إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [1][آل عمران:190- 200]، رواه البخاري: 4569، ومسلم: 256..
| ^1 | [آل عمران:190- 200]، رواه البخاري: 4569، ومسلم: 256. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الآيات الكريمات والحديث:
- قوله: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: أي: إيجادهما من العدم، وقال ابن كثير: «تِلْكَ فِي لَطَافَتِهَا، وارْتِفَاعِهَا وَاتِّسَاعِهَا، وَكَوَاكِبِهَا السَّيَّارَةِ، وَالثَّوَابِتِ، وَدَوْرَانِ فَلَكِهَا، وَهَذِهِ الْأَرْضُ فِي كَثَافَتِهَا، وَانْخِفَاضِهَا، وَجِبَالِهَا، وَبِحَارِهَا، وَقَفَارِهَا، وَوِهَادها، وعُمْرانها، وَمَا فِيهَا مِنَ الْمَنَافِعِ»[1]تفسير ابن كثير، 1/ 474..
- قوله: وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ: تعاقب الليل بظلامه والنهار بنوره، قال ابن كثير رحمه الله: «أَيْ: تَعَاقُبُهُمَا، وتَقَارضهما الطُّولَ وَالْقِصَرَ، فَتَارَةً يطُول هَذَا، وَيَقْصُرُ هَذَا، ثُمَّ يَعْتَدِلَانِ، ثُمَّ يَأْخُذُ هَذَا مِنْ هَذَا، فَيَطُولُ الَّذِي كَانَ قَصِيرًا، وَيَقْصُرُ الَّذِي كَانَ طَوِيلًا»[2]تفسير ابن كثير، 2/ 184..
- قوله: لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ أي: دلائل واضحة على قدرة اللَّه يفهمها أصحاب العقول، قال ابن كثير رحمه الله: لِأُولِي الْأَلْبَابِ: أَيِ: الْعُقُولِ التَّامَّةِ الذَّكِيَّةِ الَّتِي تُدْرِكُ الْأَشْيَاءَ بِحَقَائِقِهَا عَلَى جَلِيَّاتِهَا، وَلَيْسُوا كَالصُّمِّ البُكْم الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ»[3]تفسير ابن كثير، 3/ 184..
- قوله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ: يدخل في ذلك الصلاة قائمًا فإن لم يستطع فقاعدًا فإن لم يستطع فعلى جنب[4]انظر: تفسير السعدي: ص161..
- قوله: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «أي: ليستدلوا بها على المقصود منها، ودلّ هذا على أن التفكر عبادة من صفات أولياء اللَّه العارفين، فإذا تفكروا بها، عرفوا أن اللَّه لم يخلقها عبثًا»[5]تفسير السعدي، ص161..
- قوله: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «عن كل ما لا يليق بجلالك، بل خلقتها بالحق وللحق، مشتملة على الحق»[6]تفسير السعدي، ص161..
- قوله: فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «بأن تعصمنا من السيئات، وتوفقنا للأعمال الصالحات، لننال بذلك النجاة من النار، ويتضمن ذلك سؤال الجنة؛ لأنهم إذا وقاهم اللَّه عذاب النار حصلت لهم الجنة، ولكن لما قام الخوف بقلوبهم، دعوا اللَّه بأهم الأمور عندهم»[7]تفسير السعدي، ص161..
- قوله: رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ أي: فضحته وأشقيته، وقال ابن كثير رحمه الله: «أَيْ: أَهَنْتَهُ، وَأَظْهَرْتَ خِزْيَهُ لِأَهْلِ الْجَمْعِ»[8]تفسير ابن كثير، 2/ 184..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «أي: لحصوله على السخط من اللَّه، ومن ملائكته، وأوليائه، ووقوع الفضيحة التي لا نجاة منها، ولا منقذ منها». - قوله: وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ: قال السعدي رحمه الله: «ينقذونهم من عذابه، وفيه دلالة على أنهم دخلوها بظلمهم»[9]تفسير السعدي، ص161..
- قوله: رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ: هو محمد يدعو الناس للقرآن، قال السعدي رحمه الله: «وهو محمد ، أي: يدعو الناس إليه، ويرغبهم فيه، في أصوله وفروعه»[10]انظر: تفسير السعدي، ص161..
- قوله: أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا: قال السعدي رحمه الله: «أي: أجبناه مبادرة، وسارعنا إليه، وفي هذا إخبار منهم بمنة اللَّه عليهم، وتبجح بنعمته، وتوسل إليه بذلك، أن يغفر ذنوبهم، ويكفر سيئاتهم؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات، والذي من عليهم بالإيمان، سيمنّ عليهم بالأمان التام»[11]تفسير السعدي، ص161..
- قوله: رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا: أي: استرها وامحها بفضلك، وقال القرطبي رحمه الله: «تَأْكِيدٌ، وَمُبَالَغَةٌ فِي الدُّعَاءِ، وَمَعْنَى اللَّفْظَيْنِ وَاحِدٌ، فَإِنَّ الْغَفْرَ وَالْكَفْرَ: السَّتْرُ»[12]تفسير القرطبي، 4/ 317..
- قوله: وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ: الأبرار: هم المتمسكون بالشريعة: قولًا، وعملًا، واعتقادًا، وقال السعدي رحمه الله: «الأبْرَارِ: وهم الذين برت قلوبهم بما فيها من محبة اللَّه ومعرفته، والأخلاق الجميلة، فبرت جوارحهم، واستعملوها بأعمال البر»[13]تفسير السعدي، ص 90..
وقال السعدي رحمه الله أيضًا: «وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ: يتضمن هذا الدعاء التوفيق لفعل الخير، وترك الشر، الذي به يكون العبد من الأبرار، والاستمرار عليه، والثبات إلى الممات»[14]تفسير السعدي، ص161.. - قوله: رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ أي: من النصر والتأييد والتمكين، قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فهذا طلب للخير المعدوم أن يؤتيهم إياه»[15]تفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزية، ص612..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «ولما ذكروا توفيق الله إياهم للإيمان، وتوسلهم به إلى تمام النعمة، سألوه الثواب على ذلك، وأن ينجز لهم ما وعدهم به على ألسنة رسله من النصر، والظهور في الدنيا، ومن الفوز برضوان الله وجنته في الآخرة، فإنه تعالى لا يخلف الميعاد»[16]تفسير السعدي، ص161.. - قوله: وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «فهذا طلب أن لا يوقع بهم الشر المعدوم، وهو خزي يوم القيامة»[17]تفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزية، ص612..
- قوله: إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «فأجاب اللَّه دعاءهم، وقبل تضرعهم»[18]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى: قال السعدي رحمه الله: «أي: أجاب اللَّه دعاءهم، دعاء العبادة، ودعاء الطلب، وقال: إني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى، فالجميع سيلقون ثواب أعمالهم كاملًا موفرًا»[19]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ: قال السعدي رحمه الله: «أي: كلكم على حد سواء في الثواب والعقاب»[20]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا: أي: تركوا الديار والأموال فرارًا بدينهم، وقال السعدي رحمه الله: «فجمعوا بين الإيمان، والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان، والأموال، طلبًا لمرضاة ربهم وجاهدوا في سبيل اللَّه»[21]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الذي يعطي عبده الثواب الجزيل على العمل القليل»[22]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ قال السعدي رحمه الله: «مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فمن أراد ذلك، فليطلبه من اللَّه بطاعته، والتقرب إليه، بما يقدر عليه العبد»[23]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ أي: تصرفهم فيها بالتجارة، والزراعة، وغير ذلك، وقال السعدي رحمه الله: «هذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات، والمكاسب، واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات»[24]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «فإن هذا كله متاع قليل: ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه»[25]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ، قال السعدي رحمه الله: «أما المتقون لربهم، المؤمنون به، فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا، فلو قدر أنهم في دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس، وشدة، وعناء، ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور، والحبور، والبهجة نزرًا يسيرًا، ومنحة في صورة محنة؛ ولهذا قال تعالى: وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من بره أجرًا عظيمًا، وعطاء جسيمًا، وفوزًا دائمًا»[26]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ: القرآن والسنة، وقال ابن كثير رحمه الله: «يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ حَقَّ الْإِيمَانِ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ»[27]تفسير ابن كثير، 2/ 193..
وقال الشوكاني رحمه الله: «يجمعون بين الإيمان باللَّه، وبما أنزل اللَّه على نبينا محمد وما أنزله على أنبيائهم»[28]تفسير فتح القدير، 1/ 414..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون باللَّه، ويؤمنون بما أنزل إليكم، وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب، ويكفر ببعض»[29]تفسير السعدي، ص162.. - قوله: وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ: التوراة والإنجيل قبل التحريف، وقال ابن كثير رحمه الله: «يُؤْمِنُونَ بِهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُتَقَدِّمَةِ»[30]تفسير ابن كثير، 2/ 193..
- قوله: خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ: قال العلامة السعدي رحمه الله: «ولهذا -لما كان إيمانهم عامًّا حقيقيًّا- صار نافعًا، فأحدث لهم خشية اللَّه، وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده، وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [فاطر:28]، ومن تمام خشيتهم للَّه، أنهم لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل اللَّه، ويشترون به ثمنًا قليلًا، وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو: أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه، ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم اللَّه على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل، والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطئون ما وعدهم اللَّه، لأن ما هو آت محقق حصوله، فهو قريب»[31]تفسير السعدي، ص162..
- قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا: احبسوا أنفسكم على الطاعة، وقال ابن كثير رحمه الله: «أُمِرُوا أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى دِينِهِمُ الَّذِي ارْتَضَاهُ اللَّهُ لَهُمْ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ، فَلَا يَدَعُوهُ لِسَرَّاءَ، وَلَا لضرّاءَ، وَلَا لشِدَّة، وَلَا لرِخَاء، حَتَّى يَمُوتُوا مُسْلِمِينَ»[32]تفسير ابن كثير، 2/ 195..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح -وهو: الفوز والسعادة والنجاح-، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك»[33]تفسير السعدي، ص162.. - قوله: وَصَابِرُوا: اثبتوا أمام العدو، وقال ابن كثير رحمه الله: «وَأَنْ يُصَابِرُوا الْأَعْدَاءَ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ دِينَهُمْ»[34]تفسير ابن كثير: 2/ 195..
وقال السعدي رحمه الله: «والمصابرة: أي: الملازمة، والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال»[35]تفسير السعدي، ص162.. - قوله: وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ: أي: الزموا الثغور منعًا للعدو من التسرب لديار المسلمين، ويدخل في ذلك انتظار الصلاة بعد الصلاة، وَاتَّقُوا اللَّهَ: قال ابن كثير رحمه الله: «أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ وَأَحْوَالِكُمْ»[36]تفسير ابن كثير، 2/ 203..
وقال ابن كثير رحمه الله أيضًا: «الْمُرَادُ بِالْمُرَابَطَةِ هَاهُنَا مُرَابَطَةُ الْغَزْوِ فِي نُحور الْعَدُوِّ، وَحِفْظُ ثُغور الْإِسْلَامِ وَصِيَانَتُهَا عَنْ دُخُولِ الْأَعْدَاءِ إِلَى حَوْزَة بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ»[37]تفسير ابن كثير، 2/ 197..
وقال العلامة السعدي رحمه الله: «والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا أعداءهم، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك، فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدًا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها». - قوله: «شن معلقة»: الشَّنّ القِربَة الَّتِي تَبَدَّت لِلبَلاءِ، ولِذَلِكَ قالَ فِي هَذِهِ الرِّوايَةِ «مُعَلَّقَة»، فَأَنَّثَ لإِرادَةِ القِربَة[38]فتح الباري، 1/ 288..
- قوله: «سواك» -بالكسر-، والمسواك ما تُدلك به الأسنان من العيدان، يقال ساك فاه يسوكه، إذا دلكه بالسوك، فإذا لم تذكر الفم قلت استاك، وتسوّك[39]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 424، مادة (سوك)..
- قوله: «يفتلها»: أَخَذَ بِأُذُنِهِ أَوَّلًا لإِدارَتِهِ مِنَ الجانِبِ الأَيْسَرِ إِلَى الجانِبِ الأَيمَنِ ، وذَلِكَ مِن مَصلَحَة الصَّلاة. ثُمَّ أَخَذَ بِها أَيضًا لِتَأنِيسِهِ لِكَونِ ذَلِكَ لَيلًا كَما تَقَدَّمَ تَقرِيره في أَبوابِ الصُّفُوفِ[40]فتح الباري، 3/ 72..
- قوله: «فاستنّ»: يَستَنُّ بِفَتحِ أَوَّله، وسُكُونِ المُهمَلَةِ، وفَتحِ المُثَنّاة وتَشدِيدِ النُّونِ مِنَ السِّنِّ بِالكَسرِ أَو الفَتحِ إِمّا لأَنَّ السِّواكَ يَمُرُّ عَلَى الأسنانِ أَو لأَنَّهُ يَسُنُّها أَي يُحَدِّدُها[41]فتح الباري، 1/ 355..
- قوله: «فخرج فنظر إلى السماء»، أي: عندما يستيقظ في الليل يفعل ذلك؛ ولهذا علق الإمام النووي رحمه الله على هذه الجملة: «يُسْتَحَبّ قِرَاءَتهَا أي: آيات آل عمران عِنْد الِاسْتِيقَاظ فِي اللَّيْل مَعَ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاء لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ عَظِيم التَّدَبُّر، وَإِذَا تَكَرَّرَ نَوْمه وَاسْتِيقَاظه وَخُرُوجه اسْتُحِبَّ تَكْرِيره قِرَاءَة هَذِهِ الْآيَاتِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيث. وَاللَّه أَعْلَم»[42]شرح النووي على صحيح مسلم، 3/ 145..
ما يستفاد من الحديث والآيات:
- قال العلامة السعدي رحمه الله: في هذه «الآيات العجيبة ما يبهر الناظرين، ويقنع المتفكرين، ويجذب أفئدة الصادقين، وينبه العقول النيرة على جميع المطالب الإلهية، فأما تفصيل ما اشتملت عليه، فلا يمكن لمخلوق أن يحصره، ويحيط ببعضه، وفي الجملة فما فيها من العظمة والسعة، وانتظام السير والحركة، يدل على عظمة خالقها، وعظمة سلطانه وشمول قدرته، وما فيها من الإحكام والإتقان، وبديع الصنع، ولطائف الفعل، يدل على حكمة الله ووضعه الأشياء مواضعها، وسعة علمه، وما فيها من المنافع للخلق، يدل على سعة رحمة الله، وعموم فضله، وشمول بره، ووجوب شكره»[43]تفسير السعدي، ص161..
- مشروعية رفع البصر إلى السماء، وقراءة هذه الآيات عند الاستيقاظ من النوم للتهجد في آخر الليل.
- مشروعية التوسل إلى اللَّه بالإيمان والعمل الصالح.
- المساواة بين المؤمن والمؤمنة في العمل والجزاء.
- استحباب طلب الوفاة بين الأبرار والصدق في طلب ذلك.
- بسط الدنيا للكفار ليس دليلًا على محبة اللَّه لهم؛ لأن اللَّه يعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب ولكنه لا يعطي الدين إلا لمن أحب.
- شرف مؤمني أهل الكتاب وبشارة القرآن لهم بالجنة وعلى رأسهم عبداللَّه بن سلام والنجاشي[44]انظر: تفسير الجزائري، ص274..
- جواز نوم الرجل مع امرأته من غير مواقعة بحضرة بعض محارمها وإن كان مميزًا[45]قال النووي: «قال القاضي: وجاء في بعض روايات الحديث أن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة في ليلة كانت فيها … Continue reading.
- استحباب مسح أثر النوم من الوجه باليد وأن هذا من السنة.
- جواز قراءة القرآن للمحدث الحدث الأصغر؛ لأن النبي قرأ قبل الوضوء[46]انظر: المصدر السابق، صحيح مسلم بشرح النووي، 4/ 68..
- مما حث عليه رسول اللَّه حال استيقاظ المسلم من نومه بعد ذكر اللَّه الوضوء والصلاة، وذلك لحديث: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر اللَّه انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان[47]البخاري، أبواب التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل، برقم 1142، واللفظ له، ومسلم، كتاب … Continue reading.
- ويستحب الاستنثار ثلاث مرات لحديث: إذا استيقظ أحدكم من منامه، فتوضأ فليستنثر ثلاثًا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه[48]الخيشوم هو الأنف وقيل: المنخر.[49]البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم 3295، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار … Continue reading.
- اعلم أن المستيقظ بالليل على حالين:
- أحدهما: من لا ينام بعده. وهذا يستحب له قول: الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور[50]البخاري، برقم 6312، وتقدم تخريجه في حديث المتن رقم 1.، وكذلك: الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد علي روحي، وأذن لي بذكره[51]الترمذي، برقم 3401، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، 3/ 144، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 3..
- والثاني: من يريد النوم بعده كأن يتقلب في فراشه أو يتعار من الليل فهذا يسن له قول: لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له... إلى آخره[52]البخاري، برقم 1154، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 2، وانظر: كتاب الأذكار للإمام النووي، ص137..
- الخروج من البيت، والنظر إلى السماء بعد الاستيقاظ من النوم ليلًا، وقراءة أواخر سورة آل عمران سُنّة مهجورة؛ حيث أشار الإمام النووي رحمه الله إلى استحباب قراءة آيات آل عمران، مع النظر إلى السماء بعد الاستيقاظ[53]انظر: ما سبق نقله في شرح مفردات هذا الحديث: آخر مفردة رقم 25 عن الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، 3/ 145..
| ^1 | تفسير ابن كثير، 1/ 474. |
|---|---|
| ^2, ^8 | تفسير ابن كثير، 2/ 184. |
| ^3 | تفسير ابن كثير، 3/ 184. |
| ^4 | انظر: تفسير السعدي: ص161. |
| ^5, ^6, ^7, ^9, ^11, ^14, ^16, ^43 | تفسير السعدي، ص161. |
| ^10 | انظر: تفسير السعدي، ص161. |
| ^12 | تفسير القرطبي، 4/ 317. |
| ^13 | تفسير السعدي، ص 90. |
| ^15, ^17 | تفسير القرآن الكريم لابن قيم الجوزية، ص612. |
| ^18, ^19, ^20, ^21, ^22, ^23, ^24, ^25, ^26, ^29, ^31, ^33, ^35 | تفسير السعدي، ص162. |
| ^27, ^30 | تفسير ابن كثير، 2/ 193. |
| ^28 | تفسير فتح القدير، 1/ 414. |
| ^32 | تفسير ابن كثير، 2/ 195. |
| ^34 | تفسير ابن كثير: 2/ 195. |
| ^36 | تفسير ابن كثير، 2/ 203. |
| ^37 | تفسير ابن كثير، 2/ 197. |
| ^38 | فتح الباري، 1/ 288. |
| ^39 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 424، مادة (سوك). |
| ^40 | فتح الباري، 3/ 72. |
| ^41 | فتح الباري، 1/ 355. |
| ^42 | شرح النووي على صحيح مسلم، 3/ 145. |
| ^44 | انظر: تفسير الجزائري، ص274. |
| ^45 | قال النووي: «قال القاضي: وجاء في بعض روايات الحديث أن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة في ليلة كانت فيها حائضًا وهذه الكلمة وإن لم تصح إلا أنها حسنة المعنى جدًّا إذ لم يكن لابن عباس أن يطلب المبيت في ليلة للنبي فيها حاجة لأهله، ولا أن يرسله أبوه إلا إذا علم عدم حاجه النبي لأهله في هذه الليلة، انظر: شرح النووي، 6/ 298. |
| ^46 | انظر: المصدر السابق، صحيح مسلم بشرح النووي، 4/ 68. |
| ^47 | البخاري، أبواب التهجد، باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل، برقم 1142، واللفظ له، ومسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، برقم 776. |
| ^48 | الخيشوم هو الأنف وقيل: المنخر. |
| ^49 | البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، برقم 3295، ومسلم، كتاب الطهارة، باب الإيتار في الاستنثار والاستجمار، برقم 238. |
| ^50 | البخاري، برقم 6312، وتقدم تخريجه في حديث المتن رقم 1. |
| ^51 | الترمذي، برقم 3401، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، 3/ 144، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 3. |
| ^52 | البخاري، برقم 1154، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن رقم 2، وانظر: كتاب الأذكار للإمام النووي، ص137. |
| ^53 | انظر: ما سبق نقله في شرح مفردات هذا الحديث: آخر مفردة رقم 25 عن الإمام النووي في شرح صحيح مسلم، 3/ 145. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط