القارئ: حمد الدريهم
keyboard_arrow_down
اللهم مُنْزِلَ الكتاب، سريعَ الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم[1]رواه البخاري: 4115، ومسلم: 1742..
| ^1 | رواه البخاري: 4115، ومسلم: 1742. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: اللَّهم: «بِمَعْنَى: يَا أَلله... الْمِيم فِي آخِرِ الْكَلِمَةِ بِمَنْزِلَةِ يَا فِي أَولها، وَالضَّمَّةُ الَّتِي هِيَ فِي الْهَاءِ هِيَ ضَمَّةُ الِاسْمِ الْمُنَادَى الْمُفْرَدِ»[1]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6..
- قوله: منزل الكتاب أي: القرآن العظيم، والذي يشمل الإيمان بكل كتاب أنزله اللَّه من قبل.
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «توسل بإنزال الكتاب، وهو القرآن الكريم، أو يشمل كل كتاب ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره»[2]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 52.. - قوله: سريع الحساب أي: مجازي العباد على أعمالهم، ومحاسبهم عليها في وقت واحد، كما يرزقهم في وقت واحد، ويسمعهم في وقت واحد على اختلاف اللَّهجات والمطالب.
قال العلامة العثيمين رحمه الله: «يعني يا سريع الحساب، إما أن يراد به أنه سريع حسابه بمجيء وقته، وإما أنه سريع في الحساب»[3]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 52.. - قوله: اهزم الأحزاب أي: الكفار الذين اجتمعوا لقتالنا وإطفاء نورك.
قال القرطبي رحمه الله: «والأحزاب: جمع حزب، وهم الجمع والقطعة من الناس، ويعني بهم الذين تحزبوا عليه في المدينة، فهزمهم اللَّه تعالى بالريح، ووصف اللَّه بأنه سريع الحساب، يعني به: يعلم الأعداد المتناهية وغيرها في آنٍ واحدٍ، فلا يحتاج في ذلك إلى فكرٍ ولا عقدٍ كما يفعله الْحُسَّاب منَّا»[4]المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 11/ 57.. - قوله: وزلزلهم أي: أزعجهم وحركهم بالشدائد[5]شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 74.، وأنزل عليهم بأسك الذي لا يرد.
وقال القاضي عياض رحمه الله: «والزلزال والزلزلة: الشدائد التي تحرك الناس، قال اللَّه : وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا [الأحزاب:11]»[6]إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، 6/ 22.. - قوله: لا تتمنوا لقاء العدو: قال الحافظ ابن حجر: «لما كان لقاء الموت من أشق الأشياء على النفس، وكانت الأمور الغائبة ليست كالأمور المحققة، لم يؤمن أن يكون عند الوقوع كما ينبغي، فيكره التمني لذلك؛ ولما فيه لو وقع من احتمال أن يخالف الإنسان ما وعد من نفسه، ثم أمر بالصبر عند وقوع الحقيقة»[7]فتح الباري، لابن حجر، 6/ 157..
ما يستفاد من الحديث:
- قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وهذا دعاء ينبغي للمجاهد أن يدعو به إذا لقي العدو، فهنا توسل الرسول عليه الصلاة والسلام بالآيات الشرعية والآيات الكونية؛ توسل بإنزال الكتاب، وهو القرآن الكريم، أو يشمل كل كتاب ويكون المراد به الجنس، أي: منزل الكتب على محمد وعلى غيره.
- ومجري السحاب: هذه آية كونية، فالسحاب المسخر بين السماء والأرض لا يجريه إلا اللَّه ، لو اجتمعت الأمم كلها بآلاتها ومعداتها على أن تجري هذا السحاب أو أن تصرف وجهه ما استطاعت إلى ذلك سبيلًا، وإنما يجريه من إذا أراد شيئًا قال له: كن، فيكون»[8]شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 53..
- إثبات علو اللَّه ، وأنه مستوٍ على عرشه بائنٌ من خلقه، وذلك لأن الإنزال لا يكون إلا من أعلى، وهذا كقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ [آل عمران:3]، والأدلة على ذلك كثيرة.
- قال الحافظ في الفتح: «أشار بهذا الدعاء إلى وجوه النصر عليهم:
- فبالكتاب إلى قوله تعالى: قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ [التوبة:14].
- وبمجري السحاب إلى القدرة الظاهرة في تسخير السحاب حيث:
- يحرك الريح بمشيئته تعالى.
- وحيث يستمر في مكانه مع هبوب الريح.
- وحيث تمطر تارة، وأخرى لا تمطر.
فأشار بحركته إلى إعانة المجاهدين في حركتهم في القتال، وبوقوفه إلى إمساك أيدي الكفار عنهم، وبإنزال المطر إلى غنيمة ما معهم حيث يتفق قتلهم، وبعدمه إلى هزيمتهم حيث لا يحصل الظفر بشيء منهم، وكلها أحوال صالحة للمسلمين.
- وأشار بهازم الأحزاب إلى التوسل بالنعمة السابقة، وإلى تجريد التوكل، واعتقاد أن اللَّه هو المتفرد بالفعل.
وفيه التنبيه على عظم هذه النعم الثلاث؛ فإن بإنزال الكتب حصلت النعمة الأخروية وهي الإسلام، وبإجراء السحاب حصلت النعمة الدنيوية وهي الرزق، وبهزيمة الأحزاب حصل حفظ النعمتين»[9]انظر: فتح الباري، 6/ 157..
- مشروعية الدعاء عند قتال الكفار، والتوسل إلى اللَّه بهذه الكلمات، وهذا الوقت من الأوقات التي هي مظنة الإجابة؛ لقوله : ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقلَّما ترد على داع دعوته: لِحضُور الصلاة، والصف في سبيل اللَّه[10]الطبراني في الكبير، 6/ 140، برقم 5774، ورواه الإمام مالك كما في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن … Continue reading، وقد ورد أن النبي قال هذا الدعاء يوم الخندق[11]البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، برقم 4115.، وهذا الحديث من جوامع كلمه .
- هذا الدعاء هو أحد آداب القتال، قال النووي رحمه الله: «وقد جمع اللَّه آداب القتال في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ [الأنفال:45- 47]».
- جاء في بعض ألفاظ هذا الدعاء أن الرسول قاله في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، حيث انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس فقال: أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا اللَّه العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال هذا الدعاء[12]البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، برقم 3025، 3026، وفي كتاب التمني، باب كراهية تمني لقاء … Continue reading.
أما انتظاره حتى تزول الشمس؛ لأنه أمكن للقتال، ولأن فيه أوقات الصلاة والدعاء عندها. وأما النهي عن تمني لقاء العدو؛ لأن المرء لا يعلم ما سيؤول إليه الأمر، أو لما فيه من صورة الإعجاب والاتكال على النفس، أما إذا وقع فقد جاء الأمر بالصبر[13]انظر: فتح الباري في مواضع شتى، مثل: 6/ 156، و10/ 190.. - وقوله: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، سريع الحساب دليل على جواز السَّجع في الدعاء إذا لم يتكلَّف[14]انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 11/ 57.، وقال: إنما نهى عن السجع في الدعاء، واللَّه أعلم؛ لأن طلب السجع فيه تكلف ومشقة، وذلك مانع من الخشوع وإخلاص التضرع للَّه تعالى، وقد جاء في الحديث أن الله لا يقبل دعاءً من قلب غافلٍ لاهٍ[15]هذا اللفظ في مسند البزار، 17/ 307، والحاكم، 1/ 670، وقال: «مستقيم الإسناد»، وأخرجه الترمذي بلفظ: وَاعْلَمُوا … Continue reading.
وطالب السجع في دعائه همته في تزويج الكلام وسجعه، ومن شغل فكره وكد خاطره بتكلفه فقلبه عن الخشوع غافل لاه؛ لقول اللَّه تعالى: مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب:4]، فإن قيل: فقد وجد في دعاء النبي نحو ما نهى عنه ابن عباس رضي الله عنهما، وهو قوله: اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، وقال في تعويذ حسن أو حسين: أعيذه من الهامة والسامة وكل عين لامة[16]هذه رواية ابن سعد عن ابن عباس، ورواه ابن عساكر في تاريخه، 130/ 224، عن ابن مسعود، وفي صحيح البخاري، كتاب أحاديث … Continue reading، وإنما أراد مُلمّة، فللمقاربة بين الألفاظ وإتباع الكلمة أخواتها في الوزن قال: لامة.
قيل: هذا يدل أن نهيه عن السجع إنما أراد به من يتكلف السجع في حين دعائه، فيمنعه من الخشوع كما قدمنا، وأما إذا تكلم به طبعًا من غير مؤنة ولا تكلف، أو حفظه قبل وقت دعائه مسجوعًا، فلا يدخل في النهي عنه؛ لأنه لا فرق حينئذ بين المسجوع وغيره؛ لأنه لا يتكلف صنعته وقت الدعاء، فلا يمنعه ذلك من إخلاص الدعاء والخشوع، والله أعلم[17]انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 98..
وقال الحافظ: «المَكرُوه مِنَ السَّجع هُو المُتَكَلَّف؛ لأَنَّهُ لا يُلائِم الضَّراعَة والذِّلَّة، وإِلاَّ فَفِي الأَدعِيَة المَأثُورَة كَلِمات مُتَوازِيَة لَكِنَّها غَير مُتَكَلَّفَة. قالَ الأَزهَرِيّ: وإِنَّما كَرِهَهُ لِمُشاكَلَتِهِ كَلام الكَهَنَة، كَما فِي قِصَّة المَرأَة مِن هُذَيل، وقالَ أَبُو زَيد وغَيره: أَصل السَّجع القَصد المُستَوِي، سَواء كانَ فِي الكَلام أَم غَيره»[18]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 139..
| ^1 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح مفردات حديث المتن رقم 1، في المفردة رقم 6. |
|---|---|
| ^2, ^3 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 52. |
| ^4 | المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 11/ 57. |
| ^5 | شرح النووي على صحيح مسلم، 12/ 74. |
| ^6 | إكمال المعلم شرح صحيح مسلم، للقاضي عياض، 6/ 22. |
| ^7 | فتح الباري، لابن حجر، 6/ 157. |
| ^8 | شرح رياض الصالحين، شرح الحديث رقم 53. |
| ^9 | انظر: فتح الباري، 6/ 157. |
| ^10 | الطبراني في الكبير، 6/ 140، برقم 5774، ورواه الإمام مالك كما في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، لابن عبدالبر، 21/ 138، وصححه الألباني في صحيح الجامع، 3587. |
| ^11 | البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، برقم 4115. |
| ^12 | البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا تمنوا لقاء العدو، برقم 3025، 3026، وفي كتاب التمني، باب كراهية تمني لقاء العدو، برقم 7237. |
| ^13 | انظر: فتح الباري في مواضع شتى، مثل: 6/ 156، و10/ 190. |
| ^14 | انظر: المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم، 11/ 57. |
| ^15 | هذا اللفظ في مسند البزار، 17/ 307، والحاكم، 1/ 670، وقال: «مستقيم الإسناد»، وأخرجه الترمذي بلفظ: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ، كتاب الدعوات، باب حدثنا عبدالله، برقم 3479، وقال: «حديث غريب»، والطبراني في الأوسط، 5/ 211، برقم 5109، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب، 2/ 133، برقم 1653. |
| ^16 | هذه رواية ابن سعد عن ابن عباس، ورواه ابن عساكر في تاريخه، 130/ 224، عن ابن مسعود، وفي صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، باب حدثنا موسى بن إسماعيل، برقم 3371، ولفظه: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَيَقُولُ: إِنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ، مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ. |
| ^17 | انظر: شرح صحيح البخاري، لابن بطال، 10/ 98. |
| ^18 | فتح الباري، لابن حجر، 11/ 139. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط