القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لِما لا أعلم[1]رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وأبو يعلى: 60، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 554..
| ^1 | رواه البخاري في "الأدب المفرد": 716، وأبو يعلى: 60، وصححه الألباني في "صحيح الأدب المفرد": 554. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ»: قال ابن منظور رحمه الله: «الانطِلاقُ: الذَّهَابُ، وَيُقَالُ: انْطُلِقَ بِهِ، عَلَى مَا لَمْ يسمَّ فَاعِلُهُ»[1]لسان العرب، 10/ 230، مادة (طلق)..
- قوله: للشرك فيكم: أي: الشرك الأصغر، والخطاب لأمة الإسلام. قال المناوي رحمه الله: «الشرك فيكم أيها الأمة»[2]فيض القدير شرح الجامع الصغير (4/ 228)..
وقال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «الشرك شركان:- شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.
- وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه سبحانه لاشريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله.
والشرك الأول نوعان:- أحدهما: شرك التعطيل، وهو أقبح أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ، وقال تعالى مخبرًا عنه أنه قال: وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا [غافر:36- 37]، والشرك والتعطيل متلازمان؛ فكل مشرك معطِّل، وكل معطِّل مشرك، لكن لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقرًّا بالخالق سبحانه وصفاته، ولكن عطل حق التوحيد، وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها هو التعطيل...
- النوع الثاني: شرك من جعل معه إلهًا آخر، ولم يعطل أسماءه وربوبيته وصفاته؛ كشرك النصارى الذي جعلوه ثلاثة؛ فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا. ومن هذا: شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور وحوادث الشر إلى الظلمة»[3]الجواب الكافي، ص90..
- قوله: أخفى من دبيب النمل: أي: في حركته ومشيه على الأرض؛ فإنه لا يسمع له صوت، ولا يشعر أحد بحركته، وقد جاء في رواية: الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا[4]الحكيم الترمذي، 4/ 105، وأخرجه الحاكم، 2/ 319، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3730..
قال الصنعاني رحمه الله: «خفاؤه عن نظر الناظرين إليه، أو خفاؤه عن من يقصده من الفاعلين»[5]التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 538.. - قوله: وَالَّذي نَفسِي بِيَدِهِ: قال ابن الملقن: إنه قسم للتأكيد[6]انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 13/ 30..
وقال ابن العربي رحمه الله: «فإنّما هو ليتعلّم الخَلق التَّصرُّف في ذلك بذكر الله بجميع صفاته العُلَا وأسمائه الحُسْنَى»[7]المسالك في شرح موطأ مالك، 6/ 308..
وقال الصنعاني رحمه الله: «فوالذي نفسي، أي: روحي بيده: في قبضته، يقبضه متى شاء، ويرسله متى شاء. وكان هذا قسمه ، والإقسام هنا ليس لرد إنكار المخاطب، بل لعظمة شأن الخبر، وتحقيق صدقه وحقيقته ونشاط المخبر في إخباره، وأما إطلاق اليد على اللَّه فهو إطلاق قرآني: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [الفتح:10]، ونحوه»[8]التنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 342.. - قوله: اللهم إني أعوذ بك: «التعويذ: الدعاء إلى اللَّه بأن يجير ويحفظ، واللجوء إلى اللَّه واللِّواذ به، والعَوْذ: الالتجاء، كالعياذ والمعاذ... ومعاذ اللَّه، أي: أعوذ باللَّه معاذًا، وكذا: معاذة اللَّه»[9]انظر: القاموس المحيط، ص 428، مادة (عوذ)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 1 من مفردات حديث المتن رقم 146..
وقال المناوي رحمه الله: «وذلك لأنه لا يدفع عنك إلا من ولي خلقك، فإذا تعوذت به أعاذك؛ لأنه لا يخيب من التجأ إليه، وقصر نظر قلبه عليه، وإنما أرشد إلى هذا التعوّذ لئلا يتساهل الإنسان في الركون إلى الأسباب ويرتبك فيها حتى لا يرى التكوين والتدويم إلا رؤية الإيمان بالغيب، فلا يزال يضيع الأمر ويهمله حتى تحل العقدة منه عقلة الإيمان، فيكفر وهو لا يشعر، فأرشده إلى الاستعاذة بربه؛ ليشرق نور اليقين على قلبه»[10]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 4/ 229.. - قوله: أن أشرك بك: أي: أجعل معك شريكًا في أي قول أو عمل أو اعتماد أو إرادة.
- قوله: وأنا أعلم: أي: بما أفعله من هذا الجرم الكبير.
- قوله: وأستغفرك لما لا أعلم: أي: إن كنت أفعل شيئًا وهو من الشرك الخفي وأنا لا أعلمه، فإني أطلب منك المغفرة. قال الصنعاني رحمه الله: «وأستغفرك لما لا أعلم: فيه أنه يستغفر عن المعاصي التي لا يعلمها العبد، وأنه قد يؤخذ بما لا يعلمه؛ لتفريطه في التحرز عنه»[11]التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 538..
- قوله: صغار الشرك وكباره: قال الصنعاني رحمه الله: «صغار الشرك، أي: خفيه، وكباره، أي: جليّه»[12]التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 538..
وقال المناوي رحمه الله: «قال الحكيم: صغار الشرك كقوله: ما شاء اللَّه وشئت، وكباره كالرياء»[13]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 4/ 228.. - قوله: «وَشَهِدَ بِهِ»: قال ابن منظور رحمه الله: «والشَّهادَة خَبرٌ قاطعٌ، تقولُ مِنْهُ: شَهِدَ الرجلُ عَلَى كَذَا، وَرُبَّمَا قَالُوا: شَهْدَ الرجلُ، بِسُكُونِ الْهَاءِ لِلتَّخْفِيفِ»[14]لسان العرب، 3/ 239، مادة (شهد)..
ما يستفاد من الحديث:
- من كمال التوحيد الواجب: الخوف من الشرك الأصغر؛ لأن من تجرأ على الوقوع فيه يخشى عليه أن يُجر إلى الشرك الأكبر، عياذًا باللَّه من ذلك.
- خوف النبي على أمته من الوقوع في الشرك الأصغر.
- الشرك الأصغر له صور أخرى، فمن ذلك: الحلف بغير اللَّه، والحلف بالنبي ، أو بالكعبة، أو بالآباء والأمهات، ورحمة فلان، وشرف فلان، وغير ذلك من هذه الصور الشركية.
- وجوب إفراد اللَّه تعالى بجميع أنواع العبادة الظاهرة والباطنة القولية والعملية، ونفي العبادة عن كل ما سواه؛ لقوله : وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا [النساء:36]، وهذا هو توحيد الألوهية الذي ضده الشرك بقسميه الأكبر والأصغر.
أما الشرك الأكبر فهو اتخاذ ند مع اللَّه يدعوه ويرجوه ويخافه، وهذا لا يغفره اللَّه أبدًا؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:116].
وأما الشرك الأصغر، فضابطه أنه هو كل شرك لم يصل إلى حد الأكبر، بمعنى: أنه كل قول أو فعل يكون وسيلة إلى الشرك الأكبر، عياذًا باللَّه من ذلك. والضابط لتعريف الشرك الأكبر: هو صرف نوع من أنواع العبادة لغير اللَّه.
وأما الشرك الأصغر، فهو: كل وسيلة قولية أو فعلية أو إرادية توصل إلى الشرك الأكبر. والشرك الأكبر أيضًا هو: أن تجعل للَّه ندًا وهو خلقك، والأصغر أيضًا هو: كل ما أطلق عليه الشارع في النصوص الشرك، ولكن لم يصل إلى رتبة العبادة. - الصحابة هم أكمل الأمة إيمانًا بعد النبي ، وهم الذين اكتحلت عيونهم برؤيته، وبلغوا عنه الوحي بعدما حفظوه، ورغم ذلك خاف عليهم من الشرك، فما بالك بمن دونهم بمسافات شاسعة؟! ولا سيما أن النصوص الثابتة عن النبي قد أخبرت بوقوع الشرك الأكبر في هذه الآية، خاصة في آخر الزمان؛ فمن ذلك: قوله : لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة[15]مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة، برقم 2906.، قال النووي: وهو بيت صنم ببلاد دوس.
- قال المناوي رحمه الله: «ولذلك عجز عن الوقوف على غوائله -أي: الشرك الخفي- سماسرة العلماء، فضلًا عن عامة العباد، وهو من أواخر غوائل النفس وبواطن مكايدها، وإنما يبتلى به العلماء والعبّاد المشمرون عن ساق الجد لسلوك سبيل الآخرة؛ فإنهم مهما نهروا أنفسهم وجاهدوها، وفطموها عن الشهوات، وصانوها عن الشبهات، وحملوها بالقهر على أصناف العبادات، عجزت نفوسهم عن الطمع في المعاصي الظاهرة الواقعة على الجوارح، فطلبت الاستراحة إلى الظاهر بالخير وإظهار العمل والعلم، فوجدت مخلصًا من مشقة المجاهدة إلى لذة القبول عند الخلق ونظرهم إليه بعين الوقار والتعظيم، فنازعت إلى إظهار الطاعة، وتوصلت إلى اطلاع الخلق ولم تقنع باطلاع الخالق، وفرحت بحمد الناس ولم تقنع بحمد اللَّه، وعلمت أنهم إذا عرفوا تركه للشهوات وتوقيه للشبهات وتحمله مشقات العبادات أطلقوا ألسنتهم بالمدح والثناء، وبالغوا في الإعزاز، ونظروا إليه بعين الاحترام، وتبركوا بلقائه، ورغبوا في بركته ودعائه، وفاتحوه بالسلام والخدمة، وقدموه في المجالس والمحافل، وتصاغروا له، فأصابت النفس في ذلك لذة هي من أعظم اللذات، وشهوة هي أغلب الشهوات، فاستحقرت فيه ترك المعاصي والهفوات، واستلانت خشونة المواظبة على العبادات؛ لإدراكها في الباطن لذة اللذات وشهوة الشهوات، فهو يظن أن حياته باللَّه وبعبادته المرضية، وإنما حياته لهذه الشهوة الخفية التي يعمى[16]هكذا وجدته في الأصل، والمعنى واللَّه أعلم: أن العقول النافذة القوية لا تعمى عن درك هذه الشهوة الخفية. عن دَرْكها إلا العقول النافذة القوية، ويرى أنه يخلص في طاعة رب العالمين، وقد أثبت اسمه في جريدة المنافقين»[17]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 4/ 228..
- من ثمرات الخوف من الشرك:
- معرفته حتى لا يقع فيه.
- الاستقامة على الطاعة والمجاهدة على الأخلاق الفاضلة.
- كثرة الاستغفار.
- العناية بما يكمل التوحيد.
- الحذر من ذرائع الشرك ومواطنه ومخالطة أهله[18]انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، شرح الشيخ عبداللَّه القصير، ص41..
| ^1 | لسان العرب، 10/ 230، مادة (طلق). |
|---|---|
| ^2 | فيض القدير شرح الجامع الصغير (4/ 228). |
| ^3 | الجواب الكافي، ص90. |
| ^4 | الحكيم الترمذي، 4/ 105، وأخرجه الحاكم، 2/ 319، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 3730. |
| ^5, ^11, ^12 | التنوير شرح الجامع الصغير، 6/ 538. |
| ^6 | انظر: التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 13/ 30. |
| ^7 | المسالك في شرح موطأ مالك، 6/ 308. |
| ^8 | التنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 342. |
| ^9 | انظر: القاموس المحيط، ص 428، مادة (عوذ)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 1 من مفردات حديث المتن رقم 146. |
| ^10 | فيض القدير شرح الجامع الصغير، 4/ 229. |
| ^13, ^17 | فيض القدير شرح الجامع الصغير، 4/ 228. |
| ^14 | لسان العرب، 3/ 239، مادة (شهد). |
| ^15 | مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حتى تعبد دوس ذا الخلصة، برقم 2906. |
| ^16 | هكذا وجدته في الأصل، والمعنى واللَّه أعلم: أن العقول النافذة القوية لا تعمى عن درك هذه الشهوة الخفية. |
| ^18 | انظر: القول المفيد على كتاب التوحيد، شرح الشيخ عبداللَّه القصير، ص41. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط