القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
"لما دنا من الصفا قرأ: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158]، أبدأ بما بدأ الله به، فبدأ بالصفا، فَرَقِيَ عليه حتى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحَّد الله وكبَّره، وقال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ. لا إله إلا الله وحده، أنجزَ وَعْدَه، ونَصَرَ عبده، وهَزَمَ الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك. قال مثل هذا ثلاث مراتٍ..." الحديث. وفيه: "ففعل على المروة كما فعل على الصفا"[1]رواه مسلم: 1218..
| ^1 | رواه مسلم: 1218. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «استلم الركن»: قال الطيبي رحمه الله: «هو افتعل من السلام: التحية، وأهل اليمن يسمون الركن الأسود «المحيا»، أي: الناس يحيونه بالسلام، قيل: هو افتعل من السلام، وهي الحجارة، واحدتها: سلمة بكسر اللام، يقال: استلم الحجر، إذا لمسه وتناوله»[1]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1959..
- قوله: «فرمل ثلاثًا»: قال النووي رحمه الله: «الرَّمَلُ: هُوَ أَسْرَعُ الْمَشْيِ مع تقارب الخطى، وَهُوَ الْخَبَبُ»[2]شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 175..
- قوله: «كان يقرأ في الركعتين»: قال النووي رحمه الله: «مَعْنَاهُ: قَرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَفِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ»[3]شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 176..
- قوله: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:125]: قال السعدي رحمه الله: «يحتمل أن يكون المراد بذلك المقام المعروف الذي قد جعل الآن مقابل باب الكعبة، وأن المراد بهذا ركعتا الطواف يستحب أن تكونا خلف مقام إبراهيم، وعليه جمهور المفسرين. ويحتمل أن يكون المقام مفردًا مضافًا، فيعم جميع مقامات إبراهيم في الحج، وهي المشاعر كلها؛ من الطواف، والسعي، والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار، والنحر، وغير ذلك من أفعال الحج، فيكون معنى قوله: مُصَلًّى، أي: معبدًا، أي: اقتدوا به في شعائر الحج، ولعل هذا المعنى أولى؛ لدخول المعنى الأول فيه، واحتمال اللفظ له»[4]تفسير السعدي، ص65..
- قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ [الإخلاص:1]، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]: قال الطيبي رحمه الله: «كذا في صحيح مسلم، وشرح السنة في إحدى الروايتين، وكان من الظاهر أن يقدم سورة الكافرين على سورة الإخلاص ترتيبًا، كما في رواية المصابيح؛ ولأن البراءة عن الشرك مقدمة على إثبات التوحيد، كما في كلمة التوحيد، ولعل السر في ذلك أن سورة الإخلاص مقدمتها مسوقة لإثبات التوحيد، وساقتها لنفي الأنداد والأضداد والشركاء، فقدم الإثبات على النفي فيها للاهتمام بشأنه حينئذ؛ لاضمحلال الكفر واندراس آثاره يوم الفتح، والله أعلم»[5]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1959..
- قوله: «لما دنا»، أي: حين اقترب، قال الفيومي رحمه الله: «دَنَا منه ودَنَا إليه: قرُب، ودَانَيْتُ بين الأمرين: قاربت بينهما»[6]انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 201، مادة (دنو)..
- قوله: الصَّفَا: في الجهة الشرقية الجنوبية. قال النووي رحمه الله: «الصفا: هو مبدأ السعي، مقصور، وهو مكان مرتفع عند باب المسجد الحرام، وهو أنف من جبل أبي قبيس»[7]تهذيب الأسماء واللغات، 3/ 181..
- قوله: وَالْمَرْوَةَ: أنف جبل آخر مقابل الصفا من الجهة الشمالية، والمسافة بينهما قرابة 760 ذراعًا[8]تفسير الجزائري، ص89.. وقال الطيبي رحمه الله: «قوله: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ هما علمان للجبلين»[9]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960..
- قوله: شَعَائِرِ اللَّهِ: أي: أعلام دينه الدالة على عبادته، مفردها: شعيرة. قال الطيبي رحمه الله: «والشعائر: جمع شعيرة، وهي العلامة، أي: من أعلام مناسكه ومتعبداته»[10]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960..
- قوله: أبدأ بما بدأ اللَّه به: أي: بالصفا؛ إشارة إلى قول اللَّه : إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158].
قال الطيبي رحمه الله: «الابتداء بالصفا شرط، وعليه الجمهور»[11]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960..
وقال المباركفوري رحمه الله: «يعني: أبتدئ بالصفا؛ لأن اللَّه بدأ بذكره في كلامه، فالترتيب الذكري له اعتبار في الأمر الشرعي، إما وجوبًا أو استحبابًا، وإن كانت الواو لمطلق الجمع في الآية. قال السندي: هذا يفيد أن بداءة اللَّه تعالى ذكرًا تقتضي البداءة عملًا، والظاهر أنه يقتضي ندب البداءة عملًا لا وجوبًا، والوجوب فيما نحن فيه من دليل آخر»[12]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 9/ 8.. - قوله: «فرقي عليه»، أي: صعد عليه[13]سبق شرح بقية الألفاظ في الحديث رقم (217).، وفيه دليل على أنه ينبغي صعود الصفا حتى يرى البيت ويستقبله إن تيسر ذلك.
قال الفيومي رحمه الله: «رَقِيتُ في السلم وغيره، ورَقِيتُ السطح والجبل: علوته، ورَقَا الطائر يَرْقُو: ارتفع في طيرانه»[14]انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 236، مادة (رقي).. - قوله: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ: قال السعدي رحمه الله: «أي: قل للكافرين مُعلنًا ومُصرحًا»[15]تفسير السعدي، ص936..
- قوله: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ: قال السعدي رحمه الله: «أي: قُلْ قولًا جازمًا به، معتقدًا له، عارفًا بمعناه: هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، أي: قد انحصرت فيه الأحدية، فهو الأحد المنفرد بالكمال، الذي له الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال المقدسة، الذي لا نظير له ولا مثيل»[16]تفسير السعدي، ص937..
- قوله: وقال: لا إله إلا اللَّه وحده: قال الطيبي رحمه الله: «يحتمل أن يكون قولًا آخر غير ما سبق من التوحيد والتكبير، وأن يكون كالتفسير له والبيان، والتكبير وإن لم يكن ملفوظًا لكن معناه مستفاد من هذا القول، ووحده: حال مؤكدة من اللَّه... في أحد الوجهين، ويجوز أن يكون مفعولًا مطلقًا»[17]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960..
- قوله: لا شريك له: قال الطيبي رحمه الله: «كذلك حال أو مصدر»[18]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960..
وقال السعدي رحمه الله: «لا شَرِيكَ لَهُ في العبادة، كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير»[19]تفسير السعدي، ص282.. - قوله: وهزم الأحزاب وحده: قال الطيبي رحمه الله: «هم الذين تحزبوا على رسول الله يوم الخندق، فهزمهم اللَّه وحده من غير قتال المسلمين ولا سبب منهم»[20]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960..
وقال النووي رحمه الله: «وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ: مَعْنَاهُ: هَزَمَهُمْ بِغَيْرِ قِتَالٍ مِنَ الْآدَمِيِّينَ وَلَا بِسَبَبٍ مِنْ جِهَتِهِمْ، وَالْمُرَادُ بِالْأَحْزَابِ: الَّذِينَ تَحَزَّبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ يوم الْخَنْدَقِ، وَكَانَ الْخَنْدَقُ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ خَمْسٍ»[21]شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 158.. - قوله: «انصبت قدماه»: قال الطيبي رحمه الله: «أي: انحدرت في المسعى، وهذا مجاز من قولهم: صب الماء فانصب»[22]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1961..
- قوله: «بطن الوادي»: قال النووي رحمه الله: «وهو ما بين الصفا والمروة وادٍ، وهو سوق البلد، ملاصق للمسجد الحرام»[23]تهذيب الأسماء واللغات، 3/ 181..
ما يستفاد من الحديث:
- هذا الحديث[24]أي حديث جابر الطويل، وهو حديث المتن، تقدم تخريجه. بطوله هو بيان لقوله : لتأخذوا مناسككم؛ فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه[25]مسلم، برقم 1297، وتقدم تخريجه..
- وجوب السعي بين الصفا والمروة لكل من طاف بالبيت في حج أو عمرة مع البدء بالصفا؛ لقول النبي : أبدأ بما بدأ اللَّه به[26]انظر حديث المتن.، وأن السعي سبعة أشواط من غير زيادة ولا نقص.
- السعي بين الصفا والمروة هو تعظيم لشعائر اللَّه، وقد أمر بذلك في قوله: وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ [الحج:32]، والتقوى هي طريق محبة اللَّه ورضوانه لمن قام بها، وهو أحد أركان الحج الأربعة مع الطواف بالبيت، والوقوف بعرفة، وقبل ذلك نية الدخول في الإحرام.
- رفع الحرج عن الصحابة ؛ لأنهم كانوا يتحرجون من السعي بينهما؛ لأنه كان في الجاهلية يوجد صنم على الصفا يقال له: إساف، وآخر على المروة يقال له نائلة، فجاء فعل النبي بيانًا دامغًا لرفع هذا الحرج، كما كان يفعل إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بالسعي بينهما. يقول أنس [27]البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه، برقم 4496.: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل اللَّه تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ [البقرة:158][28]انظر: شرح حصن المسلم، لأسامة بن عبدالفتاح، ص753..
- قال الإمام النووي رحمه الله: «وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ السَّعْيِ الشَّدِيدِ فِي بَطْنِ الْوَادِي حَتَّى يَصْعَدَ، ثُمَّ يَمْشِي بَاقِي الْمَسَافَةِ إِلَى الْمَرْوَةِ عَلَى عَادَةِ مَشْيِهِ، وَهَذَا السَّعْيُ مُسْتَحَبٌّ فِي كُلِّ مَرَّةٍ مِنَ الْمَرَّاتِ السَّبْعِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْمَشْيُ مُسْتَحَبٌّ فِيمَا قَبْلَ الْوَادِي وَبَعْدَهُ، وَلَوْ مَشَى فِي الْجَمِيعِ أَوْ سَعَى فِي الْجَمِيعِ أَجْزَأَهُ وَفَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ. وَعَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ تَرَكَ السَّعْيَ الشَّدِيدَ فِي مَوْضِعِهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا كَمَا ذُكِرَ، وَالثَّانِيَةُ تَجِبُ عَلَيْهِ إِعَادَتُهُ»[29]شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 177..
- الصفا لغة: جمع صفاة، وتجمع على: صفي وأصفاء، وهي الحجارة الصلبة الملساء، والمروة مفردها: مرو، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين وبيضاء.
| ^1, ^5 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1959. |
|---|---|
| ^2 | شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 175. |
| ^3 | شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 176. |
| ^4 | تفسير السعدي، ص65. |
| ^6 | انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 201، مادة (دنو). |
| ^7, ^23 | تهذيب الأسماء واللغات، 3/ 181. |
| ^8 | تفسير الجزائري، ص89. |
| ^9, ^10, ^11, ^17, ^18, ^20 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1960. |
| ^12 | مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 9/ 8. |
| ^13 | سبق شرح بقية الألفاظ في الحديث رقم (217). |
| ^14 | انظر: المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، 1/ 236، مادة (رقي). |
| ^15 | تفسير السعدي، ص936. |
| ^16 | تفسير السعدي، ص937. |
| ^19 | تفسير السعدي، ص282. |
| ^21 | شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 158. |
| ^22 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1961. |
| ^24 | أي حديث جابر الطويل، وهو حديث المتن، تقدم تخريجه. |
| ^25 | مسلم، برقم 1297، وتقدم تخريجه. |
| ^26 | انظر حديث المتن. |
| ^27 | البخاري، كتاب التفسير، باب قوله: إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّه، برقم 4496. |
| ^28 | انظر: شرح حصن المسلم، لأسامة بن عبدالفتاح، ص753. |
| ^29 | شرح النووي على صحيح مسلم، 8/ 177. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط