تخطى إلى المحتوى

47- أعوذ برضاك من سخطك

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 241

اللهم إني أعوذ برضاك من سَخَطك، وبمُعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصِي ثناءً عليك، أنت كما أثنيتَ على نفسك[1]رواه أبو داود: 1427 واللفظ له، والترمذي: 3566، من حديث عليٍّ ، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1282، ورواه … Continue reading.

^1 رواه أبو داود: 1427 واللفظ له، والترمذي: 3566، من حديث عليٍّ ، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1282، ورواه مسلم:  486 من حديث عائشة رضي الله عنها.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: اللَّهم إني أعوذ بك: «اللَّهُمَّ بِمَعْنَى: يَا أَلله... الْمِيم فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ بِمَنْزِلَةِ يَا فِي أَولها، وَالضَّمَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْهَاءِ هِيَ ضَمَّةُ الِاسْمِ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6.، والعوذ: الالتجاء إلى الغير، والتعلق به... وأعذته باللَّه أعيذه، أي: ألتجئ إليه، وأستنصر به أن أفعل ذلك[2]انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، 2/ 136.، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَإِنَّ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ نَوْعَانِ: فَنَوْعٌ مَوْجُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ ضَرَرِهِ... وَنَوْعٌ مَفْقُودٌ يُسْتَعَاذُ مِنْ وُجُودِهِ... ويُسْتَعَاذُ مِنْ الشَّرِّ الْمَوْجُودِ أَنْ لَا يَضُرَّ، وَيُسْتَعَاذُ مِنْ الشَّرِّ الضَّارِّ الْمَفْقُودِ أَنْ لَا يُوجَدَ»[3]انظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، 18/ 288، وتقدم في شرح المفردة رقم 1 من مفردات حديث المتن … Continue reading.
  2. قوله: برضاك من سخطك: أي بما يرضيك عما يسخطك، وقال ابن العربي رحمه الله: «الرضا: هو تعلُّق الإِرادة بالثواب، والسخط هو تعلُّق الإرادة بالعقاب، والمعافاة تعلُّق الإِرادة بالسلامة، والعقوبة تعلُّق الإرادة بالعذاب والمحن»[4]القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، ص414.، واللَّه له رضًا يليق بجلاله، وله سخط يليق بجلاله، لا يشبه في ذلك أحدًا من خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
  3. قوله: وبمعافاتك من عقوبتك: أي بالطاعة التي هي سبب العافية من المعاصي التي هي سبب للعقوبة والهلاك والبوار. قال النووي رحمه الله: «وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضاء والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو اللَّه استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته»[5]شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 204..
  4. قوله: وأعوذ بك منك: أي أنه لا مفر ولا منجى من اللَّه إلا إليه وهذا كقوله: فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ [الذاريات:50]، فإن كل أحد إذا خفته فررت منه إلا اللَّه إذا خفته فررت إليه، وبحسب خوف العبد من ربه يكون فراره إليه، قال ابن رجب رحمه الله: «إنَّ الْعَبْدَ إِذَا خَافَ مِنْ مَخْلُوقٍ، هَرَبَ مِنْهُ، وَفَرَّ إِلَى غَيْرِهِ، وَأَمَّا مَنْ خَافَ مِنَ اللَّهِ، فَمَا لَهُ مِنْ مَلْجَأٍ يَلْجَأُ إِلَيْهِ، وَلَا مَهْرَبٍ يَهْرُبُ إِلَيْهِ إِلَّا هُوَ، فَيَهْرُبُ مِنْهُ إِلَيْهِ»[6]جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط، 2/ 45..
  5. قوله: لا أحصي ثناء عليك: أي أنه لا نهاية ولا حد للثناء على اللَّه كما أنه لا نهاية لصفاته[7]فيض القدير، 2/ 139.؛ قال الإمام مالك رحمه الله: معناه: لا أحصي نعمتك، وإحسانك، والثناء بها عليك، وإن اجتهدت في الثناء عليك[8]شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 427..
    قَوْله: أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ: قال ابن عبدالبر رحمه الله: «دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ فِي وَصْفِهِ إِلَى وَصْفِ نَفْسِهِ، وَمَنْ وَصَفَهُ بِغَيْرِ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ فَقَدْ قَالَ بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَلَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ وَهُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»[9]الاستذكار، 2/ 531..
  6. قوله: «فالتمست»: التمس: أي طلب، فاستعار له اللمس[10]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 4/ 269، مادة (لمس)..
  7. قوله: «فوقعت يدي»: أي نزلت، وسقطت، وصارت عليهما[11]انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 2/ 668، مادة (وقع)..
  8. قوله: «بطن قدميه»: وباطنُ القَدَم ما رَقَّ من أَسْفلها، وتجافى عن الأَرض[12]شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 204..
  9. قوله: «منصوبتان»: أرادت أنها رأت النبي وهو ساجد، وفي رواية: «منتصبتان»، قال ابن عبدالبر: «ولفظهم متقارب والمعنى سواء»[13]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 23/ 349..
  10. قوله: «راصًّا عقبيه»: تراصوا في الصفوف أي تلاصقوا حتى لا تكون بينهم فُرَجٌ، وأصله تراصصوا من رصَّ البناء، يرصُّه رصًّا: إذا ألصق بعضه ببعض... ومنه حديث ابن صياد: فرصّه رسول اللَّه أي: ضم بعضه إلى بعض[14]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، 2/ 226، مادة (رصص).. والعَقِب: ما أَصَابَ الأرضَ من مُؤَخِّرِ الرَّجْلِ إلى موضعِ الشِّراكِ، يقال عَقْب وعَقِب، وفي الحديث: كَانَتْ نَعْلُهُ مُعَقِّبَةً أي: لها عَقِبٌ»[15]انظر: غريب الحديث لابن الجوزي، 2/ 111، مادة (عقب)..
  11. قوله: «مستقبلًا بأطراف أصابعه للقبلة»، قال الحافظ: «اسْتَدَلَّ الرَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَكُونَ الْأَصَابِعُ مَنْشُورَةً، وَمَضْمُومَةً فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ، وَمُرَادُهُ بِذَلِكَ أَصَابِعُ الْيَدَيْنِ... فَتَقْيِيدُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ الصَّحِيحَةِ يَخُصُّهُ بِالرِّجْلَيْنِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَفِيهِ: «وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ رِجْلَيْهِ الْقِبْلَةَ»[16]التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، 1/ 621..
  12. قوله: «لا أبلغ كل ما فيك»: قال العراقي في تخريجه لأحاديث الإحياء: «حديث عائشة: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك، وقد تقدم، وعند ابن خزيمة من هذا الوجه: وأعوذ بك منك، لا أحصي مدحك إلا ثناء عليك، وفي آخر عنده أيضًا من وجه آخر عنها: وبعفوك من عقوبتك، وبك منك أثني عليك، لا أبلغ كل ما فيك، وفي آخر عند الخلعي من وجه ثالث عنها: لا أحصي أسماءك، ولا ثناء عليك[17]إحياء علوم الدين، 5/ 2350..
    وقال ابن عبد البر: «وروينا عن مالك أنه قال في قوله في هذا الحديث: لا أحصي ثناء عليك يقول وإن اجتهدت في الثناء عليك، فلن أحصي نعمك وثناءك وإحسانك، قال أبو عمر: في قوله: أنت كما أثنيت على نفسك دليل على أنه لا يبلغ وصفه، وأنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه تبارك اسمه، وتعالى جده ولا إله غيره، وقد روي عن يحيى بن سعيد من حديث عائشة رضي الله عنها حديث يوافق حديث هذا الباب في بعض معانيه، وهو عندي حديث آخر، واللَّه أعلم»[18]التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 23/ 350..
  13. قوله: ما من آدمي إلا له شيطان، قال الطحاوي: «فَوَقَفْنَا عَلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ كَانَ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَسَائِرِ النَّاسِ سِوَاهُ، وَأَنَّ اللَّهَ أَعَانَهُ عَلَيْهِ، فَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِ الَّذِي هَدَاهُ لَهُ، حَتَّى صَارَ فِي السَّلَامَةِ مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ مِنْ النَّاسِ، فِيمَنْ هُوَ مَعَهُ مِنْ جِنْسِهِ، فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ مِمَّا يُوجِبُ أَنْ يُوقَفَ عَلَى ارْتِفَاعِ التَّضَادِّ عَنْهُ، وَعَمَّا رَوَيْت مِمَّا قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ خُصَّ بِهِ مِنْ إسْلَامِ شَيْطَانِهِ لِكَيْ يَسْلَمَ مِنْهُ»[19]مشكل الآثار، للطحاوي، 1/ 103..

ما يستفاد من الحديث:

  1. من تأمل هذه الكلمات فهم أنها تدل على تمام التوحيد للَّه ، وعلى قطع التفات القلب إلى غير اللَّه ، وعلى حقيقة التوكل عليه والإنابة إليه.
  2. الاعتراف بالعجز التام، والقصور الكامل فيما يتعلق بإحصاء الثناء على اللَّه؛ لأن النبي رد الثناء إلى الجملة دون التفصيل والإحصاء والتعيين.
  3. العبد لا يملك لنفسه -فضلًا عن أن يملك لغيره- ضرًّا، ولا نفعًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، فالأمر كله لله.
  4. قال الإمام أبو سليمان الخطابي رحمه الله: في هذا الدعاء معنى لطيف، وذلك أن النبي استعاذ باللَّه تعالى، وسأله أن يجيره برضاه من سخطه، وبمعافاته من عقوبته، والرضا والسخط متقابلان، كذلك المعافاة والعقوبة، فلما صار إلى ذكر ما لا ضد له، وهو اللَّه استعاذ به منه لا غير، ومعناه الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادته والثناء عليه[20]معالم السنن للخطابي، 1/ 214..
  5. بيَّن هذا الدعاء أن صفة الرضا هي من صفات اللَّه تعالى، وهي من الصفات الفعلية لوقوعها بمشيئة اللَّه تعالى، وهي ليست كرضا المخلوقين، بل هي على الوجه اللائق به ؛ واللَّه يرضى على من وجد منه مقتضى الرضا ومن ذلك:
    • أنه يرضى عن العمل لقوله: وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ [الزمر:7].
    • يرضى عن العامل لقوله: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [البينة:8].
  6. أوضح هذا الحديث أن نصب القدمين في السجود من السنة، ومعنى ذلك هو رص القدمين بعضهما ببعض، وهذا بخلاف الركبتين واليدين.
  7. كان النبي إذا صلى وسجد فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطه[21]البخاري، كتاب الأذان، باب يبدي ضبعيه، ويجافي في السجود، برقم 807، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة … Continue reading، والحكمة من هذا -كما قال بعض أهل العلم- هي إظهار القوة والنشاط في العبادة، ولكن هذا مشروط على عدم إيذاء المصلي لمن بجانبه، أما المرأة فلا تفعل ذلك التجافي؛ لأن ذلك أستر لها، ويجب السجود على سبعة أعضاء؛ لقول النبي : أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأشار بيده إلى أنفه واليدين[22]يراد بذلك الكفَّان، ولئلا يعارض حديث النهي عن الافتراش كافتراش السبع. والركبتين وأطراف القدمين[23]البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف، برقم 812، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر … Continue reading.

^1 لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6.
^2 انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، 2/ 136.
^3 انظر: مجموع الفتاوى، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، 18/ 288، وتقدم في شرح المفردة رقم 1 من مفردات حديث المتن رقم 17.
^4 القبس في شرح موطأ مالك بن أنس، ص414.
^5, ^12 شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 204.
^6 جامع العلوم والحكم ت الأرنؤوط، 2/ 45.
^7 فيض القدير، 2/ 139.
^8 شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 427.
^9 الاستذكار، 2/ 531.
^10 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 4/ 269، مادة (لمس).
^11 انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 2/ 668، مادة (وقع).
^13 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 23/ 349.
^14 انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير، 2/ 226، مادة (رصص).
^15 انظر: غريب الحديث لابن الجوزي، 2/ 111، مادة (عقب).
^16 التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير، 1/ 621.
^17 إحياء علوم الدين، 5/ 2350.
^18 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، 23/ 350.
^19 مشكل الآثار، للطحاوي، 1/ 103.
^20 معالم السنن للخطابي، 1/ 214.
^21 البخاري، كتاب الأذان، باب يبدي ضبعيه، ويجافي في السجود، برقم 807، ومسلم، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة وما يفتتح به ويختتم به، وصفة الركوع والاعتدال منه، والسجود والاعتدال منه، والتشهد بعد كل ركعتين من الرباعية، وصفة الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول، برقم 495، ويُسنّ كذلك ضم أصابع اليدين أثناء السجود؛ ليحصل بذلك تمام استقبال القبلة.
^22 يراد بذلك الكفَّان، ولئلا يعارض حديث النهي عن الافتراش كافتراش السبع.
^23 البخاري، كتاب الأذان، باب السجود على الأنف، برقم 812، ومسلم، كتاب الصلاة، باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب وعقص الرأس في الصلاة، برقم 490.