله، قال: تحبه لعمتك؟ قال: أعوذ بالله يا رسول الله، قال: تحبه لخالتك؟ قال: أعوذ بالله يا رسول الله، قال: ادعُ لي يا رسول الله، فجعل يده على صدره وقال: اللهم طهر قلبه، اللهم طهر قلبه، وحصن فرجه[38]رواه أحمد: 22211، والطبراني في "المعجم الكبير": 8/ 183 برقم 7759، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 370.، ودعا له النبي بدعواتٍ عظيمة حتى ما قام من عند النبي وشيء أبغض إليه من الزنا ومن غيره من المعاصي.

فالنبي كان حليمًا رفيقًا بأمته صلوات الله وسلامه عليه، وينبغي لنا أن نكون من أتباعه، ولهذا جاء إليه بعض اليهود، ودخلوا عليه البيت عليه الصلاة والسلام كما في البخاري، وقالوا: السام عليك يا رسول الله، السام عليك يا رسول الله، فقالت عائشة رضي الله عنها: بل عليكم السام واللعنة، أبناء القردة والخنازير. فقال: يا عائشة، إن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه[39]رواه مسلم: 2594، وليس هذا جوابه عليها عليه الصلاة والسلام، وسيأتي جوابه عليها في الفقرة التالية.، قالت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال: قد سمعت، وقلت لهم، رددت عليهم[40]رواه البخاري: 6024، مسلم: 2165، ولفظه: فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله : يا عائشة «إن الله يحب … Continue reading، فإنه قال: وعليكم، ولم يقل: وعليكم السلام، بل قال : وعليكم، السام هو: الموت، يعني: السام عليك، أي: الموت، أو الناس يسأمون دينك، ويبتعدون عن دينك.

فحينئذٍ قال له النبي : وعليكم، وقصر الكلام عليه الصلاة والسلام على هذا، ولم يزد عليه صلوات الله وسلامه عليه، فردت عليهم عائشة رضي الله عنها؛ لأنها لم تفهم كلامه حينما قال: وعليكم، فقالت: "بل عليكم السام واللعنة، أبناء القردة والخنازير"؛ فحذرها النبي وبين بأن الرفق ما كان في شيء إلا زانه، وما نزع من شيء إلا شانه، ومن يُحرم الرفق، يُحرم الخير كله[41]رواه مسلم: 2592.، كما بيَّنه النبي ، فالمسلم عليه أن يكون رفيقًا حليمًا متأنيًا في أموره حتى لا يخالف هدي النبي .

ومن أخلاقه الكريمة: التزامه بأوامر الإسلام، فإنه وإن كان رفيقًا، وإن كان رحيمًا، وإن كان عفوًّا عليه الصلاة والسلام، فإنه مع ذلك لا تأخذه في الله لومة لائم.

جاء إليه بعض الناس يشفعون في ترك حدٍّ من حدود الله ، امرأةٌ مخزوميةٌ سرقت، وأراد النبي قطع يدها، فقالت قريش: من يجرؤ ومن يأتي إلى النبي إلا حِبُّه وابن حِبِّه، وهو: أسامة بن زيد ؛ لعله يشفع في ترك قطع يدها، فجاء إليه وكلمه فيها، وهو أراد قطع يدها؛ فغضب النبي ، فقال الصحابي : "استغفر لي يا رسول الله"، علم بأن النبي غضب عليه فتركه وقال له: أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟  ثم ترك الناس، وفي العشي صعد المنبر وخطبهم وقال: أيها الناس، إن من كان قبلكم كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفسي بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمدٌ يدها[42]رواه البخاري: 6788، ومسلم: 1688.، ثم نزل وترك خطبته، صلوات الله وسلامه عليه، وقطع يدها أمام الناس عليه الصلاة والسلام.

إذن؛ هذا مصداقٌ لقوته عليه الصلاة والسلام، فهو وإن كان حليمًا رفيقًا عفوًّا، فهو لا تأخذه في الله لومة لائمٍ، بل كان قويًّا عليه الصلاة والسلام في إقامة أوامر الله، صلوات الله وسلامه عليه.

وهذا من أخلاقه الكريمة، وهذا يدلُّ على أن الإنسان المسلم ينبغي له ألا تأخذه في الله لومة لائم، ولا يقبل شفاعةً في حدٍّ من حدود الله؛ فإن بعض الناس، إذا زنى بعض الناس أو سرق أو شرب الخمر أو روج المخدرات أو فعل بعض الجرائم، رأيت بعض الكبراء وبعض الناس الذين يدعون العلم تراهم بمصالحهم أمام أبواب المحاكم وغير ذلك من المسؤولين يشفعون.

لماذا يشفعون في غضب الله ؟! والنبي عليه الصلاة والسلام قد روي عنه صلوات الله وسلامه عليه يقول: إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفِّع[43]رواه الطبراني في "الأوسط": 2284، والدارقطني: 3467، والصواب وقفه؛ كما رواه مالك في "الموطأ": 2/ 835.، لعنه الله، أبعده الله من رحمته، فإذا وقع الإنسان في جريمةٍ وفيها حدٌّ من حدود الله، وبلغت هذه الجريمة السلطان -الشرطة، التحقيق، وغير ذلك- فلا ينبغي لمسلمٍ يشهد أن لا إله إلا الله أن يشفع في هذه القضية.

أما إذا لم تصل إلى السلطان، لا زالت بين الجماعة، أو لا زالت بين الجيران، أو لا زالت خارجةً عن السلطان والشرطة، فلا بأس في الشفاعة، ولا بأس في الإصلاح وعدم الذهاب إلى الحكومة والمحكمة، لا بأس في الإصلاح إن رأوا ذلك صلحًا وخيرًا.

أما إذا بلغت الحدود السلطان، فلعن الله الشافع والمشفع كما بينه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

ومن هذه الأخلاق الكريمة: أخلاق الكرم؛ قد كان النبي عليه الصلاة والسلام كريمًا، ولم يكن بخيلًا، ولم يكن شحيحًا، خُلقه عليه الصلاة والسلام كريم.

ومن هذه الأخلاق الكريمة التي رسخت في نفسه: الكرم، فكان كريمًا صلوات الله وسلامه عليه، وما سئل على الإسلام شيئًا إلا أعطاه عليه الصلاة والسلام، ما سئل شيئًا إلا أعطاه، وإن لم يكن عنده شيءٌ استأذن، أو طلب العفو والسماح، ووعده خيرًا.

ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يعطي عطاءً عظيمًا، جاء إليه رجل يسأله شيئًا فأعطاه غنمًا بين جبلين، غنمًا بين جبلين عظيمين، هذا يدلُّ على أن هذه الغنم عظيمة، فرجع إلى قومه وقال: "يا قوم أسلموا، يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة"[44]رواه مسلم: 2312.، عليه الصلاة والسلام.

انبهر هذا الأعرابي المسكين، جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام يسأله يظن بأنه يعطيه دينارًا أو درهمًا أو شاةً، فأعطاه غنمًا بين جبلين؛ فأثر هذا في نفس هذا الرجل، وحسن إسلامه، وجاء يدعو قومه إلى الإسلام، علاوةً على ذلك يدعوهم ويقول: "يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاءً لا يخشى الفاقة" عليه الصلاة والسلام.

وكان عليه الصلاة والسلام يعطي عطاءً عظيمًا، ومن ذلك أن صفوان بن أمية أسلم، بل لم يسلم في مقدم النبي عليه الصلاة والسلام مكة إلا بعد ذلك، فأعطاه النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة حنين مئةً من الغنم، ثم أعطاه مئةً أخرى، ثم أعطاه مئةً ثالثةً؛ فأسلم رضي الله عنه وأرضاه.

قال: "والله، ما كان أبغض، يعني: ما كان أحد أبغض من محمد إلي، فما زال يعطيني حتى والله، ما كان على وجه الأرض أحد أحب إلي منه"؛ فأسلم رضي الله عنه وأرضاه.

كان يعطي عطاءً عظيمًا صلوات الله وسلامه عليه؛ لأنه عليه الصلاة والسلام يحب أن يتألف الناس، ويقرب الناس، ويحبب الناس إلى الإسلام، وكان قصده وهدفه وجه الله ، لا رياء ولا سمعة ولا غير ذلك مما يفعله بعض الناس.

فبعض الناس عنده كرمٌ وعنده جودٌ، لكن لا يقال له: كرمٌ، ولا يقال له: جودٌ؛ لأنه لغير الله ، يقال له: تبذيرٌ، يقال له: إسرافٌ، يقال له: بذخ، يقال له: كبرياء، يقال له: رياء.
فإذا كان الكرم أو كان العطاء لا يقصد به وجه الله وإنما يقصد به الرياء والسمعة، وحتى يقال: بأن فلانًا من الناس كريمٌ، وفلانًا من الناس جوادٌ، فحينئذٍ لا فضل له لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه لم يقصد بذلك وجه الله، وإنما قصد الرياء والسمعة، والتجبر والترفع على الناس.

فمن كانت أخلاقه كأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام بأن يكون هدفه وقصده وجه الله ، وتحبيب الناس إلى الإسلام، وجذبهم إلى الإسلام، فحينئذٍ هو من أتباعه صلوات الله وسلامه عليه.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلني وإياكم من أتباعه الصادقين المخلصين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

عباد الله، إن الله جعل النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً لعباده أجمعين؛ لأنه رسول الله عليه الصلاة والسلام لخلق الله، للثقلين من الجن والإنس، فأعطاه هذه الأخلاق الفاضلة، أعطاه مكارم الأخلاق، فمن اتبعه سواء على هذه فقد كان من المفلحين في الدنيا والآخرة عليه الصلاة والسلام.

ومن أخلاقه الكريمة حينما يكون رحيمًا، ويكون رفيقًا، ويكون، يعني: متأنِّيًا وغير عجولٍ عليه الصلاة والسلام، فإنه عليه الصلاة والسلام كان من أقوى الناس عليه الصلاة والسلام في طاعة الله ، ومن أشد الناس على أعداء الله ، من أشد الناس قوةً وشجاعةً وانتصارًا للحق صلوات الله وسلامه عليه.

ومن ذلك شواهد، وهذه من أعظم أخلاقه؛ لأن الخُلُق هو ما رسخ كما تقدم، الخلق: هو هيئةٌ راسخةٌ في النفس تدلُّ عليها السلوك، أو تدلُّ عليها الأعمال الظاهرة.

هذه من أخلاقه التي قد رسخت في قلبه عليه الصلاة والسلام، الشجاعة عليه الصلاة والسلام، كان قويًّا شجاعًا صلوات الله وسلامه عليه، لا تأخذه في الله لومة لائم.

ومن ذلك: ما فعله عليه الصلاة والسلام في المعارك التي شارك فيها صلوات الله وسلامه عليه، له عليه الصلاة والسلام أخلاقٌ عظيمة، منها: ما فعله ببدرٍ حينما التقى مع المشركين، كان المسلمون ما يقارب ثلاث مئة وسبعة عشر، والمشركون كانوا ما يقارب ألفًا وزيادة.

فالتقى المشركون والمسلمون، ودعا النبي عليه الصلاة والسلام ربه وجاهد، وأبو بكر بجانبه، وكان من أشد الناس قوةً ومن أشجع الناس.

قال علي بن أبي طالب : لقد رأيت رسول الله يومئذ وهو أشد الناس …، وإنا لنتقي به إذا حمي الوطيس.

كانوا يتقون بالنبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يقال بأن هذا الحلم، وهذا الرفق، وهذه الرحم،  وهذا الصفح يدلُّ على الضعف، لا، يدلُّ على القوة.

فالنبي عليه الصلاة والسلام قويٌّ في مواطن القوة، وودودٌ عليه الصلاة والسلام، وعفوٌ في مواطنه صلوات الله وسلامه عليه.

فحينئذ كان يقول: "لقد رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يومئذ وهو من أشد الناس، وإن الشجاع منا لمن يتقي به".

الشجاع يتقي بالرسول عليه الصلاة والسلام أثناء القتال، الصحابة شجعان كلهم، لكن النبي عليه الصلاة والسلام أشجع من خلقَ الله عليه الصلاة والسلام.
فكان عليه الصلاة والسلام من أشجع الناس في بدر وفي أُحد كذلك، التقى النبي عليه الصلاة والسلام مع المشركين وقد انهزم بعض المنافقين بثلث الجيش من هذه المعركة، فبقي النبي عليه الصلاة والسلام والمسلمون الصادقون، وهزموا المشركين بإذن الله في أول وهلة.

لكن بعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ظنوا بأن المعركة قد انتهت ولم يبقَ إلا الغنائم، فنزلوا وتركوا الجبل، فالتف المشركون على الجبل، فحينئذ قطعوا خط الرجعة على المسلمين، وعاثوا في المسلمين فسادًا؛ فأكرم الله من أكرم منهم بالشهادة، وضُرِب النبي عليه الصلاة والسلام في وجهه، وكسرت رباعيته صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك البيضة ضربت وشقت على رأسه صلوات الله وسلامه عليه.
وبعد ذلك نزع المشركون إلى جانب من الجوانب، فأتى بعض المشركين إلى المسلمين يقول: أين الجنة التي تدعونها؟ يريد أن يقابل النبي عليه الصلاة والسلام.

تزعمون أن محمدًا عليه الصلاة والسلام يقول بأن من قُتِل له الجنة، ومن حيا فله السعادة، أو كما قال، وإني أريد محمدًا عليه الصلاة والسلام، والله، وأقسم بالله بأنه سيقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وهو أُبي بن خلف، أُبي بن خلف الذي عاقبه الله في الدنيا بقتل النبي عليه الصلاة والسلام له، وفي الآخرة بالنار، فجاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام ويقسم بالله ويقسم بآلهته بأنه سيقتل النبي عليه الصلاة والسلام، فأراد الصحابة أن يكفوا النبي عليه الصلاة والسلام وأن ينتصبوا لهذا العدو اللدود، فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام ألا يتحركوا ولا يتقدم إليه أحد منهم.

فحينئذ ما كان من الصحابة إلا أن امتثلوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فهم يحبون أن يفدوا النبي  ويفتدوه بأرواحهم وأنفسهم ودمائهم رضي الله عنهم وأرضاهم.

فجاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام وانتفض إليه انتفاضة، وكان قد غطى جميع جسمه بالحديد، ما بقي منه شيء، وهذا يعني ما فعله أُبي بن خلف يظن بأنه لا يقتل.

فأبصر النبي عليه الصلاة والسلام خرقًا صغيرًا في ترقوته، أي: في نحره، خرقًا صغيرًا، فتناوله النبي عليه الصلاة والسلام وطعنه طعنةً صغيرةً في ترقوته؛ فصاح وخرق الثوب، ورجع إلى قومه وقال يصيح، ويقول: قتلني محمد.

قالوا: والله ما به من بأس، والله ما به من بأس، رأوا خرقًا صغيرًا في ترقوته، فقال: والله بأن محمدًا قد قتلني، وإني سمعته يقول بمكة إنه سيقتلني، والله لو بصق عليَّ لقتلني، قبحه الله.

يعني عنده يقين بعد أن ضربه النبي عليه الصلاة والسلام ضربةً يسيرةً في ترقوته بأنه سيموت؛ لأنه قال بأن النبي عليه الصلاة والسلام قال بأنه سيقتلني، والله لو بصق عليَّ لقتلني، قبحه الله.
فرجعوا إلى مكة، ومات في طريقه إلى جهنم، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

فحينئذٍ؛ من قتله النبي عليه الصلاة والسلام فهو أشد عذابًا في الدنيا والآخرة، سواءٌ كان محمد عليه الصلاة والسلام أو الأنبياء من قبله، أشد الناس عذابًا من قتله نبيٌّ عليهم الصلاة والسلام.

هذا من شجاعته، ومن شجاعته عليه الصلاة والسلام ما فعله كذلك في حنين، حينما التقى المسلمون وأهل الطائف التقوا، فانهزم بعض المسلمين ورجعوا؛ لأنهم قد قابلوا ما لا طاقة لهم به.

فحينئذ؛ ثبت النبي عليه الصلاة والسلام ومعه بعض أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، وركب بغلةً ولم يركب فرسًا.

قال بعض أهل العلم: وهذا يدلُّ على الشجاعة، يدلُّ على القوة؛ لأنه ركب بغلة، والبغلة لا تسرع، يعني: بطيئة السير؛ حتى يثبت عليه الصلاة والسلام؛ وحتى يكون قدوةً للناس عليه الصلاة والسلام، وحتى لا يفر الفرس.

فركب بغلة صلوات الله وسلامه عليه، وثبت، وحينما اشتد القتال وصاح العباس بالناس، وأتوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، نزل النبي عليه الصلاة والسلام يجاهد ويقاتل بيده، ويقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب عليه الصلاة والسلام.

أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، ويقاتل، وأخذ كفًّا من حصى ورمى به القوم كما رماهم به في بدر، فلم يبقَ أحدٌ إلا ملأ الله عينيه من هذا التراب؛ فانهزموا جميعًا.

النبي عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خُلقًا، قد جُبِل على الأخلاق الحسنة، وله أخلاقٌ عظيمة لا يعدها الإنسان ولا يحصيها، لكن هذه نماذج منها.

فمن أراد الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام فعليه أن يلتمس طريقه صلوات الله وسلامه عليه في كرمه، في عفوه، في حلمه، في أخلاقه الكريمة، في شجاعته، في جميع أموره كلها، حتى يكون من أتباع النبي عليه الصلاة والسلام الذين مدحهم الله ومدحهم النبي عليه الصلاة والسلام.

أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يوفقنا وإياكم جميعًا وسائر المسلمين إلى الاقتداء بهديه عليه الصلاة والسلام، وإلى الالتزام بالأخلاق الكريمة التي بعث الله بها محمدًا صلوات الله وسلامه عليه، وأسأله تبارك وتعالى أن يصلي ويسلِّم ويبارك على هذا النبي الكريم .

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله رحمةً للعالمين، وأكرمه بالأخلاق الفاضلة؛ فبعثه بمكارم الأخلاق؛ فتعامل مع الكبير والصغير عليه الصلاة والسلام في الحرب وفي السلم وفي غير ذلك بالأخلاق التي بعثه الله بها، فصلوات الله وسلامه عليه ما تتابع الليل والنهار.

عباد الله، اتقوا الله وراقبوه في السرِّ والعلن؛ فقد أمرنا الله جميعًا بذلك في آياتٍ كثيرة، منها: قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102].

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء:1].

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا۝ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ۝ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا [الأحزاب:70-72].

عباد الله، سمعنا في الخطب الماضية بعض أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام في سلمه وفي حربه، في حضره عليه الصلاة والسلام وفي سفره، وفي أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه مع الناس، وكرمه، ورحمته، وحلمه، وعفوه، صلوات الله وسلامه عليه، وشيئًا كثيرًا من ذلك.

وفي هذه الخطبة نقتصر على أخلاقٍ كريمة لصنفٍ من الناس فعله النبي عليه الصلاة والسلام معهم، أو عاملهم عليه الصلاة والسلام بهذه الأخلاق، وبعض الناس لا يعتني بهذا الصنف من البشر، ولكنه عليه الصلاة والسلام كان قدوةً للناس صلوات الله وسلامه عليه، ولنا فيه أسوةٌ.

فقد فعل ذلك ليطبق الأخلاق التي ابتعثه الله بها؛ وليكون لنا قدوةً صلوات الله وسلامه عليه.

هذا الصنف من الناس هم الأطفال والصغار، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يعاملهم معاملةً عظيمةً لا يعاملها إنسانٌ من البشر، بل ربما حاول الإنسان أو غيره ممن يدعي العلم أنه يطبق هذه الأخلاق، ولكنه لا يصل إلى ما وصل إليه النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن لنا فيه أسوةٌ صلوات الله وسلامه عليه.

ومن ذلك، من هذه الأخلاق مع الأطفال أنه عليه الصلاة والسلام كان يرحمهم صلوات الله وسلامه عليه، ويعطف عليهم، وما ذلك إلا لحسن خلقه صلوات الله وسلامه عليه.

كان النبي عليه الصلاة والسلام يُقبِّل الحسن أو يقبل الحسين، فقدم إليه رجلٌ من البادية الجفاة وقد أسلم ، ولكنه كان على شيء من الجفاء في ذلك الوقت، فقال -وهو الأقرع بن حابس-: يا رسول الله، أتقبلون صبيانكم؟! إن لي عشرةً من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: من لا يرحم لا يُرحم[45]رواه البخاري: 6013، ومسلم: 2318.، وهذا الحديث ثابت في الصحيح.

وجاء إليه عليه الصلاة والسلام رجلٌ آخر من البادية فقال: أتقبلون صبيانكم؟! فقال النبي عليه الصلاة والسلام: نعم. قال: أتقبلون صبيانكم؟! فإنا لا نقبل، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة؟[46]رواه البخاري: 5998، ومسلم: 2317.، يعني: أنا لا أملك لك الرحمة إذا نُزعت من قلبك.

والنبي عليه الصلاة والسلام كان قد جعل جانبًا عظيمًا من الرحمة صلوات الله وسلامه عليه، لكن في حدود الرحمة.

بعض الناس يطلق الرحمة حتى في المعاصي، يأتي إلى أولاده بالغناء، ويأتي لأولاده بالتمثيليات وبالأشرطة وبغير ذلك من الأشياء التي تغضب الله ، وربما يستدلُّ ويقول: هذه رحمة الأولاد. لا، هذا ليس من رحمة الأولاد، بل هذا من الإساءة إلى الأولاد وعدم الرحمة بهم؛ لأنه أتى إليهم بشيء لم يُرضِ الله الذي خلقهم.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كانت رحمته في مكانها صلوات الله وسلامه عليه.

كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس ويحمل أمامة بنت زينب بنت النبي عليه الصلاة والسلام، أي: بنت بنته صلوات الله وسلامه عليه، يحملها حينما يقوم إلى الصلاة، وحينما يسجد عليه الصلاة والسلام يضعها[47]رواه البخاري: 516، ومسلم: 543..

هذا دليلٌ على تواضعه وعلى رحمته صلوات الله وسلامه عليه، ولكن هذه الرحمة لا تؤثر في الصلاة؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان يراقب ربه وكان يعتني بصلاته صلوات الله وسلامه عليه.
أتى إليه الحسن والحسين وهو ساجد صلوات الله وسلامه عليه، فاعتليا ظهره وركبا رقبته وهو ساجد بالناس؛ فأطال السجود حتى قالت الصحابة: لقد ظننا أنه حدث أمر في الصلاة، وحينما سلم النبي عليه الصلاة والسلام سأله الناس، فبيَّن بأنه لم يحدث شيء، وإنما هذان اعتليا ظهري فكرهت أن أردهما حتى يقضيا حاجتهما[48]رواه النسائي: 1141، وأحمد: 16033، وصححه الألباني في "صفة الصلاة": ص148.)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام((لفظه: قال … Continue reading.

ولا شك أنه ساجدٌ لله ، ولكن صلوات الله وسلامه عليه فعل ذلك من باب التأسي؛ ليكون لنا قدوةً صلوات الله وسلامه عليه، لا لنصلي بالأولاد ويركبوا على رقابنا، ولكن لنعرف لهم حقهم، ونعرف أن النبي عليه الصلاة والسلام اعتنى بهم ورحمهم صلوات الله وسلامه عليه.

جاءت إليه امرأةٌ معها بنتٌ وهي من الصحابة رضي الله عنها، فقال: سَنَه سَنَه، أي: حسنة باللغة الحبشية، ثم بعد ذلك قال: أبلِي وأخلقي، ثم أبلِي وأخلقي[49]رواه البخاري: 5993.، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهذا دليل على تواضعه ورحمته صلوات الله وسلامه عليه.

وكذلك عليه الصلاة والسلام مع هذا كان يربي الأولاد على طاعة الله يأتي بكلماتٍ طيبةٍ، كلماتٍ تنفع الأطفال، كان يُسلِّم عليهم عليه الصلاة والسلام، ومن منَّا إذا مرَّ بالأولاد الصغار سلَّم عليهم: السلام عليكم؟ ربما إذا فعل ذلك بعض الناس استهزأ به بعض الناس: كيف يُسلِّم على الأطفال؟! لا، هذا من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام الكريمة التي بعثه الله بها، فقد كان عليه الصلاة والسلام يُسلِّم على الصبيان، وكان يعتني بهم صلوات الله وسلامه عليه، وكان يداعبهم صلوات الله وسلامه عليه.

من ذلك أنه عليه الصلاة والسلام قال لأخي أنس بن مالك واسمه عمير، قال: أبا عمير، ما فعل النُّغيْر؟[50]رواه البخاري: 6129، ومسلم: 2150.، عميرٌ طفلٌ صغير، كان معه طائرٌ يقال له: النُّغَيْر، ويلعب به، فطاح أو مات حينما لعب به، مات، فحينما مات صار النبي عليه الصلاة والسلام يداعبه ويقول: أبا عمير، ما فعل النُّغَيْر؟ عليه الصلاة والسلام، دليلٌ على إحسانه، وعلى تواضعه مع الأولاد صلوات الله وسلامه عليه، وهذا من الخُلُق العظيم الذي ينبغي لنا أن نقتدي به صلوات الله وسلامه عليه به، وينبغي لنا أن نقتدي به في أخلاقه كلها؛ لأنه عليه الصلاة والسلام لم يتخلَّق إلا بالأخلاق الفاضلة ومكارم الأخلاق التي بعثه الله بها، وهو رحمةٌ للعالمين.

ومن ذلك تربيته صلوات الله وسلامه عليه، فكان يربي الأولاد مع الرحمة، كان يربيهم ويتكلم بالكلمات التي تقع في قلوبهم، فحينئذٍ يوفقهم الله للعمل بها، من ذلك: أنه كان في يومٍ من الأيام راكبًا على حمار، كان النبي عليه الصلاة والسلام من تواضعه أنه يركب الحمير صلوات الله وسلامه عليه، ويركب الجمال، ويركب الخيل، ويركب البغال صلوات الله وسلامه عليه، ولم يتكبر عن شيءٍ من ذلك، فكان عليه الصلاة والسلام في يومٍ من الأيام يركب على حمار، فركب، أردف عبد الله بن عباس خلفه على الحمار، وحينما كان يسير معه في طريقه قال: يا غلام، يا غلام، إني أعلِّمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، احفظ الله تجده تجاهك، وفي رواية: تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة[51]رواه الترمذي: 2516، وأحمد: 2803، واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7957. ، ثم قال في هذا الحديث: إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لم يضروك بشيءٍ إلا قد كتبه الله عليك، وإن اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك بشيءٍ إلا قد كتبه الله لك، رُفِعَت الأقلام وجفَّت الصحف[52]تقدم تخريجه.، هذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام يخاطب مَن؟ بعض الناس لو ركب معه طفل على سيارته لقال له: أتريد بني حلاوة؟ أو تريد بيبسي؟ لا بأس في ذلك، لكنه لم يربِّه بالكلمات الطيبة، لم يعلِّمه على ما ينفعه في الدنيا والآخرة، لم يغرس الإيمان في قلبه والعقيدة الصحيحة التي يحبها الله .

ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام علَّم هذا الغلام العظيم هذه الكلمات العظيمة، أولًا علَّمه: يا غلام، احفظ الله، احفظ الله في أوامره، يحفظك في الدنيا والآخرة، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا حلَّت بك مصيبةٌ أو وقع بك بأسٌ؛ فاعلم بأن الله سيقوم معك وسيدافع عنك: إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا [الحج:38]، لكن عليك أن تحفظ الله ، احفظ الله تجده تجاهك، إذا استعنت فاستعن بالله، علَّمه على توحيد الألوهية، وإذا سألت فاسأل الله، واعلم، غرس الإيمان، وأن الضر والنفع والعطاء والمنع بيد الله في قلب هذا الطفل، واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيءٍ لا ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيءٍ لا يضروك بشيءٍ إلا قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام وجفَّت الصحف، هذه هي التربية العظيمة التي غرسها النبي عليه الصلاة والسلام في قلب هذا الرجل، وقد كان أمةً رضي الله عنه وأرضاه، كان حبر الأمة في العلم وفي التفسير وفي اللغة العربية وفي غير ذلك، وهذا هو، يعني: فضل الله يؤتيه من يشاء، ومع ذلك رباه النبي عليه الصلاة والسلام، أو قبل ذلك رباه النبي عليه الصلاة والسلام بالتربية العظيمة، وغرس الإيمان في قلبه والعقيدة الصحيحة في نفسه.

وكان عليه الصلاة والسلام في يومٍ من الأيام عنده طفل، ربيبه، ابن زوجته، كان يأكل وتطيش يده في الصحفة يمينًا وشمالًا، فقال: يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك[53]رواه البخاري: 5376، ومسلم: 2022.، يا غلام، سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك.

إذن؛ هذه تربيةٌ عظيمةٌ منه عليه الصلاة والسلام، وبعد ذلك كان هذا الغلام رضي الله عنه وأرضاه يأكل بيمينه، ويأكل مما يليه، ويسمِّي الله في أول طعامه، وكانت تربيةً من النبي عليه الصلاة والسلام وقعت في نفسه؛ فتعلم رضي الله عنه وأرضاه.

فالنبي عليه الصلاة والسلام -حينما كان عليه الصلاة والسلام رحيمًا- ذو أخلاق حميدة، كان عليه الصلاة والسلام مربِّيًا، موجِّهًا، معلِّمًا، صلوات الله وسلامه عليه؛ ولهذا من رحمته عليه الصلاة والسلام بالأولاد أنه عليه الصلاة والسلام رغَّب في رحمتهم؛ جاءت امرأةٌ إلى عائشة رضي الله عنها وأرضاها معها بنتان، فأتت إليها وسألتها طعامًا، قالت: فلم أجد إلا ثلاث تمرات، قالت: فأعطت هذه المرأة كل بنتٍ تمرة، وأبقت تمرةً لتأكلها، قالت عائشة رضي الله عنها: فأكلت الطفلتان التمرتين، ثم صارتا تسألان والدتهما، قالت رضي الله عنها: فأخذت التمرة فشقتها نصفين، وأعطت كل بنت نصف تمرة، قالت: فأعجبني أمرها؛ فرفعت ذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام؛ فبيَّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الله كتب لها بها الجنة[54]رواه مسلم: 2630.، بهذه النصف التمرة؛ فكتب الله لها بها الجنة.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: من ابتُلي منهن بشيء، أي: من البنات، فأحسن إليهن كُنَّ له سترًا من النار[55]رواه البخاري: 1418، ومسلم: 2629..

إذن؛ هذا دليل واضح، فالغالب أن بعض الناس لا يحب البنات، لا يحب إلا الذكور والبنين؛ ولهذا قال الله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [آل عمران:14].

فحينئذٍ قال النبي عليه الصلاة والسلام: من ابتُلي منهن بشيءٍ فأحسن إليهن كُنَّ له سترًا من النار.

إذن؛ هذا فضل البنات، فضل البنات على البنين، أن الإنسان إذا أحسن إليهن وأحسن تربيتهن حتى يزوجهن، زوَّجهن وهن على الستر والعفاف، كُنَّ له سترًا من النار؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يفرح بالبنت كما يفرح بالولد؛ لأنها نعمةٌ من الله ؛ ولأن هذا الفضل بيَّنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

هذا من بعض أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، وليست كلها صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن الدِّين كله من أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه، كما قالت عائشة رضي الله عنها: "كان خلق نبيكم القرآن"[56]رواه مسلم: 746..

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أتباعه الصادقين المخلصين الذين يقتدون بهديه، ويسيرون على سنته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

......... ولا عدوان إلا على الظالمين، والعاقبة للمتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

عباد الله، إن النبي عليه الصلاة والسلام هو قدوتنا، وهو أسوتنا صلوات الله وسلامه عليه، فينبغي لنا أن نرتاح، وألا، يعني: نضجر؛ لأن بعض الناس إذا تكرر الكلام في موضوعٍ واحدٍ ظنَّ بأن هذا الموضوع لم يخرج عن نفس الطريقة، فربما بعض الناس الذين لا علم عندهم ولا عقل لهم ولا فهم لهم يسمع أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام، فيقول: هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام بقيت معنا شهرًا كاملًا، يعني، وهو لا يعلم ماذا الترتيب؟ مرة في رحمته عليه الصلاة والسلام، وهذا من أخلاقه عليه الصلاة والسلام، ومرة في شجاعته، ومرة في حلمه ورفقه، ومرة في عفوه عليه الصلاة والسلام ومعاملته مع الناس، ومرة في كرمه، ومرة في معاملته مع الأولاد، وغير ذلك.

إذن؛ الموضوع له عنوان واحد: أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام الكريمة، وتتفرع هذه الأخلاق إلى أخلاقٍ كريمةٍ فاضلةٍ ينبغي لكل مسلمٍ أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام فيها، وأن يرتاح لما يسمع من أخلاق نبيه صلوات الله وسلامه عليه؛ لأن بعض علماء النفس يأمرون بالأخلاق ويظنون أنهم على طريقة سليمة، وربما أصابوا في بعض الشيء وأخطأوا في الكثير، يعني، معاملة الأولاد، ومعاملة الناس، ومعاملة...

وليس هناك أحدٌ يبلغ مبلغ النبي عليه الصلاة والسلام في الأخلاق الكريمة وفي المعاملة الفاضلة مع الناس صلوات الله وسلامه عليه، حتى مع الحيوانات، حتى مع الحيوانات، الحيوانات، عليه الصلاة والسلام، له أخلاق فاضلة معها صلوات الله وسلامه عليه، يرحمها عليه الصلاة والسلام، وربما اشتكى إليه بعض الحيوانات، وذهب إلى صاحبه وأمره ببيعه والإحسان إليه، كما يُروى ذلك أن جملًا أتى إليه وبكى، فرُوي أنه ذهب إلى صاحبه فقال: هذا الجمل، إنهم كانوا في صغري يحملون عليَّ، وحينما صرتُ كبيرًا أرادوا أن يذبحوني؛ فحينئذٍ أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالإحسان حتى إلى الحيوانات[57]بنحوه رواه أبو داود: 2549، وأحمد: 1745، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 20..

ووجد صلوات الله وسلامه عليه حمارًا قد وُسِم في وجهه بالنار، وُسِم الوسم المعروف، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لعن الله من فعل هذا[58]رواه مسلم: 2117.، ملعونٌ مطرودٌ من رحمة الله من وسم هذا الحمار، هذا دليلٌ على أنه لا يُوسم الحيوان في وجهه بالنار، وإنما يُوسم في مواضع أخرى.

والشاهد من ذلك: أن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام قد عمَّت الكبير والصغير، عمَّت الكافر والفاجر، عمَّت المسلم المخلص لله ، عمَّت الطفل وغيره، النساء، الذكور والإناث، وغير ذلك من أخلاقه صلوات الله وسلامه عليه.

من هذه الأخلاق العظيمة التي كان النبي عليه الصلاة والسلام يأمر بها ويفعلها: أنه كان يأمر بالعدل بين الأولاد، من رحمته بالأولاد كان يأمر بالعدل عليه الصلاة والسلام، وقد أتى النعمان بن بشير إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله، إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، يعني يقول: هذا الولد لي، ابني هذا نحلته، أي: أعطيته غلامًا، أي: عبدًا كان لي، أعطيته إياه عطية، وأريد أن أُشهدك يا رسول الله، قال: أكل ولدك أعطيتهم مثل هذا؟ أكل ولدك أعطيتهم مثله؟ فقال: لا يا رسول الله، فقال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم[59]رواه البخاري: 2587، ومسلم: 1623.، وردَّ هذه العطية.

وقيل: بأن هذه العطية قد أعطاه إياها، فقالت أمه، وهي عَمْرَة بنت رواحة رضي الله عنها، قالت: والله لا أرضى حتى تُشهد عليها رسول الله ، فجاء إليه وقال له الكلام، فقال: هل أعطيت كل ابنك مثل هذا؟، أو كل بنيك مثل هذا؟  فقال: لا، قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم. وفي بعض الروايات: إني لا أشهد على جور، ما أشهد على جور، اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم، وفي بعض الروايات: أتحب أن يكونوا لك في البر سواءً؟ فقال: نعم يا رسول الله، قال: فحينئذٍ قال: اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم[60]رواه مسلم: 1623، ولفظه: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذًا.؛ فينبغي العدل بين الأولاد كما وجَّه النبي عليه الصلاة والسلام ذلك صلوات الله وسلامه عليه، ينبغي ألا يُعطَى إنسان، يعني: أشياء، ويترك إنسان، لابد من التسوية بين الأولاد كما يحبه الله ، لا يعطيه عطاءً، ولا يوصي له بوصية، إلا وهم سواء، كما أرشد النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك.

فإن فعل ذلك وفضَّل بعض الأولاد على بعض في العطية، أو في الوصية، أو في الهبة، أو في غير ذلك من الأمور المادية، فحينئذٍ قد عصى الله وعصى النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أسباب العقوق له في الدنيا، ومن أسباب عقابه في الآخرة؛ لأنه خالف هدي النبي صلوات الله وسلامه عليه في هذا الأمر.

ومن رحمته بالأولاد أنه كان يأمر الناس بتربيتهم والإحسان إليهم، فكان النبي عليه الصلاة والسلام يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع[61]رواه أبوداود: 495، وأحمد: 6756، وصححه الألباني في "الإرواء": 247.، أي: حينما يبلغ الولد السابعة، سواءٌ كان ذكرًا أو أنثى، يُؤمر بالصلاة، فإذا بلغ العاشرة يُضرب إذا ترك الصلاة، وحينئذٍ يُفرَّق بينه وبين، يُفرَّق بين الأنثى والذكر، فينام الذكر في مكان، والبنت في مكان؛ توجيه من النبي عليه الصلاة والسلام، أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام، ذو الأخلاق الحميدة، صاحب الفضائل الكريمة، في هذا التوجيه عليه الصلاة والسلام.

فالمسلم عليه أن يربي أولاده على هدي النبي عليه الصلاة والسلام، يختار لهم الجليس الصالح، يلتزم أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام قدر الإمكان في تربيته، فإن قصَّر بعض الأوقات يستغفر الله ويرجع ويتوب، ويلتزم طريق النبي صلوات الله وسلامه عليه.

بعض الناس لا يعتني بأولاده، لا برحمتهم، ولا بتربيتهم، ولا بالإحسان إليهم، ولا بالعدل بينهم، ولا بتعليمهم أمور دينهم، وهذا شيء ينبغي للإنسان المسلم أن يعتني بذلك، ولا يعتني باختيارهم للجليس، فالجليس كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: مثل الجليس الصالح والجليس السوء كمثل حامل الكير، أو كمثل حامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يُحذيك، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكير إما أن تجد منه ريحًا خبيثة، وإما أن يحرق ثيابك[62]رواه البخاري: 2101، ومسلم: 2628.؛ فينبغي للإنسان المسلم أن لا يسمح لولده، ولا يسمح لأولاده أن يذهبوا مع جلساء السوء، المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل[63]رواه أبوداود: 4833، والترمذي: 2378، وأحمد: 8417، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 927.، الخليل ودينه، دين خليله، كما بيَّن النبي عليه الصلاة والسلام.

فلا تسمح لولدك أن يذهب مع جلساء السوء، ولا مع المفسدين، بل عليك أن تختار له جلساء، الجلساء الصالحين، والبيئة الصالحة، والمدرسة الصالحة، والمدرسين الطيبين على قدر الإمكان؛ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286]، عليك أن تراقب الله في تربية أولادك على الكلام الطيب، على الهدوء، على الآداب في المساجد، فإن بعض الناس يسيء إلى الناس في المساجد، يعني: يأتي إلى المسجد، وربما أتى بأولاده البنين معه إلى المسجد، وتركهم يصلون في أماكن مختلفة، وهذا لا ينبغي، ينبغي أن يصلي ولدك بجنبك أو بجانبك حتى تراقبه؛ لأنه يحتاج إلى مراقبة في صلاته، في حركاته، في عدم أذاه، حتى تكون في هذه الحالة مُرضيًا لله ، حتى تُرضي الله في أعمالك مع ولدك.

والنبي عليه الصلاة والسلام قد بيَّن أن الرجل الصالح إذا كان يربي ولده على الصلاح، ثم مات، فحينئذٍ هذا من استمداد، أو من امتداد أعماله، يموت، فإذا مات امتدت صلاته، امتد صيامه، امتدت صدقاته، امتدت أخلاقه، امتدت أعماله الصالحة، لماذا؟ لأن ولده من بعده يصلي، يصوم، يزكي، يعبد الله ، والنبي عليه الصلاة والسلام قال: من دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله[64]رواه مسلم: 1893.، فأنت الذي دللت ولدك على الخير، أنت الذي علمته على الصلاة، أنت الذي رغَّبته في الصيام، أنت الذي علمته الأخلاق الحميدة، فأنت الذي دللته على الخير، فأنت في قبرك ميت، وأعمالك تجري، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاثٍ، وذكر منها النبي عليه الصلاة والسلام: ولدًا صالحًا يدعو له[65]رواه مسلم: 1631..

فأسأل الله أن يرزقني وإياكم الأخلاق الكريمة التي تخلَّق بها النبي عليه الصلاة والسلام، وأن يرزقنا الاقتداء به صلوات الله وسلامه عليه.....

ونعوذ بالله من سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

عباد الله، اتقوا الله وراقبوه في السرِّ والعلن؛ فإن الله قد أمرنا بذلك في كتابه العزيز: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]

أيها الإخوة في الله، سمعنا في أربع خطبٍ ماضية بعضًا من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام التي تخلَّق بها صلوات الله وسلامه عليه، فإن الله بعثه ليتمم مكارم الأخلاق، كما سمعنا ذلك في حديث النبي عليه الصلاة والسلام، ومن هذه الأخلاق التي ينبغي للإنسان المسلم أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام فيها -والإنسان المسلم يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في كل شيءٍ أمر به صلوات الله وسلامه عليه، وفي كل شيءٍ نهى عنه صلوات الله وسلامه عليه، لكن سياق هذه الأخلاق كما سمعنا يستفيد الإنسان المسلم منها من عدة جوانب، من هذه الجوانب: أنه يتخذ النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً حسنةً كما سمعنا في قوله : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا [الأحزاب:21].

ومن هذه الأخلاق العظيمة: أخلاقه عليه الصلاة والسلام مع جيرانه، صلوات الله وسلامه عليه، وأخلاقه مع أصحابه وقرنائه، صلوات الله وسلامه عليه.
أما أخلاقه عليه الصلاة والسلام مع جيرانه: فقد كان عليه الصلاة والسلام من أحسن الناس خلقًا لجيرانه، صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك شواهد كثيرة بيَّنها عليه الصلاة والسلام بفعله وقوله.

