القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم أعنِّي على ذِكرك وشُكرك وحُسْن عبادتك[1]رواه أبو داود: 1522، والنسائي: 1303، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1362..
| ^1 | رواه أبو داود: 1522، والنسائي: 1303، وصححه الألباني في "صحيح سنن أبي داود": 1362. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللَّهم: «اللَّهُمَّ بِمَعْنَى: يَا أَلله... الْمِيم فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ بِمَنْزِلَةِ يَا فِي أَولها، وَالضَّمَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْهَاءِ هِيَ ضَمَّةُ الِاسْمِ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6..
- قوله: أعني: أي: أطلب منك العون والقوة على فعل الطاعات فأنت المستعان الذي لا يطلب العون من أحد بل يُطلب منك وحدك، فكل إعانة وعون منك وبك.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «والاستعانة: طلب العون بلسان المقال؛ كقولك: «اللهم أعني»، أو: «لا حول ولا قوة إلا باللَّه» عند شروعك بالفعل، أو بلسان الحال، وهي أن تشعر بقلبك أنك محتاج إلى ربك أن يعينك على هذا الفعل، وأنه إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى ضعف، وعجز، وعورة، أو طلب العون بهما جميعًا، والغالب أن من استعان بلسان المقال؛ فقد استعان بلسان الحال، ولو احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالمخلوق كحمل صندوق مثلًا؛ فهذا جائز، ولكن لا تشعر نفسك أنها كاستعانتك بالخالق، وإنما عليك أن تشعر أنها كمعونة بعض أعضائك لبعض، كما لو عجزت عن حمل شيء بيد واحدة؛ فإنك تستعين على حمله باليد الأخرى، وعلى هذا؛ فالاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة ببعض أعضائك»[2]القول المفيد على كتاب التوحيد، 2/ 368.. - قوله: واللَّه إني لأحبك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ يُحِبُّ أَشْخَاصًا، كَمَا قَالَ لِمُعَاذٍ: وَاللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّكَ... فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِمَحَبَّةِ أَشْخَاصٍ... حَتَّى يَكُونَ الْمَحْبُوبُ بِهَا مَحْبُوبًا لِذَاتِهِ، لَا لِشَيْءٍ آخَرَ، إذ الْمَحْبُوبُ لِشَيْءٍ غَيْرِهِ هُوَ مُؤَخَّرٌ فِي الْحُبِّ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ»[3]مجموع الفتاوى، 10/ 68.، وفي عون المعبود: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ: لَامُهُ لِلِابْتِدَاءِ وَقِيلَ لِلْقَسَمِ وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُ»[4]عون المعبود وحاشية ابن القيم، 4/ 269..
- قوله: على ذكرك: أي: بالقلب واللسان، ويدخل في ذلك جميع أنواع الثناء والمحامد التي وردت في القرآن وصحت بها السنة، والشكر يكون بالقلب إقرارًا بالنعم واعترافًا، وباللسان ذكرًا وثناءً، وبالجوارح طاعة لأمره واجتنابًا لنهيه، وهو من أسباب بقاء النعم ورفع النقم[5]انظر: تفسير السعدي، ص87..
- قوله: وشكرك: قال السعدي رحمه الله: «والشكر يكون بالقلب، إقرارًا بالنعم، واعترافًا، وباللسان، ذكرًا وثناء، وبالجوارح، طاعة للَّه، وانقيادًا لأمره، واجتنابًا لنهيه، فالشكر فيه بقاء النعمة الموجودة، وزيادة في النعم المفقودة... وفي الإتيان بالأمر بالشكر بعد النعم الدينية، من العلم، وتزكية الأخلاق، والتوفيق للأعمال، بيان أنها أكبر النعم، بل هي النعم الحقيقية التي تدوم، إذا زال غيرها، وأنه ينبغي لمن وفقوا لعلم أو عمل، أن يشكروا اللَّه على ذلك، ليزيدهم من فضله، وليندفع عنهم الإعجاب، فيشتغلوا بالشكر»[6]تفسير السعدي، ص74..
- قوله: وحسن عبادتك: وإنما تكون حسنة بالإخلاص واقتفاء السنة، أما غير ذلك فهي رد على صاحبها؛ لقول النبي : من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد[7]مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، برقم 1718..
- قوله: أوصيك يا معاذ: أي: أعهد إليك، قال في القاموس: «وأوصاه، ووصاه توصية: عهد إليه»[8]القاموس المحيط، ص1731، مادة (وصي)..
وقال في المجموع شرح المهذب: «الوصايا جمع وصية: كعطايا، وعطية مأخوذة من قولهم: وصيت الشيء أصيه، من باب وعد، ووصيته، ووصيت إلى فلان توصية، وأوصيت إليه إيصاء... وأوصيت إليه بمال: جعلته له، وأوصيته عليه»[9]المجموع شرح المهذب، 15/ 397.. - قَوْله: لا تدعن دُبُر كُلّ صَلَاة: لا تدع: أي: لا تترك، قال ابن الأثير: «ودَعَ الشيءَ يدَعُه وَدْعًا، إذا تَركَه»[10]النهاية في غريب الحديث والأثر، 5/ 365، مادة (ودع)..
وقال الشوكاني رحمه الله: «لَا تَدَعَنَّ: هُوَ نَهْيٌ مِنْ وَدَعَهُ، إلَّا أَنَّهُ هُجِرَ مَاضِيهِ فِي الْأَكْثَرِ اسْتِغْنَاءً عَنْهُ بِتَرْكٍ»[11]نيل الأوطار، 6/ 333..
وقال القاري: «فلا تدع: أي: إذا كنت تحبني، أو إذا كان بيني وبينك تحابب، أو إذا أردت ثبات هذه المحاببة، فلا تترك أن تقول في دبر كل صلاة، أي: عقبها، وخلفها، أو في آخرها»[12]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 1/ 35..
ودبر: أي: بعد أداء الصلوات، قال ابن الأثير: «دِبارٌ: جمع دُبُر، وهو آخرُ أوقاتِ الشَّيء... ويقال: فلانٌ ما يَدْرِي قِبَالَ الأمرِ من دِبَارِه: أي ما أوّلُه من آخِره، والمراد أنه يأتي الصلاةَ حين أدْبَر وقتُها»[13]النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 206، مادة (دبر)..
قال النووي: «هُوَ بِضَمِّ الدَّال، هَذَا هُوَ الْمَشْهُور فِي اللُّغَة، وَالْمَعْرُوف فِي الرِّوَايَات، وَ... دَبر كُلّ شَيْء -بِفَتْحِ الدَّال-: آخِر أَوْقَاته، مِنْ الصَّلَاة وَغَيْرهَا، وَقَالَ: هَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي اللُّغَة... دُبُر الشَّيْء، وَدَبره بِالضَّمِّ وَالْفَتْح: آخِر أَوْقَاته، وَالصَّحِيح الضَّمّ»[14]شرح النووي على صحيح مسلم، 5/ 95..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «دُبُر الأَمر يَعنِي بِضَمَّتَينِ، ودَبره يَعنِي بِفَتحٍ ثُمَّ سُكُون: آخِره، وادَّعَى أَبُو عَمرو الزّاهِد أَنَّهُ لا يُقال بِالضَّمِّ إِلَّا لِلجارِحَةِ، ورَدَ بِمِثلِ قَولُهُم: أَعتَقَ غُلامه عَن دُبُر، ومُقتَضَى الحَدِيث أَنَّ الذِّكر المَذكُور يُقال عِند الفَراغ مِنَ الصَّلاة، فَلَو تَأَخَّرَ ذَلِكَ عَن الفَرَاغِ؛ فَإِن كانَ يَسِيرًا بِحَيثُ لا يُعَدّ مُعرِضًا، أَو كانَ ناسِيًا، أَو مُتَشاغِلًا بِما ورَدَ أَيضًا بَعد الصَّلاة كَآيَةِ الكُرسِيّ فَلا يَضُرّ، وظاهِر قَولِهِ: كُلّ صَلاة يَشمَلُ الفَرض والنَّفل، لَكِن حَمَلَهُ أَكثَر العُلَماء عَلَى الفَرض»[15]فتح الباري، لابن حجر، 2/ 328..
ما يستفاد من الحديث:
- بيان منزلة معاذ ومحبة الرسول له ولذلك أوصى الأمة في شخصه بهذا الدعاء الجامع.
- جميل أخلاق الرسول وتلطفه مع أصحابه، حيث أخذ النبي بيد معاذ، وناداه باسمه ليشعر بحبه له ثم أوصاه.
- المؤمن إذا أحب أخاه أظهر ذلك له، وأخبره بذلك الحب الذي هو في اللَّه، قال العيني: فيه «استحباب قول الرجل لمن يُحبه: إني أحبك، وجواز الحلِف على ذلك، واستحباب الوصية بالخير، واستحباب المواظبة على الدعاء المذكور عقيب كل صلاة»[16]شرح أبي داود للعيني، 5/ 433.. وفي عون المعبود: «وَفِيهِ أَنَّ مَنْ أَحَبَّ أَحَدًا يُسْتَحَبُّ لَهُ إِظْهَارُ الْمَحَبَّةِ لَهُ»[17]عون المعبود وحاشية ابن القيم، 4/ 269..
- جواز الحلف من غير استحلاف، وذلك على سبيل التوكيد.
- إثبات اسم «المستعان» لله وهو من أشرف الأسماء لشرف متعلقه، وقد تضمنت الفاتحة معناه في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الفاتحة:5].
- هل يقال هذا الذكر قُبَيل السلام أم بعد السلام؟ وما هو المقصود بقول النبي : دبر كل صلاة؟
قال الشيخ عبداللَّه البسام رحمه الله: أكثر العلماء على الثاني، وطائفة على الأول ومنهم شيخ الإسلام[18]انظر: توضيح الأحكام في بلوغ المرام، 1/ 308. رحمه الله: وهو قول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله حيث قال: «ما ورد مقيدًا بدبر الصلاة، فإن كان ذكرًا فهو بعد السلام وإن كان دعاءً فهو قبل السلام»[19]الشرح الممتع، 3/ 203..
وسمعت شيخنا الإمام ابن باز رحمه الله يختار أن الأفضل أن يقال هذا الذكر في التشهد قبل السلام. - جاء تقديم الذكر على الشكر في هذا الدعاء؛ لأن العبد ما لم يكن ذاكرًا لم يكن شاكرًا، كما تقدم في قوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ [البقرة:152]، والشكر يكون بالقلب إقرارًا بالنعم واعترافًا، وباللسان ذكرًا وثناءً، وبالجوارح طاعة لأمره واجتنابًا لنهيه وهو من أسباب بقاء النعم ورفع النقم[20]انظر: تفسير السعدي، ص87..
- الاستعانة لها تعلق عظيم بالعبادة. قال ابن القيم: والاستعانة تجمع أصلين: الثقة باللَّه، والاعتماد عليه؛ فإن العبد قد يثق بالواحد من الناس ولا يعتمد عليه في أموره -مع ثقته به- لاستغنائه عنه، وقد يعتمد عليه -مع عدم ثقته به- لحاجته إليه ولعدم من يقوم مقامه؛ فيحتاج إلى اعتماده عليه مع أنه غير واثق به[21]انظر: بدائع الفوائد، ص150..
| ^1 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6. |
|---|---|
| ^2 | القول المفيد على كتاب التوحيد، 2/ 368. |
| ^3 | مجموع الفتاوى، 10/ 68. |
| ^4, ^17 | عون المعبود وحاشية ابن القيم، 4/ 269. |
| ^5, ^20 | انظر: تفسير السعدي، ص87. |
| ^6 | تفسير السعدي، ص74. |
| ^7 | مسلم، كتاب الأقضية، باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور، برقم 1718. |
| ^8 | القاموس المحيط، ص1731، مادة (وصي). |
| ^9 | المجموع شرح المهذب، 15/ 397. |
| ^10 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 5/ 365، مادة (ودع). |
| ^11 | نيل الأوطار، 6/ 333. |
| ^12 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 1/ 35. |
| ^13 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 206، مادة (دبر). |
| ^14 | شرح النووي على صحيح مسلم، 5/ 95. |
| ^15 | فتح الباري، لابن حجر، 2/ 328. |
| ^16 | شرح أبي داود للعيني، 5/ 433. |
| ^18 | انظر: توضيح الأحكام في بلوغ المرام، 1/ 308. |
| ^19 | الشرح الممتع، 3/ 203. |
| ^21 | انظر: بدائع الفوائد، ص150. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط