القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
وجَّهتُ وجهيَ للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا، وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونُسُكي ومَحْياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أُمِرْتُ وأنا من المسلمين. اللهم أنت المَلِك، لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي واعترفتُ بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعًا، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيِّئها، لا يصرف عني سيِّئها إلا أنت. لَبَّيْك وسَعْدَيْك، والخير كله في يديك، والشر ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك[1]رواه مسلم: 771..
| ^1 | رواه مسلم: 771. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: وجهت وجهي: أي أخلصت ديني، وعملي، وقصدي للَّه وحده، قال القرطبي رحمه الله: «أي: صوَّبت وجهي، وأخلصت في عبادتي»[1]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 34..
وقال الرافعي رحمه الله: «وجهت وجهي: أي: قصدت بعبادتي وتوحيدي، قال تعالى: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ [الروم:30] أي: قصدك، ويقال: وجهي إليه أي: قصدي إليه»[2]شرح مسند الشافعي، 1/ 314.. - قوله: للذي فطر السماوات والأرض: أي خلقهن، والمراد بذلك أنه خلق العالم كله[3]انظر: أيسر التفاسير مع نهر الخير للجزائري، ص1452.، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: «أَيْ: خَلَقَهُمَا وَابْتَدَعَهُمَا عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَبَقَ»[4]تفسير ابن كثير، 3/ 291..
- قوله: حنيفًا: أصل الحنف الميل، والمراد هنا مائلًا إلى الدين الحق، وهو الإسلام، والحنيف عند العرب هو من كان على دين إبراهيم ، قال ابن كثير رحمه الله: «حَنِيفًا: أَيْ: فِي حَالِ كَوْنِي حَنِيفًا، أَيْ: مَائِلًا عَنِ الشِّرْكِ إِلَى التَّوْحِيدِ»[5]تفسير ابن كثير: 3/ 291..
- قوله: وما أنا من المشركين: هذا إيضاح لمعنى الحنيف، وهذه الكلمة أي: كلمة المشرك تطلق على كل كافر من عابد وثن، وصنم، ويهودي، ونصراني، ومجوسي، ومرتد، وزنديق، وغيرهم[6]انظر شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 300..
- قوله: إن صلاتي ونسكي: صلاتي: أي عبادتي: الفريضة، والنافلة، ويدخل في ذلك الدعاء: دعاء العبادة، ودعاء المسألة، قوله: ونسكي: ذبحي، وقيل مناسك الحج، ويطلق النسك على الذبح، وعلى مناسك الحج، على حسب ورود الكلام المراد، قال ابن كثير رحمه الله: «أَمَرَهُ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ، وَيَذْبَحُونَ لِغَيْرِ اسْمِهِ، أَنَّهُ مُخَالِفٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ لِلَّهِ، وَنُسُكَهُ عَلَى اسْمِهِ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2] أَيْ: أَخْلِصْ لَهُ صَلَاتَكَ، وَذَبِيحَتَكَ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، وَيَذْبَحُونَ لَهَا، فَأَمَرَهُ اللَّهُ تعالى بِمُخَالَفَتِهِمْ، وَالِانْحِرَافِ عَمَّا هُمْ فِيهِ، وَالْإِقْبَالِ بِالْقَصْدِ، وَالنِّيَّةِ، وَالْعَزْمِ عَلَى الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى»[7]تفسير ابن كثير، 3/ 381..
- قوله: ومحياي ومماتي: أي وما آتيه في حياتي، وأموت عليه من الإيمان، والعمل الصالح، قال الألوسي رحمه الله: «مَحْيايَ وَمَماتِي: أي: ما يقارن حياتي وموتي من الإيمان، والعمل الصالح، وقيل: يحتمل أن يكون المراد بالمحيا والممات ظاهرهما، والأول هو المناسب؛ لقوله تعالى: لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ إذ المراد به الخلوص بحسب الظاهر، وقيل: المراد به نظرًا لهذا الاحتمال أن ذلك له تعالى ملكًا، وقدرة، لا شَرِيكَ لَهُ، أي: في عبادتي، أو فيها، وفي الإحياء، والإماتة»[8]تفسير الألوسي، روح المعاني، 4/ 312..
- قوله: للَّه رب العالمين: أي أن هذه الأعمال خالصة لرب العوالم كلها، ومدبر شأنها، قال القرطبي رحمه الله: «والعالمين: الخلق، وأصله من العلم، وقيل: من العلامة»[9]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 34..
وقال السعدي رحمه الله: «على انفراده بالخلق، والتدبير، والنعم، وكمال غناه، وتمام فقر العالمين إليه، بكل وجه واعتبار»[10]تفسير السعدي، ص39.. - قوله: لا شريك له: أي في الملك، والخلق، والتصريف، والتدبير ولا معبود بحقٍّ سواه، ولا شريك له في ذلك كله، قال المناوي رحمه الله: «أي: لا إله منفرد إلا هو وحده، لا شريك له عقلًا ونقلًا، وأما الأول: فلأن وجود إلهين محال، كما تقرر في الأصول، وأما الثاني: فلقوله تعالى: أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ [الكهف:110]، وذلك يقتضي أن لا شريك له»[11]فيض القدير، 5/ 200، وتقدم في شرح المفردة رقم 2 من حديث المتن رقم 2..
- قوله: وبذلك أمرت: أي من خلال الوحيين القرآن الكريم والسنة الصحيحة: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ [الأنعام:162- 163].
- قوله: وأنا من المسلمين: قال ابن الأثير رحمه الله: «وأما قوله: من المسلمين، فذلك يقوله من هو بعد إبراهيم، لأن كل من دان بدين الإسلام كان من جملة المسلمين، وقد جاء في إحدى الروايات أول المسلمين وفي بعضها من المسلمين فجائز أن يكون النبي لما قال: وأنا أول المسلمين حكى لفظ القرآن العزيز الذي أخبر به عن إبراهيم، فقال مثل إبراهيم محافظة على لفظ القرآن، وجائز أن يكون أراد أنه هو أول المسلمين؛ لأنه الذي شرع الإسلام وأرسل به، وأما من المسلمين فلا لبس في أنه يريد أنه واحد منهم، والمسلم: اسم فاعل من أسلم يسلم، إذا انقاد وخضع، هذا هو الأصل، ثم جعل اسمًا جامعًا لأوصاف مخصوصة اشترطها الشارع، أولها: الإتيان بالشهادتين لفظًا»[12]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 532..
وقال القرطبي رحمه الله: «أي: مسلم من المسلمين المتمكنين في الاستسلام... وفوّضوا جميع أمورهم للرحمن»[13]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 401.. - قوله: اللهم أنت الملك: قال ابن منظور رحمه الله: «اللهم: بِمَعْنَى: يَا أَلله، وَالْمِيمُ الْمُشَدَّدَةُ عِوَضٌ مِنْ يَا...»[14]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 6 من مفردات حديث المتن رقم 1..
وقال الطيبي رحمه الله: «أنت الملك: لما دل عليه تعريف الخبر باللام، ترقيًا من الأدنى إلى الأعلى، طبق قوله تعالى: مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ [الناس:2-3]»[15]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990.. - قوله: لا إله إلا أنت: أي: لا معبود بحقٍّ غيرك، ولا معروف بهذه المعرفة سواك[16]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 33.، قال الطيبي رحمه الله: «إثبات للإلهية المطلقة للَّه تعالى على سبيل الحصر، بعد إثبات الملك له»[17]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990..
وقال المناوي في تعليقه على حديث من قال: لا إله إلا اللَّه: «من مات معتقدًا لها، فهو الذي مات لا يشرك باللَّه شيئًا»[18]فيض القدير، 1/ 136.. - قوله: أنت ربي وأنا عبدك: قال ابن الأثير رحمه الله: «والرب: المالك، والسيد، والصاحب، والمدبر، والخالق وغير ذلك إلا أنه لا يرد مطلقًا إلا على اللَّه غالبًا، فأما غير اللَّه فيقال فيه: رب كذا، على أنه قد جاء في الشعر على غير اللَّه تعالى مطلقًا، والعبد: ضد الحر، وأصله الذل والخضوع، ومنه طريق مُعَبَّد أي مذلَّل»[19]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 532..
وقال الطيبي رحمه الله: «وإنما أخر الربوبية في قوله: أنت ربي لتخصيص الصفة، وتقييدها بالإضافة إلى نفسه، وإخراجها عن الإطلاق»[20]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن: 3/ 990.. - قوله: ظلمت نفسي: قال ابن الأثير رحمه الله: «والظلم: الجور، ومجاوزة الحد، وأخذ ما ليس لك، وأصله وضع الشيء في غير موضعه. والنفس في اللغة: الروح يقال: خرجت نفسه إذا مات، وقد يطلق على الدم: سالت نفسه، وفي الحديث: «ما ليس له نفس سائلة»[21]السنن الكبرى للبيهقي، 1/ 384 موقوفًا على إبراهيم النخعي رحمه الله. أي: ما لا دم له، وقد يطلق على الجسد، وجاء في الشعر. ومعنى «ظلمه نفسه»: يريد: بما ارتكبه من الذنوب والمعاصي، فإنه ظلمها، حيث قلدها الآثام، والأوزار، وأخرجها إلى أن تعاقب»[22]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 533..
- قوله: واعترفت بذنبي: قال ابن الأثير رحمه الله: «يريد ظلمه نفسه، فإنه ذنب واحد؛ وإن كان قد ظلمها مرات كثيرة، إلا أنه يطلق على تلك المرات لفظة الظلم لجمعه إياها؛ ولأن الذنب معصية، والاعتراف به يورث الخجل، والفضيحة، لكنه لما علم أن الاعتراف بالذنب يمحوه، ويوجب العفو، والمغفرة، وأراد أن يعترف؛ وَحَّدَ الذنب؛ لئلا يكون معترفًا بذنوب كثيرة؛ فتكبر فضيحته، على أن الذنب قد يقع على القليل والكثير»[23]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 533..
- قوله: فاغفر لي ذنوبي جميعًا إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت: قال ابن منظور: «الغَفُورُ الغَفّارُ، جَلَّ ثَنَاؤُهُ... وَمَعْنَاهُمَا: السَّاتِرُ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ، الْمُتَجَاوِزُ عَنْ خَطَايَاهُمْ وَذُنُوبِهِمْ... غَفَرَه يَغْفِرُه غَفرًا: سَتَرَهُ. وَكُلُّ شَيْءٍ سَتَرْتَهُ، فَقَدْ غَفَرْته... وَمِنْهُ: غَفَرَ اللَّهُ ذُنُوبَهُ أَي سَتَرَهَا»[24]لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من حديث المتن رقم 2..
وقال ابن الأثير رحمه الله: «لا يغفر الذنوب إلا أنت: إقرارًا منه، واعترافًا أنه قد قطع أمله، ورجاءه عن كل أحد سواه، وصرف رغبته إلى من لا توجد المغفرة إلا عنده»[25]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 534..
وقال المناوي رحمه الله: «لا رب غيرك، وإنه: أي الشأن أنه لا يغفر الذنوب إلا أنت لأنك السيد المالك، إن غفرت فبفضلك، وإن عاقبت فبعدلك، وإنما كان هذا أوفق الدعاء لما فيه من الاعتراف بالظلم، وارتكاب الجرم، ثم الالتجاء إليه تعالى مضطرًا، لا يجد لذنبه غافرًا غير ربه»[26]فيض القدير شرح الجامع الصغير، 3/ 103.. - قوله: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت: قال ابن منظور رحمه الله: «من أَسماء اللَّه تعالى سبحانه: (الهادي). قال ابن الأَثير: هو الذي بَصَّرَ عِبادَه، وعرَّفَهم طَريقَ معرفته حتى أَقرُّوا برُبُوبيَّته، وهَدى كل مخلوق إِلى ما لا بُدَّ له منه في بَقائه، ودَوام وجُوده. الهُدى: ضدّ الضلال، وهو الرَّشادُ... الهُدَى: أَي الصِّراط الذي دَعا إِليه هو طَرِيقُ الحقّ»[27]لسان العرب، 15/ 353، مادة (هدي)..
وقال القرطبي رحمه الله: «واهدني لأحسن الأخلاق: أي: لأكملها، وأفضلها، وهي: الخُلق الصحيح، والكفُّ عن القبيح، وقيل: القيام بالحقوق، والعفو عن العقوق؛ كما قال: أن تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو»[28]المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: 7/ 35..
وقال ابن الأثير رحمه الله: «والأخلاق: واحدها خُلُق -بضم اللام وبسكونها- وهي السجية التي جُبِلَ الإنسان عليها من حسن وقبح، ولذلك طلب الهداية لأحسنها»[29]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 534.. - قوله: واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت: قال ابن فارس رحمه الله: «الصَّادُ وَالرَّاءُ وَالْفَاءُ مُعْظَمُ بَابِهِ يَدُلُّ عَلَى رَجْعِ الشَّيْءِ، مِنْ ذَلِكَ صَرَفْتُ الْقَوْمَ صَرْفًا، وَانْصَرَفُوا، إِذَا رَجَعْتَهُمْ فَرَجَعُوا»[30]مقاييس اللغة، 3/ 342، مادة (صرف)..
وقال ابن منظور رحمه الله: «صرف: الصَّرْفُ: رَدُّ الشَّيْءِ عَنْ وَجْهِهِ، صَرَفَه يَصْرِفُه صَرْفًا فانْصَرَفَ. وصَارَفَ نفْسَه عَنِ الشَّيْءِ: صَرَفَها عَنْهُ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ انْصَرَفُوا؛ أَي: رَجَعوا عَنِ الْمَكَانِ الَّذِي استمعُوا فِيهِ، وَقِيلَ: انْصَرَفُوا عَنِ الْعَمَلِ بِشَيْءٍ مِمَّا سَمِعُوا، صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ [التوبة:127]: أَي: أَضلَّهُم اللَّهُ مُجازاةً عَلَى فِعْلِهِمْ؛ وصَرفْتُ الرَّجُلَ عَنِّي فانْصَرَفَ... وصَرَفْتُ الصِّبْيان: قَلَبْتُهم، وصَرَفَ اللَّهُ عَنْكَ الأَذى، واسْتَصْرَفْتُ اللَّهَ المَكارِهَ»[31]لسان العرب، 9/ 189، مادة (صرف)..
قال العيني رحمه الله: «واصرف عني سيئها: أي: قبيحها»[32]شرح أبي داود للعيني، 3/ 361..
وقال القاري رحمه الله: «لَا يَصْرِفُ عَنِّي: ولَا عَنْ غَيْرِي سَيِّئَهَا إِلَّا أَنْتَ: فَإِنَّ غَيْرَكَ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى شَيْءٍ»[33]مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 2/ 673.. - قوله: لبيك: أي استجابة لندائك، وامتثالًا لأمرك إجابة بعد إجابة، وإقامة على طاعتك إقامة بعد إقامة، قال الفيروزآبادي رحمه الله: «لَبَّيْكَ، أي: أنا مُقيمٌ على طاعَتك إلْبابًا بَعْدَ إلْبابٍ وإجابَةٍ، أو مَعْناهُ: اتِّجَاهي وقَصْدِي لَكَ»[34]القاموس المحيط، ص133، مادة (لبب)..
وقال القاضي عياض رحمه الله: «معناه إجابة لك... كأنه قال: إجابة لك بعد إجابة تأكيدًا... ومعناه: إجابتي لك يا رب لازمة... من لب بالمكان وألب به إذا أقام، وقيل: معناه: قربًا منك، وطاعة... وقيل طاعة لك، وخضوعًا من قولهم: أنا ملب بين يديك، أي: خاضع، وقيل: اتجاهي لك وقصدي»[35]مشارق الأنوار على صحاح الآثار، 1/ 353.. - قوله: وسعديك: أي ألزم طاعتك طاعة بعد طاعة حتى ألقاك، قال ابن الأثير رحمه الله: «سعديك: من الألفاظ المقرونة بلبيك، ومعناها: إسعادًا بعد إسعاد، والمراد: ساعدت على طاعتك مُساعدة بعد مساعدة»[36]جامع الأصول في أحاديث الرسول، 3/ 91..
وقال الطيبي رحمه الله: «ومعنى سعديك: ساعدت طاعتك مساعدة بعد مساعدة»[37]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 2/ 474.. - قوله: والخير كله في يديك: أي أن خزائنه عندك تتصرف فيها كيف تشاء، وهو بيديك: تعطيه من تشاء، وتحرمه من تشاء، لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، قال القاضي عياض رحمه الله: «معنى هذا الكلام: الإرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على اللَّه، والمدح له بأن تضاف محاسن الأمور إليه دون مساوئها ومذامها»[38]إكمال المعلم بفوائد مسلم، 3/ 134..
- قوله: والشر ليس إليك: أي لا ينسب إليك الشر بأي وجه؛ فإنه لا يحصل منك إلا كل خير، وأنت خالق كل شيء، وقال ابن الأثير رحمه الله: «والشر ليس إليك: معنى هذا الكلام الإرشاد إلى استعمال الأدب في الثناء على اللَّه تعالى، ومدحه بأن تضاف محاسن الأشياء إليه دون مساوئها، وليس المقصود نفي شيء عن قدرته، وإثباته لها، فإن محاسن الأمور تضاف إلى اللَّه عند الثناء عليه دون مساوئها»[39]جامع الأصول في أحاديث الرسول، 4/ 209..
وقال الرافعي رحمه الله: «والشر ليس إليك: قيل: لا يتقرب به إليك، وقيل: لا يصعد إليك؛ إنما يصعد الكلم الطيب، وقيل: لا يفرد بالإضافة إليك، كما لا يقال: يا خالق الحيات والحشرات»[40]شرح مسند الشافعي، 1/ 314..
وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «إن الشر المحض لا يكون بفعل اللَّه أبدًا، الشر المحض الذي ليس فيه خير لا حالًا، ولا مآلًا، هذا لا يمكن أن يوجد في فعل اللَّه أبدًا، هذا من وجه؛ لأنه حتى الشر الذي قدّره اللَّه شرًّا، لا بد أن يكون له عاقبة حميدة، ويكون شرًّا على قوم، وخيرًا على آخرين، أرأيت لو أنزل اللَّه المطر: مطرًا كثيرًا، فأغرق زرع إنسان؛ لكنه نفع الأرض، وانتفعت به أمة، لكان هذا خيرًا بالنسبة لمن انتفع به، شرًّا بالنسبة لمن تضرر به، فهو خير من وجه، وشر من وجه. ثانيًا: حتى الشر الذي يقدّره اللَّه على الإنسان، هو خير في الحقيقة؛ لأنه إذا صبر، واحتسب الأجر من اللَّه نال بذلك أجرًا، أكثر بأضعاف مضاعفة مما ناله من الشر؛ ولهذا ذُكر عن بعض العابدات أنها أصيبت في إصبعها، أو يدها، فانجرحت، فصبرت، وشكرت اللَّه على هذا، وقالت: «إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها». ثم نقول: إن الشر حقيقة ليس في فعل اللَّه نفسه؛ بل في مفعولاته، المفعولات هي التي فيها خير وشر، أما الفعل نفسه، فهو خير؛ ولهذا قال اللَّه : قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ [الفلق:1- 2]، أي من شر الذي خلقه اللَّه، يدلك لهذا أنه لو كان عندك مريض، وقيل له: إن من شفائه أن تكويه النار، فكويته بالنار، مؤلمة بلا شك، لكن فعلك هذا ليس بشر، بل هو خير للمريض؛ لأنك إنما تنتظر عاقبة حميدة بهذا الكي، كذلك فعل اللَّه للأشياء المكروهة، والأشياء التي فيها شر، هي بالنسبة لفعله وإيجاده خير؛ لأنه يترتب عليه خير كثير، فإن قال قائل: كيف تجمع بين هذا وبين قوله تعالى: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ [النساء:79]... نقول: مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ يعني من فضله، هو الذي منَّ عليك بها أولًا وآخرًا وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أي: أنت سببها، وإلّا فالذي قدرها هو اللَّه، لكن أنت السبب، كما في قوله تعالى: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]. وخلاصة الكلام: أن كل شيء واقع؛ فإنه بقدر اللَّه، سواء كان خيرًا أم شرًّا، أما الخير فأمره واضح أنه من اللَّه، وأما الشر فإننا نقول: إن الشر ليس في فعل اللَّه، بل في مفعولاته، ونقول أيضًا: هذه المفعولات التي فيها الشر، قد تكون خيرًا من وجه آخر، إما للشخص المصاب بها نفسه، وإما لغيره... أو نقول هو شر لك من وجه، وخير لك من وجه آخر؛ لأن هذا الشر إن أصابك لك فيه أجر كثير، وربما يكون سببًا لاستقامتك، ومعرفتك قدر نعمة اللَّه عليك، فتكون العاقبة حميدة»[41]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 60.. - قوله: أنا بك وإليك: أي قائم بك راجع إليك معتمد عليك في كل شيء، وقال الرافعي رحمه الله: «أنا بك وإليك: أي: بقدرتك حدثتُ، وإليك أعود»[42]شرح مسند الشافعي، 1/ 314..
وقال الطيبي رحمه الله: «وأنا بك وإليك: أي: بك وُجِدْتُ، وإليك أنتهي، أي أنت المبتدأ والمنتهى»[43]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990.. - قوله: تباركت وتعاليت: قال الطيبي رحمه الله: «تباركت: تعاظمت، وتمجدت، أو جئت بالبركة، وأصل الكلمة الدوام والثبات، ولا تستعمل هذه الكلمة إلا للَّه تعالى، وتعاليت: عما تتوهمه الأوهام، وتتصوره العقول»[44]شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990..
- قوله: أستغفرك وأتوب إليك: قال ابن الأثير رحمه الله: «والاستغفار: طلب المغفرة، والتوبة: الرجوع من الذنب والإخلاص في الترك، والندم على الفائت»[45]الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 536.، قوله: تباركت أي: «استحققت الثناء عليك. وقيل: ثبت الخير عندك. وقال ابن الأنباري: تبارك العباد بتوحيدك، وقوله: وتعاليت أي: تعاظمتَ عن متوهم الأوهام، ومتصور الأفهام»[46]شرح أبي داود للعيني، 3/ 362..
ما يستفاد من الحديث:
- خص النبي في قوله: صلاتي ونسكي بين عبادتين عظيمتين، هما الصلاة التي هي عمود الإسلام، وبين النسك، وهو الذبح بإراقة الدم؛ ابتغاء مرضاة اللَّه، ويفهم من هذا أنه من أخلص للَّه في صلاته ونسكه، كان يسيرًا عليه أن يخلص في باقي عمله، وهذا إشارة إلى قوله: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ [الكوثر:2].
- قول النبي : للَّه رب العالمين الرب: هو المربي جميع العالمين، وهم من سوى اللَّه، وتربية اللَّه لخلقه نوعان عامة، وخاصة:
- عامة: وهي خلقه للمخلوقين، ورزقهم، وهدايتهم؛ لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا.
- الخاصة: تربية لأوليائه، وحقيقتها تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر، وهذا هو السر في كون أدعية الأنبياء بلفظ الرب[47]انظر: تفسير السعدي سورة الفاتحة، ص33..
- جاء في رواية صحيحة لفظ: وأنا أول المسلمين[48]انظر: مسند الشافعي، ص59، صحيح ابن خزيمة، 1/ 235، برقم 462، وابن حبان، 5/ 70، برقم 1772، وصححها الألباني في صحيح … Continue reading، والنبي بالفعل هو أول المسلمين، فحق له أن يقولها، أما غيره فليقل: وأنا من المسلمين، واللَّه أعلم.
- حسن مناجاة النبي لربه يظهر من قوله: ظلمت نفسي، فقدم الاعتراف بالذنب -مع عصمته عنه - على سؤال المغفرة تأدبًا مع خالقه، وهذا كقوله في شأن آدم وحواء: قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ [الأعراف:23].
- تمام أدب النبي مع ربه يظهر في قوله: والشر ليس إليك، فلم ينسب إلى اللَّه ما يكرهه، وإن كان هو خالق كل شيء، فالشر لا يتقرب به إلى اللَّه، ولا يصعد إليه، والشر لا يكون من اللَّه ، وما يحصل من المرض، وغيره مما يكرهه الإنسان؛ فإن اللَّه يعطي عليه الثواب العظيم، والأجر الكبير، والشر في المقضي لا في القضاء، وهذا كقول اللَّه حكاية عن مؤمني الجن: وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا [الجن:10]. قال الحكمي: «وأفعال اللَّه كلها خير محض من حيث اتصافه بها وصدورها عنه وهو الحكم العدل، وما كان في نفس المقدور من شر فمن جهة إضافته إلى العبد لما يلحق به من المهالك بما كسبته يداه، جزاءً وفاقًا، كما قال اللَّه: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى:30]»[49]انظر: 200 سؤال وجواب في العقيدة: س152..
| ^1 | المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 34. |
|---|---|
| ^2, ^40, ^42 | شرح مسند الشافعي، 1/ 314. |
| ^3 | انظر: أيسر التفاسير مع نهر الخير للجزائري، ص1452. |
| ^4 | تفسير ابن كثير، 3/ 291. |
| ^5 | تفسير ابن كثير: 3/ 291. |
| ^6 | انظر شرح النووي على صحيح مسلم، 6/ 300. |
| ^7 | تفسير ابن كثير، 3/ 381. |
| ^8 | تفسير الألوسي، روح المعاني، 4/ 312. |
| ^9 | المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 34. |
| ^10 | تفسير السعدي، ص39. |
| ^11 | فيض القدير، 5/ 200، وتقدم في شرح المفردة رقم 2 من حديث المتن رقم 2. |
| ^12, ^19 | الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 532. |
| ^13 | المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 2/ 401. |
| ^14 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم مستوفى في شرح المفردة رقم 6 من مفردات حديث المتن رقم 1. |
| ^15, ^17, ^43, ^44 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 3/ 990. |
| ^16 | المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 7/ 33. |
| ^18 | فيض القدير، 1/ 136. |
| ^20 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن: 3/ 990. |
| ^21 | السنن الكبرى للبيهقي، 1/ 384 موقوفًا على إبراهيم النخعي رحمه الله. |
| ^22, ^23 | الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 533. |
| ^24 | لسان العرب، 5/ 25، مادة (غفر)، وتقدم في شرح المفردة رقم 12 من حديث المتن رقم 2. |
| ^25, ^29 | الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 534. |
| ^26 | فيض القدير شرح الجامع الصغير، 3/ 103. |
| ^27 | لسان العرب، 15/ 353، مادة (هدي). |
| ^28 | المفهم، لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: 7/ 35. |
| ^30 | مقاييس اللغة، 3/ 342، مادة (صرف). |
| ^31 | لسان العرب، 9/ 189، مادة (صرف). |
| ^32 | شرح أبي داود للعيني، 3/ 361. |
| ^33 | مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 2/ 673. |
| ^34 | القاموس المحيط، ص133، مادة (لبب). |
| ^35 | مشارق الأنوار على صحاح الآثار، 1/ 353. |
| ^36 | جامع الأصول في أحاديث الرسول، 3/ 91. |
| ^37 | شرح المشكاة للطيبي: الكاشف عن حقائق السنن، 2/ 474. |
| ^38 | إكمال المعلم بفوائد مسلم، 3/ 134. |
| ^39 | جامع الأصول في أحاديث الرسول، 4/ 209. |
| ^41 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 60. |
| ^45 | الشافي في شرح مسند الشافعي، 1/ 536. |
| ^46 | شرح أبي داود للعيني، 3/ 362. |
| ^47 | انظر: تفسير السعدي سورة الفاتحة، ص33. |
| ^48 | انظر: مسند الشافعي، ص59، صحيح ابن خزيمة، 1/ 235، برقم 462، وابن حبان، 5/ 70، برقم 1772، وصححها الألباني في صحيح الترمذي، برقم 3421. |
| ^49 | انظر: 200 سؤال وجواب في العقيدة: س152. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط