تخطى إلى المحتوى

164- اللهم اغفر له، اللهم ثَبِّتْه

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

  "اللهم اغفر له، اللهم ثَبِّتْه"[1]كان النبي  إذا فَرَغَ من دفن الميت وقف عليه، فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له بالتثبيت؛ فإنه الآن يُسأل. رواه … Continue reading.

^1 كان النبي إذا فَرَغَ من دفن الميت وقف عليه، فقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا له بالتثبيت؛ فإنه الآن يُسأل. رواه أبو داود: 3221، والحاكم: 1386، وصححه الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب": 3511.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: «يبل لحيته»: تسيل دموعه حتى تبلل لحيته. قال ابن منظور رحمه الله: «بَلَّهُ بِالْمَاءِ وَغَيْرِهِ: يَبُلُّه بَلًّا وبِلَّة، وبَلَّلهُ فَابْتَلَّ وتَبَلَّلَ... بَلَّه يَبُلُّه، أَي: نَدَّاه وبَلَّلَه -شُدِّدَ لِلْمُبَالَغَةِ- فابْتَلَّ. والبِلال: الْمَاءُ»[1]لسان العرب، 11/ 63، مادة (بلل)..
  2. قوله: «منظرًا قط إلا والقبر أفظع منه»: قال الطيبي رحمه الله: «أي: ما رأيت منظرًا وهو ذو هول وفظاعة إلا والقبر أفظع منه، يقال: فظع الأمر بالفم فظاعة، فهو فظيع، أي: شديد شنيع جاوز المقدار، وعبّر بالمنظر عن الموضع مبالغة؛ فإنه إذا نُفي الشيء مع لازمه ينتفي الشيء بطريق البرهان، و«فظع» كلمة يؤكد بها النفي في الفعل الماضي، كما أن عوض يؤكد بها النفي في المستقبل»[2]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 2/ 597..
  3. قوله: «كان إذا فرغ من دفن الميت»: أي: انتهى من حضور الدفن ونزول الميت إلى حفرته. قال المناوي رحمه الله: «أي: المسلم، قال الطيبي: والتعريف للجنس، وهو قريب من النكرات»[3]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 5/ 192..
    وقال الشيخ عطية محمد سالم رحمه الله: «فإذا فرغ الناس من دفن الميت، وأهالوا عليه التراب، ولم يبق إلا أن ينصرفوا؛ وقف»[4]شرح بلوغ المرام، للشيخ عطية محمد سالم، ص122..
  4. قوله: «وقف عليه»: أي: قريبًا من القبر. قال المناوي رحمه الله: «وقف عليه، أي: على قبره هو وأصحابه صفوفًا»[5]فيض القدير، 5/ 192..
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَالْقِيَامُ عَلَى قَبْرِهِ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ»[6]مجموع الفتاوى، 1/ 165..
  5. قوله: استغفروا لأخيكم: أي: سلوا اللَّه له المغفرة بتضرع وإخلاص. قال المناوي رحمه الله: «فقال: استغفروا لأخيكم في الإسلام»[7]فيض القدير، 5/ 192..
  6. قوله: فإنه الآن يُسأل: قال المناوي رحمه الله: «فهو الآن يسأل، أي: يسأله الملكان... فهو أحوج ما كان إلى الاستغفار، وذلك لكمال رحمته بأمته، ونظره إلى الإحسان إلى ميتهم، ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده»[8]فيض القدير، 5/ 192..
  7. قوله: وسلوا: قال العيني رحمه الله: «قوله: وسلوا أصله: اسألوا، حذفت الهمزتان للتخفيف، فوزنه: (فُلُوا)؛ لأن عين الفعل سقطت من الموزون، فسقطت من الوزن»[9]شرح سنن أبي داود للعيني، 6/ 176..
    وقال المناوي رحمه الله: «وسلوا له التثبيت، أي: اطلبوا له من اللَّه تعالى أن يثبت لسانه وجنانه لجواب الملكين. قال الطيبي: ضمَّن سلوا معنى الدعاء... أي: ادعوا اللَّه له بدعاء التثبيت، أي: قولوا: ثبّته اللَّه بالقول الثابت؛ فإنه الذي رأيته في أصول صحيحة قديمة من أبي داود بدل هذا، ثم سلوا له التثبيت»[10]فيض القدير، 5/ 192..
    وقال القاضي ابن العربي رحمه الله: «استغفروا لأخيكم، معناه: سلوا اللَّه المغفرة، وهو أفضل ما يُسأل له»[11]المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، 3/ 519..
  8. قوله: وسلوا له التثبيت: أي: عند سؤال الملكين الأسئلة الثلاثة:
    • من ربك؟
    • ما دينك؟
    • ما هذا الرجل الذي بعث فيكم[12]أخرجه الطيالسي، برقم 753، وأحمد، برقم 18534، وأبو داود، برقم 4753، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 1676، وقد تقدم … Continue reading؟
  9. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا من دفنه، قرع النعال الخفي يسمعه الميت إذا انصرفوا من دفنه، وقد ثبت عن النبي في حديث حسن أنه كان إذا دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل، فيستحب إذا دفن الميت أن يقف الإنسان على قبره، ويقول: اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم ثبته، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له، اللهم اغفر له؛ لأن النبي كان إذا سلّم سلّم ثلاثًا، وإذا دعا دعا ثلاثًا، نسأل اللَّه تعالى أن يثبتنا وإياكم بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة»[13]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 711..

ما يستفاد من الحديث:

  1. مشروعية الوقوف على القبر بعد الدفن والاجتهاد للميت بالدعاء في هذا الموقف العصيب. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: «وسئل أحمد عن الوقوف على القبر بعدما يدفن يدعى للميت؟ قال: لا بأس به، قد وقف عليٌّ، والأحنف بن قيس، وروى أبو داود بإسناده عن عثمان قال: كان النبي إذا دفن الرجل وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل[14]أبو داود، برقم 3221، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص156، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.»[15]المغني، للإمام ابن قدامة المقدسي، 2/ 379..
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وَلِهَذَا كَانَتِ الصَّلَاةُ عَلَى الْمَوْتَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْقِيَامُ عَلَى قُبُورِهِمْ مِنَ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ»[16]مجموع الفتاوى، 1/ 165..
    وقال العيني رحمه الله: «ويستفاد من الحديث ثلاث فوائد؛ الأولى: انتفاع الميت بدعاء الحي خلافًا لمن ينكر ذلك، الثانية: لا بد من السؤال في القبر، الثالثة: وقت السؤال عقيب الدفن»[17]شرح أبي داود للعيني، 6/ 179..
  2. الدعاء لا يكون دعاءً جماعيًّا كما يفعله بعض الناس من كونهم يُؤَمِّنُون جميعًا على دعاء واحد منهم، بل كل يدعو بما فتح اللَّه عليه وحده، وقال الشيخ العباد: «والمقصود من ذلك: أن كل واحد يدعو بنفسه، لا أن يكون هناك واحد يدعو ويؤمن الباقون، فالنبي لم يقل: إني سأدعو فأمنوا، وإنما قال: ادعوا لأخيكم، ومعنى هذا: أن كل واحد يدعو من قبل نفسه»[18]شرح سنن أبي داود للشيخ عبدالمحسن العباد، ص370..
  3. إثبات سؤال القبر، وأن الميت يفهم هذه الأسئلة مهما كان جنسه ولغته[19]سبق بيان ذلك في فوائد حديث المتن رقم 55، في الفائدة رقم 1.، وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وفي قوله : فإنه الآن يسأل، يعني: حين يتم دفنه يسأل، يأتيه ملكان فيسألانه عن ثلاثة أشياء: مَن ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ وهذه الثلاثة هي ثلاثة الأصول التي بنى عليها شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله رسالته المشهورة «ثلاثة الأصول»: مَن ربك؟ ما دينك؟ مَن نبيك؟ أما المؤمن فيثبته اللَّه بالقول الثابت، فيقول: ربي اللَّه، وديني الإسلام، ونبيي محمد، أسأل اللَّه أن يجعلني وإياكم منهم»[20]شرح بلوغ المرام لابن عثيمين، 3/ 301..
  4. قال الصنعاني رحمه الله: «فيه دلالة على انتفاع الميت باستغفار الحي له، وعليه ورد قوله تعالى: رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ [الحشر:10]، وقوله: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ [محمد:9]، ونحوهما».
  5. رباط الأخوة في اللَّه ممتد في الدنيا، وبعد الموت، وإلى يوم القيامة بتشفيع أهل الإيمان بعضهم في بعض.
  6. لم يأتِ في السنة تحديد مدة زمنية للوقوف عند القبر بعد الدفن من أجل الدعاء، أما ما قاله عمرو بن العاص لأهله أنهم بعد دفنه يمكثون يدعون له قدر ما تنحر جزور وتقسم لحمها، فهذا اجتهاد منه ، واتباع السنة أولى[21]انظر ما قاله ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 947..
  7. قال العلامة الألباني رحمه الله: ويستحب لمن عند القبر أن يحثو من التراب ثلاث حثوات بيده جميعًا بعد الفراغ من سد اللحد؛ لقول أبي هريرة : «إن رسول اللَّه صلى على جنازة، ثم أتى الميت فحثا عليه من قبل رأسه ثلاثًا»[22]مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج، برقم 121.، وهذا من باب المشاركة في الدفن، وأما ما يفعله بعضهم من قولهم عند الحثية الأولى: مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ، والثانية: وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ، والثالثة: وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى [طه:55]، فلا أصل له[23]انظر: أحكام الجنائز، ص193..
  8. «فيسن للإنسان إذا فرغ الناس من دفن الميت أن يقف عنده ويقول: اللهم اغفر له، ثلاث مرات، اللهم ثبته، ثلاثًا؛ لأن النبي كان غالب أحيانه إذا دعا دعا ثلاثًا، ثم ينصرف، ولا يجلس بعد ذلك، لا للذكر، ولا للقراءة، ولا للاستغفار، هكذا جاءت به السنة. أما ما ذُكِرَ عن عمرو بن العاص أنه أمر أهله أن يقيموا عنده إذا دفنوه قدر ما تنحر جزور، قال: «لعلِّي أستأنس بكم، وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي»[24]إشارة إلى حديث البراء ، وقد تقدم.، يعني الملائكة؛ فهذا اجتهاد منه ، وهدي النبي أكمل من هدي غيره، ولم يكن النبي يقف أو يجلس عند القبر بعد الدفن قدر ما تنحر الجزور ويقسم لحمها، ولم يأمر أصحابه بذلك، غاية ما هنالك أنه أمرهم أن يقفوا على القبر، ويستغفروا لصاحبه، ويسألوا له التثبيت فقط، هذا هو السنة، ثم ينصرف الناس»[25]انظر: شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 947..
  9. «وأما القراءة عند القبر، فالأصح أنها مكروهة، وأنه يكره للإنسان أن يذهب إلى القبر، ثم يقف أو يجلس عنده ويقرأ؛ لأن هذا من البدع، وقد قال النبي : كل بدعة ضلالة[26]ابن ماجه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء، برقم 42، وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم 42.، وأقل أحوالها أن تكون مكروهة، واللَّه الموفق»[27]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 947..
  10. هل من السنة أن يقوم أحد الناس بإلقاء موعظة وخطبة بعد الدفن؟ والجواب كما قال ابن عثيمين رحمه الله: «لم ينقل ذلك عن رسول اللَّه ، وإنما جلس مع أصحابه يحدثهم عما يكون عند الاحتضار وبعد الموت[28]إشارة إلى حديث البراء الآتي.، وهو لم يقصد الجلوس للموعظة، وإنما قصد الجلوس حتى ينتهوا من إلحاد القبر، وفرقٌ بين ما يحدث اتفاقًا، وما يحصل قصدًا»[29]أحكام الجنائز، ص49.، وكذلك لئلا تتخذ المقابر منابر.
    وفي حديثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنهما[30]تقدمت ترجمته في الحديث رقم 28 من أحاديث الشرح. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ فِي جِنَازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْرِ وَلَمَّا يُلْحَدْ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ، وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِنَا الطَّيْرَ، وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ فِي الأَرْضِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مَلاَئِكَةٌ مِنَ السَّمَاءِ بِيضُ الْوُجُوهِ، كَأَنَّ وُجُوهَهُمُ الشَّمْسُ، مَعَهُمْ كَفَنٌ مِنْ أَكْفَانِ الْجَنَّةِ، وَحَنُوطٌ مِنْ حَنُوطِ الْجَنَّةِ، حَتَّى يَجْلِسُوا مِنْهُ مَدَّ الْبَصَر، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، اخْرُجِي إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ.
    قَالَ: فَتَخْرُجُ تَسِيلُ كَمَا تَسِيلُ الْقَطْرَةُ مِنْ فِي السِّقَاءِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَأْخُذُوهَا، فَيَجْعَلُوهَا فِي ذَلِكَ الْكَفَنِ وَفِي ذَلِكَ الْحَنُوطِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَطْيَبِ نَفْحَةِ مِسْكٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.
    قَالَ: فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلاَ يَمُرُّونَ -يَعْنِي: بِهَا- عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الطَّيِّبُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، بِأَحْسَنِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانُوا يُسَمُّونَهُ بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يَنْتَهُوا بِهَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَسْتَفْتِحُونَ لَهُ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ فَيُشَيِّعُهُ مِنْ كُلِّ سَمَاءٍ مُقَرَّبُوهَا إِلَى السَّمَاءِ الَّتِي تَلِيهَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَ عَبْدِي فِي عِلِّيِّينَ، وَأَعِيدُوهُ إِلَى الأَرْضِ، فَإِنِّي مِنْهَا خَلَقْتُهُمْ، وَفِيهَا أُعِيدُهُمْ، وَمِنْهَا أُخْرِجُهُمْ تَارَةً أُخْرَى.
    قَالَ: فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: دِينِيَ الإِسْلاَمُ، فَيَقُولَانِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَيَقُولَانِ لَهُ: وَمَا عِلْمُكَ؟ فَيَقُولُ: قَرَأْتُ كِتَابَ اللَّهِ، فَآمَنْتُ بِهِ وَصَدَّقْتُ، فَيُنَادِي مُنَادٍ فِي السَّمَاءِ: أَنْ صَدَقَ عَبْدِي، فَأَفْرِشُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ.
    قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ.
    قَالَ: وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمِ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي.
    قَالَ: وَإِنَّ الْعَبْدَ الْكَافِرَ إِذَا كَانَ فِي انْقِطَاعٍ مِنَ الدُّنْيَا، وَإِقْبَالٍ مِنَ الآخِرَةِ، نَزَلَ إِلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ مَلاَئِكَةٌ سُودُ الْوُجُوهِ، مَعَهُمُ الْمُسُوحُ، فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مَدَّ الْبَصَرِ، ثُمَّ يَجِيءُ مَلَكُ الْمَوْتِ، حَتَّى يَجْلِسَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَيَقُولُ: أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ، اخْرُجِي إِلَى سَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَغَضَبٍ.
    قَالَ: فَتُفَرَّقُ فِي جَسَدِهِ، فَيَنْتَزِعُهَا كَمَا يُنْتَزَعُ السَّفُّودُ مِنَ الصُّوفِ الْمَبْلُولِ، فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا أَخَذَهَا لَمْ يَدَعُوهَا فِي يَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ حَتَّى يَجْعَلُوهَا فِي تِلْكَ الْمُسُوحِ، وَيَخْرُجُ مِنْهَا كَأَنْتَنِ رِيحِ جِيفَةٍ وُجِدَتْ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ، فَيَصْعَدُونَ بِهَا، فَلاَ يَمُرُّونَ بِهَا عَلَى مَلَأٍ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ، إِلَّا قَالُوا: مَا هَذَا الرُّوحُ الْخَبِيثُ؟ فَيَقُولُونَ: فُلاَنُ بْنُ فُلاَنٍ، بِأَقْبَحِ أَسْمَائِهِ الَّتِي كَانَ يُسَمَّى بِهَا فِي الدُّنْيَا، حَتَّى يُنْتَهَى بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيُسْتَفْتَحُ لَهُ، فَلاَ يُفْتَحُ لَهُ.
    ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ : لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ [الأعراف:40]، فَيَقُولُ اللَّهُ : اكْتُبُوا كِتَابَهُ فِي سِجِّينٍ فِي الأَرْضِ السُّفْلَى، فَتُطْرَحُ رُوحُهُ طَرْحًا.
    ثُمَّ قَرَأَ: وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ [الحج:31]، فَتُعَادُ رُوحُهُ فِي جَسَدِهِ، وَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ، فَيُجْلِسَانِهِ، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَنْ رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ، لاَ أَدْرِي، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا دِينُكَ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ، لاَ أَدْرِي، فَيَقُولاَنِ لَهُ: مَا هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بُعِثَ فِيكُمْ؟ فَيَقُولُ: هَاهْ، هَاهْ، لاَ أَدْرِي، فَيُنَادِي مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ أَنْ كَذَبَ، فَافْرُشُوا لَهُ مِنَ النَّارِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى النَّارِ، فَيَأْتِيهِ مِنْ حَرِّهَا وَسَمُومِهَا، وَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ قَبْرُهُ حَتَّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أَضْلاَعُهُ، وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ، قَبِيحُ الثِّيَابِ، مُنْتِنُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُوؤُكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالشَّرِّ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الْخَبِيثُ، فَيَقُولُ: رَبِّ لاَ تُقِمِ السَّاعَةَ[31]مسند أحمد، 30/ 499، برقم 18534، وعبد الرزاق، 3/ 580، برقم 6737، وابن أبي شيبة، 3/ 54، برقم 12059، والحاكم في المستدرك، 1/ 37- 38، … Continue reading.

^1 لسان العرب، 11/ 63، مادة (بلل).
^2 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 2/ 597.
^3 فيض القدير شرح الجامع الصغير، 5/ 192.
^4 شرح بلوغ المرام، للشيخ عطية محمد سالم، ص122.
^5, ^7, ^8, ^10 فيض القدير، 5/ 192.
^6, ^16 مجموع الفتاوى، 1/ 165.
^9 شرح سنن أبي داود للعيني، 6/ 176.
^11 المسالك في شرح موطأ مالك، لابن العربي، 3/ 519.
^12 أخرجه الطيالسي، برقم 753، وأحمد، برقم 18534، وأبو داود، برقم 4753، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 1676، وقد تقدم تخريجه في الفائدة الأولى من فوائد حديث المتن رقم 55.
^13 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 711.
^14 أبو داود، برقم 3221، وصححه الألباني في أحكام الجنائز، ص156، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.
^15 المغني، للإمام ابن قدامة المقدسي، 2/ 379.
^17 شرح أبي داود للعيني، 6/ 179.
^18 شرح سنن أبي داود للشيخ عبدالمحسن العباد، ص370.
^19 سبق بيان ذلك في فوائد حديث المتن رقم 55، في الفائدة رقم 1.
^20 شرح بلوغ المرام لابن عثيمين، 3/ 301.
^21 انظر ما قاله ابن عثيمين رحمه الله في شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 947.
^22 مسلم، كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج، برقم 121.
^23 انظر: أحكام الجنائز، ص193.
^24 إشارة إلى حديث البراء ، وقد تقدم.
^25 انظر: شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 947.
^26 ابن ماجه، المقدمة، باب اتباع سنة الخلفاء، برقم 42، وصححه العلامة الألباني في صحيح ابن ماجه، برقم 42.
^27 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 947.
^28 إشارة إلى حديث البراء الآتي.
^29 أحكام الجنائز، ص49.
^30 تقدمت ترجمته في الحديث رقم 28 من أحاديث الشرح.
^31 مسند أحمد، 30/ 499، برقم 18534، وعبد الرزاق، 3/ 580، برقم 6737، وابن أبي شيبة، 3/ 54، برقم 12059، والحاكم في المستدرك، 1/ 37- 38، والبيهقي في إثبات عذاب القبر، ص50، برقم 44، وفي شعب الإيمان له، 1/ 356، وصححه محققو المسند، 30/ 503، والألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 3/ 219.