تخطى إلى المحتوى

206- بسم الله، والحمد لله

toc كتاب حصن المسلم من أذكار الكتاب والسنة 262

بسم الله، والحمد لله، سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ ۝ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ [الزخرف:13- 14]. الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك اللهم، إني ظلمتُ نفسي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت[1]رواه بنحوه: أبو داود: 2602، والترمذي: 3446، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2342..

^1 رواه بنحوه: أبو داود: 2602، والترمذي: 3446، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 2342.

شرح مفردات الحديث:

  1. قوله: «في الركاب»: أي: في محل الركوب. قال ابن الأثير رحمه الله: «الرِّكَاب، وَهِيَ: الرَّواحِل مِنَ الْإِبِلِ، وَقِيلَ: جمْع رَكُوبٍ، وَهُوَ: مَا يُرْكَبُ مِنْ كُلِّ دَابَّة، فَعُول بِمَعْنَى مَفْعول، والرَّكُوبَةُ أخَصُّ مِنْهُ»[1]النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 256، مادة (ركب)..
  2. قوله: بسم اللَّه: أي: أركب باسم اللَّه متيمنًا به راجيًا السلامة منه [2]عند الترمذي أنها تقال ثلاث مرات.. قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «تقديره: باسم اللَّه ابتدائي... أو أبدَأ ببسم اللَّه، أو ابتدأت ببسم اللَّه، فكلاهما صحيح... فالمشروع ذكر اسم اللَّه في كل أمر؛ تبركًا وتيمنًا، واستعانة على الإتمام والتقبل»[3]تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 1/ 121..
  3. قوله: الحمد للَّه: أي: على هذه النعمة خاصة، وعلى النعم التي نتقلب فيها عامة. قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «يعني: أنه جعل لنا ما نركب لنستقر على الظهور، فلم يجعله صعبًا نزرًا لا يستوي الإنسان على ظهره ولا يستقر، بل هو يستقر على ظهره، وهذا مشاهد في السيارات والسفن والطائرات والإبل الذلول وما أشبه ذلك»[4]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 972..
  4. قوله: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا: أي: تنزه وتقدس من أقْدَرَنا على ركوبه والتحكم فيه.
    قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «سبحان تدل على التنزيه، يعني: تنزيه اللَّه عن الحاجة وعن النقص، فكأن الإنسان يشعر إذا ركب على هذه الفلك والأنعام أنه محتاج إليه يستعين به على حاجاته، فيسبّح اللَّه الذي هو مستغنٍ عن كل خلقه، فكان التسبيح في هذا المقام أنسب، مع أنه جاء في السنة أنه يحمد اللَّه»[5]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 974..
    وقال ابن الجوزي رحمه الله: «سخّر بمعنى: ذلّل لنا هذا المركوب، نجري به حيث نشاء»[6]كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص682..
  5. قوله: وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ: أي: وما كنا لذلك الركوب بمطيقين ولا ضابطين لتسخيره، لولا معونة اللَّه . قال الطيبي رحمه الله: «مقرنين: مطيقين مقتدرين، من أقرن له: أطاقه وقوي عليه، وهو اعتراف بعجزه، وأن تمكنه من الركوب عليه بإقدار اللَّه تعالى وتسخيره إياه»[7]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1892..
  6. قوله: وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ: أي: لصائرون إليه بعد الموت: وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى [النجم:42].
    قال الطيبي رحمه الله: «ومنقلبون: راجعون إليه، وفيه تنبيه على أن السفر الأعظم الذي بصدده، وهو الرجوع إلى اللَّه تعالى، فهو أهم بأن يهتم به ويشتغل بالاستعداد له قبل نزوله»[8]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1892..
    وقال البجيرمي رحمه الله: «وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ: رَاجِعُونَ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ؛ فَيَنْبَغِي لِمَنْ اتَّصَلَ بِهِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ أَنْ يَكُونَ حَامِلًا لَهُ عَلَى التَّوْبَةِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللَّهِ فِي رُكُوبِهِ وَمَسِيرِهِ»[9]تحفة الحبيب على شرح الخطيب: حاشية البجيرمي على الخطيب، لسليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، … Continue reading.
  7. قوله: اللَّه أكبر، أي: أكبر من كل كبير، فهو كبير الشأن، كبير القدر، كبير عن مشابهة أحد من خلقه. وقال ابن الأثير رحمه الله: «معناه: اللّه الكبير، وقال النحويون: معناه اللّه أكبر من كل شيء»[10]النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 4/ 52، مادة (كبر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 8 من مفردات حديث المتن رقم … Continue reading.
  8. قوله: يعجب: أي: عجبًا يليق به ، فهي صفة كسائر الصفات؛ معلومة المعنى، مجهولة الكيفية، نؤمن بها كما جاءت.
  9. لا أعلم في السنة دعاء مخصوص صحيح لركوب البحر، وأما خبر: «أمان لأمتي من الغرق إذا ركبوا أن يقولوا: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41]، وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [الأنعام:91]»، فلا أعلم أن أحدًا من أهل العلم صححه[11]أخرجه ابن السني، ص187، والطبراني في الكبير، 12/ 124، برقم 12661، وفي الأوسط، 6/ 184، برقم 6136، وأبو يعلى، 12/ 152، برقم 6781، … Continue reading.
  10. قوله: «شهدت»: قال ابن علان رحمه الله: «أي: حضرت»[12]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 293..
  11. قوله: «أتى بدابته» قال ابن علان رحمه الله: «وعند الترمذي: بدابةٍ بالتنوين، والدابة في أصل اللغة: ما يدبّ على وجه الأرض، ثم خصها العُرْف بذات الأربع. قال في المصباح: وتخصيص الفرس والبغل والحمار بالدابة عند الإطلاق عرف طارئ»[13]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 293..
  12. قوله: سبحانك اللهم: قال ابن علان رحمه الله: «بالنصب على المفعولية المطلقة بعامل لا يظهر وجوبًا، أي: أقدسك تقديسًا مطلقًا؛ لأن كل ما لا يليق به تعالى، فهو مقدس عنه، [وكذلك] سائر سمات الحوادث»[14]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..
  13. قوله: إني ظلمت نفسي: قال ابن علان رحمه الله: «إني ظلمت نفسي بعدم القيام بحقك؛ لشهود التقصير في شكر هذه النعمة العظمى، ولو بغفلة أو خطرة أو نظرة»[15]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..
  14. قوله: فاغفر لي: قال ابن علان رحمه الله: «أي: استر ذنوبي بعدم المؤاخذة بالعقاب عليها»[16]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..
  15. قوله: إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت: قال ابن علان رحمه الله: «استئناف بياني كالتعليل لسؤال الغفران، وفيه إشارة بالاعتراف بتقصيره مع إنعام اللّه وتكثيره»[17]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..
  16. قوله: «يا أمير المؤمنين، من أي شيء ضحكت؟»: قال ابن علان رحمه الله: «لما لم يظهر ما يتعجب منه مما ينشأ عنه الضحك، استفهمه عن سببه، وقدم نداءه على سؤاله كما هو الأدب في الخطاب، وفي رواية للترمذي في «شمائله»: «فقلت: من أي شيء ضحكت يا أمير المؤمنين؟»[18]شمائل الترمذي، ص264، برقم 231، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص123، برقم 198.، وتقديم المسؤول عنه على ندائه لأنه أهم حينئذ؛ لأن النداء لأجله، وفي قوله: «يا أمير المؤمنين» إيماء إلى أن القصة جرت منه أيام خلافته»[19]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..
  17. قوله: «قال: رأيت النبي صنع كما صنعت»: قال ابن علان رحمه الله: «أي: أبصرت النبي صنع كما صنعتُ من الركوب والذكر في أماكنه»[20]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..
  18. قوله: إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم...: قال ابن علان رحمه الله: «جملة حالية من فاعل قال، أي: قال ذلك عالمًا غير غافل أنه لا يغفر الذنوب غيري»[21]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294..

ما يستفاد من الحديث:

  1. استحباب قول هذا الذكر عند ركوب أي مركب، دابة أو سيارة أو طائرة أو غير ذلك من وسائل النقل، ويكون قول: بسم اللَّه عند وضع الرجل في الركاب، أما عند الاستقرار في وسيلة النقل فيقال هذا الدعاء.
  2. بيان عظيم فضل اللَّه على خلقه ورحمته بهم بتسخير هذه الدواب وغيرها لهم، كما قال اللَّه : أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ ۝ وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ ۝ وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ [يس:71- 73].
  3. قال ابن علان رحمه الله: «ثلاث مرات: في التكرير إشعار بعظم جلال اللّه سبحانه، وأن العبد لا يقدر اللّه حق قدره، وهو مأمور بالدأب في طاعته حسب استطاعته. وقيل في حكمة التكرير ثلاثًا: إن الأول لحصول النعمة، والثاني لدفع النقمة، والثالث لعموم المنحة... اللّه أكبر ثلاث مرات: والتكرير للمبالغة في ذلك، أو الأول إيماء إلى الكبرياء والعظمة في الذات، والثاني الكبرياء والعظمة في الصفات»[22]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 293..
  4. اشتمل هذا الدعاء على جملة من العلوم؛ منها:
    • قول العبد: سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف:13] دليل على تنزيه اللَّه عن النقص والحاجة، فكأن قائل هذا الذكر يعلم ضعفه وعجزه وحاجته، فكان التسبيح في هذا المقام مناسبًا جدًّا.
    • تأسي الصحابة بأفعال الرسول وإشاعة ذلك العلم بين الناس دليل عملي على صدق الاتباع.
  5. صفة التعجب لله هي من صفات الأفعال، والتي تصدر عن حكمة يعلمها ، وتدل على أمور تقتضيها، وصفة اللَّه تليق به، لا يشبه فيها أحدًا من خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11]:
    • صفة التعجب قد تدل على محبة اللَّه للفعل الذي هو محل التعجب، كما في هذا الحديث.
    • قد يدل التعجب على بغض اللَّه للفعل الذي هو محل التعجب، كما في قوله: بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ [الصافات:12][23]وقرأها ابن مسعود بالضم..
    • قد يدل على عدم حسن الحكم، مثل قوله: كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ [التوبة:7].
    • قد يدل أحيانًا على حسن المنع كقوله: كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [آل عمران:86].
  6. وإذا كان التعجب في حق الإنسان منشؤه غرابة الفعل وأنه حدث على وجه يثير العجب والاستغراب، حيث فوجئ الإنسان بالفعل الذي هو محل التعجب، فإن اللَّه منزه عن كل هذه المعاني، ولا ترد في حقه لوازم تعجب الإنسان[24]انظر: شرح رياض الصالحين، للهلالي، حديث رقم 1840.: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
  7. قال ماجد البنكانية: «وقوله : سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، فيه الثناء على اللَّه بتسخيره للمركوبات التي تحمل الأثقال والنفوس إلى البلاد النائية والأقطار الشاسعة، واعتراف بنعمة اللَّه بالمركوبات.
  8. وهذا يدخل فيه المركوبات من الإبل ومن السفن البحرية والبرية والهوائية، فكلها تدخل في هذا.
  9. ولهذا قال نوح للراكبين معه في السفينة: ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41].
  10. فهذه المراكب كلها وأسبابها وما به تتم وتكمل كله من نعم اللَّه وتسخيره، يجب على العباد الاعتراف للَّه بنعمته فيها، وخصوصًا وقت مباشرتها.
  11. وفيه: تذكر الحالة التي لولا الباري لما حصلت وذللت في قوله: وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ، أي: مطيقين. لو رَدَّ الأمر إلى حولنا وقوتنا لكنَّا أضعف شيء علمًا وقدرة وإرادة، ولكنه تعالى سخر الحيوانات، وعلَّم الإنسان صنعة المركوبات، كما امتن اللَّه في تيسير صناعة الدروع الواقعية»[25]إتحاف الأطهار بفضل الدعاء وصحيح الأذكار وفوائدهما، لماجد البنكانية، ص52..

^1 النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 256، مادة (ركب).
^2 عند الترمذي أنها تقال ثلاث مرات.
^3 تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، 1/ 121.
^4 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 972.
^5 شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 974.
^6 كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص682.
^7, ^8 شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 6/ 1892.
^9 تحفة الحبيب على شرح الخطيب: حاشية البجيرمي على الخطيب، لسليمان بن محمد بن عمر البُجَيْرَمِيّ المصري الشافعي، 2/ 288.
^10 النهاية في غريب الحديث والأثر، ابن الأثير، 4/ 52، مادة (كبر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 8 من مفردات حديث المتن رقم 2.
^11 أخرجه ابن السني، ص187، والطبراني في الكبير، 12/ 124، برقم 12661، وفي الأوسط، 6/ 184، برقم 6136، وأبو يعلى، 12/ 152، برقم 6781، وضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد، 10/ 132، وذكر الألباني في ضعيف الجامع برقم 1248 أنه موضوع.
^12, ^13, ^22 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 293.
^14, ^15, ^16, ^17, ^19, ^20, ^21 دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 294.
^18 شمائل الترمذي، ص264، برقم 231، وصححه الألباني في مختصر الشمائل، ص123، برقم 198.
^23 وقرأها ابن مسعود بالضم.
^24 انظر: شرح رياض الصالحين، للهلالي، حديث رقم 1840.
^25 إتحاف الأطهار بفضل الدعاء وصحيح الأذكار وفوائدهما، لماجد البنكانية، ص52.