أما من فعله عليه الصلاة والسلام فقد كان هناك إنسان يخدمه من اليهود، كان يخدمه، عليه الصلاة والسلام، وهو غلام يهودي، فمرض هذا الغلام وأصبح مشرفًا على الموت -في الغرغرة- مع والده، فزاره النبي عليه الصلاة والسلام، خرج من بيته وزار هذا الغلام؛ لأنه كان يخدمه؛ ولأنه من جيرانه؛ لأن حقوق الجيران معلومة، وهي أنواع ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق، وجار له حقان، وجار له حقٌّ واحد.

فالجار الذي له ثلاثة حقوق: جار، وقريب، ومسلم؛ فله حق الجوار، فله حق الإسلام أولًا، وله حق القرابة كذلك، وله حق الجوار.
وجار، يعني: مسلم فقط؛ فله حق الإسلام، وله حق الجوار.

وجار له حقٌّ واحد: جارٌ كافرٌ مشرك، له حق النصيحة، حق الدعوة، حق الإحسان، الحق الذي بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام، وحثَّ الله عليه في كتابه العزيز.

فالنبي عليه الصلاة والسلام خرج وزار هذا الجار، زاره أثناء موته، ودعاه إلى الإسلام، قال: أتُسْلِم؟  فنظر إلى أبيه، نظر إلى أبيه، أبوه يهودي، فنظر إلى أبيه، فقال أبوه، قال: "أطع أبا القاسم"، دلَّه الله على ذلك، وفقه الله لأن يقول هذا؛ رحمةً بهذا الغلام الصغير الذي كان يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله"، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام من عند هذا الرجل، وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار[66]رواه البخاري: 1356.، يحمد الله النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يقل: هذا يهودي، ولم يدعُ عليه، عليه الصلاة والسلام، وإنما دعاه عليه الصلاة والسلام ليسلم، فنظر إلى أبيه، فقال: "أطع أبا القاسم"، فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله"، فخرج النبي عليه الصلاة والسلام وهو يقول: الحمد لله الذي أنقذه من النار.

وهذا دليل على رحمة النبي عليه الصلاة والسلام لجميع الناس، سواءٌ كانوا من المسلمين أو من غيرهم، رحمته عليه الصلاة والسلام عامة، والله بيَّن بأنه ما أرسله إلا رحمةً للعالمين: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، عليه الصلاة والسلام.

ومن هذا: أنه خرج عليه الصلاة والسلام في طريقه -كما رواه الإمام أحمد في "مسنده"- فوجد في طريقه يهوديًّا، يعني: يعزِّي نفسه ويقرأ التوراة، يقرأ التوراة يعزِّي بها نفسه على غلامٍ له في سكرات الموت، فوقف النبي عليه الصلاة والسلام عند هذا اليهودي، وقال: أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تجد الله ذكر رسالتي وذكرني في هذه التوراة؟، وهو مشغول بقراءة التوراة، فقال برأسه هكذا، يعني: برأسه يقول: لا أجد ذلك؛ لأنه مشغول، مشغول يعزِّي نفسه بقراءة التوراة على ولده في سكرات الموت، فحينئذٍ سمع الغلام هذا الوالد، وسمع ما ردَّ، ورأى ما ردَّ به على النبي عليه الصلاة والسلام، فنظر إلى النبي عليه الصلاة والسلام، فقال الغلام: "أشهد بالذي أنزل التوراة على موسى بأننا قد قرأنا الإسلام، وصدَّقك بأنك نبي ورسول -عليه الصلاة والسلام- وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله".

فمات هذا الغلام حينما قال هذه الكلمات؛ لأنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام يسأل والده، يقول: أسألك بالذي أنزل التوراة على موسى، هل ذكرني الله في التوراة؟ وذكر صدقي؟ فأومأ برأسه، فشهد هذا الغلام اليهودي، ومات على ذلك؛ فأمر النبي عليه الصلاة والسلام بتكفينه والصلاة عليه[67]رواه أحمد: 23492، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3269.، صلوات الله وسلامه عليه.

هذا من برِّه وإحسانه إلى جيرانه عليه الصلاة والسلام، ومن كانوا في حوزته، أو من كان قريبًا منه من البشر، هذا من أمثلة ذلك الفعلية والقولية.

القولية كثير: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول عليه الصلاة والسلام: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه[68]رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625.، ويقول عليه الصلاة والسلام: والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: من لا يأمن جاره بوائقه[69]رواه البخاري: 6016.، عليه الصلاة والسلام، وقال: خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله تعالى خيرهم لجاره[70]رواه الترمذي: 1944، وأحمد: 6566، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3270.، عليه الصلاة والسلام.
ربَّى أصحابه على ذلك، علمهم ذلك صلوات الله وسلامه عليه في أحاديث كثيرة، ولكن هذه نماذج منها.

ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام: أخلاقه الكريمة مع جلسائه، في الحضر والسفر، في العسر وفي اليسر، عليه الصلاة والسلام، ورحمته بأصحابه، صلوات الله وسلامه عليه، ولذلك شواهد كثيرة، منها: أنه عليه الصلاة والسلام كان في سفر عليه الصلاة والسلام، وكان معه أصحابه، وقد أعيا جمل بعض أصحابه، وهو جابر ، كان عنده جمل، فأعيا وصار عليلًا، لم يلحق بالإبل، وتأخر عن القوم، فجاء إليه النبي عليه الصلاة والسلام، فسأله، فقال: "إنه عليل يا رسول الله" -عليل، يعني: مريض، هزيل- فأخذ النبي عليه الصلاة والسلام سوطًا وضربه وزجره، وفي بعض الروايات دعا له؛ فصار من أقوى الإبل قوة، يعني: من أقوى الإبل، ومن أسرع الإبل. فحينئذ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: بعنيه، يعني: هل تبيعني هذا الجمل؟ معنى حديثه عليه الصلاة والسلام، فقال: "هو لك يا رسول الله"، يعني بدون ثمن، فقال: بعنيه بأوقية، فباعه، واشترط على النبي عليه الصلاة والسلام حملانه إلى المدينة، يعني: باعه، ولكن اشترط عليه، قال: أن يحمل ما معي إلى المدينة، فوافق النبي عليه الصلاة والسلام، وذهبوا لسفرهم، ورجعوا إلى المدينة، وحينما رجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة نقده هذا الثمن، أعطاه الثمن، ثم أدبر جابر ، وناداه: قال: يا جابر، أتراني ماكستك في جملك؟ يعني: ماكستك، أي: بخستك، فقال: لا يا رسول الله، قال: هو لك، فأعطاه الجمل، وأعطاه الثمن[71]رواه البخاري: 2718، ومسلم: 715.، عليه الصلاة والسلام.

سبحان الله العظيم! مَن مِن الناس يكون مع جاره، أو يكون مع صاحبه في السفر، فيبيعه سيارة بمبلغ عظيم من أعظم السيارات؛ لأن هذا الجمل من أعظم الجمال، والجمال هي من أعظم ما يركبه الناس في عهد النبي عليه الصلاة والسلام.

فتصور بأن هناك إنسانًا مسافرًا في طريقه، وكان معه صاحب له في سفره، وكان معه سيارة تساوي، أو تعادل، أو يبلغ ثمنها مئتي ألف، مئتي ألف، بعض السيارات تباع بمئتي ألف كما هو معلوم، فاشتراها، اشترى هذه السيارة من صاحبه في السفر، رفيقه، خويه كما يقول بعض الناس في السفر، وحينما رجع إلى بلاده أعطاه مئتي ألف، ثم قال: يا أخي، أنت كنت تسافر معي في السفر، وأنا قد كاسرتك، فلك السيارة ولك الثمن، هل أحد يفعل هذا من الناس؟ ربما يفعله بعض الناس، لكن النبي عليه الصلاة والسلام هو من أحسن الناس خُلقًا، صلوات الله وسلامه عليه، فاشترى الجمل، ثم رجع إلى بلاده، وأعطاه جمله، وأعطاه الثمن، صلوات الله وسلامه عليه.

من ذلك، عليه الصلاة والسلام: أنه كان يرحم الفقراء عليه الصلاة والسلام، ويرحم الخدم عليه الصلاة والسلام كما رحم غيرهم، صلوات الله وسلامه عليه.

كان هناك امرأة سوداء، وقيل: شاب أسود، يَقُمُّ المسجد - ينظف المسجد - فمات في الليل، أو ماتت كما في الروايات، فأصبح النبي عليه الصلاة والسلام، فسأل عنها أو عنه -هكذا شك الراوي في هل هو ذكر أم أنثى؟- فقالوا: مات يا رسول الله، أو ماتت، فقال: دلوني على قبرها، أو دلوني على قبره، فدلوه على قبرها أو على قبره، فصلى عليه، عليه الصلاة والسلام، صلى على القبر؛ لأنه يجوز للإنسان أن يصلي على القبر -يعني: في حدود شهر بعد الوفاة، إن لم يصلِّ مع المصلين في صلاة الجنازة- فصلى عليه، عليه الصلاة والسلام، وقال: إن هذه القبور قد مُلِئَت ظلمةً على أصحابها، وإن الله منوِّرها بصلاتي عليهم[72]رواه البخاري: 458، ومسلم: 956، واللفظ له.، عليه الصلاة والسلام.

رحمته عليه الصلاة والسلام في الضعفاء والخدم، صلوات الله وسلامه عليه.

ومن ذلك: أن أنسًا  قال: "خدمت النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنوات، فلم يقل لي لشيء لم أفعله: لِمَ لم تفعله؟ ولا لشيءٍ فعلته: لِمَ فعلته؟"[73]رواه البخاري: 6038، ومسلم: 2309.، هذا من أخلاقه عليه الصلاة والسلام الكريمة.

النبي عليه الصلاة والسلام أعطاه الله الخلق العظيم، الخلق الكريم الذي ينبغي لكل مسلم أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام في أخلاقه وأفعاله، صلوات الله وسلامه عليه، فإذا فعل ذلك فقد سار على طريقه، وسار على نهجه، صلوات الله وسلامه عليه، وله السعادة في الدنيا والآخرة.

أسأل الله أن يوفقني وإياكم لاتباعه صلوات الله وسلامه عليه فيما يحبه الله ويرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، ولا عدوانَ إلا على الظالمين، والعاقبةُ للمتقين، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا.

عبادَ الله، إن النبي عليه الصلاة والسلام أرسله الله رحمةً للعالمين، وينبغي لكل إنسانٍ مسلم -كما سمعنا- أن يقتدي به عليه الصلاة والسلام، بعضُ الناس يقتدي باليهود، بعضُ الناس يقتدي بالنصارى، بعضُ الناس يقتدي بالمشركين، بعضُ الناس يقتدي بأهل الفسق وأهل العصيان ويترك النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يعرف أخلاقه عليه الصلاة والسلام، والإنسان كما يقال: عدوُّ ما يجهل.

فإذا جهل إنسان النبيَّ عليه الصلاة والسلام، لم يعرف أخلاقه، لم يعرف كرمه، لم يعرف إحسانه إلى جيرانه، لم يعرف عفوه، لم يعرف صفحه، لم يعرف أخلاقه الكريمة، إذن؛ هو جاهل بالنبي عليه الصلاة والسلام؛ ولهذا يُذكر -كما سمعتم- أن بعض الناس من بعض المشركين، من بعض اليهود، من بعض أعداء الدِّين، قد فاز في بعض اللعب، كما يذكر بعض الناس، وكما شاهدوا ذلك، فرأوه قد تقلد بشيءٍ في نفسه، وقد اتصف بصفة، وهي أنه قد صنع له ذيلًا من خلف ظهره من رأسه، وبعد أن انتهى هذا المهرجان، أو انتهى هذا الدور، ذهب الشباب يقلدون هذا اللاعب! لماذا؟ قالوا: لأنه بطل، يعني: فائز، يقلدون بعض الذين يفوزون في أشياء لا قيمة لها، ولا يتبعون النبي عليه الصلاة والسلام الذي فاز في كل شيء عليه الصلاة والسلام، فاز في أخلاقه -كما سمعتم- وأخلاقه كلها هي القرآن الكريم، كما بيَّن الله ذلك، بيَّنه النبي، بيَّنته عائشة رضي الله عنها شرحًا وتوضيحًا وبيانًا للقرآن الكريم: "كان خلق نبيكم القرآن"[74]رواه مسلم: 746..

ومن أخلاقه عليه الصلاة والسلام: أنه كان عليه الصلاة والسلام، يزور أصحابه، إذا مرض بعضهم زاره، فقد زار سعد بن عبادة في مرضه، قد كان اشتد عليه المرض، فزاره، وكان معه عبدالرحمن بن عوف، فوجده مغشيًّا عليه، فقال: قضى الرجل؟ قالوا: لا، فجلس عنده النبي عليه الصلاة والسلام، وبكى، فاستغرب ذلك عبدالرحمن ومن معه: تبكي يا رسول الله؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن ذرفت عيناه، يعني: ذرفت عيناه بدون كلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله لا يؤاخذ بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يرحم أو يعذب بهذا[75]رواه البخاري: 1304، ومسلم: 924.، وأشار إلى لسانه عليه الصلاة والسلام.

حينما مات ابنه إبراهيم بكى، يعني: ذرفت عيناه، وقال: تدمع العين، ويحزن القلب، وإنا لفراقك يا إبراهيم لمحزونون[76]رواه البخاري: 1303، ومسلم: 2315.، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام.

فكان يرحم أصحابه، وكان يزورهم صلوات الله وسلامه عليه، وكان يوجههم لكل خير، وكان يحسن إليهم جميعًا، خاصة الفقراء والمحتاجين والمساكين، عليه الصلاة والسلام؛ فينبغي لنا أن نتخذه قدوةً في ذلك، صلوات الله وسلامه عليه.

وفي هذا أخلاق عظيمة، أخلاق كريمة، ومن ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام كان لا ينسى أن يعظ أصحابه، ويوجههم لكل خير، ويرشدهم، لا يكفي الزيارة، أو لا تكفي الزيارة، يزور وينصح، يزور ويرشد، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن ذلك: أنه عليه الصلاة والسلام مر بالناس -كما في مسلم- في السوق، وهم في السوق، الناس، رآهم مشغولين في السوق، عليه الصلاة والسلام، فمرَّ بجَديٍ أسكَّ، يعني: صغير ميت في السوق، عليه الصلاة والسلام، أسك، يعني: أذناه صغيرتان، فأخذه عليه الصلاة والسلام، ورفعه، يعني: بمثابة أن يُحرج مَن في السوق، عليه الصلاة والسلام، لا، هذا إن صح هذا التعبير.

فرفع هذا الجدي، وقال: أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ أيكم يحب أن يكون له هذا بدرهم؟ فقالوا: يا رسول الله، إنه أسك، يكفي فيه، أو يكفي في عيبه أنه أسك، والله يا رسول الله، ما نحب أنه لنا بشيء، يعني حتى لو تعطيني إياه، تعطينا هذا الجدي بلا شيء، لم نحبه.

فقال: أيكم يحب أن يكون له، يعني مجانًا؟ فقالوا: يا رسول الله، لا نحب ذلك، أو كما قالوا ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لَلدنيا أهون على الله من هذا عليكم[77]رواه مسلم: 2957.، تذكيرٌ منه عليه الصلاة والسلام للناس حينما رآهم في شغلهم، وفي بيعهم وشرائهم، وليس معنى ذلك أنه ينهاهم عن البيع والشراء، ولكن عليه الصلاة والسلام يريد أن يذكرهم، يريد أن يذكرهم بأن الدنيا لا تساوي عند الله شيئًا، وهي أهون على الله من هذا الجدي الأسك، الذين لا يحبون أن يكون لهم بشيء.

ولهذا كان يعظ أصحابه عليه الصلاة والسلام، كما قال بعضهم رضي الله عنهم وأرضاهم: "وعظنا رسول الله موعظةً وجلت منها القلوب، ودرفت منها العيون"[78]رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وصححه الألباني في "الإرواء": 2455.، فهو عليه الصلاة والسلام كان يعظ أصحابه، ويوجههم لكل خير، ويأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، صلوات الله وسلامه عليه.

فالمسلم عليه أن يقتدي بهذا النبي العظيم، يتخذه أسوةً في أخلاقه، في معاملاته، في حركاته، في سكناته، في أموره كلها التي بيَّنها النبي عليه الصلاة والسلام، نبيٌّ كريمٌ، نبيٌّ حسن الخلق، عليه الصلاة والسلام، خلقه عظيم، أخلاقه كريمة، من اتبعه وسار على هديه واقتدى به فاز في الدنيا والآخرة، ومن اتبع غيره، سواءٌ كان من اليهود أو من النصارى أو من المشركين كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: من تشبه بقومٍ فهو منهم[79]رواه أبوداود: 4031، وأحمد: 5114، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6149.، من اتبع غيره خسر في الدنيا والآخرة، وضل مسعاه، وحينئذ لا يكون من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام السائرين على طريقته، صلوات الله وسلامه عليه، أتباعه صلوات الله وسلامه عليه يقتدون به بأفعالهم وحركاتهم، وفي أعمالهم كلها، أما بعض الناس في هذه الأزمان؛ فإنهم قد قلدوا اليهود والنصارى والمشركين والمجوس، ولم يمتثلوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، رباهم وحذرهم من هذا كثيرًا عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام: نهى عن التشبه باليهود، قال: أعفوا اللحى، أرخوا اللحى، وحفوا الشوارب، خالفوا المشركين، خالفوا المجوس[80]رواه البخاري: 5892، ومسلم: 259-260، واللفظ له.، وحينئذ بعض الناس لا يزال على هذه الطريقة؛ لأنه معجب بأخلاقهم، معجب بمعاملاتهم، ولم يعجب، ولم يعتز، ولم يفتخر بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.

فالمسلم عليه أن يتقي الله ، أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام في جميع سلوكه، وفي جميع أخلاقه، والنبي عليه الصلاة والسلام له أخلاق عظيمة لا تعد ولا تحصر، ولا يحاط بها، وإنما خلقه كما بيَّنه النبي عليه الصلاة والسلام القرآن[81]قالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، رواه مسلم: 746.، والقرآن اشتمل على خيري الدنيا والآخرة، على سعادة الدنيا والآخرة، فمن أخذ بالقرآن فقد أخذ بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام باطنًا وظاهرًا، ومن أعرض عن القرآن فقد أعرض عن أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام باطنًا وظاهرًا، وله الذل، وله الهوان؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح، بيَّن عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، قال: بُعثتُ بالسيف بين يدي الساعة، وجُعل الذل والصغار على من خالف أمري[82]رواه أحمد: 5667، والبخاري معلقًا قبل حديث: 2914، وصححه الألباني في "الإرواء": 1269.، بالسيف، ومن خالف أمر النبي عليه الصلاة والسلام قد جعل الله له الذل والصغار، على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم.

نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم وسائر المسلمين من أتباعه الصادقين الملتزمين بأخلاقه وبهديه صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن هذا هو الفوز العظيم، وهذا هو الربح الكبير الذي ينبغي للمسلم أن يسارع فيه وينافس فيه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

ثم إن خير الخلق نبينا محمد ، قد أمرنا الله تبارك وتعالى بالصلاة عليه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56].

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمدٍ ، وارضَ اللهم عن أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعليٍّ وعن سائر الصحابة أجمعين.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداءك أعداء الدِّين، اللهم آمنا في أوطاننا، وأصلح ولاة أمورنا، واجعل ولاة أمورنا ممن خافك واتقاك واتبع رضاك، برحمتك يا أرحم الراحمين.

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا، واجعل الحياة زيادةً لنا في كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

عباد الله، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل:90]، فاذكروا الله العظيم يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

^1, ^13 بنحوه رواه مسلم: 746.
^2 هذا اللفظ رواه البزار: 8949، والبيهقي في "السنن الكبرى": 20819.
^3 رواه أحمد: 8952، والبخاري في "الأدب المفرد": 273، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 2349.
^4 رواه مسلم: 771.
^5 رواه أبوداود: 4798، وأحمد: 25537، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 795.
^6 رواه أحمد: 9675، والبخاري في "الأدب المفرد": 119، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 190.
^7, ^52 تقدم تخريجه.
^8 رواه الترمذي: 1162، وأحمد: 10106، وروى شطره الأول أبو داود: 4682، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 1923.
^9 رواه أبو داود: 4799، الترمذي: 2002، وأحمد: 27496، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 5390.
^10 رواه الترمذي: 2004، وابن ماجه: 4246، وأحمد: 9696، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 977.
^11 رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وحسنه محققو المسند.
^12 رواه الترمذي: 1987، وأحمد: 21354، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 97.
^14 رواه البخاري: 4372، ومسلم: 1764.
^15 انظر: الإصابة في تمييز الصحابة ١/ ٢٠٣.
^16 رواه بنحوه البخاري: 6088، ومسلم: 1057.
^17 رواه البخاري: 4139، ومسلم: 843.
^18 رواه أحمد: 14929، وأبو يعلى: 1778.
^19 انظر "فتح الباري":7/ 428.
^20 رواه الترمذي: 3615، وابن ماجه: 4308، وأحمد: 10987، وصححه محققو المسند، وشطره الأول رواه مسلم: 2278.
^21 رواه الترمذي: 2018، وأحمد: 17743، عن عدد من الصحابة ، وحسنه محققو المسند.
^22 رواه أبوداود: 4800، والطبراني في "الكبير": 8/ 98 برقم 7488، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع":  1464.
^23 هذا الحديث تتمة الحديث السابق.
^24 رواه مسلم: 2553.
^25 رواه أبوداود: 4777، والترمذي: 2021،  وابن ماجه: 4186، وحسنه الألباني في "صحيح الجامع": 6522.
^26 رواه البخاري: 6059، ومسلم: 1062.
^27, ^28 رواه البخاري: 3477، ومسلم: 1792.
^29 رواه البخاري: 3231، ومسلم: 1795.
^30 وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه.
^31 رواه البخاري: 4351، ومسلم: 1064.
^32 رواه ابن المنذر في "الأوسط": 8103، والحاكم: 6728.
^33 رواه مسلم: 537.
^34 رواه البخاري: 6010.
^35 رواه البخاري: 220.
^36 لم أجدها.
^37 رواه البخاري: 4392، ومسلم: 2524، دون قوله: مسلمين.
^38 رواه أحمد: 22211، والطبراني في "المعجم الكبير": 8/ 183 برقم 7759، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 370.
^39 رواه مسلم: 2594، وليس هذا جوابه عليها عليه الصلاة والسلام، وسيأتي جوابه عليها في الفقرة التالية.
^40 رواه البخاري: 6024، مسلم: 2165، ولفظه: فقالت عائشة: بل عليكم السام واللعنة، فقال رسول الله : يا عائشة «إن الله يحب الرفق في الأمر كله» قالت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: «قد قلت وعليكم».
^41 رواه مسلم: 2592.
^42 رواه البخاري: 6788، ومسلم: 1688.
^43 رواه الطبراني في "الأوسط": 2284، والدارقطني: 3467، والصواب وقفه؛ كما رواه مالك في "الموطأ": 2/ 835.
^44 رواه مسلم: 2312.
^45 رواه البخاري: 6013، ومسلم: 2318.
^46 رواه البخاري: 5998، ومسلم: 2317.
^47 رواه البخاري: 516، ومسلم: 543.
^48 رواه النسائي: 1141، وأحمد: 16033، وصححه الألباني في "صفة الصلاة": ص148.)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام((لفظه: قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدت بين ظهراني صلاتك هذه سجدة قد أطلتها؛ فظننا أنه قد حدث أمر، أو أنه يوحى إليك، قال: فكل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني؛ فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته.
^49 رواه البخاري: 5993.
^50 رواه البخاري: 6129، ومسلم: 2150.
^51 رواه الترمذي: 2516، وأحمد: 2803، واللفظ له، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 7957.
^53 رواه البخاري: 5376، ومسلم: 2022.
^54 رواه مسلم: 2630.
^55 رواه البخاري: 1418، ومسلم: 2629.
^56, ^74 رواه مسلم: 746.
^57 بنحوه رواه أبو داود: 2549، وأحمد: 1745، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 20.
^58 رواه مسلم: 2117.
^59 رواه البخاري: 2587، ومسلم: 1623.
^60 رواه مسلم: 1623، ولفظه: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذًا.
^61 رواه أبوداود: 495، وأحمد: 6756، وصححه الألباني في "الإرواء": 247.
^62 رواه البخاري: 2101، ومسلم: 2628.
^63 رواه أبوداود: 4833، والترمذي: 2378، وأحمد: 8417، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 927.
^64 رواه مسلم: 1893.
^65 رواه مسلم: 1631.
^66 رواه البخاري: 1356.
^67 رواه أحمد: 23492، وحسنه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 3269.
^68 رواه البخاري: 6015، ومسلم: 2625.
^69 رواه البخاري: 6016.
^70 رواه الترمذي: 1944، وأحمد: 6566، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 3270.
^71 رواه البخاري: 2718، ومسلم: 715.
^72 رواه البخاري: 458، ومسلم: 956، واللفظ له.
^73 رواه البخاري: 6038، ومسلم: 2309.
^75 رواه البخاري: 1304، ومسلم: 924.
^76 رواه البخاري: 1303، ومسلم: 2315.
^77 رواه مسلم: 2957.
^78 رواه أبو داود: 4607، والترمذي: 2676، وابن ماجه: 42، وصححه الألباني في "الإرواء": 2455.
^79 رواه أبوداود: 4031، وأحمد: 5114، وصححه الألباني في "صحيح الجامع": 6149.
^80 رواه البخاري: 5892، ومسلم: 259-260، واللفظ له.
^81 قالته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، رواه مسلم: 746.
^82 رواه أحمد: 5667، والبخاري معلقًا قبل حديث: 2914، وصححه الألباني في "الإرواء": 1269.