تخطى إلى المحتوى

120- اللهم إني عبدك

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

اللهم إني عبدك، ابنُ عبدِك، ابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكْمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسمٍ هو لك، سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلتَه في كتابك، أو علَّمْتَه أحدًا من خلقِك، أو استأثرتَ به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجِلاء حُزني، وذَهاب هَمِّي[1]رواه أحمد: 3712، وابن أبي شيبة في "المصنف": 31289 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 199..

^1 رواه أحمد: 3712، وابن أبي شيبة في "المصنف": 31289 واللفظ له، وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة": 199.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: اللَّهم إني عبدك أي: لا معبود لي غيرك، ولا رب لي سواك؛ فأنت رب العالمين.
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله: قوله: «إني عبدك: التزام عبوديته من الذلّ والخضوع والإنابة، وامتثال أمر سيّده واجتناب نهيه، ودوام الافتقار إليه واللجأ اليه والاستعانة به والتوكل عليه، وعِياذ العبد به ولِياذه به، وألا يتعلق قلبه بغيره محبةً وخوفًا ورجاءً. وفيه أيضًا: أني عبد من جميع الوجوه: صغيرًا وكبيرًا، حيًّا وميتًا، ومطيعًا وعاصيًا، معافى ومبتلى؛ بالروح والقلب واللسان والجوارح. وفيه أيضًا: أن مالي ونفسي ملك لك؛ فإن العبد وما يملك لسيده»[1]الفوائد، ص22..
  2. قوله: ابن عبدك ابن أمتك: إظهار تام للعبودية، والمعنى أنك مالك لي ولأبويَّ وإن عَلَوا حتى آدم وحواء.
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «وهذا يتناول من فوقه من آبائه وأمهاته إلى أبويه آدم وحواء، وفي ذلك تملُّق له، واستخذاء بين يديه، واعتراف بأنه مملوكه، وآباؤه مماليكه، وأن العبد ليس له غير باب سيده وفضله وإحسانه، وأن سيده إن أهمله وتخلّى عنه هلك ولم يُؤْوِه أحد ولم يعطف عليه، بل يضيع أعظم ضيعة، فتحت هذا الاعتراف أني لا غنى بي عنك طرفة عين، وليس لي من أعوذ به وألوذ به غير سيدي الذي أنا عبده»[2]الفوائد، ص22..
  3. قوله: ناصيتي بيدك: الناصية هي مقدم الرأس، والمقصود أنه تحت سلطان اللَّه الغالب وحكمه الذي لا يرد وقدرته النافذة.
    قال ابن فارس رحمه الله: «النَّصِيَّة من القَوم ومن كلِّ شيءٍ: الخيار، ويقال: انتصَيْتُ الشَّيءَ: اخترتُه، وهذه نَصِيَّتي: خِيرَتي، ومنه النَّاصية: سمِّيت لارتفاع مَنْبتها. والناصيةُ: قُصَاص الشَّعْر»[3]مقاييس اللغة، 5/ 347، مادة (نصا)، وتقدمت في شرح مفردات حديث المتن رقم 107، المفردة رقم 9..
    وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «أي: أنت المتصرف في، تصرفني كيف تشاء، لست أنا المتصرف في نفسي، وكيف يكون له في نفسه تصرف من نفسه بيد ربه وسيده، وناصيته بيده، وقلبه بين إصبعين من أصابعه، وموته وحياته وسعادته وشقاوته وعافيته وبلاؤه كله إليه سبحانه، ليس إلى العبد منه شيء، بل هو في قبضة سيده أضعف من مملوك ضعيف حقير ناصيته بيد سلطان قاهر مالك له تحت تصرفه وقهره، بل الأمر فوق ذلك. ومتى شهد العبد أن ناصيته ونواصي العباد كلها بيد اللَّه وحده يصرفهم كيف يشاء لم يَخَفْهم بعد ذلك ولم يَرْجُهم، ولم ينزلهم منزلة المالكين، بل منزلة عبيد مقهورين مربوبين، المتصرف فيهم سواهم، والمدبر لهم غيرهم. فمن شهد نفسه بهذا المشهد صار فقره وضرورته إلى ربه وصفًا لازمًا له، ومتى شهد الناس كذلك لم يفتقر إليهم، ولم يعلق أمله ورجاءه بهم، فاستقام توحيده وتوكله وعبوديته»[4]الفوائد، ص23..
