القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
«بارك الله لك في الموهوب لك، وشكرتَ الواهب، وبلغ أَشُدَّه، ورُزِقْتَ بِرَّه»[1]رواه بنحوه ابن الجعد في "المسند": 3398، والطبراني في "الدعاء": 945..
«ويردُّ عليه المُهَنَّأ فيقول: بارك الله لك، وبارك عليك، وجزاك الله خيرًا، ورزقك الله مثله، وأجزل ثوابك»[2]يُنظَر: "الأذكار" للنووي: ص289..
جدول المحتويات
شرح مفردات الأثر:
- قوله: «بارك اللَّه لك»: قال القاضي عياض رحمه الله: «معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة، والتكثير منهما»[1]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 2/ 303، وتقدم في شرح المفردة رقم 7 من مفردات حديث المتن رقم 53..
- قوله: «الموهوب لك»: أي: المولود ذكرًا كان أم أنثى.
- قوله: «شكرت الواهب»: أي: أديت شكر هذه النعمة لواهبها وهو اللَّه .
- قوله: «وبلغ أشده»: الأشد هو الحُلم؛ لقوله : حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ [النساء:6]، والحُلم أول الأشد، وأقصاه أربع وثلاثون سنة، أما استواء الرجل فهو بلوغه سن الأربعين[2]انظر تفسير الجزائري، ص1281.. قال تعالى في شأن موسى : وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا [القصص:14].
- قوله: «ورزقت بره»: البر هو الإحسان القولي والفعلي، وضده العقوق.
يقال: صدقت وبررت، أي: صدقتَ في دعواك إلى الطاعات، وصرت بارًّا؛ دعاءٌ له بذلك، ودعاء له بالقبول، والأصل برّ عملُك، وبررتُ والدي، أبره بِرًّا وبرورًا: أحسنت الطاعة إليه، ورفقت به، وتحرّيت محابَّه، وتوقّيت مكارهه[3]انظر: المصباح المنير، 1/ 43، مادة (برّ).. - قوله: «ويردّ عليه المهنأ»: قال النووي رحمه الله: «ويستحب أن يرد المُهَنّأ على المُهَنِّئ»[4]المجموع شرح المهذب، 8/ 443..
- قوله: «بارك الله لك»: قال السمين الحلبي رحمه الله: «البركة: الزيادةُ، يقال: باركَ اللَّه لك، أي: زادَك خيرًا، وهو متعدٍّ، ويَدُلُّ عليه: أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [النمل:8]، ويُضَمَّنُ معنى ما يتعدى بعلى كقوله: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ [الصافات:110]، و«تبارَكَ» لا يَتَصَرَّف، ولا يُسْتعمل مسندًا إلا للَّه تعالى، ومعناه في حَقِّه تعالى: تزايَدَ خيرُه وإحسانه»[5]الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 3/ 316..
- قوله: «وبارك عليك»: قال الصنعاني رحمه الله: «أثيب عليك ما أولاك، وفي شرح العيني على البخاري: أي اختص لك، وارتفع عليك»[6]التنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 620..
- قوله: «وجزاك اللَّه خيرًا»: قال المناوي رحمه الله: «أي: قضى لك خيرًا، وأثابك عليه، يعني: أطلب من اللَّه أن يفعل ذلك بك»[7]فيض القدير، 1/ 410..
- قوله: «ورزقك اللَّه مثله»: قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: «وَالتَّهْنِئَةُ بِهِ [يعني بالمولود] أَنْ يُقَالَ لَهُ: جَعَلَهُ اللَّهُ لَكَ خَلَفًا صَالِحًا، وَأَرَاكَ فِيهِ السُّرُورَ، فَإِذَا أَجَابَ عَنْ هَذِهِ التَّهْنِئَةِ... أَنْ يَدُلَّ عَلَى إِقْرَارِهِ، كَقَوْلِهِ: أَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ، وَرَزَقَكَ اللَّهُ مِثْلَهُ، أَوْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِ: آمِينَ، فَيَكُونُ بِهَذَا الْجَوَابِ وَأَمْثَالِهِ مُقِرًّا بِهِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ الرِّضَا وَالِاعْتِرَافِ»[8]الحاوي الكبير للماوردي، 11/ 344..
- قوله: «أجزل ثوابك»: أي: أعظم لك العطاء والمنة، والجزيل مأخوذة من جزل، والجزل: التام الخلق، ويجوز أن تكون ذات كلام جزل، أي: قوي شديد، أو هو الغليظ القوي[9]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 270، مادة (جزل).، والثواب: هو العطاء والجزاء على العمل والصنيع، «يقال: أثابه يثيبه إثابة، والاسم الثواب، ويكون في الخير والشر، إلا أنه بالخير أخصّ، وأكثر استعمالًا»[10]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 227، مادة (ثوب)..
- قوله: «يهنيك الفارس»: «التَّهْنِئةُ: خِلَافُ التَّعْزِية، يُقَالُ: هَنَأَهُ بالأَمْرِ وَالْوِلَايَةِ هَنأً، وهَنَّأَه تَهْنِئةً وتَهْنِيئًا، إِذَا قُلْتَ لَهُ ليَهْنِئْكَ. وَالْعَرَبُ تَقُولُ: ليَهْنِئْكَ الفارِسُ، بِجَزْمِ الْهَمْزَةِ، وليَهْنِيكَ الفارِسُ، بياءٍ سَاكِنَةٍ... وكلُّ أمْرٍ يأْتيكَ مِنْ غَيْر تَعَبٍ، فَهُوَ هَنِيءٌ. الأَصمعي: يُقَالُ فِي الدُّعاءِ للرَّجل هُنِّئْتَ وَلَا تُنْكَهْ، أَي: أَصَبْتَ خَيْرًا، وَلَا أَصابك الضُّرُّ، تدعُو لَهُ، وقَوْله: هُنِّئْتَ، يُرِيدُ ظَفِرْتَ، عَلَى الدُّعاءِ لَهُ، ويُقَالُ هَنَأَه ذَلِكَ وهَنَأَ لَهُ ذَلِكَ، كَمَا يقال هَنِيئًا له، وهَنَأَ الرجلَ هَنًا: أَطعَمَه. وهَنَأَه يَهْنَؤُه ويَهْنِئُه هَنْأً، وأَهْنَأَه: أَعْطاه، الأَخيرة أي: أهنأه عَنِ ابْنِ الأَعرابي، وهانِئٌ: اسْمُ رَجُلٍ، وَفِي الْمَثَلِ: إِنما سُمِّيتَ هانِئًا لِتَهْنِئَ ولِتَهْنَأَ، أَي لِتُعْطِي، والهِنْءُ: العَطِيَّةُ»[11]انظر: لسان العرب، 1/ 185، مادة (هنأ)..
- قوله: «بقار»: البقر: حيوان معروف، والبقّار: رجلٌ بَقَّارٌ: صاحب بقر[12]انظر: لسان العرب، 4/ 73، مادة (بقر)..
- قوله: «حمّار»: الحِمارُ العَيْرُ الأَهْلِيُّ وَالْوَحْشِيُّ، وَجَمْعُهُ أَحْمِرَة وحُمُرٌ وحَمِيرٌ، وَرَجُلٌ حامِرٌ وحَمَّارٌ: ذُو حِمَارٍ، كَمَا يُقَالُ فارسٌ لِذِي الفَرَسِ. والحَمَّارَةُ جمع حمّار: وهم أَصحاب الْحَمِيرِ[13]انظر: لسان العرب، 4/ 212، مادة (حمر)..
ما يستفاد من الأثر:
- استحباب حمد اللَّه وشكره أولًا وآخرًا على نعمه التي لا تعدُّ ولا تُحصى، ومن جملة هذه النعم نعمة الولد، قال اللَّه تعالى: يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ [الشورى:49- 50]، وقال اللَّه : الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا [الكهف:46]، ومن تمام الشكر تربية الولد على ما بينه الشرع الحنيف في تربية الأولاد.
- إبطال الإسلام لعادات الجاهلية حيث كان يتوارى الوالد من الناس إذا رزقه اللَّه بالأنثى، قال اللَّه : وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ [النحل:58- 59]، بل كان بعضهم يقتلها ويدفنها، قال اللَّه: وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ [التكوير:8- 9].
- البر عامة وبر الوالدين خاصة مما حث عليه الإسلام، والمتدبر لكتاب اللَّه يجد أن اللَّه يقرن كثيرًا بين عبادته وتوحيده، وبين الإحسان إلى الوالدين كقوله: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء:23] ونكتة ذلك من أمور:
- أن اللَّه هو الخالق الرازق، فهو وحده الذي يستحق العبادة، والوالدان سبب وجودك، فيستحقان الإحسان.
- اللَّه U هو المنعم المتفضل على عباده بالنعم الكثيرة والخيرات الوفيرة، فيستحق الشكر، وكذلك الأبوان هما اللذان يجلبان لك ما تحتاجه مما رزقهما U من مأكل ومشرب وملبس، فيستحقان الشكر.
- أن اللَّه هو رب الناس الذي يربيهم على منهجه، فيستحق التعظيم والحب، وكذلك الأبوان ربياك صغيرًا، فيستحقان التواضع والتوقير والتأدب والتلطف بالقول والفعل، فلا يجوز أن تسمعهما أدنى مراتب القول السيئ وهو التأفف، ولا يجوز أن تنفض يدك عليهما وهو أدنى مراتب الفعل السيئ[14]انظر: بهجة الناظرين للهلالي، 1/ 356..
| ^1 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 2/ 303، وتقدم في شرح المفردة رقم 7 من مفردات حديث المتن رقم 53. |
|---|---|
| ^2 | انظر تفسير الجزائري، ص1281. |
| ^3 | انظر: المصباح المنير، 1/ 43، مادة (برّ). |
| ^4 | المجموع شرح المهذب، 8/ 443. |
| ^5 | الدر المصون في علوم الكتاب المكنون، 3/ 316. |
| ^6 | التنوير شرح الجامع الصغير، 1/ 620. |
| ^7 | فيض القدير، 1/ 410. |
| ^8 | الحاوي الكبير للماوردي، 11/ 344. |
| ^9 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 270، مادة (جزل). |
| ^10 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 227، مادة (ثوب). |
| ^11 | انظر: لسان العرب، 1/ 185، مادة (هنأ). |
| ^12 | انظر: لسان العرب، 4/ 73، مادة (بقر). |
| ^13 | انظر: لسان العرب، 4/ 212، مادة (حمر). |
| ^14 | انظر: بهجة الناظرين للهلالي، 1/ 356. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط