تخطى إلى المحتوى

177- أسألك برحمتك التي وسعت كل شيءٍ

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

"اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيءٍ أن تغفر لي"[1]رواه ابن ماجه: 1753، والحاكم في "المستدرك": 1547، من دعاء عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما.

^1 رواه ابن ماجه: 1753، والحاكم في "المستدرك": 1547، من دعاء عبدالله بن عمرٍو رضي الله عنهما.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: دعوةً ما تُرَدُّ: قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله في أهمية الدعاء عند الإفطار: «وينبغي أن يدعُوَ عند فِطرِه بما أحَبَّ، ففي سنن ابن ماجة عن النبيِّ أنَّه قال: إنَّ للصائِمِ عند فطْرِه دعوةً ما تُرَدُّ»[1]مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، ص50..
  2. قوله: «اللَّهُمَّ»: «اللَّهُمَّ بِمَعْنَى: يَا أَلله... الْمِيم فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ بِمَنْزِلَةِ يَا فِي أَولها، وَالضَّمَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْهَاءِ هِيَ ضَمَّةُ الِاسْمِ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ»[2]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في شرح المفردة رقم 6..
  3. قوله: «أسألك»: أي: أتوسل إليك وأدعوك. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «سؤال اللَّه، والتوسل إليه بامتثال أمره واجتناب نهيه وفعل ما يحبه»[3]اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، 2/ 322..
  4. قوله: «برحمتك»: لأن من أسمائك الرحمن والرحيم، والرحمة صفة لك. وقال ابن منظور رحمه الله: «الرَّحْمة: الرِّقَّةُ والتَّعَطُّفُ، والمرْحَمَةُ مِثْلُهُ، وَقَدْ رَحِمْتُهُ وتَرَحَّمْتُ عَلَيْهِ. وتَراحَمَ القومُ: رَحِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. والرَّحْمَةُ: الْمَغْفِرَةُ»[4]لسان العرب، 12/ 230، مادة (رحم).، ورحمة اللَّه ليست كرحمة خلقه، وصفة الرحمة للَّه تليق بجلاله، لا يشبه شيئًا من خلقه ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
  5. قوله: «التي وسعت كل شيء»: أي: عمت جميع مخلوقاتك. قال الإمام القرطبي رحمه الله: «أي: لا نهاية لها، أي: من دخل فيها لم تعجز عنه، وقيل: وسعت كل شيء من الخلق، حتى إن البهيمة لها رحمة وعطف على ولدها»[5]تفسير القرطبي، 7/ 261..
    وقال العلامة الصنعاني رحمه الله: «فهذه الرحمة العامة قد أعطاها تعالى عباده، ووسعتهم، وبسببها فتح لهم الباب إلى سؤاله، ودلهم على ما يقربهم إليه، كما أشار إليه: وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ [الأعراف:43]، وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ [الأنبياء:107]، ودعاهم إلى دعائه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر:60]، فما أحد إلا وله من الرحمة العامة جزء موفور؛ فإذا عرفت هذا علمت أنه سبحانه قد أعطى عباده الرحمة، فهم بين قابل لها، وراد لها كالكافر لم يقبلها، فالمسؤول هنا هو الرحمة الخاصة الكائنة بعد المغفرة، وهي التي ينزل اللَّه بها عباده غرف الجنان... فهذه رحمة وراء المغفرة، فالمغفرة سترت الذنوب، وتجنب العبد من العذاب، وبالرحمة الخاصة يدخل الجنة»[6]التنوير شرح الجامع الصغير، 4/ 535..
  6. قوله: «أن تغفر لي»: أي: تستر ذنوبي وتمحوها عني يا تواب يا غفور. قال ابن منظور: «الغَفْر: التَّغْطِيَةُ وَالسَّتْرُ... غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ، أي: سَتَرَهَا... والغَفْرُ والمَغْفِرةُ: التَّغْطِيَةُ عَلَى الذُّنُوبِ، والعفوُ عَنْهَا»[7]لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم مستوفى في المفردة رقم 2 من مفردات ألفاظ حديث المتن رقم 48..

ما يستفاد من الحديث:

  1. المؤمن يطمع في رحمة اللَّه، ومن ذلك طلبه من ربه مغفرة ذنوبه. قال اللَّه : رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ [غافر:7]، وقال: وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ [الكهف:58]، فهو مع كونه غنيًّا عن خلقه فهو ذو رحمة بهم، وهذا هو غاية الكرم والفضل.
  2. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «المُراد أَنَّ رَحمَة الله لا يُشبِهها شَيء لِمَن سَبَقَ لَهُ مِنها نَصِيب، مِن أي العِباد كانَ، حَتَّى الحَيَوانات.
  3. وفِيهِ إِشارَة إِلَى أَنَّهُ يَنبَغِي لِلمَرءِ أَن يَجعَل تَعَلُّقه فِي جَمِيع أُمُوره بِاللهِ وحده، وأَنَّ كُلّ مَن فُرِضَ أَنَّ فِيهِ رَحمَة ما حَتَّى يُقصَد لأَجلِها فالله أَرحَم مِنهُ، فَليَقصِد العاقِل لِحاجَتِهِ مَن هُو أَشَدّ لَهُ رَحمَة»[8]فتح الباري، لابن حجر، 10/ 431..
  4. قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وَرَحمته وسعت كل شَيْء، وغضبه لم يسع كل شَيْء، وَهُوَ سُبْحَانَهُ كتب على نَفسه الرَّحْمَة، وَلم يكْتب على نَفسه الْغَضَب، ووسع كل شَيْء رَحْمَة وعلمًا، وَلم يسع كل شَيْء غَضبًا وانتقامًا، فالرحمة وَمَا كَانَ بهَا ولوازمها وآثارها غالبة على الْغَضَب»[9]الفوائد، للإمام ابن القيم، ص125..
  5. مما يقوي في النفس الطمع في رحمة اللَّه ما يلي:
    • قوله : نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ۝ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [الحجر:49- 50]، ففي هذه الآية لطائف؛ منها: أن اللَّه أكد ذكر الرحمة والمغفرة بمؤكدات ثلاثة:
      • قوله: أَنِّي.
      • أَنَا.
      • التعريف في الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
        وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة والمغفرة، ولم يقل في ذكر العذاب: أني أنا المعذب، ولم يصف نفسه بذلك، بل قال على سبيل الإخبار[10]فتح البيان، 7/ 177.: وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ.
    • وكذلك: قول النبي : لما أغرق اللَّه فرعون قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ [يونس:90]، فقال جبريل: يا محمد، فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر[11]قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»، 1/ 462، مادة (حول): «الحالُ: الطين الأسود كالحَمْأة».، فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة[12]الترمذي، برقم 3107، ومسند أحمد، 4/ 82، برقم 2203، وضعفه محققو المسند، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، 3/ 256..
      والآيات في هذا الباب والأحاديث كثيرة بحمد اللَّه.
  6. مشروعية التوسل إلى اللَّه تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا[13]سبقت الإشارة إليه..

^1 مجالس شهر رمضان، لابن عثيمين، ص50.
^2 لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في شرح المفردة رقم 6.
^3 اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم، 2/ 322.
^4 لسان العرب، 12/ 230، مادة (رحم).
^5 تفسير القرطبي، 7/ 261.
^6 التنوير شرح الجامع الصغير، 4/ 535.
^7 لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم مستوفى في المفردة رقم 2 من مفردات ألفاظ حديث المتن رقم 48.
^8 فتح الباري، لابن حجر، 10/ 431.
^9 الفوائد، للإمام ابن القيم، ص125.
^10 فتح البيان، 7/ 177.
^11 قال ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث والأثر»، 1/ 462، مادة (حول): «الحالُ: الطين الأسود كالحَمْأة».
^12 الترمذي، برقم 3107، ومسند أحمد، 4/ 82، برقم 2203، وضعفه محققو المسند، وحسنه الألباني في صحيح الترمذي، 3/ 256.
^13 سبقت الإشارة إليه.