القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ: قال ابن عبدالبر رحمه الله: «وَذَلِكَ إِيمَانٌ بِاللَّهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْطِرُ وَلَا يُعْطِي وَلَا يَمْنَعُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا النَّوْءُ؛ لِأَنَّ النَّوْءَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ شَيْئًا وَلَا لِغَيْرِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ وَقْتٌ»[1]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 7/ 158..
- قوله: «صلى لنا»: أي: صلى بنا، وفيه جواز إطلاق ذلك مجازًا، وإنما الصلاة لله تعالى.
قال الزرقاني رحمه الله: «قال صلى لنا رسول اللَّه ، أي: لأجلنا، واللام بمعنى الباء، أي: صلَّى بنا، وفيه جواز إطلاق ذلك مجازًا وإنما الصلاة للَّه تعالى»[2]شرح الزرقاني على موطأ مالك، 1/ 547.. - قوله: «إثر سماء»: على أثر: الأثر هو ما يعقب الشيء.
- قوله: «سماء»: أي: مطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهة السماء، وكل جهة علو تُسمَّى سماء.
قال الرافعي رحمه الله: «وقوله: «في إثر سماء»: يقال: خرجت في إثره وأثره، إذا خرجت عقيبه»[3]شرح مسند الشافعي، للرافعي، 2/ 55..
وقال القرطبي رحمه الله في المفهم: «السَّمَاءُ هنا المطرُ، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه يَنْزِلُ من السماء، وحقيقةُ السماء: كلُّ ما علاك فأظلَّك»[4]المفهم، 1/ 287، وجامع الأصول، 11/ 577..
وقال القاضي عياض رحمه الله: «أثر سماء: السماء: المطر، وجمعه أسميَة... والسماء: السحاب، وأصل السماء: كل ما ارتفع فأظل وعلا، وسماء كل شيء ما علا منه، وبه سميت السماء والسحاب، ثم سُمي المطرُ به لمجيء السحاب به، كما سُمّيَ مُزْنًا، والمزن: السحاب. على إثر سماء: هو بكسر الهمزة وإسكان الثاء وفتحها جميعًا لغتان مشهورتان، والسماء المطر»[5]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 330.. - قوله: بنوء كذا وكذا: النوء هو النجم، ومعنى النوء: سقوط نجم في المغرب من النجوم الثمانية والعشرين التي هي منازل القمر[6]انظر: فتح الباري، 2/ 645، وما بعدها.. قال ابن الأثير رحمه الله: «النوء: واحد الأنواء، وهي ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة في منزلة منها، ويسقط في الغرب كل ثلاث عشرة ليلة منزلة مع طلوع الفجر، وتطلع أخرى مقابلها، فتنقضي جميعها مع انقضاء السنة، وكانت العرب تزعم أن مع سقوط المنزلة وطلوع رقيبها يكون مطر، فينسبون المطر إلى المنزلة، ويقولون: «مُطرنا بنوء كذا»، وإنما سُمّي نوءًا لأنه إذا سقط الساقط منها بالمغرب ناء الطالع بالمشرق، ينوء نوءًا، أي: نهض وطلع، وقيل: إن النوء هو الغروب، فهو من الأضداد. قال أبو عبيد: لم نسمع في النوء أنه السقوط إلا في هذا الموضع، وإنما غلظ النبي في أمر الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها، فأما من جعل المطر من فعل اللَّه تعالى، وأراد بقوله: «مطرنا بنوء كذا»، أي: في وقت كذا، وهو هذا النوء الفلاني؛ فإن ذلك جائز، فقد قيل: إن عمر بن الخطاب أراد أن يستسقي، فنادى بالعباس بن عبدالمطلب: كم بقي من نوء الثريا؟ فقال: إن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا بعد وقوعها، فما مضت تلك السبع حتى غيث الناس، وأراد عمر: كم بقي من الوقت الذي قد جرت العادة أنه إذا تم أتى اللَّه بالمطر؟»[7]جامع الأصول، 11/ 577..
- قوله: كافر بي: قال ابن الأثير رحمه الله: «فيحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الإيمان، ويحتمل أنه أراد به الكفر الذي هو ضد الشرك، يعني: أنه كفر نعمة اللَّه؛ حيث نسبها إلى غيره»[8]جامع الأصول، 11/ 577..
- قوله: «بالحديبية»: يقال: سميت بشجرة حدباء هناك، وهي بئر قريب من مكة دون مرحلة، وهي المكان الذي وقع فيه صلح الحديبية، أو غزوة الحديبية، أو فتح الحديبية.
قال القرطبي رحمه الله: «والحديبية: موضعٌ فيه ماءٌ بينه وبين مَكَّة أميال»[9]المفهم، 1/ 287..
وقال ابن عبدالبر رحمه الله: «حُدَيْبِيَةُ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ فِي آخِرِ الْجَبَلِ وَأَوَّلِ الْحَرَمِ، وَفِيهِ كَانَ الصُّلْحُ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ، وَفِيهِ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ تَحْتَ الشَّجَرَةِ»[10]الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 7/ 154..
وقال الرافعي رحمه الله: «وهي قرية ليست بالكبيرة، سميت ببئر هناك، ومنها إلى مكة مرحلة، وإلى المدينة تسع مراحل، وعن مالك أنها من الحرم، وقيل: إنها من الحل، وقيل: بعضها من الحل وبعضها من الحرم، وعلى تقدير الحل عُدّت من مواقيت العمرة»[11]شرح مسند الشافعي، 2/ 55.. - قوله: «فلما انصرف»: أي: من صلاته أو من مكانه. قال القرطبي رحمه الله: «وقوله: فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، أي: انصرَفَ مِنْ صلاته وفرَغَ منها؛ فظاهره: أنَّه لم يكن يثبت في مكان صلاتِهِ بعد سلامه، بل كان ينتقلُ عنه ويتغيَّرُ عن حالته، وهذا الذي استحبَّهُ مالك للإمامِ في المسجد»[12]المفهم، 1/ 287..
- قوله: «أقبل على الناس»: أي: استدار من جهة القبلة وجعل وجهه لمن صلى خلفه. قال الزرقاني رحمه الله: «أقبل على الناس بوجهه الوجيه»[13]شرح الزرقاني، 1/ 547..
- قوله: أَصْبَحَ مِنَ النَّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ: قال القرطبي رحمه الله: «أصلُ الشكر: الظهورُ، ومنه قولهم: دابَّةٌ شَكُورٌ: إذا ظهر عليها من السِّمَن فوق ما تأكلُهُ من العلف، والشاكرُ: هو الذي يُثْنِي بالنعمةِ ويُظْهِرها ويعترفُ بها للمُنْعِم، وجَحْدُهَا كفرانُهَا؛ فمَنْ نسَبَ المطَرَ إلى اللَّه تعالى وعرَفَ مِنَّتَهُ فيه فقد شكَرَ اللَّه تعالى، ومَنْ نسبه إلى غيره فقد جحَدَ نعمةَ اللَّه تعالى في ذلك وظلَمَ بنسبتها لغير المُنْعِم بها؛ فإن كان ذلك عن اعتقاد كان كافرًا ظالمًا حقيقةً، وإن كان غير معتقد فقد تشبَّهَ بأهلِ الكفر والظلمِ الحقيقيِّ»[14]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 24..
وقال القاضي عياض رحمه الله: «قوله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي... الحديث، قال الإمام: هذا يحمل على أن المراد به تكفير من اعتقد أن المطر من فعل الكواكب وخلقها دون أن يكون خلقًا للَّه، كما يقول بعض الفلاسفة من أن اللَّه تعالى لم يخلق من الأشياء إلا واحدًا وهو العقل الأول عندهم، وكان عن العقل الأول غيره، وهكذا عن واحد آخر إلى أن كان عن كل ذلك ما تحته، حتى ينتهى الأمر إلى الأمطار وإلينا، في تخليط طويل»[15]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 330.. - قوله: هل تدرون: لفظ استفهام معناه التنبيه. قال الزرقاني رحمه الله: «الاستفهام، ومعناه التنبيه، وللنسائي من طريق سفيان عن صالح: ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟»[16]شرح الزرقاني، 1/ 548..
وقال القاضي عياض رحمه الله: «وأما من اعتقد أن لا خالق إلا اللَّه سبحانه، ولكن جعل في بعض الاتصالات من الكواكب دلالة على وقوع المطر من خلقه تعالى، على عادة جرت في ذلك، فلا يكفر بهذا إذا عبر عنه بعبارة لا يمنع الشرع منها، والظن بمن قال من العوام: هذا نوءُ الثُرَيّا ونوْءُ الراعي أنه إنما يريد هذا المعنى، وقد أشار مالك رحمه الله في موطئه إلى هذين المعنيين، وأوردهما فى بابين، وأورد فى المعنى الأول الحديث الذي نحن فيه، وأورد في المعنى الثاني: إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عينُ غديقةٍ. قال القاضي: قال الحربي: إنما جاءت الآثار بالتغليظ؛ لأن العرب كانت تزعم أن ذلك المطر من فعل النجم، ولا يجعلونه من سقي اللَّه تعالى، فأما من نسبه إلى اللَّه وجعل النوء مثل أوقات الليل والنهار كان ذلك واسعًا»[17]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 331.. - قوله : وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82]: قال القاضي ابن العربي رحمه الله: «ذلك في الأنواء، وهذا قولُ جماعة أهل التّفسير، ورُوي عن سعيد بن أُمَيَّة أنّ النّبيَّ سمعَ رَجُلًا في بعض أَسْفَارِهِ يقولُ: مُطِرْنَا بِبَعْضِ عثانين الأسد، فقال رسول اللَّه : كذبتَ، بل هو سُقْيَا الله وَرِزقُه[18]أخرجه الطّبريّ في تفسيره، 26/ 205، 208، وابن عبدالبرّ في التمهيد، 16/ 284، وفي الاستذكار أيضًا، 7/ 158، ولم يذكر فيه … Continue reading»[19]المسالك في شرح موطأ مالك، 3/ 328..
ما يستفاد من الحديث:
- استحباب استقبال الإمام للمصلين عقيب انتهائه من الصلاة[20]راجع الفائدة السادسة والفائدة الثامنة من فوائد الحديث رقم 66 من أحاديث متن هذا الكتاب..
- جواز طرح الإمام المسألة على أصحابه وتشويقهم لمعرفة الإجابة. قال الزرقاني رحمه الله: «فيه طرح الإمام المسألة على أصحابه، وإن كانت لا تدرك إلا بدقة نظر»[21]شرح الزرقاني، 1/ 548..
- حسن أدب الصحابة مع الرسول ، وقولهم: «اللَّه ورسوله أعلم»، وعدم التجرؤ على الفتيا بغير علم، أما حديث: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار[22]سنن الدارمي، 1/ 39، برقم 159، وضعفه العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة، 1814.، ففيه نظر.
- إثبات صفة الكلام لله على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل[23]سبق شرح هذا في المفردة الثانية من مفردات الحديث رقم 97 من أحاديث المتن..
- الإجابة بـ«اللَّه ورسوله أعلم» تكون في الأمور الشرعية، أي: مسائل الحلال والحرام، أما الأمور الكونية القدرية فلا يقال إلا: اللَّه أعلم؛ لأن هذا أمر غيبي لا يطلع عليه إلا اللَّه، كنزول المطر وما يكون في غد، وذهب بعض أهل العلم إلى أن قول: «اللَّه ورسوله أعلم»، أي: في الأمور الشرعية، كانت تقال في حياته، أما بعد موته فيقال: اللَّه أعلم، ولا شك ولا ريب أن الصواب أن يقال بعد موته : «اللَّه أعلم».
- من كمال التوحيد الواجب نسبة النعم جميعها إلى مسببها وواهبها، أما نسبتها إلى غيره بالقول فقط مع اعتقاد قلبه أنها من اللَّه فهذا ينقص كمال التوحيد، ومن هنا يظهر خطأ من يتابع «الطقس غدًا» معتقدًا صدقهم[24]أي: الأرصاد الجوية..
- قال الإمام ابن رجب رحمه الله: «مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالهِ إلى الأرضِ إلى اللَّهِ وفضلِه ورحمتهِ فهو مؤمنٌ باللَّهِ حقًّا، ومَن أضافَه إلى الأنْواءِ كما كانتِ الجاهليةُ تعتادُه فهو كافر باللَّهِ مؤمنٌ بالكوكبِ»[25]تفسير ابن رجب الحنبلي، 2/ 347..
- قال الحافظ في الفتح[26]فتح الباري لابن حجر، 2/ 523.: «قال الشَّافِعِيِّ: مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا عَلَى مَا كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الشِّرْكِ يَعْنُونَ مِنْ إِضَافَةِ الْمَطَرِ إِلَى أَنَّهُ مَطَرُ نَوْءٍ كَذَا، فَذَلِكَ كُفْرٌ كَمَا جاء في الحديث؛ لِأَنَّ النَّوْءَ وَقْتٌ، وَالْوَقْتَ مَخْلُوقٌ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِغَيْرِهِ شَيْئًا، وَمَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا، عَلَى مَعْنَى: مُطِرْنَا فِي وَقْتِ كَذَا، فَلَا يَكُونُ كُفْرًا، وَغَيْرُهُ مِنَ الْكَلَامِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، يَعْنِي: حَسْمًا لِلْمَادَّةِ، وَعَلَى ذَلِك يحمل إِطْلَاق الحَدِيث»[27]البخاري، برقم 1039..
- قال ابن الأثير رحمه الله: «علم النجوم المنهي عنه: هو ما يدَّعيه أهل التنجيم من علم الكائنات والحوادث التي لم تقع وستجيء في المستقبل، وأنهم يدركون معرفتها بتسيير الكواكب وانتقالاتها واجتماعها وافتراقها، وأن لها تأثيرًا اختياريًّا في العالم، فأما من يعرف من النجوم لمعرفة الأوقات والاهتداء بها في الطرقات ومعرفة القبلة وأشباه ذلك فليس به بأس»[28]جامع الأصول، 11/ 577..
- قال القرطبي رحمه الله في المفهم: «قابل في هذا الحديث بين الشكر والكفر؛ فدلَّ ظاهره على أن المراد بالكفر هنا كفرانُ النعم، لا الكفرُ باللَّه تعالى، ويحتملُ أن يكون المرادُ به الكفرَ الحقيقيَّ، ويؤيِّد ذلك استدلالُ النبيِّ بقوله تعالى: وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ [الواقعة:82]، أي: تجعلون شُكْرَ رزقِكُمُ التكذيبَ، على حذفِ المضاف. قاله المفسِّرون، وقرأ عليٌّ: وَتَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ؛ فعبَّر عن الرزق بالشُّكْرِ، والرزق: الشكرُ بلغَةِ أَزْدِ شَنُوءة، يقال: ما أرزقَهُ، أي: ما أشكَرهُ، وما رزَقَ فلانٌ فلانًا، أي: ما شَكَره»[29]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 24..
- من فقه البخاري وحسن ترتيبه لصحيحه: إيراده لحديث أبي هريرة : مِفْتَاحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لاَ يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ...، وفيه: وَمَا يَدْرِي أَحَدٌ مَتَى يَجِيءُ المَطَرُ[30]البخاري، برقم 1039.، بعد حديث: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ[31]البخاري، برقم 1038.، أي: أن المطر ينزل بقضاء اللَّه، وأنه لا تأثير للكواكب في نزوله. وانظر ما قاله الحافظ ابن حجر هناك[32]انظر: فتح الباري، 2/ 525..
- قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وإنما أُلقي عليهم هذا السؤال من أجل أن ينتبهوا؛ لأن إلقاء الأسئلة يوجب الانتباه، قالوا: اللَّه ورسوله أعلم. وهكذا كل إنسان يجب عليه إذا سئل عما لا يعلم أن يقول: اللَّه ورسوله أعلم، في الأمور الشرعية، أما الأمور الكونية القدرية، فهذا لا يقول: اللَّه ورسوله أعلم؛ لأن النبي لا يعلم الغيب، كما لو قال قائل مثلًا: أتظن المطر ينزل غدًا؟ تقول: اللَّه أعلم، ولا تقل: اللَّه ورسوله أعلم؛ لأن الرسول لا يعلم مثل هذه الأمور، لكن لو قال لك: هل هذا حرام أم حلال؟ تقول: اللَّه ورسوله أعلم؛ لأن النبي عنده علم الشريعة، المهم أنهم قالوا: اللَّه ورسوله أعلم، وهذا من الأدب. قال: قال -يعني أن اللَّه قال -: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، يعني: في تلك الليلة، قال اللَّه فيما أوحاه إلى نبيه: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بي، فأما من قال: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب[33]البخاري، برقم 846، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، والباء هنا للسببية، يعني: معناه: أنك إذا أضفت المطر إلى النوء، فقلت: هذا النجم نجم بركة وخير يأتي بالمطر، فهذا حرام عليك، كفرٌ باللَّه ، وإضافة للشيء إلى سببه من نسيان المسبب، وهو اللَّه ، وأما إذا قلت: مُطرنا بفضل اللَّه ورحمته في هذا النوء، فلا بأس؛ لأن هذا اعتراف منك بأن المطر بفضل اللَّه، ولكنه صار في هذا النوء. كثير من العامة عندنا يقولون: مُطرنا بالفصل، مطرنا كذا وكذا»[34]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1731..
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «يَذُمُّ سُبْحَانَهُ مَنْ يُضِيفُ إنْعَامَهُ إلَى غَيْرِهِ وَيُشْرِكُهُ بِهِ. قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ كَقَوْلِهِمْ: كَانَتْ الرِّيحُ طَيِّبَةً وَالْمَلَّاحُ حَاذِقًا؛ وَلِهَذَا قَرَنَ الشُّكْرَ بِالتَّوْحِيدِ فِي الْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا: أَوَّلُهَا شُكْرٌ، وَأَوْسَطُهَا تَوْحِيدٌ، وَفِي الْخُطَبِ الْمَشْرُوعَةِ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَحْمِيدٍ وَتَوْحِيدٍ، وَهَذَانِ هُمَا رُكْنٌ فِي كُلِّ خِطَابٍ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْكُرُ الْمُتَكَلِّمُ مِنْ مَقْصُودِهِ مَا يُنَاسِبُ مِنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ»[35]مجموع الفتاوى، 8/ 33..
- قال ابن حجر الهيتمي رحمه الله: «الكبيرة الثانية عشرة بعد المائة: قول الإنسان إثر المطر: مطرنا بنوء نجم كذا، أي: وقته، معتقدًا أن له تأثيرًا... تنبيه: عد هذا كبيرة هو ما وقع في كلام غير واحد، وليس بصحيح؛ لأن من قال ذلك معتقدًا ما ذكر كافر حقيقة، والكلام إنما هو في الكبائر التي لا تزيل الإسلام، وقد قال الشافعي رحمه الله: من قال مطرنا بنوء كذا وهو يريد أن النوء نزل بالماء فهو كافر حلال دمه إن لم يتب. وفي الروضة: إن اعتقد أن النوء ممطر حقيقة كفر وصار مرتدًا. وقال ابن عبدالبر رحمه الله: إن اعتقد أن النوء سبب ينزل اللَّه به الماء على ما قدره وسبق في علمه، فهو وإن كان مباحًا فقد كفر بنعمة اللَّه، وجهل بلطيف حكمته»[36]الزواجر عن اقتراف الكبائر، 1/ 305..
والخلاصة أن من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهو يعتقد أن النوء هو الفاعل الذي أنزل المطر، فهذا كفر أكبر يخرج من ملّة الإسلام، أما من قال ذلك وهو يعتقد أن اللَّه الذي ينزل المطر، ولكن جعل النوء سببًا في إنزال المطر، فهو كفر أصغر، ولا يُخرج من الملّة.
| ^1 | الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 7/ 158. |
|---|---|
| ^2 | شرح الزرقاني على موطأ مالك، 1/ 547. |
| ^3 | شرح مسند الشافعي، للرافعي، 2/ 55. |
| ^4 | المفهم، 1/ 287، وجامع الأصول، 11/ 577. |
| ^5, ^15 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 330. |
| ^6 | انظر: فتح الباري، 2/ 645، وما بعدها. |
| ^7, ^8, ^28 | جامع الأصول، 11/ 577. |
| ^9, ^12 | المفهم، 1/ 287. |
| ^10 | الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار، 7/ 154. |
| ^11 | شرح مسند الشافعي، 2/ 55. |
| ^13 | شرح الزرقاني، 1/ 547. |
| ^14, ^29 | المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 24. |
| ^16, ^21 | شرح الزرقاني، 1/ 548. |
| ^17 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 1/ 331. |
| ^18 | أخرجه الطّبريّ في تفسيره، 26/ 205، 208، وابن عبدالبرّ في التمهيد، 16/ 284، وفي الاستذكار أيضًا، 7/ 158، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. |
| ^19 | المسالك في شرح موطأ مالك، 3/ 328. |
| ^20 | راجع الفائدة السادسة والفائدة الثامنة من فوائد الحديث رقم 66 من أحاديث متن هذا الكتاب. |
| ^22 | سنن الدارمي، 1/ 39، برقم 159، وضعفه العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة، 1814. |
| ^23 | سبق شرح هذا في المفردة الثانية من مفردات الحديث رقم 97 من أحاديث المتن. |
| ^24 | أي: الأرصاد الجوية. |
| ^25 | تفسير ابن رجب الحنبلي، 2/ 347. |
| ^26 | فتح الباري لابن حجر، 2/ 523. |
| ^27, ^30 | البخاري، برقم 1039. |
| ^31 | البخاري، برقم 1038. |
| ^32 | انظر: فتح الباري، 2/ 525. |
| ^33 | البخاري، برقم 846، وتقدم تخريجه في تخريج حديث المتن. |
| ^34 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1731. |
| ^35 | مجموع الفتاوى، 8/ 33. |
| ^36 | الزواجر عن اقتراف الكبائر، 1/ 305. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط