تخطى إلى المحتوى

87- رضيت بالله ربًّا

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 243

رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا ثلاث مراتٍ[1]من قالها ثلاثًا حين يُصبح وثلاثًا حين يُمسي، كان حقًّا على الله أن يُرضيَه يوم القيامة. رواه أبو داود: 5072، … Continue reading.

^1 من قالها ثلاثًا حين يُصبح وثلاثًا حين يُمسي، كان حقًّا على الله أن يُرضيَه يوم القيامة. رواه أبو داود: 5072، والترمذي: 3389، والنسائي في "السنن الكبرى": 9747 واللفظ له، وحسنه ابن باز في "تحفة الأخيار": ص22.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: رضيت بالله ربًّا أي: عبدته وحده لا شريك له ولا رب سواه، عن قناعة، ويقين، فهو المستحق لذلك المتفرد بصفات الكمال ونعوت الجلال، وهذا الرضا شامل للأحكام الشرعية والأمور القدرية، قال الإمام النووي رحمه الله: «مَعْنَى رَضِيت بِالشَّيْءِ قَنِعْتُ بِهِ، وَاكْتَفَيْت بِهِ، وَلَمْ أَطْلُب مَعَهُ غَيْره»[1]شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 2..
    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «تتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، وبالرضا بتدبيره للعبد واختياره له»[2]كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية، ص59، وتقدم في شرح المفردة رقم 4 من مفردات حديث المتن رقم 23..
  2. قوله: وبالإسلام دينًا: لأنه هو الدين؛ ولأن ما قبله من الأديان قد أصابها التحريف وهو الدين الحق الذي شرعه اللَّه حيث قال جل ذكره: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ، والدين هو ما يدان للَّه تعالى به أي: يطاع فيه ويخضع له به من الشرائع والعبادات، قال الإمام النووي رحمه الله: «وَلَمْ يَسْلُك إِلَّا مَا يُوَافِق شَرِيعَة مُحَمَّد ... وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض رحمه الله: مَعْنَى الْحَدِيث: صَحَّ إِيمَانه، وَاطْمَأَنَّتْ بِهِ نَفْسه، وَخَامَرَ بَاطِنه؛ لِأَنَّ رِضَاهُ بِالْمَذْكُورَاتِ دَلِيل لِثُبُوتِ مَعْرِفَته، وَنَفَاذ بَصِيرَته، وَمُخَالَطَة بَشَاشَته قَلْبه»[3]شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 2، وتقدم في شرح المفردة رقم 5 من مفردات حديث المتن رقم 23..
  3. قوله: وبمحمد نبيًّا: لأنه هو النبي الخاتم الذي ختم اللَّه به الرسل والأنبياء، ومن لوازم ذلك متابعة الرسول الكريم والعمل بما شرع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «والرضا بمحمد رسولًا يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند اللَّه، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح، كما قال تعالى: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ [النساء:65].
    وفي الصحيحين عَنْ أَنَسٍ  عَنِ النَّبِيِّ قَالَ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ[4]البخاري، كتاب الإيمان، بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ … Continue reading، وفي رواية: وجد بهن حلاوة طعم الإيمان، وفي بعض الروايات: طعم الإيمان وحلاوته.
    وفي الصحيحين عن أنسٍ عن النبي قال: لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ، حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ[5]البخاري، كتاب الإيمان، بَاب حلاوة الْإِيمَانِ، برقم 16، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد … Continue reading، وفي رواية: من أهله وماله والناس أجمعين[6]البخاري، كتاب المناقب، بَاب علامات النبوة في الإسلام، برقم 3589، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف … Continue reading.
    وفي مسند الإمام أحمد عن أبي رزين العقيلي قال: قلت: يا رسول اللَّه، ما الإيمان؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا رسول اللَّه[7]مسند أحمد، 26/ 113، برقم 16194، وضعفه محققو المسند، 26/ 114.»[8]كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية رحمه الله، ص59..
  4. وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وَرِضَاهُ بِمُحَمَّدٍ رَسُولًا يُوجِبُ أَنْ يَرْضَى بِحُكْمِهِ لَهُ وَعَلَيْهِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ لِذَلِكَ وَيَنْقَادَ لَهُ وَلَا يُقَدِّمَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وَهَذَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ حُبُّهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَبُغْضُهُ كُلُّهُ لِلَّهِ، وَعَطَاؤُهُ لِلَّهِ، وَمَنْعُهُ لِلَّهِ، وَفِعْلُهُ لِلَّهِ، وَتَرْكُهُ لِلَّهِ، وَإِذَا قَامَ بِذَلِكَ كَانَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ عَمَلِهِ، بَلْ فِعْلُهُ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيْهِ، حَيْثُ وَفَّقَهُ لَهُ وَيَسَّرَهُ لَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ مِنْ أَهْلِهِ وَخَصَّهُ بِهِ، فَهُوَ يَسْتَوْجِبُ شُكْرًا آخَر عَلَيْهِ»[9]مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ص 250..

ما يستفاد من الحديث:

  1. حقيقة هذا الذكر المبارك انقياد المسلم لربه بقلبه وقالبه، وليس مجرد قول من غير فهم ولا تدبر.
  2. الإسلام هو الاستسلام للَّه تعالى، فلا يقدم العقل على النقل، ولا الهوى على الشرع؛ بل هو عبد يسلم زمام نفسه إلى خالقه.
  3. قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فالرضا به ربًّا يتضمن توحيده، وعبادته، والإنابة إليه، والتوكل عليه، وخوفه، ورجاءه، ومحبته، والصبر له وبه؛ والشكر على نعمه يتضمن رؤية كل ما منه نعمةً وإحسانًا وإن ساء عبده، فالرضا به يتضمن شهادة أن لا إله إلا اللَّه، والرضا بمحمد رسولًا يتضمن شهادة أن محمدًا رسول اللَّه، والرضا بالإسلام دينًا يتضمن التزام عبوديته وطاعته وطاعة رسوله؛ فجمعت هذه الثلاثة الدين كله.
    وأيضًا: فالرضا به ربًّا يتضمن اتخاذه معبودًا دون ما سواه، واتخاذه وليًّا ومعبودًا، وإبطال عبادة كل ما سواه، وقد قال تعالى لرسوله: أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا [الأنعام:114]، وقال: أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا [الأنعام:14]، وقال: قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام:164]، فهذا هو عين الرضا به ربًّا»[10]مدارج السالكين، 2/ 185..
    وقال أيضًا في موضع آخر: «الرضا عنه في كل ما قضى: هاهنا ثلاثة أمور: الرضاء باللَّه، والرضا عن اللَّه، والرضا بقضاء اللَّه، منها: أنه إذا لم يكن راضيًا عن ربه فهو ساخط عليه؛ إذ لا واسطة بين الرضا والسخط، وسخط العبد على ربه منافٍ لرضاه به ربًّا. قالوا: وأيضًا فعدم رضاه عنه يستلزم سوء ظنه به، ومنازعته له في اختياره لعبده، وأن الرب تبارك وتعالى يختار شيئًا ويرضاه فلا يختاره العبد ولا يرضاه، وهذا مناف للعبودية، فالرضا به فرض، والرضا عنه وإن كان من أجلّ الأمور وأشرف أنواع العبودية فلم يطالب به العموم؛ لعجزهم عنه، ومشقته عليهم، وأوجبته طائفة كما أوجبوا الرضا به، واحتجوا بحجج»[11]مدارج السالكين، 2/ 187..
  4.  الرضا برسالة الرسول الكريم مستلزم لقبول سنته: القولية، والفعلية، والتقريرية، مع انتفاء الحرج في النفس، وتمام التسليم بالجوارح.
  5. جاء في رواية الترمذي نبيًّا وعند أبي داود وغيره: رسولًا.
  6. جاء في تتمة هذا الحديث أن الرسول قال: من قال، ثم ذكر الحديث، قال: كان حقًّا على اللَّه أن يرضيه.
    وهذا الحق هو محض فضل من اللَّه تعالى لم يوجبه عليه أحد من خلقه، ولا يطالبه به؛ لأن أحدًا لا يوجب على ربه شيئًا؛ لأن ثواب اللَّه فضل، وعقابه عدل، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة، بخلاف قول المعتزلة والخوارج الذين أوجبوا على اللَّه الثواب والعقاب.
  7. المسلم الصادق يطمع بقوله هذا الذكر في رضا خالقه ومولاه، ورضا اللَّه صفة ثابتة له ، وهي من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئته سبحانه، ورضاه ليس كرضا أحد من خلقه، بل رضًا يليق بجلاله.
    ورضا اللَّه على قسمين:

    • يرضى عن العمل لقوله ​​​​​​​ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7]، وقوله تعالى: وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا [المائدة:3]. 
    • ويرضى عن العامل كقوله سبحانه: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المجادلة:22]، وكقوله عليه الصلاة والسلام: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الْيُسْرَ، وَكَرِهَ لَهَا الْعُسْرَ، قَالَهَا ثَلاَثًا[12]وتمامه عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ السُّلَمِيِّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ … Continue reading.

^1 شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 2.
^2 كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية، ص59، وتقدم في شرح المفردة رقم 4 من مفردات حديث المتن رقم 23.
^3 شرح النووي على صحيح مسلم، 2/ 2، وتقدم في شرح المفردة رقم 5 من مفردات حديث المتن رقم 23.
^4 البخاري، كتاب الإيمان، بَاب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ مِنْ الْإِيمَانِ، برقم 21، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم 43.
^5 البخاري، كتاب الإيمان، بَاب حلاوة الْإِيمَانِ، برقم 16، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم 44.
^6 البخاري، كتاب المناقب، بَاب علامات النبوة في الإسلام، برقم 3589، ومسلم، كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، برقم 44.
^7 مسند أحمد، 26/ 113، برقم 16194، وضعفه محققو المسند، 26/ 114.
^8 كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية رحمه الله، ص59.
^9 مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة، ص 250.
^10 مدارج السالكين، 2/ 185.
^11 مدارج السالكين، 2/ 187.
^12 وتمامه عَنْ مِحْجَنِ بْنِ الأَدْرَعِ السُّلَمِيِّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ الْيُسْرَ، وَكَرِهَ لَهَا الْعُسْرَ، قَالَهَا ثَلاَثًا. المعجم الكبير للطبراني، 20/ 298، برقم 707، وصححه الألباني في صحيح الجامع، برقم 1769.