  4. قوله: ماضٍ فيّ حكمك أي: الذي قدرته عليّ أزلًا في اللوح المحفوظ، فأنت الحكيم الذي تضع الأمور في نصابها.
    قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «تضمن هذا الكلام أمرين: أحدهما: مضاء حكمه في عبده، والثاني: يتضمن حمده وعدله، وهو سبحانه له الملك وله الحمد»[5]الفوائد، ص23..
  5. قوله: عدل فيّ قضاؤك أي: ما حكمته فهو عدل محض، فلا يدخل في تدبير اللَّه زلل ولا نقص ولا عجز.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «قَدْ بَيَّنَ أَنَّ كُلَّ قَضَائِهِ فِي عَبْدِهِ عَدْلٌ، وَلِهَذَا يُقَالُ: كُلُّ نِعْمَةٍ مِنْهُ فَضْلٌ، وَكُلُّ نِقْمَةٍ مِنْهُ عَدْلٌ، وَيُقَالُ: أَطَعْتُك بِفَضْلِك وَالْمِنَّةُ لَك، وَعَصَيْتُك بِعِلْمِك أَوْ بِعَدْلِك وَالْحُجَّةُ لَك»[6]الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 78..
    وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: «أي الحكم الذي أكملته وأتممته ونفذته في عبدك عدل منك فيه، وأما الحكم فهو ما يحكم به سبحانه، وقد يشاء تنفيذه وقد لا ينفذه؛ فإن كان حكمًا دينيًّا فهو ماضٍ في العبد، وإن كان كونيًّا فإن نفذه سبحانه مضى فيه، وإن لم ينفذه اندفع عنه، فهو سبحانه يمضي ما يقضي به، وغيره قد يقضي بقضاء ويقدر أمرًا ولا يستطيع تنفيذه، وهو سبحانه يقضي ويمضي، فله القضاء والإمضاء.
    وقوله: عدل فيَّ قضاؤك: يتضمن جميع أقضيته في عبده من كل الوجوه، من صحة وسقم، وغنى وفقر، ولذة وألم، وحياة وموت، وعقوبة وتجاوز، وغير ذلك»[7]الفوائد، ص23..
    وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «كل ما قضيت علي مما أحب أو أكره فهو عدل ليس فيه جور، حتى المصائب عدل من الله»[8]مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، 7/ 354..
  6. قوله: أسألك: هذا شروع في الطلب والمسألة والدعاء بعد إظهار العبودية والثناء على اللَّه بما هو أهله.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَأَسْأَلُك بِوُجُوبِ حُجَّتِك عَلَيَّ، وَانْقِطَاعِ حُجَّتِي، إلَّا مَا غَفَرْت لِي»[9]الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 78..
  7. قوله: بكل اسم هو لك: عام لجميع أسماء اللَّه الحسنى التي من تأملها وعرف معانيها دفعه ذلك إلى تعظيم ربه.
    قال بعض السلف: «من كان باللَّه أعرف كان منه أخوف»[10]ذكره ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين، 3/ 338، وفي إتحاف السادة المتقين للزبيدي، 2/ 453، وقال: قال أحمد بن عاصم..
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «الاسم من أسماء اللَّه يدل على الذات وعلى المعنى كما سبق، فيجب علينا أن نؤمن به اسمًا من الأسماء، ونؤمن بما تضمنه من الصفة، ونؤمن بما تدل عليه الصفة من الأثر والحكم، إن كان متعديًا؛ فمثلًا: السميع: نؤمن بأن من أسمائه تعالى السميع، وأنه دال على صفة السمع، وأن لهذا السمع حكمًا وأثرًا وهو أنه يسمع به، كما قال تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة:1]، أما إن كان الاسم غير متعدٍّ، كالعظيم والحي والجليل، فتثبت الاسم والصفة، ولا حكم يتعدى إليه»[11]مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، 10/ 768..
  8. قوله: سمّيت به نفسك: قال الطيبي: أي: «أنك وضعت ألفاظًا مخصوصة، وسميت بها نفسك، وألهمت عبادك بغير واسطة، فيكون من سماه الأمم المختلفة الفائتة للحصر بلغات مختلفة من هذا النوع»[12]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1910..
  9. قوله: أو أنزلته في كتابك: أي: القرآن وما قبله من الكتب التي أنزلها اللَّه على رسله عليهم السلام.
    قال الطيبي رحمه الله: «قوله: أو أنزلته في كتابك على جميع ما سمي به في الكتب المنزلة، وأفرد الكتاب وأراد به الجنس، وقد تقرر في موضعه أنه أشمل من الجمع»[13]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1910..
  10. قوله: أو علمته أحدًا من خلقك أي: من الأنبياء والمرسلين والملائكة.
    قال العلامة الشنقيطي رحمه الله: «أن للَّه أسماء أنزلها في كتبه، وأسماء خص بها بعض خلقه، كما خص الخضر بعلم من لدنه»[14]أضواء البيان، 8/ 73..
    وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة: «أسماء اللَّه توقيفية، فلا يسمى سبحانه إلا بما سمى به نفسه أو سماه به رسوله ، ولا يجوز أن يسمى باسم عن طريق القياس أو الاشتقاق من فعل ونحوه، خلافًا للمعتزلة والكرامية، فلا يجوز تسميته بناءً ولا ماكرًا ولا مستهزئًا؛ أخذًا من قوله تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات:47]، وقوله: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ [آل عمران:54]، وقوله: اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ [البقرة: 15]، ولا يجوز تسميته: زارعًا ولا ماهدًا ولا فالقًا ولا منشئًا ولا قابلًا ولا شديدًا ونحو ذلك؛ أخذًا من قوله تعالى: أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ [الواقعة:64]، وقوله: فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ [الذاريات:48]، وقوله: أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ [الواقعة:72]، وقوله تعالى: فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [الأنعام:95]، وقوله: وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ [غافر:3]؛ لأنها لم تستعمل في هذه النصوص إلا مضافة وفي إخبار على غير طريق التسمي لا مطلقة، فلا يجوز استعمالها إلا على الصفة التي وردت عليها في النصوص الشرعية، فيجب ألا يعبد في التسمية إلا لاسم من الأسماء التي سمى بها نفسه صريحًا في القرآن، أو سماه بها رسوله فيما ثبت عنه من الأحاديث، كأسمائه التي في آخر سورة الحشر، والمذكورة أول سورة الحديد، والمذكورة في سور أخرى من القرآن»[15]فتاوى اللجنة الدائمة، 11/ 457..
  11. قوله: أو استأثرت به في علم الغيب عندك: الاستئثار هو الانفراد بالشيء، أي: أن اللَّه لم يُطلِع على ذلك لا ملكًا مقربًا ولا نبيًّا مرسلًا، وهذا فيه دليل على أن لله أسماءً أخرى غير التسعة والتسعين المذكورة في الحديث[16]انظر: صحيح البخاري، برقم 2736، وسيأتي تخريجه في فوائد الحديث في الفائدة السابعة..
    قال الطيبي رحمه الله: «وقوله: أو استأثرت به أي: انفردت، محمول على أنه انفرد به بنفسه، ولا ألهم أحدًا ولا أنزل في كتاب»[17]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1910..
  12. قوله: أن تجعل أي: أسألك بما مضى من التوسل إليك بأسمائك كلها.
    قال الطيبي رحمه الله: «أن تجعل القرآن ربيع قلبي: هذا هو المطلوب، والسابق وسائل إليه، فانظر أولًا غاية ذلته وصغاره ونهاية افتقاره وعجزه، وثانيًا بين عظمة شأنه وجلالة اسمه ، بحيث لم يبق فيه بقية، وألطف في المطلوب حيث جعل المطلوب وسيلة إزالة الهمّ المطلوب أولًا»[18]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1910..
  13. قوله: القرآن: قال في النهاية: «قد تكرر في الحديث ذكر القراءة والاقتراء والقارئ والقرآن، والأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمي القرآن قرآنًا لأنه جمع القصص والأمر والنهي والوعد والوعيد والآيات والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغفران والكفران، وقد يطلق على الصلاة لأن فيها قراءة؛ تسمية للشيء ببعضه، وعلى القراءة نفسها، يقال: قرأ يقرأ قراءة وقرآنًا، والاقتراء افتعال من القراءة، وقد تحذف الهمزة منه تخفيفًا فيقال: قران»[19]النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، 4/ 29، مادة (قرأ)..
  14. قوله: ربيع قلبي: وذلك لأن الإنسان يرتاح في الربيع من الأزمان، ويميل إليه، ويخرج من الهم والغم، ويحصل له النشاط والابتهاج والسرور[20]العلم الهيب في شرح الكلم الطيب للإمام العيني، ص244.
    قال القاري: «وجعل القرآن ربيع القلب، وهو عبارة عن الفرح؛ لأن الإنسان يرتاح قلبه في الربيع من الأزمان، ويميل إليه في كل مكان، وأقول: كما أن الربيع سبب ظهور آثار رحمة اللَّه تعالى وإحياء الأرض بعد موتها، كذلك القرآن سبب ظهور تأثير لطف اللَّه من الإيمان والمعارف، وزوال ظلمات الكفر والجهل والهرم»[21]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 348، وانظر: شرح المشكاة للطيبي، 6/ 1910..
  15. قوله: ونور صدري أي: يذهب ما في قلبي من ظلمات الجهل والشهوات والشبهات وغير ذلك مما يعكر صفوه.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وَالْحَيَاةُ وَالنُّورُ جِمَاعُ الْكَمَالِ، كَمَا قَالَ ​​​​​​​: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [الأنعام:122]، وَفِي خُطْبَةِ أَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ: «يُحْيُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ الْمَوْتَى، وَيُبَصِّرُونَ بِنُورِ اللَّهِ أَهْلَ الْعَمَى»؛ لِأَنَّهُ بِالْحَيَاةِ يَخْرُجُ عَنْ الْمَوْتِ، وَبِالنُّورِ يَخْرُجُ عَنْ ظُلْمَةِ الْجَهْلِ، فَيَصِيرُ حَيًّا عَالِمًا نَاطِقًا، وَهُوَ كَمَالُ الصِّفَاتِ فِي الْمَخْلُوقِ»[22]مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 18/ 310..
  16. قوله: وجلاء حزني: أي تتجلى منه الهموم والوساوس كما تتجلى الشمس للناس حال سطوعها. جلاء الشيء: خروجه، وذهابه.
    قال الجوهري رحمه الله: «والجَلاءُ أيضًا: يقال: جَلَوْتُ، أي: أوضحتُ وكشفتُ، وجَلَوْتُ بصري بالكُحْلِ، وجَلَوْتُ همِّي عنّي، أي: أذهبته»[23]الصحاح في اللغة، ص190، مادة (جلا)..
    وقال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «وقوله: وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إن جلاء هذا يتضمن إزالة المؤذي الضار، وذلك يتضمن تحصيل النافع السار، فتضمن الحديث طلب أصول الخير كله ودفع الشر، وباللَّه التوفيق»[24]شفاء العليل، ص277..
  17. قوله: وذهاب همّي أي: ما أهمني وأقلقني في الحاضر والمستقبل؛ حتى أتفرغ لعبادتك.
    قال العلامة ابن القيم رحمه الله: «دل هذا الحديث الصحيح على أمورٍ، منها: أنه استوعب أقسام المكروه الواردة على القلب، فالهمّ يكون على مكروه يتوقع في المستقبل، يهتمّ به القلب، والحزن على مكروه ماضٍ من فوات محبوب أو حصول مكروه، إذا تذكره أحدث له حزنًا، والغمّ يكون على مكروه حاصل في الحال يوجب لصاحبه الغم، فهذه المكروهات هي من أعظم أمراض القلب وأدوائه، وقد تنوع الناس في طرق أدويتها والخلاص منها، وتباينت طرقهم في ذلك تباينًا لا يحصيه إلا اللَّه، بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا تزيدها إلا شدة، كمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها، وكمن يتداوى منها باللهو واللعب والغناء وسماع الأصوات المطربة وغير ذلك، فأكثر سعي بني آدم أو كله إنما هو لدفع هذه الأمور والتخلص منها، وكلهم قد أخطأ الطريق، إلا من سعى في إزالتها بالدواء الذي وصفه اللَّه لإزالتها وهو دواء مركب من مجموع أمور، متى نقص منها جزء نقص من الشفاء بقدره، وأعظم أجزاء هذا الدواء هو التوحيد والاستغفار»[25]شفاء العليل، ص274..
  18. قوله: «إن المغبون لمن غبن هؤلاء الكلمات»: قال في المصباح المنير: «غبَنَهُ في البيع والشراء غُبْنًا، من باب ضَرَب، مثل غلبه، فَانْغَبَنَ، وغَبَنَهُ أي نقصه، وغُبِنَ بالبناء للمفعول، فهو مَغْبُونٌ، أي منقوص في الثمن أو غيره، والغَبِينَةُ اسم منه، وغَبِنَ رأيه غَبَنًا، من باب تعب: قلَّتْ فطنتُه وذكاؤه»[26]المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي، 2/ 442، مادة (غبن)..
    وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في فتح الباري: «والغَبَن بِالسُّكُونِ وبِالتَّحرِيكِ، وقالَ الجَوهَرِيّ: هُو فِي البَيع بِالسُّكُونِ، وفِي الرَّأي بِالتَّحرِيكِ، وعَلَى هَذا فَيَصِحّ كُلّ مِنهُما فِي هَذا الخَبَر؛ فَإِنَّ مَن لا يَستَعمِلهُما فِيما يَنبَغِي فَقَد غُبِنَ لِكَونِهِ باعَهُما بِبَخسٍ، ولَم يُحمَد رَأيه فِي ذَلِكَ.
    قالَ ابن بَطّال: مَعنَى الحَدِيث: نعمتان مغبون فيهما المرء أَنَّ المَرء لا يَكُون فارِغًا حَتَّى يَكُون مَكفِيًّا صَحِيح البَدَن، فَمَن حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فَليَحرِص عَلَى أَلا يُغبَن بِأَن يَترُك شُكر اللَّه عَلَى ما أَنعَمَ بِهِ عَلَيهِ، ومِن شُكره امتِثال أَوامِره واجتِناب نَواهِيه، فَمَن فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَهُو المَغبُون....

    وقالَ ابن الجَوزِيّ: قَد يَكُون الإِنسان صَحِيحًا ولا يَكُون مُتَفَرِّغًا لِشُغلِهِ بِالمَعاشِ، وقَد يَكُون مُستَغنِيًا ولا يَكُون صَحِيحًا، فَإِذا اجتَمَعا فَغَلَبَ عَلَيهِ الكَسَل عَن الطّاعَة فَهُو المَغبُون، وتَمام ذَلِكَ أَنَّ الدُّنيا مَزرَعَة الآخِرَة، وفِيها التِّجارَة الَّتِي يَظهَر رِبحها فِي الآخِرَة، فَمَن استَعمَلَ فَراغه وصِحَّته فِي طاعَة اللَّه فَهُو المَغبُوط، ومَن استَعمَلَهُما فِي مَعصِيَة اللَّه فَهُو المَغبُون؛ لأَنَّ الفَراغ يَعقُبهُ الشُّغل، والصِّحَّة يَعقُبها السَّقَم، ولَو لَم يَكُن إِلاَّ الهَرَم»[27]فتح الباري لابن حجر، 11/ 230..

ما يستفاد من الحديث:

  1. من قال هذا الدعاء موقنًا ومخلصًا في قوله فرج اللَّه ما به من هم، بل وأبدله مكانه فرحًا؛ لقوله   في أول الحديث: ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال ...، وقوله في آخره: إلا أذهب اللَّه همه وحزنه، وأبدله مكانه فرحًا.
  2. إذا حقق المسلم معنى العبودية لله فإنه لا يتصرف في شيء من أموره إلا بحسب رضا ربه، كما أن العبد المملوك لا يتصرف في شيء إلا بإذن سيده.
  3. حياة العبد من مبدئها إلى منتهاها وما يترتب على ذلك من الشقاوة أو السعادة هي بيد اللَّه وحده لا شريك له، وهذا مستفاد من قوله: ناصيتي بيدك، وقد قال هود لقومه كما ذكر اللَّه في القرآن: إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [هود:56].
  4. الإيمان بما قضاه اللَّه وقدره على عبده لقوله: ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، وهذا شامل للحُكمين الديني والقدري، فإنه مع كون اللَّه مالكًا متصرفًا فإنه عدل في أحكامه كلها، فخبره كله صدق، وقضاؤه كله عدل، وأمره كله مصلحة، وما نهى عنه كان مفسدة، وثوابه بفضله، وعقابه بعدله[28]انظر: الفوائد لابن القيم، ص36..
  5. مشروعية التوسل إلى اللَّه بأسمائه الحسنى، وفي هذا دلالة على إيمان العبد بها جميعًا كما فصلها هذا الدعاء. قال اللَّه تعالى: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]. وقال جل ذكره: قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى [الإسراء:110].
  6. فيه بيان أن حياة القلب وسعادته إنما هي في القرآن الكريم: علمًا، وعملًا، وتدبرًا، وقيامًا به في صلاة الليل، ودعوة الخلق إليه. قال اللَّه تعالى: أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا [الأنعام:122].
  7. معنى قوله : إن للَّه تسعة وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة[29]البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، برقم 2736.، أما التكرار في قوله: تسعة وتسعين مائة إلا واحدًا فهو للتأكيد، كقوله تعالى: وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلهٌ وَاحِدٌ فَإيَّايَ فَارْهَبُونِ [النحل:51]، وقد تكلم العلماء عن سرّ هذا العدد المخصوص، والصواب أن نفوّض علمه إلى اللَّه؛ لأن اللَّه لم يطلعنا على حكمة ذلك، فهو كأعداد الصلوات، واللَّه أعلم[30]النهج الأسمى للنجدي، ص49- 52..
  8. قوله: من أحصاها له عدة معانٍ على النحو الآتي:
    • أي: من حفظها وأثنى على اللَّه بها، ويشهد لهذا قوله : لا يحفظها أحد إلا دخل الجنة[31]البخاري، كتاب الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحدة، برقم 6410.، وبه قال النووي والبخاري وغيرهما[32]انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 17/ 5، وفتح الباري، 11/ 220..
    • الإطاقة كقوله: عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ [المزمل:20]، أي: لن تطيقوا قيام الليل كله، وعلى هذا يكون المراد هو حسن مراعاة هذه الأسماء، والعمل بمقتضى ما تدعو إليه من معانٍ عظيمة.
    • أن يكون الإحصاء بمعنى العقل والمعرفة والإيمان بها، وهذا مأخوذ من قول العرب: فلان ذو حصاة، أي: ذو عقل.
  9. قال القرطبي: والمرجو أنه من حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية، المرجو أن يدخله اللَّه الجنة[33]فتح الباري، 11/ 254 وما بعده..
  10. الرواية التي جاء فيها سرد الأسماء رواية ضعيفة، وهي عند الترمذي[34]الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا إبراهيم بن يعقوب، برقم 3507، وضعفها الألباني في ضعيف الترمذي، ص456. وغيره.
    قال الحافظ في الفتح: والدليل على ضعف هذه الرواية عدم تناسبها في السياق ولا في التوقيف ولا في الاشتقاق؛ لأنه إذا كان المراد الأسماء فقط فغالب الرواية صفات، وإن كان المراد الصفات فهي غير متناهية، ولم يرد بعض هذه الأسماء لا في القرآن ولا في السنة الصحيحة[35]انظر: فتح الباري، 11/ 247..

^1, ^2 الفوائد، ص22.
^3 مقاييس اللغة، 5/ 347، مادة (نصا)، وتقدمت في شرح مفردات حديث المتن رقم 107، المفردة رقم 9.
^4, ^5, ^7 الفوائد، ص23.
^6, ^9 الفتاوى الكبرى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 1/ 78.
^8 مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، 7/ 354.
^10 ذكره ابن قيم الجوزية في مدارج السالكين، 3/ 338، وفي إتحاف السادة المتقين للزبيدي، 2/ 453، وقال: قال أحمد بن عاصم.
^11 مجموع فتاوى ورسائل العثيمين، 10/ 768.
^12, ^13, ^17, ^18 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1910.
^14 أضواء البيان، 8/ 73.
^15 فتاوى اللجنة الدائمة، 11/ 457.
^16 انظر: صحيح البخاري، برقم 2736، وسيأتي تخريجه في فوائد الحديث في الفائدة السابعة.
^19 النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، 4/ 29، مادة (قرأ).
^20 العلم الهيب في شرح الكلم الطيب للإمام العيني، ص244
^21 مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 8/ 348، وانظر: شرح المشكاة للطيبي، 6/ 1910.
^22 مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية، 18/ 310.
^23 الصحاح في اللغة، ص190، مادة (جلا).
^24 شفاء العليل، ص277.
^25 شفاء العليل، ص274.
^26 المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي، 2/ 442، مادة (غبن).
^27 فتح الباري لابن حجر، 11/ 230.
^28 انظر: الفوائد لابن القيم، ص36.
^29 البخاري، كتاب الشروط، باب ما يجوز من الاشتراط والثنيا في الإقرار، برقم 2736.
^30 النهج الأسمى للنجدي، ص49- 52.
^31 البخاري، كتاب الدعوات، باب لله مائة اسم غير واحدة، برقم 6410.
^32 انظر: شرح النووي على صحيح مسلم، 17/ 5، وفتح الباري، 11/ 220.
^33 فتح الباري، 11/ 254 وما بعده.
^34 الترمذي، كتاب الدعوات، باب حدثنا إبراهيم بن يعقوب، برقم 3507، وضعفها الألباني في ضعيف الترمذي، ص456.
^35 انظر: فتح الباري، 11/ 247.