القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
كان رسول الله يُعَوِّذ الحَسَن والحُسَين رضي الله عنهما: أُعِيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطانٍ وهامَّةٍ، ومن كل عينٍ لامَّةٍ[1]رواه البخاري: 3371، وأبو داود: 4737 واللفظ له..
| ^1 | رواه البخاري: 3371، وأبو داود: 4737 واللفظ له. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «كان رسول اللَّه يعوِّذُ»: التعويذ الدعاء إلى اللَّه بأن يجير ويحفظ، واللجوء إلى اللَّه واللِّواذ به، والعَوْذ: الالتجاء، كالعياذ، والمعاذ، والاستعاذة، وقد عاذت عياذًا وأعاذت، وهي معيذٌ ومعوّذ، والمعوّذة: الرقية، كالمعاذة والتعويذ، والعَوَذ بالتحريك: الملجأ، كالمعاذ والعياذ، ومعاذ اللَّه، أي: أعوذ باللَّه معاذًا، وكذا: معاذة اللَّه[1]انظر: القاموس المحيط، ص428، مادة (عوذ)..
- قوله: «الحسن والحسين»: هما سبطا النبي وريحانتاه، وسيدا شباب أهل الجنة: الحسن بن علي بن أبي طالب، ولد في شوال سنة ثلاث، وكان أشبه الناس برسول اللَّه ، وكان يحج ماشيًا، ونجائبه تقاد إلى جانبه، توفي بالمدينة، ودفن بالبقيع، واختلف في وفاته، فالأكثر أنه توفي سنة خمسين على الأرجح.
وأما أخوه الحسين بن علي بن أبي طالب أبو عبداللَّه الهاشمي، سبط رسول اللَّه وريحانته، ولد بعد الحسن بعام سنة أربع للهجرة، وكان أشبههم برسول اللَّه ، فالحسن أشبه برسول اللَّه ما بين الصدر والرأس، والحسين أشبه النبي ما كان أسفل من ذلك، ومناقبه كثيرة، والمشهور أنه قتل يوم عاشوراء من سنة إحدى وستين[2]انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ الزين العراقي، 1/ 34، وتقدمت ترجمة الحسين في حديث رقم 492 من أحاديث الشرح.. - قوله: أعيذكما: الاستعاذة هي طلب العوذ، يقال: عذت به واستعذت به، أي: لجأت إليه، واستجرت به، واعتصمت به، والاستعاذة باللَّه من الشيطان هي الطلب منه سبحانه أن يعيذ العبد من الشيطان، ويحميه منه، ويقيه من شره[3]فقه الأدعية والأذكار، ص24..
- قوله: كلمات اللَّه التامة: المراد بالتامة: الكاملة، وقيل: النافعة، وقيل: الشافية، وقيل: المباركة، وقيل: القاضية التي تمضي وتستمر ولا يردها شيء ولا يدخلها نقص ولا عيب[4]فتح الباري، 6/ 510، وقد سبق المزيد من معناها في شرح مفردات حديث المتن رقم 97 من هذا الكتاب..
وإنما وصَف كلامه بالتمام؛ لأنه لا يجوز أن يكون في شيء من كلامه نقص أو عيب كما يكون في كلام الناس، وقيل: معنى التمام هاهنا أنها تنفع المُتَعوّذ بها وتحفَظُه من الآفات وتكفيه[5]النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 197، مادة (تمم)..
وقال الخطابي: «فأما قول النبي : أعوذ بكلمات اللَّه التامات؛ فإن كلمته القرآن، وصفه بالتمام تنزيهًا له عن أن يلحقه نقص أو عيب كما يوجد ذلك في كلام الآدميين»[6]غريب الحديث للخطابي، 1/ 252.. - قوله: من كل شيطان: أي: الجني منه والإنسي، والشطن: البُعد، أي: بَعُدَ عن الخير، أو من الحبل الطويل؛ كأنه طال في الشر، ويقال: شاط يشيط إذا هلك، واستشاط غضبًا إذا احتدّ في غضبه والتهب، والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم؛ لأنه تسلط عليه، فيوسوس له[7]انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 474، مادة (شطن)..
- قوله: وهامة: واحدة الهوام ذوات السموم، وقيل: كل ما له سم يقتل، فأما ما لا يقتل سمه فيقال له: السوام، وقيل: المراد: كل نسمة تهم بسوء[8]فتح الباري، 6/ 510..
وقال العيني: «والهامة كل ذات سم تقتل، والجمع الهوام، فأما ما يسم ولا يقتل فهو السامة كالعقرب والزنبور، وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان وإن لم يقتل كالحشرات»[9]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 31/ 413.. - قوله: ومن كل عين لامة: قال الخطابي: المراد به كل داء وآفة تُلم بالإنسان من جنون وخبل[10]فتح الباري، 6/ 510..
قال ابن الأثير: ذات لَمَم، ولذلك لم يقل: مُلِمَّة، وأصْلُها من ألْمَمْتُ بالشيء؛ لِيُزَاوِجَ قوله: من شَرِّ كُلِّ سَامَّة، وأَلَمّ أي: يَقْرُب، ومنه الحديث: ما يَقْتُل حَبَطًا أو يُلمُّ، أي: يَقْرُب من القَتْل، وفي الحديث: وإنْ كَنْتِ ألْمَمْتِ بِذَنْبٍ فاسْتَغْفِري اللّه[11]هذا جزء من حديث الإفك، رواه البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، برقم 4141، ومسلم، كتاب التوبة، باب في حديث … Continue reading، أي: قارَبْتِ، وقيل: اللَّممُ: مُقَارَبة المَعْصِيَة من غير إيقاع فِعْل، وفي الحديث: لابْن آدمَ لَمَّتَان: لَمَّةٌ من المَلك، وَلَمَةٌ من الشيطان[12]أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، برقم 2988، وقال: «حسن غريب»، والنسائي في الكبرى، برقم … Continue reading اللَّمَّةُ: الْهِمَّة والخَطْرَة تَقَع في القلب، فأراد إلْمَام المَلك أو الشيطان به والقُرْبَ منه، فَما كان من خَطَرَات الخَيْر فهو من المَلك، وما كان مِن خَطَرَات الشَّرِّ فهو من الشَّيطان[13]النهاية في غريب الحديث والأثر، 4/ 227، مادة (لمم)..
ما يستفاد من الحديث:
- يشرع للمسلم أن يُعوِّذ أولاده ومن يحب بهذه الكلمات التي تقي بفضل اللَّه من كل عائن وحاسد وكل شر.
- بيان محبة النبي للحسن والحسين رضي الله عنهما، وأنهما عنده بمنزلة الولد[14]انظر ترجمة الحسن وطرفًا من فضائل الحسين رضي الله عنهما في الحديث رقم 397 من أحاديث الشرح، وفي مفردة رقم 2 من … Continue reading.
- المكانة الخاصة لأبي الأنبياء إبراهيم عند رسول اللَّه ؛ إذ كان يعوِّذ الحسن والحسين رضي الله عنهما ويقول: إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحاق، عليهم الصلاة والسلام[15]تقدم تخريجه في تخريج حديث المتن.، وإنما سمّاه أبًا لكونه جدًّا أعلى.
- يشهد لهذه المكانة قول اللَّه : إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [آل عمران:68]، وقد كان الرسول شبيه الخلقة بإبراهيم ؛ لقول رسول اللَّه : أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم[16]البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125]، … Continue reading، قال: ذلك وهو يحدث أصحابه عن الأنبياء الذين رآهم ليلة الإسراء والمعراج.
- استدل الإمام أحمد رحمه الله وغيره من أئمة أهل السنة والجماعة بهذا الحديث على أن كلام اللَّه غير مخلوق؛ لأن النبي لا يستعيذ بمخلوق.
قال الحافظ في الفتح: قال ابن بطال: استدل البخاري بقوله تعالى: حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ [سبأ:23]، على أن قول اللَّه قديم لذاته، قائم بصفاته، لم يزل موجودًا به، ولا يزال كلامه لا يشبه المخلوقين، خلافًا للمعتزلة التي نفت كلام اللَّه تعالى. قال البيهقي في «الاعتقاد»: القرآن كلام اللَّه، والكلام صفة من صفات ذاته، وليس شيء من صفات ذاته مخلوقًا ولا محدثًا ولا حادثًا، قال اللَّه تعالى: الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ [الرحمن:1- 4]، فخص القرآن بالتعليم لأنه كلامه وصفته، وخصّ الإنسان بالتخليق لأنه خلقه ومصنوعه، ولولا ذلك لقال خلق القرآن والإنسان[17]انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، 7/ 94.. - وكل صفات اللَّه الذاتية والفعلية المختصة به غير مخلوقة، وهي كلها تليق بجلاله، لا يشبه فيها أحدًا من خلقه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].
| ^1 | انظر: القاموس المحيط، ص428، مادة (عوذ). |
|---|---|
| ^2 | انظر: طرح التثريب في شرح التقريب للحافظ الزين العراقي، 1/ 34، وتقدمت ترجمة الحسين في حديث رقم 492 من أحاديث الشرح. |
| ^3 | فقه الأدعية والأذكار، ص24. |
| ^4 | فتح الباري، 6/ 510، وقد سبق المزيد من معناها في شرح مفردات حديث المتن رقم 97 من هذا الكتاب. |
| ^5 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 1/ 197، مادة (تمم). |
| ^6 | غريب الحديث للخطابي، 1/ 252. |
| ^7 | انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 474، مادة (شطن). |
| ^8, ^10 | فتح الباري، 6/ 510. |
| ^9 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 31/ 413. |
| ^11 | هذا جزء من حديث الإفك، رواه البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك، برقم 4141، ومسلم، كتاب التوبة، باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف، برقم 2770. |
| ^12 | أخرجه الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البقرة، برقم 2988، وقال: «حسن غريب»، والنسائي في الكبرى، برقم 11051، والبيهقي في شعب الإيمان، 4/ 120، واستشهد به شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى، 4/ 33، وصححه الألباني في صحيح موارد الظمآن، برقم 38. |
| ^13 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 4/ 227، مادة (لمم). |
| ^14 | انظر ترجمة الحسن وطرفًا من فضائل الحسين رضي الله عنهما في الحديث رقم 397 من أحاديث الشرح، وفي مفردة رقم 2 من مفردات حديث المتن رقم 146. |
| ^15 | تقدم تخريجه في تخريج حديث المتن. |
| ^16 | البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول اللَّه تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا [النساء:125]، برقم 3355. |
| ^17 | انظر: عون المعبود شرح سنن أبي داود، 7/ 94. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط