تخطى إلى المحتوى

186- إني صائمٌ

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 243

إني صائمٌ، إني صائمٌ[1]رواه البخاري: 1894، ومسلم: 1151..

^1 رواه البخاري: 1894، ومسلم: 1151.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: الصوم: قال ابن عبدالبر رحمه الله: «الْإِمْسَاكُ مُطْلَقًا، وَكُلُّ مَنْ أَمْسَكَ عَنْ شَيْءٍ فَهُوَ صَائِمٌ عَنْهُ»[1]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 19/ 53.، والمقصود بالصيام شرعًا: الإمساك عن جميع المفطرات ابتغاء وجه اللَّه تعالى، من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس.
  2. قوله: إِنِّي صَائِمٌ: قال أبو بكر ابن العربي رحمه الله: «فيه وجهان من التَّأوِيل: أحدهما: أنّ تقول ذلك في نَفسِكَ، فلا تجاوبه بشَتْمٍ ولا غيره. الثّاني: أنّ تقولها مجاوبًا له: إنِّي صائمٌ فلا أُجَاوِبُكَ، والأوّلُ أوْلَى لنَفْيِ الرِّيَاءِ»[2]المسالك في شرح موطأ مالك، 4/ 237..
  3. وَقَوْلُهُ: جُنَّةٌ: قال ابن عبدالبر رحمه الله: «فَهِيَ الْوِقَايَةُ وَالسِّتْرُ عَنِ النَّارِ، وَحَسْبُكَ بِهَذَا فَضْلًا لِلصَّائِمِ»[3]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 244..
  4. قوله: فلا يرفث: أي: لا يتكلم بكلام فاحش.
    قال القاضي عياض رحمه الله: «الرفث: السخف والفحش من الكلام، والجهل مثله»[4]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 4/ 109..
    وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «فَالرَّفَثُ هُنَا: الْكَلَامُ الْقَبِيحُ، وَالشَّتْمُ، وَالْخَنَا، وَالْغَيْبَةُ، وَالْجَفَاءُ، وَأَنْ تُغْضِبَ صَاحِبَكَ بِمَا يَسُوؤُهُ، وَالْمِرَاءُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ كُلِّهِ»[5]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 244..
  5. قوله: لا يجهل، أي: لا يفعل أفعال أهل الجهل كالصياح والسفه ونحو ذلك. قال ابن عبدالبر رحمه الله: «لَا يَجْهَلْ: قَرِيبٌ مِمَّا يُصِيبُنَا مِنَ الشَّتْمِ وَالسِّبَابِ وَالْقِبَاحِ»[6]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 244..
  6. قوله: فإن امرؤٌ شاتمه: أي: سبه[7]انظر: فتح الباري، 4/ 105.. قال الإمام النووي رحمه الله: «قيل: إنه يقول بلسانه ويُسمع الذي شاتمه؛ لعلّه ينزجر، وقيل: يقوله بقلبه؛ لينكفّ عن المسافهة ويحافظ على صيانة صومه، والأوّل أظهر. ومعنى شاتمه: شتمه متعرضًا لمشاتمته، واللّه أعلم»[8]الأذكار النووية للإمام النووي، 1/ 238..
  7. قوله: أو قاتله: نازعه أو دافعه[9]شرح صحيح مسلم للنووي، 8/ 270.، وقال القاضي عياض رحمه الله: «قاتله: أي: دافعه ونازعه، وتكون بمعنى شاتمهُ ولاعنه، وقد جاء القتل بمعنى اللعن»[10]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 4/ 109..
    وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «وَأَمَّا قَوْلُهُ: فَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقُولَ للَّذِي يُرِيدُ مُشَاتَمَتَهُ وَمُقَاتَلَتَهُ: إِنِّي صَائِمٌ، وَصَوْمِي يَمْنَعُنِي مِنْ مُجَاوَبَتِكَ؛ لِأَنِّي أَصُونُ صَوْمِي عَنِ الْخَنَا وَالزُّورِ، وَالْمَعْنَى فِي الْمُقَاتَلَةِ: مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ... الْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ الصَّائِمَ يَقُولُ فِي نَفْسِهِ: إِنِّي صَائِمٌ يَا نَفْسِي، فَلَا سَبِيلَ إِلَى شِفَاءِ غَيْظِكِ بِالْمُشَاتَمَةِ، وَلَا يُعْلِنُ بِقَوْلِهِ: إِنِّي صَائِمٌ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الرِّيَاءِ وَاطِّلَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي لَا يَظْهَرُ، وَكَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الصَّائِمَ أَجْرَهُ بِغَيْرِ حساب»[11]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 246..
  8. قوله: يصخب: «الصخب: الضجة والجلبة»[12]جامع الأصول، 9/ 453..
  9. قوله: الصوم لي وأنا أجزي به: إنما خص الصوم والجزاء عليه بنفسه ، وإن كانت العبادات كلها له. قال ابن الأثير رحمه الله: «وجزاؤها منه؛ لأن جميع العبادات التي يتقرب بها العباد إلى اللَّه ، من: صلاة، وحج، وصدقة، وتبتل، واعتكاف، ودعاء، وقربان وهدي، وغير ذلك من أنواع العبادات، قد عبد المشركون بها آلهتهم وما كانوا يتخذونه من دون اللَّه أندادًا، ولم يُسمَع أن طائفة من طوائف المشركين وفي الأزمان المتقادمة عبدت آلهتها بالصوم، ولاتقربت إليها به، ولا دانتها به، ولا عُرف الصوم في العبادات إلا من جهة الشرائع، فلذلك قال اللَّه : الصوم لي، أي: لم يشاركني فيه أحد، ولا عُبد به غيري، فأنا حينئذ أجزي به على قدر اختصاصه بي، وأنا أتولى الجزاء عليه بنفسي، لا أكِلُهُ إلى أحد غيري من ملك مقرب أو غيره، وقد ذكر العلماء في معنى هذا الحديث وجوهًا من التأويل لا تداني هذا القول ولا تقاربه؛ إذ ما من قول منها إلا وباقي العبادات تشاركه فيه»[13]جامع الأصول، 9/ 454..
    وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «فمعنى قوله: الصَّوْمُ لِي -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-: وَكُلُّ مَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ فَهُوَ لَهُ، لَكِنَّهُ ظَاهِرٌ، وَالصَّوْمُ لَيْسَ بِظَاهِرٍ»[14]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 249..
  10. قَوْلُهُ: لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ: «يَعْنِي: مَا يَعْتَرِيهِ فِي آخِرِ النَّهَارِ مِنَ التَّغَيُّرِ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ»[15]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 248.، وقال ابن الأثير رحمه الله: «ولخلوف: خلف فم الصائم يخلف خلوفًا: إذا تغيرت ريحه من ترك الأكل والشرب، والخلفة منه»[16]جامع الأصول، 9/ 453..
  11. قَوْلُهُ: أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ: قال ابن عبدالبر رحمه الله: «يُرِيدُ: أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ، يَحُضُّهُمْ عَلَيْهِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهِ. وَهَذَا فِي فَضْلِ الطَّعَامِ وَثَوَابِ الصَّائِمِ»[17]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 248..

ما يستفاد من الحديث:

  1. الصيام تدريب للنفس وترويض لها حتى يتحقق لها مقصود الصيام، وهو تقوى اللَّه، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].
  2. الرفث يطلق على فاحش القول وبذيء العبارة، ويطلق على الجماع ومقدماته؛ لقول اللَّه : أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ [البقرة:187].
  3. نهي الصائم عن الرفث والجهل والمخاصمة والمشاتمة ليس مختصًّا بنهار رمضان فقط، بل هو في كل الأوقات، وإن كان ذلك يتأكد في حق الصائم.
  4. قول الصائم: إني صائم يكون بكلام مسموع؛ لينزجر من يعتدي عليه بالقول أو الفعل، وهذا أولى من أن يقولها في نفسه؛ لأن القول المطلق هو قول اللسان، وهو ظاهر الحديث، واللَّه أعلم.
  5. قال القاضي عياض رحمه الله: «جاء هنا لفظ المشاتمة والمقاتلة، وهي لا تكون إلا من اثنين، فقيل: معناه هنا: إن امرؤ أراد هذا منه فليمتنع، وأيضًا فإن المفاعلة قد تجيء لفعل الواحد؛ كقوله: سافر، وعالج الأمر، وعافاه اللَّه، وأيضًا فقد يكون على وجهه، أي: إن بدا ذلك منهما فليرجع إلى نفسه ويذكرها بصومه فتكف»[18]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 4/ 109..
  6. قال ابن عبدالبر رحمه الله: «أما الصيام في الشريعة فمعناه الإمساك عن الأكل والشرب ووطء النساء نهارًا، إذا كان تارك ذلك يريد به وجه اللَّه وينويه، هذا معنى الصيام في الشريعة عند جميع علماء الأمة، وأما أصله في اللغة فالإمساك مطلقًا، وكل من أمسك عن شيء فقد صام عنه، ويسمى صائمًا. ألا ترى قول اللَّه : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا [مريم:26]؟ فسمى الإمساك عن الكلام صومًا، وكل ممسك عن حركة أو عمل أو طعام أو شراب فهو صائم في أصل اللسان، لكن الاسم الشرعي ما قدمت لك، وهو يقضي في المعنى على الاسم اللغوي، وقد ذكرنا شواهد الشعر على الاسم اللغوي في الصيام»[19]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 19/ 53..
  7. وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «وَفِي قَوْلِهِ: الصَّوْمُ لِي فَضْلٌ عَظِيمٌ لِلصَّوْمِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إِلَيْهِ إِلَّا أَكْرَمُ الْأُمُورِ وَأَفْضَلُ الْأَعْمَالِ، كَمَا قَالَ: «بَيْتُ اللَّهِ» فِي الْكَعْبَةِ»[20]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 19/ 53..
  8. وقال ابن عبدالبر رحمه الله أيضًا: «الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ: مَعْنَاهُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ مِنِ ابْنِ آدَمَ فِي قَوْلٍ وَلَا عَمَلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ نِيَّةٌ يَنْطَوِي عَلَيْهَا لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ، وَلَيْسَتْ مِمَّا يَظْهَرُ فَيَكْتُبُهَا الْحَفَظَةُ كَمَا تَكْتُبُ الذِّكْرَ وَالصَّلَاةَ وَالصَّدَقَةَ وَسَائِرَ أَعْمَالِ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ فِي الشَّرِيعَةِ لَيْسَ هُوَ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ دُونَ اسْتِشْعَارِ النِّيَّةِ وَاعْتِقَادِ النِّيَّةِ بِأَنَّ تَرْكَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ وَالْجِمَاعَ ابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ وَرَغْبَتَهُ فِيمَا نَدَبَ إِلَيْهِ تَزَلُّفًا وَقُرْبَةً مِنْهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، لَا يُرِيدُ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ ، وَمَنْ لَمْ يَنْوِ بِصَوْمِهِ أَنَّهُ لِلَّهِ فَلَيْسَ بِصِيَامٍ؛ فَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْحَفَظَةُ؛ لِأَنَّ التَّارِكَ لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لَيْسَ بِصَائِمٍ فِي الشَّرْعِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا أَمَرَهُ بِهِ وَرَضِيَهُ مِنْ تَرْكِهِ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ لَهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيَكَ لَهُ، لَا لِأَحَدٍ سِوَاهُ»[21]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 248..
  9. قال ابن القيم: فالصوم هو صوم الجوارح عن الآثام، وصوم البطن عن الطعام والشراب، فكما أن الطعام والشراب يفسده، فهكذا الآثام تقطع ثوابه وتفسد ثمرته فتصيره بمنزلة من لم يصم[22]الوابل الصيب، ص43.. قال النبي : رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر[23]أخرجه ابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، برقم 1690، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب … Continue reading.

^1, ^19, ^20 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 19/ 53.
^2 المسالك في شرح موطأ مالك، 4/ 237.
^3, ^5, ^6 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 244.
^4, ^10, ^18 إكمال المعلم بفوائد مسلم، 4/ 109.
^7 انظر: فتح الباري، 4/ 105.
^8 الأذكار النووية للإمام النووي، 1/ 238.
^9 شرح صحيح مسلم للنووي، 8/ 270.
^11 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 246.
^12, ^16 جامع الأصول، 9/ 453.
^13 جامع الأصول، 9/ 454.
^14 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 249.
^15, ^17, ^21 الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 10/ 248.
^22 الوابل الصيب، ص43.
^23 أخرجه ابن ماجه، كتاب الصيام، باب ما جاء في الغيبة والرفث للصائم، برقم 1690، والنسائي في السنن الكبرى، كتاب الصيام، ما ينهى عنه الصائم من قول الزور والغيبة، برقم 3249، قال البوصيري في مصباح الزجاجة، 2/ 69: «هذا إسناد صحيح رجاله ثقات»، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3488.