القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم صل على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ. اللهم بارك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ[1]رواه البخاري: 3370 واللفظ له، ومسلم: 406..
| ^1 | رواه البخاري: 3370 واللفظ له، ومسلم: 406. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللهم صل على محمد: اللهم: بِمَعْنَى: يَا أَلله[1]انظر: لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله).، وصلاة اللَّه على رسوله: هي الثناء عليه في الملأ الأعلى.
قال البخاري رحمه الله: «قال أبو العالية: صَلَاةُ اللَّهِ: ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ الدُّعَاءُ»[2]صحيح البخاري، 6/ 120، قبل الحديث رقم 4797..
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: «يُصَلُّونَ: يُبَرِّكُونَ»[3]صحيح البخاري، 6/ 120، قبل الحديث رقم 4797.، فظهر أن الصلاة من اللَّه على نبيه هي الثناء عليه في الملأ الأعلى أي: عند الملائكة المقربين، وإنما جاء ذكر النبي باسمه العَلَم فقط؛ لأن هذا من باب الخبر.
قال الطيبي رحمه الله: «عظَّمه في الدنيا بإعلاء ذكره، وإظهار دعوته، وإبقاء شريعته، وفي الآخرة بتشفيعه في أمته، وتضعيف أجره ومثوبته، وقيل: لما أمرنا اللَّه بالصلاة عليه، لم نبلغ قدر الواجب من ذلك، فأحلنا على اللَّه تعالى، وقلنا: اللهم صل أنت على محمد؛ لأنك أعلم بما يليق»[4]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 1039..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الصلاة المأمور بها فيها [أي: آية الأحزاب] هي: الطلب من اللَّه ما أخبر به عن صلاته، وصلاة ملائكته، وهي ثناء عليه، وإظهارٌ لفضله، وشرفه، وإرادة تكريمه، وتقريبه، فهي تتضمّن الخبر، والطلب، وسُمِّي هذا السؤال والدعاء منا نحن: صلاةً عليه لوجهين:
أحدهما: أنه يتضمن ثناء المصلي عليه، والإشادة بذكر شرفه، وفضله، والإرادة، والمحبة لذلك من اللَّه تعالى، فقد تضمَّنت الخبر، والطلب.
والوجه الثاني: أن ذلك سُمِّي منا صلاةً لسؤالنا من اللَّه أن يُصلِّيَ عليه، فصلاة اللَّه عليه ثناؤه، وإرادته لرفع ذكره، وتقريبه، وصلاتنا نحن عليه: سؤالنا اللَّه تعالى أن يفعل ذلك به»[5]جلاء الأفهام، ص162..
وذكر الحافظ ابن حجر: عن جماعة أقوالًا في شرح معنى صلاة اللَّه عليه بالمغفرة، وبالرحمة، ثم قال رحمه الله: «وأَولَى الأَقوال ما تَقَدَّمَ عَن أَبِي العالِيَة: أَنَّ مَعنَى صَلاة اللَّه عَلَى نَبِيّه: ثَناؤُهُ عَلَيهِ، وتَعظِيمه، وصَلاة المَلائِكَة وغَيرهم عَلَيهِ طَلَب ذَلِكَ لَهُ مِنَ الله تَعالَى، والمُراد: طَلَب الزِّيادَة، لا طَلَب أَصل الصَّلاة»[6]فتح الباري، 11/ 156..
وقال أيضًا: «وقالَ الحَلِيمِيّ فِي الشُّعَب: مَعنَى الصَّلاة عَلَى النَّبِيّ : تَعظِيمه، فَمَعنَى قَولنا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد: عَظِّم مُحَمَّدًا، والمُراد: تَعظِيمه فِي الدُّنيا بِإِعلاءِ ذِكره، وإِظهار دِينه، وإِبقاء شَرِيعَته، وفِي الآخِرَة بِإِجزالِ مَثُوبَته، وتَشفِيعه فِي أُمَّته، وإِبداء فَضِيلَته بِالمَقامِ المَحمُود، وعَلَى هَذا فالمُراد بِقَولِهِ تَعالَى: صَلُّوا عَلَيْهِ: ادعُوا رَبّكُم بِالصَّلاةِ عَلَيهِ. انتَهَى»[7]فتح الباري: 11/ 156.. - قوله: وعلى آل محمد: الآل: تأتي للأتباع على الدين، ويدل على ذلك قول اللَّه : وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، وإذا قُرن الآل بالأتباع كقولنا: «آله وأتباعه»، فيُراد بالآل: المؤمنون من قرابته، وكذلك إذا قرن الآل، والأصحاب، والأتباع، فالآل قرابته المؤمنون، والأصحاب: صحابته، والأتباع: أتباعه على دينه، كقولنا: «اللهمّ صلِّ على محمد، وعلى آله، وأصحابه، وأتباعه بإحسان».
وقال القرطبي رحمه الله: «اختلف في آله من هم؟ فقيل: أتباعه، وقيل: أُمَّته، وقيل: آل بيته، وقيل: أتباعه من رهطه وعشيرته، وقيل: آل الرجل نفسه؛ ولهذا كان الحسن يقول: «اللهم صل على آل محمد»، واختلف النحويون: هل يضاف الآل إلى الْمُضْمَر، أم لا يضاف إلا إلى الظاهر؟ فذهب النَّحَّاس، والزبيدي، والكسائي، إلى أنه لا يقال إلا: «اللهم صلّ على محمد وآل محمد»، ولا يقال: وآله»[8]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 4/ 127..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «واختُلف في آل النبي على أربعة أقوال، فقيل: هم الذين حرمت عليهم الصدقة... والقول الثاني: إن آل النبي هم ذريته، وأزواجه خاصة... والقول الثالث: إن آله أتباعه إلى يوم القيامة... والقول الرابع: إن آله هم الأتقياء من أمته... والصحيح هو القول الأول، ويليه القول الثاني، وأما الثالث والرابع فضعيفان؛ لأن النبي قد رفع الشبهة بقوله : إن الصدقة لا تحل لآل محمد[9]البخاري، برقم 1485، ومسلم، برقم 1069، ومسند أحمد، 13/ 180، برقم 7758، واللفظ له.، وقوله : إنما يأكل آل محمد من هذا المال[10]البخاري، برقم 3711، ومسلم، برقم 1759.، وقوله : اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا[11]البخاري، برقم 6460، ومسلم، برقم 1055.، وهذا لا يجوز أن يُراد به عموم الأمة قطعًا، فأولى ما حُمل عليه الآل في الصلاة: الآل المذكورون في سائر ألفاظه، ولا يجوز العدول عن ذلك»[12]جلاء الأفهام، ص210..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «واختُلِفَ فِي المُراد بِآلِ مُحَمَّد فِي هَذا الحَدِيث، فالرّاجِح أَنَّهُم مَن حُرِّمَت عَلَيهِم الصَّدَقَة... ولِمُسلِمٍ مِن حَدِيث عَبدالمُطَّلِب بن رَبِيعَة فِي أَثناء حَدِيث مَرفُوع: إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَة إِنَّما هِيَ أَوساخ النّاس، وإِنَّها لا تَحِلّ لِمُحَمَّدٍ، ولا لآلِ مُحَمَّد، وقالَ أَحمَد: المُراد بِآلِ مُحَمَّد فِي حَدِيث التَّشَهُّد أَهل بَيته، وعَلَى هَذا فَهَل يَجُوز أَن يُقال أَهل عِوض آل؟ رِوايَتانِ عِندهم.
وقِيلَ المُراد بِآلِ مُحَمَّد: أَزواجه، وذُرِّيَّته؛ لأَنَّ أَكثَر طُرُق هَذا الحَدِيث جاءَ بِلَفظِ وآل مُحَمَّد، وجاءَ فِي حَدِيث أَبِي حُمَيدٍ مَوضِعه: وأَزواجه وذُرِّيَّته، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المُراد بِالآلِ الأَزواج والذُّرِّيَّة، وتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ ثَبَتَ الجَمع بَين الثَّلاثَة كَما فِي حَدِيث أَبِي هُرَيرَة، فَيُحمَل عَلَى أَنَّ بَعض الرُّواة حَفِظَ ما لَم يَحفَظ غَيره، فالمُراد بِالآلِ فِي التَّشَهُّد: الأَزواج، ومِن حُرِّمَت عَلَيهِم الصَّدَقَة، ويَدخُل فِيهِم الذُّرِّيَّة، فَبِذَلِكَ يُجمَع بَين الأَحادِيث»[13]فتح الباري، 11/ 160..
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وآل محمد، قيل: إنهم أتباعه على دينه؛ لأن آل الشخص: كلُّ مَنْ ينتمي إلى الشخص، سواءٌ بنسب، أم حَميَّة، أم معاهدة، أم موالاة، أم أتباع، كما قال اللَّه تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ [غافر:46]، فيكون «آله» هم أتباعُه على دينِهِ، وقيل: «آل النبي قرابته المؤمنون»، والقائل بذلك خَصَّ القرابة المؤمنين، فخرج بذلك سائر الناس، وخَرَجَ بذلك كُلُّ مَن كان كافرًا مِن قرابة النبي ، ولكن الصحيح الأول، وهو أن الآل هم الأتباع، لكن لو قُرِنَ «الآل» بغيره، فقيل: على محمد، وآله، وأتباعه، صار المراد بالآل المؤمنين مِن قرابته»[14]الشرح الممتع على زاد المستقنع، 3/ 125، وانظر: شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1407.. - قوله: كما صليت على إبراهيم: الكاف هنا للتعليل، وليس للتشبيه؛ وذلك لأن المقرر هو أن المشبه أدنى من المشبه به، ومعلوم أن محمدًا وآله أفضل من إبراهيم وآله، وعلى هذا يكون المعنى أن هذا من باب التوسل بفعل اللَّه السابق وهو الفضل على إبراهيم وآله إلى تحقيق فضل اللَّه اللاحق وهو الفضل لمحمد وآله، قال العلامة ابن عثيمين: «وهذا هو القول الأصح الذي لا يرد عليه إشكال»[15]انظر: الشرح الممتع: 3/ 165- 166..
- قوله: وعلى آل إبراهيم: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «هم ذُرِّيَّته مِن إِسماعِيل، وإِسحاق، كَما جَزَمَ بِهِ جَماعَة مِنَ الشُّرّاح، وإِن ثَبَتَ أَنَّ إِبراهِيم كانَ لَهُ أَولاد مِن غَير سارَة، وهاجَر، فَهُم داخِلُونَ لا مَحالَة، ثُمَّ إِنَّ المُراد: المُسلِمُونَ مِنهُم، بَل المُتَّقُونَ، فَيَدخُل فِيهِم الأَنبِياء، والصِّدِّيقُونَ، والشُّهَداء، والصّالِحُونَ، دُون مَن عَداهُم، وفِيهِ ما تَقَدَّمَ فِي آل مُحَمَّد»[16]فتح الباري، 11/ 162.، ويدخل في ذلك رسولنا الكريم ؛ لأنه من ولد إبراهيم.
وقال الإمام النووي رحمه الله: «وَيَدْخُلُ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ خَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَلَا يَدْخُلُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ، فَطَلَبَ إِلْحَاقَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا نَبِيٌّ وَاحِدٌ بِتِلْكَ الْجُمْلَةِ الَّتِي فِيهَا خَلَائِقُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ»[17]شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 126.. - قوله: إنك حميد: أي: كثير المحامد فهو الحامد لعباده الذين اصطفاهم لإقامة شرعه ودينه، وهو المحمود من قبل أوليائه لما يتصف به من صفات الجلال والعظمة.
قال الإمام النووي رحمه الله: «الحميد: الذي تحمد فعاله، وهو بمعنى المحمود، واللَّه تعالى الحميد، المحمود، المستحمد إلى عباده»[18]تهذيب الأسماء واللغات، 4/ 134..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «فالحميد هو الذي له من الصفات، وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين»[19]جلاء الأفهام، ص316..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «أَمّا الحَمِيد: فَهُو فَعِيلٌ مِنَ الحَمد بِمَعنَى مَحمُود، وأَبلَغُ مِنهُ، وهُو مَن حَصَلَ لَهُ مِن صِفات الحَمد أَكمَلُها، وقِيلَ: هُو بِمَعنَى الحامِد، أَي: يَحمَد أَفعال عِبادِهِ»[20]فتح الباري، 11/ 163.. - قوله: مجيد: أي: متعاظم الأمجاد ومن ذلك كثرة الإحسان إلى عباده بما يفيض عليهم من الخيرات.
قال النووي رحمه الله: «والمجيد: الماجد، وهو ذو الشرف والكرم، يقال: مجد الرجل يمجد مجدًا، ومجادة، ومجد يمجد لغتان، قال الحسن والكلبي: المجيد الكريم... المجيد: الرفيع، قال أهل المعاني: المجيد: الكامل الشرف، والرفعة، والكرم، والصفات المحمودة»[21]تهذيب الأسماء واللغات، 4/ 134..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «المجيد، والمُمَجَّد، والكبير، والمُكبَّر، والعظيم، والمُعظَّم، والحمد، والمجد إليهما يرجع الكمال كله؛ فإن الحمد يستلزم الثناء، والمحبة للمحمود، فمن أحببته، ولم تثن عليه، لم تكن حامدًا له حتى تكون مثنيًا عليه، محبًّا له، وهذا الثناء والحب تبع للأسباب المقتضية له، وهو ما عليه المحمود من صفات الكمال، ونعوت الجلال، والإحسان إلى الغير؛ فإن هذه هي أسباب المحبة، وكلما كانت هذه الصفات أجمع، وأكمل، كان الحمد والحب أتم، وأعظم، واللَّه سبحانه له الكمال المطلق الذي لا نقص فيه بوجه ما، والإحسان كله له ومنه، فهو أحق بكل حمد، وبكل حب من كل جهة، فهو أهل أن يُحَبَّ لذاته، ولصفاته، ولأفعاله، ولأسمائه، ولإحسانه، ولكل ما صدر منه ، وأما المجد، فهو مستلزم للعظمة والسعة والجلال، والحمد يدل على صفات الإكرام، واللَّه ذو الجلال والإكرام، وهذا معنى قول العبد: لا إله إلا اللَّه، واللَّه أكبر، فلا إله إلا اللَّه دال على ألوهيته، وتفرّده فيها، فألوهيته تستلزم محبته التامة، واللَّه أكبر دالّ على مجده وعظمته، وذلك يستلزم تعظيمه، وتمجيده، وتكبيره؛ ولهذا يقرن سبحانه بين هذين النوعين في القرآن كثيرًا، كقوله: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود:73]»[22]جلاء الأفهام، ص316- 317..
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وأَمّا المَجِيد: فَهُو مِنَ المَجد، وهُو صِفَةُ مَن كَمُلَ فِي الشَّرَف، وهُو مُستَلزِم لِلعَظَمَةِ والجَلال، كَما أَنَّ الحَمد يَدُلّ عَلَى صِفَة الإِكرام»[23]فتح الباري، 11/ 163..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله أيضًا: «ولما كانت الصلاة على النبي، وهي ثناء اللَّه تعالى عليه، وتكريمه، والتنويه به، ورفع ذكره وزيادة حبه وتقريبه، كما تقدم، كانت مشتملة على الحمد والمجد، فكأن المصلي طلب من الله تعالى أن يزيد في حمده ومجده؛ فإن الصلاة عليه هي نوع حمد له، وتمجيد، هذه حقيقتها، فذكر في هذا المطلوب الاسمين المناسبين له، وهما أسماء الحميد والمجيد، وهذا كما تقدم أن الداعي يشرع له أن يختم دعاءه باسم من الأسماء الحسنى مناسب لمطلوبه، أو يفتتح دعاءه به، وتقدم أن هذا من قوله: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا [الأعراف:180]»[24]جلاء الأفهام: ص318..
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «ومُناسَبَة خَتمِ هَذا الدُّعاء بِهَذَينِ الاسمَينِ العَظِيمَينِ أَنَّ المَطلُوب تَكرِيم اللَّه لِنَبِيِّهِ، وثَناؤُهُ عَلَيهِ، والتَّنوِيه بِهِ، وزِيادَة تَقرِيبه، وذَلِكَ مِمّا يَستَلزِم طَلَبَ الحَمد والمَجد، فَفِي ذَلِكَ إِشارَة إِلَى أَنَّهُما كالتَّعلِيلِ لِلمَطلُوبِ، أَو هُو كالتَّذيِيلِ لَهُ، والمَعنَى: إِنَّك فاعِل ما تَستَوجِب بِهِ الحَمد مِنَ النِّعَم المُتَرادِفَة، كَرِيم بِكَثرَةِ الإِحسان إِلَى جَمِيع عِبادك»[25]فتح الباري، 11/ 163..
واقتران الحميد مع المجيد بيان أن اللَّه محمود على مجده وعظمته وكمال صفاته، فليس كل ذي شرف محمودًا وكذلك ليس كل محمود يكون ذا شرف[26]انظر: النهج الأسمى للنجدي، 1/ 434.. - قوله: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد: المراد بالبركة: هي الزيادة من الخير، والكرامة، وهي شاملة للبركة في العمل والبركة في الأثر المترتب على هذا العمل.
قال القاضي عياض رحمه الله: «معنى البركة هنا: الزيادة من الخير والكرامة والتكثير منهما، ويكون بمعنى الثبات على ذلك من قولهم: بركت الإبل، وتكون البركة هاهنا بمعنى: التطهير والتزكية من المعايب... نبينا سأل ذلك لنفسه وأهل بيته؛ ليتم النعمة عليهم والبركة كما أتمها على إبراهيم وآله، وقيل: بل سأل ذلك لأمته ليثابوا على ذلك، وقيل: بل ليبقى له ذلك دائمًا إلى يوم الدين، ويجعل له به لسان صدق في الآخرين، كما جعله لإبراهيم»[27]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 2/ 303، وانظر: جلاء الأفهام للإمام ابن القيم، ص302..
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: «والبركة: النماء، والزيادة، والتبريك: الدعاء بذلك، ويقال: باركه اللَّه، وبارك فيه، وبارك عليه، وبارك له... فهذا الدعاء يتضمن إعطاءه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامته، وثبوته له، ومضاعفته، وزيادته، هذا حقيقة البركة»[28]جلاء الأفهام: ص302- 308.. - قوله: كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد: قال الإمام النووي رحمه الله: «قَالَ الْعُلَمَاء: مَعْنَى الْبَرَكَة هُنَا الزِّيَادَة مِنْ الْخَيْر وَالْكَرَامَة، وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى التَّطْهِير، وَالتَّزْكِيَة، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْحِكْمَة فِي قَوْله: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم مَعَ أَنَّ مُحَمَّدًا أَفْضَل مِنْ إِبْرَاهِيم ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاض رحمه الله: أَظْهَر الْأَقْوَال أَنَّ نَبِيّنَا سَأَلَ ذَلِكَ لِنَفْسِهِ، وَلِأَهْلِ بَيْته؛ لِيُتِمّ النِّعْمَة عَلَيْهِمْ، كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى إِبْرَاهِيم، وَعَلَى آلِهِ، وَقِيلَ: بَلْ سَأَلَ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ، وَقِيلَ: بَلْ لِيَبْقَى ذَلِكَ لَهُ دَائِمًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة، وَيَجْعَل لَهُ بِهِ لِسَان صِدْق فِي الْآخِرِينَ، كَإِبْرَاهِيم ، وَقِيلَ: كَانَ ذَلِكَ قَبْل أَنْ يَعْلَم أَنَّهُ أَفْضَل مِنْ إِبْرَاهِيم ، وَقِيلَ: سَأَلَ صَلَاة يَتَّخِذهُ بِهَا خَلِيلًا، كَمَا اتَّخَذَ إِبْرَاهِيم... وَالْمُخْتَار فِي ذَلِكَ أَحَد ثَلَاثَة أَقْوَال:
أَحَدهَا: ... أَنَّ مَعْنَاهُ صَلِّ عَلَى مُحَمَّد، وَتَمَّ الْكَلَام هُنَا، ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ: وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، أَيْ: وَصَلِّ عَلَى آل مُحَمَّد، كَمَا صَلَّيْت عَلَى إِبْرَاهِيم وَآل إِبْرَاهِيم، فَالْمَسْؤُول لَهُ مِثْل إِبْرَاهِيم وَآلِهِ، هُمْ آلُ مُحَمَّد لَا نَفْسه.
الْقَوْل الثَّانِي: مَعْنَاهُ: اِجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاة مِنْك، كَمَا جَعَلْتَهَا لِإِبْرَاهِيم وَآلِهِ، فَالْمَسْؤُول الْمُشَارَكَة فِي أَصْل الصَّلَاة لَا قَدْرهَا.
الْقَوْل الثَّالِث: أَنَّهُ عَلَى ظَاهِره، وَالْمُرَاد اجْعَلْ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ صَلَاة، بِمِقْدَارِ الصَّلَاة الَّتِي لِإِبْرَاهِيم وَآلِهِ، وَالْمَسْؤُول مُقَابَلَة الْجُمْلَة؛ فَإِنَّ الْمُخْتَار فِي الْآلِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُمْ جَمِيع الْأَتْبَاع، وَيَدْخُل فِي آلِ إِبْرَاهِيم خَلَائِق لَا يُحْصُونَ مِنْ الْأَنْبِيَاء، وَلَا يَدْخُل فِي آلِ مُحَمَّد نَبِيّ، فَطَلَب إِلْحَاق هَذِهِ الْجُمْلَة الَّتِي فِيهَا نَبِيّ وَاحِد بِتِلْكَ الْجُمْلَة الَّتِي فِيهَا خَلَائِق مِنْ الْأَنْبِيَاء، وَاَللَّه أَعْلَم»[29]شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 125..
وذكر الإمام ابن القيم رحمه الله الأقوال في ذلك، ثم قال: «وقالت طائفة أخرى: آل إبراهيم فيهم الأنبياء الذين ليس في آل محمد مثلهم؛ فإذا طُلِب للنبي ولآله من الصلاة مثل ما لإبراهيم وآله، وفيهم الأنبياء، حصل لآل النبي من ذلك ما يليق بهم؛ فإنهم لا يبلغون مراتب الأنبياء، وتبقى الزيادة التي للأنبياء، وفيهم إبراهيم لمحمد ، فيحصل له بذلك من المزيَّة ما لم يحصل لغيره.
وتقرير ذلك: أن يجعل الصلاة الحاصلة لإبراهيم ولآله، وفيهم الأنبياء جملة مقسومة على: محمد وآله، ولا ريب أنه لا يحصل لآل النبي مثل ما حصل لآل إبراهيم، وفيهم الأنبياء، بل يحصل لهم ما يليق بهم، فيبقى قسم النبي ، والزيادة المتوفرة التي لم يستحقها آله مختصة به ، فيصير الحاصل له من مجموع ذلك أعظم، وأفضل من الحاصل لإبراهيم، وهذا أحسن من كل ما تقدمه.
وأحسن منه أن يقال: محمد هو من آل إبراهيم، بل هو خير آل إبراهيم، كما روى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ [آل عمران:33]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «محمد من آل إبراهيم»[30]ذكره في تفسير الطبري، 5/ 329 عَنْ قَتَادَةَ، واستشهد الشيخ الألباني بكلام ابن القيم في كتابه صفة الصلاة، دون … Continue reading، وهذا نص؛ فإنه إذا دخل غيره من الأنبياء الذين هم من ذرية إبراهيم في آله، فدخول رسول اللَّه أولى، فيكون قولنا: كما صليت على آل إبراهيم متناولًا للصلاة عليه، وعلى سائر النبيين من ذرية إبراهيم.
ثم قد أمرنا اللَّه أن نصلي عليه، وعلى آله خصوصًا بقدر ما صلينا عليه مع سائر آل إبراهيم عمومًا، وهو فيهم، ويحصل لآله من ذلك ما يليق بهم، ويبقى الباقي كله له .
وتقرير هذا أنه يكون قد صلى عليه خصوصًا، وطلب له من الصلاة ما لآل إبراهيم، وهو داخل معهم، ولا ريب أن الصلاة الحاصلة لآل إبراهيم، ورسول اللَّه معهم، أكمل من الصلاة الحاصلة له دونهم، فيطلب له من الصلاة هذا الأمر العظيم الذي هو أفضل مما لإبراهيم قطعًا، ويظهر حينئذ فائدة التشبيه، وجريه على أصله، وأن المطلوب له من الصلاة بهذا اللفظ أعظم من المطلوب له بغيره؛ فإنه إذا كان المطلوب له بغيره، فإنه إذا كان المطلوب بالدعاء إنما هو مثل المُشبَّه به، وله أوفر نصيب منه، صار له من المشبه المطلوب أكثر مما لإبراهيم وغيره، وانضاف إلى ذلك ما له من المُشبَّه به من الحصة التي لم تحصل لغيره.
فظهر بهذا من فضله، وشرفه على إبراهيم، وعلى كلٍّ من آله، وفيهم النبيون، ما هو اللائق به، وصارت هذه الصلاة دالة على هذا التفضيل، وتابعة له، وهي من موجباته، ومقتضياته، فصلى اللَّه عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا، وجزاه عنَّا أفضل ما جزى نبيًّا عن أمته، اللَّهمّ صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على آل إبراهيم، إنك حميد مجيد»[31]جلاء الأفهام، ص289..
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وقوله كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم: الكاف هنا للتعليل، وهذا من باب التوسل بأفعال اللَّه السابقة إلى أفعاله اللاحقة، يعني كما مننت بالصلاة على إبراهيم وآله، فامنن بالصلاة على محمد وآله ، فهي من باب التعليل، وليست من باب التشبيه، وبهذا يزول الإشكال الذي أورده بعض أهل العلم رحمهم اللَّه؛ حيث قالوا: كيف تلحق الصلاة على النبي وآله بالصلاة على إبراهيم وآله، مع أن محمدًا أشرف من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فالجواب أن الكاف هنا ليست للتشبيه، ولكنها للتعليل، كما صليت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد: حميد يعني محمود، مجيد يعني ممجد، والمجد هو: العظمة، والسلطان، والعزة، والقدرة، وما إلى ذلك.
اللهمّ بارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، كذلك أيضا التبريك: تقول: اللهم بارك على محمد، وعلى آل محمد، أي أنزل فيهم البركة، والبركة هي الخير الكثير الواسع الثابت، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. هذه هي الصلاة على النبي ، وعلى آله وسلم، وهذه هي الصفة الفضلى، وإذا اقتصرت على قولك: اللهم صل على محمد، كما فعل العلماء في جميع مؤلفاتهم، إذا ذكروا الرسول لم يقولوا هذه الصلاة المطوَّلة؛ لأن هذه هي الكاملة، وأما أدنى مجزئ فأن تقول: اللهم صل على محمد»[32]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1407.. - قوله: «حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلهُ»: مَعْنَاهُ كَرِهْنَا سُؤَاله مَخَافَة مِنْ أَنْ يَكُون النَّبِيّ كَرِهَ سُؤَاله وَشَقَّ عَلَيْهِ[33]شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 125..
ما يستفاد من الحديث:
- عظيم حق النبي علينا؛ لأنه هو الذي دلنا على ما نحن فيه من الخير، فكان من حقه علينا أن نذكر ذلك وندعو له في كل صلاة: فرضًا كانت، أم نفلًا.
- سؤال الصحابة للنبي عن كيفية الصلاة عليه لما أمرهم اللَّه بذلك: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] هو من باب العلم قبل القول والعمل[34]مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد، برقم 906..
- سؤال الصحابة عن كيفية الصلاة عليه وليس عن الحكم؛ لأنهم يعلمون أن مطلق الأمر يكفي فيه أي صيغة، وإنما هم أرادوا الأكمل والأفضل فدلهم على ذلك.
- وهذا فيه ما كان عليه الصحابة وسلف هذه الأمة من تعظيم السنة والفرح بها وأن ذلك كان من نفائس الأمور التي يتهادون بها. قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [يونس:58].
| ^1 | انظر: لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله). |
|---|---|
| ^2, ^3 | صحيح البخاري، 6/ 120، قبل الحديث رقم 4797. |
| ^4 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 1039. |
| ^5 | جلاء الأفهام، ص162. |
| ^6 | فتح الباري، 11/ 156. |
| ^7 | فتح الباري: 11/ 156. |
| ^8 | المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 4/ 127. |
| ^9 | البخاري، برقم 1485، ومسلم، برقم 1069، ومسند أحمد، 13/ 180، برقم 7758، واللفظ له. |
| ^10 | البخاري، برقم 3711، ومسلم، برقم 1759. |
| ^11 | البخاري، برقم 6460، ومسلم، برقم 1055. |
| ^12 | جلاء الأفهام، ص210. |
| ^13 | فتح الباري، 11/ 160. |
| ^14 | الشرح الممتع على زاد المستقنع، 3/ 125، وانظر: شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1407. |
| ^15 | انظر: الشرح الممتع: 3/ 165- 166. |
| ^16 | فتح الباري، 11/ 162. |
| ^17 | شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 126. |
| ^18, ^21 | تهذيب الأسماء واللغات، 4/ 134. |
| ^19 | جلاء الأفهام، ص316. |
| ^20, ^23, ^25 | فتح الباري، 11/ 163. |
| ^22 | جلاء الأفهام، ص316- 317. |
| ^24 | جلاء الأفهام: ص318. |
| ^26 | انظر: النهج الأسمى للنجدي، 1/ 434. |
| ^27 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 2/ 303، وانظر: جلاء الأفهام للإمام ابن القيم، ص302. |
| ^28 | جلاء الأفهام: ص302- 308. |
| ^29, ^33 | شرح النووي على صحيح مسلم، 4/ 125. |
| ^30 | ذكره في تفسير الطبري، 5/ 329 عَنْ قَتَادَةَ، واستشهد الشيخ الألباني بكلام ابن القيم في كتابه صفة الصلاة، دون التعليق عليه، انظر: صفة صلاة النبي : ص168. |
| ^31 | جلاء الأفهام، ص289. |
| ^32 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 1407. |
| ^34 | مسلم، كتاب الصلاة، باب الصلاة على النبي بعد التشهد، برقم 906. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط