القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني؛ إنك أنت الغفور الرحيم[1]رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705..
| ^1 | رواه البخاري: 834، ومسلم: 2705. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللَّهم: «اللَّهُمَّ بِمَعْنَى: يَا أَلله... الْمِيم فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ بِمَنْزِلَةِ يَا فِي أَولها، وَالضَّمَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْهَاءِ هِيَ ضَمَّةُ الِاسْمِ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6..
- قوله: ظلمت نفسي: إما بارتكاب الذنوب، أو التقصير في أعمال الطاعة، قال ابن الأثير رحمه الله: «والظلم: الجور، ومجاوزة الحد، وأخذ ما ليس لك، وأصله وضع الشيء في غير موضعه. والنفس في اللغة: الروح... وقد يطلق على الجسد، وجاء في الشعر، ومعنى «ظلمه نفسه»: يريد: بما ارتكبه من الذنوب والمعاصي، فإنه ظلمها، حيث قلدها الآثام، والأوزار، وأخرجها إلى أن تعاقب»[2]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 533، وتقدم في شرح المفردة رقم 14 من مفردات حديث المتن رقم 29..
- قوله: ظلمًا كثيرًا: وفي لفظ عند مسلم: كبيرًا[3]مسلم، برقم 2705، وهو حديث الباب.، والمعنى أنني أسرفت في ارتكاب المعاصي، وقال النووي رحمه الله: «فينبغي أن يُجمع بينهما، فيُقال: «ظُلْمًا كَثِيرًا كَبِيرًا»[4]الأذكار للنووي، ص68..
وقال ابن دقيق العيد رحمه الله: «وَقَوْلُهُ: إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا: دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَعْرَى مِنْ ذَنْبٍ وَتَقْصِيرٍ... وَرُبَّمَا أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ بِهَذَا الْقَوْلِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَتَخْصِيصٍ بِحَالَةٍ، فَلَوْ كَانَ ثَمَّةَ حَالَةٌ لَا يَكُونُ فِيهَا ظُلْمٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، لَمَا كَانَ هَذَا الْإِخْبَارُ مُطَابِقًا لِلْوَاقِعِ، فَلَا يُؤْمَرُ بِهِ»[5]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 313..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «هَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْجَوَامِعِ لِأَنَّ فِيهِ الِاعْتِرَافَ بِغَايَةِ التَّقْصِيرِ وَطَلَبَ غَايَةِ الْإِنْعَامِ فَالْمَغْفِرَةُ سَتْرُ الذُّنُوبِ وَمَحْوُهَا وَالرَّحْمَةُ إِيصَالُ الخيرات... أَيْ: لَيْسَ لِي حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ، فَهِيَ حَالَةُ افْتِقَارٍ، فَأَشْبَهَ حَالَ الْمُضْطَرِّ الْمَوْعُودِ بِالْإِجَابَةِ، وَفِيهِ هَضْمُ النَّفْسِ، وَالِاعْتِرَافُ بِالتَّقْصِير»[6]فتح الباري لابن حجر، 11/ 131.. - قوله: فاغفر لي: قال ابن الملقن رحمه الله: «الْمَغْفِرَة: تَغْطِيَة الذَّنب وكل مَا غطى فقد غفر وَمِنْه: المغفر»[7]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 22..
وقال ابن منظور: «الغَفُورُ الغَفّارُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ... وَمَعْنَاهُمَا: السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ... غَفَرَه يَغْفِرُه غَفرًا: سَتَرَهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرْتَهُ، فَقَدْ غَفَرْته... وَمِنْهُ: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ أَي سَتَرَهَا»[8]لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 2.. - قوله: مغفرة من عندك: أي تفضل علي بالمغفرة وليس بسبب عمل صدر مني؛ لأن أعمال العبد لا تخلو من قصور، قال ابن دقيق العيد رحمه الله: «فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى التَّوْحِيدِ الْمَذْكُورِ، كَأَنَّهُ قَالَ: لَا يَفْعَلُ هَذَا إلَّا أَنْتَ، فَافْعَلْهُ أَنْتَ، وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَحْسَنُ: أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى طَلَبِ مَغْفِرَةٍ مُتَفَضَّلٍ بِهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تَعَالَى، لَا يَقْتَضِيهَا سَبَبٌ مِنْ الْعَبْدِ، مِنْ عَمَلٍ حَسَنٍ وَلَا غَيْرِهِ، فَهِيَ رَحْمَةٌ مِنْ عِنْدِهِ بِهَذَا التَّفْسِيرِ، لَيْسَ لِلْعَبْدِ فِيهَا سَبَبٌ، وَهَذَا تَبَرُّؤٌ مِنْ الْأَسْبَابِ، وَالْإِدْلَالِ بِالْأَعْمَالِ، وَالِاعْتِقَادِ فِي كَوْنِهَا مُوجِبَةً لِلثَّوَابِ وُجُوبًا عَقْلِيًّا، وَالْمَغْفِرَةُ: السَّتْرُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَعَلَى الثَّانِي هِيَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ»[9]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 313..
- قوله: وارحمني: طلب رحمة اللَّه التي بها حصول المطلوب، وبالمغفرة زوال المرهوب، وهذا إذا جمع بين المغفرة والرحمة، أما إذا فرقت المغفرة عن الرحمة فإن كل واحدة منهما تشمل الأخرى[10]انظر: الشرح الممتع، ص131، وتقدم في شرح المفردة 2 من مفردات حديث المتن رقم 49..
- قوله: إنك أنت: ضمير منفصل للتوكيد والحصر بأن الذي يغفر الذنوب هو اللَّه وحده، قال ابن الملقن رحمه الله: «المعنى بقوله: إنك أنت الغفور الرحيم، أنه تعيين لهذا المعنى، أنه ليس لغيرك، فكأنه قال: لا غفور، ولا رحيم على الحقيقة غيرك»[11]الإفصاح عن معاني الصحاح، 1/ 52..
- قوله: إنك أنت الغفور الرحيم: هذا من باب المقابلة والختم للكلام فالغفور مقابل لقوله: اغفر لي، والرحيم مقابل لقوله: ارحمني؛ فتأمل[12]انظر: العلم الهيب، ص303- 304..
- قوله: لا يغفر الذنوب إلا أنت: قال ابن الأثير رحمه الله: «إقرارًا منه، واعترافًا أنه قد قطع أمله ورجاءه عن كل أحد سواه، وصرف رغبته إلى من لا توجد المغفرة إلا عنده»[13]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 534، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 29..
وَقال ابن دقيق العيد رحمه الله: «إقْرَارٌ بِوَحْدَانِيَّةِ الْبَارِي تَعَالَى، وَاسْتِجْلَابٌ لِمَغْفِرَتِهِ بِهَذَا الْإِقْرَارِ»[14]إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 313..
ما يستفاد من الحديث:
- استحباب طلب التعليم من العالم خاصة في الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم.
- جواز قول هذا الدعاء في السجود وبعد التشهد لقول الصديق: «في صلاتي».
- قال الحافظ في الفتح[15]فتح الباري، لابن حجر، 2/ 396.: ويحتمل أن يكون سؤال أبي بكر عن ذلك كان عند قوله لما علمهم التشهد: ثم ليتخير من الدعاء ما شاء[16]البخاري، برقم 835، وقد تقدم..
- ترجم الإمام البخاري لهذا الحديث بقوله: «بَاب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ»[17]البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، قبل الحديث رقم 832..
- الإقرار بالوحدانية واستجلاب المغفرة وهذا كقول اللَّه : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135].
- التوسل إلى اللَّه بأسمائه الحسنى كما أمر ربنا بقوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]، وأن الداعي يدعو بما يناسب حاجته فإن أراد الرحمة دعا اللَّه باسمه الرحمن والرحيم وهكذا.
- المؤمن وإن علت رتبته لا يسلم من الزلل والتقصير ويشهد لهذا قول النبي : استقيموا ولن تحصوا[18]ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء، برقم 277، وصححه الألباني في الإرواء، برقم 412.، أي لا تقدرون على إيفاء حق اللَّه .
- تواضع الصديق فمع علو منزلته طلب أن يعلمه النبي دعاءً لعل اللَّه أن يرحمه به. وهذا هو شأن أهل الإيمان والخوف والخشية.
- قال العلامة ابن الملقن رحمه الله: «ما أحسن هذا الترتيب؛ فإنه قدم أولاً اعترافه بالذنب، ثم بالوحدانية، ثم سأل المغفرة بعد ذلك؛ لأن الاعتراف أقرب إلى العفو، والثناء على السيد بما هو أهله، أرجى لقبول مسألته، وقد جعل تقديم الثناء بين يدي الدعاء، كتقديم هدية الشفيع بين يدي مسألته، فإنه أقرب للقبول»[19]الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، للعلامة أبي عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن، تحقيق: … Continue reading.
- «هذا الحديث من أحسن الأدعية؛ لأنه إقرار بظلم النفس، واعتراف بالذنب، والذنوب كالمانع من الإنعام، والاعتراف بها يمحوها فيرتفع الحاجز، وهذا الدعاء مما يستحب أن يدعى به في الصلاة قبل التسليم لصحته، وللإنسان أن يدعو في صلاته بما في القرآن من الدعاء، وبما صح في النقل عن النبي »[20]كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص3..
| ^1 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6. |
|---|---|
| ^2 | الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 533، وتقدم في شرح المفردة رقم 14 من مفردات حديث المتن رقم 29. |
| ^3 | مسلم، برقم 2705، وهو حديث الباب. |
| ^4 | الأذكار للنووي، ص68. |
| ^5, ^9, ^14 | إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام، 1/ 313. |
| ^6 | فتح الباري لابن حجر، 11/ 131. |
| ^7 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 22. |
| ^8 | لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 2. |
| ^10 | انظر: الشرح الممتع، ص131، وتقدم في شرح المفردة 2 من مفردات حديث المتن رقم 49. |
| ^11 | الإفصاح عن معاني الصحاح، 1/ 52. |
| ^12 | انظر: العلم الهيب، ص303- 304. |
| ^13 | الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 534، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من مفردات حديث المتن رقم 29. |
| ^15 | فتح الباري، لابن حجر، 2/ 396. |
| ^16 | البخاري، برقم 835، وقد تقدم. |
| ^17 | البخاري، كتاب الأذان، باب الدعاء قبل السلام، قبل الحديث رقم 832. |
| ^18 | ابن ماجه، كتاب الطهارة وسننها، باب المحافظة على الوضوء، برقم 277، وصححه الألباني في الإرواء، برقم 412. |
| ^19 | الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، للعلامة أبي عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بابن الملقن، تحقيق: عبدالعزيز بن أحمد المشيقح، دار العاصمة للتوزيع، الرياض، ط1، 1417هـ، 3/ 504. |
| ^20 | كشف المشكل من حديث الصحيحين، ص3. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط