قال جابر بن عبدالله رضي الله عنهما: كان رسول الله يُعلِّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يُعلِّمنا السورة من القرآن، يقول: إذا همَّ أحدكم بالأمر، فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليَقُل: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم؛ فإنك تَقْدِر ولا أَقْدِر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علَّام الغيوب، اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويُسمِّي حاجته- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجله وآجله- فاقدُرْه لي، ويسِّره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجله وآجله- فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدُرْ ليَ الخير حيث كان، ثم أرضني به[1]رواه بنحوه البخاري: 1162..
وما نَدِمَ من استخار الخالق، وشاور المخلوقين المؤمنين، وتثبَّت في أمره؛ فقد قال الله : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159].
| ^1 | رواه بنحوه البخاري: 1162. |
|---|
جدول المحتويات
شرح مفردات الحديث:
- قوله: «يعلمنا الاستخارة»: هي طلب خير الأمرين لمن احتاج إلى أحدهما، قال ابن الأثير رحمه الله: «الْخَيْرُ ضِدُّ الشَّر... وخَارَ اللَّهُ لَكَ: أَيْ أَعْطَاكَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَك... والِاسْتِخَارَةُ: طَلَبُ الخِيَرَة فِي الشَّيْءِ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْهُ، يُقَالُ اسْتَخِرِ اللهَ يَخِرْ لَك، وَمِنْهُ دُعاء الِاسْتِخَارَة: اللهُمَّ خِرْ لِي، أَيِ اخْتَرْ لِي أصلَحَ الأمْرَين، واجْعَلْ لِي الخِيَرَةَ فِيهِ»[1]النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 91، مادة (خير)..
- قوله: «في الأمور كلها» أي: في أمور الدنيا، كالزواج من فلانة -وليس أصل الزواج-، والسفر، وبناء الدار، وتكون في المباح، ولا تكون في المستحبات ولا الواجبات؛ لأن الأصل فعلها، ومن باب أولى لا تكون في المكروهات ولا المحرمات؛ لأن الأصل تركها، إلا أن الاستخارة تجوز في الواجبات التي وقتها موسع، كالحج عند من يرى أنه واجب على التراخي، أي: هل يحج هذا العام أم الذي بعده؟! وكذلك يستخير في الطرق إلى الحج إذا تعددت، ووسائل النقل إذا تعددت، والأصحاب والرفقة إذا تعددوا، وكذلك يُستخار في المستحبات عند تواردها وتعارضها، كمن أراد أن يذهب إلى عمرة أو إلى تعلم علم شرعي؛ فإنه يستخير.
قال ابن الملقن رحمه الله: «على المؤمن ردّ الأمور كلها إلى اللَّه، وصرف أزمتها والتبرؤ من الحول والقوة إليه، وينبغي له ألا يروم شيئًا من دقيق الأمور وجليلها حتى يستخير اللَّه تعالى فيه، ويسأله أن يحمله فيه على الخير، ويصرف عنه الشر، إذعانًا بالافتقار إليه في كل أمر، والتزامًا بالذلة والعبودية له، وتبركًا باتباع سنة نبيه في الاستخارة، ولذلك كان يعلمهم هذا الدعاء، كما يعلمهم السورة من القرآن؛ لشدة حاجتهم إلى الاستخارة في الحاجات كلها، كشدة حاجتهم إلى القراءة في كل الصلوات»[2]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 324.. - قوله: «كما يعلمنا السورة من القرآن»: قيل: وجه التشبيه عموم الحاجة في الأمور كلها إلى الاستخارة، كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة. وقيل: وجه الشبه في ترتيب كلماته، ومنع الزيادة والنقص، ويحتمل أن يكون من جهة كون كل منهما عُلم بالوحي[3]انظر: فتح الباري، 11/ 210..
- قوله: إذا هَمَّ أحدكم بالأمر أي: إذا أجمع القلب على فعل شيء، قال ابن علان رحمه الله: «الأمر: الجائز فعلًا أو تركًا»[4]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 205..
- قوله: فليركع ركعتين أي: ليصلي ركعتين، وقد يذكر الركوع ويراد به الصلاة؛ لقوله: وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [البقرة:43]، ويذكر السجود، ويراد به الصلاة؛ لقوله: وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب [العلق:19]، وهذا من باب ذكر الجزء وإرادة الكل، قال الباجي رحمه الله: «فَلْيَرْكَعْ ركعتينِ: لَفْظُه لفظ الأمر، وهو محمولٌ على النَّدْبِ، بدليل أنّه لا يجب من الصَّلوات إلا الخمس»[5]المسالك في شرح موطأ مالك، 3/ 135..
- قوله: من غير الفريضة: يريد بذلك الصلوات الخمس، أي: لا يستخير فيها، بل تكون هذه الصلاة صلاة نافلة خالصة لهذا الأمر، وهو دليل على عدم الوجوب، وقال الحافظ في الفتح: «فيهِ احتِراز عَن صَلاة الصُّبح مَثَلًا، ويَحتَمِل أَن يُرِيد بِالفَرِيضَةِ عَينها وما يَتَعَلَّق بِها، فَيَحتَرِز عَن الرّاتِبَة كَرَكعَتِي الفَجر مَثَلًا.
وقالَ النَّووِيّ فِي «الأَذكار»: لَو دَعا بِدُعاءِ الاستِخارَة عَقِب راتِبَة صَلاة الظُّهر مَثَلًا، أَو غَيرها مِنَ النَّوافِل الرّاتِبَة والمُطلَقَة، سَواء اقتَصَرَ عَلَى رَكعَتَينِ أَو أَكثَر أَجزَأَ. كَذا أَطلَقَ، وفِيهِ نَظَر، ويَظهَر أَن يُقال: إِن نَوى تِلكَ الصَّلاة بِعَينِها، وصَلاة الاستِخارَة مَعًا أَجزَأَ، بِخِلافِ ما إِذا لَم يَنوِ، ويُفارِق صَلاة تَحِيَّة المَسجِد؛ لأَنَّ المُراد بِها شَغل البُقعَة بِالدُّعاءِ، والمُراد بِصَلاةِ الاستِخارَة أَن يَقَع الدُّعاء عَقِبها أَو فِيها، ويَبعُد الإِجزاء لِمَن عَرَضَ لَهُ الطَّلَب بَعد فَراغ الصَّلاة؛ لأَنَّ ظاهِر الخَبَر أَن تَقَع الصَّلاة والدُّعاء بَعد وُجُود إِرادَة الأَمر... وأيضًا قال: ويُؤخَذ مِن قَولُه: مِن غَير الفَرِيضَة أَنَّ الأَمر بِصَلاةِ رَكعَتَي الاستِخارَة لَيسَ عَلَى الوُجُوب، قالَ شَيخنا فِي شَرح التِّرمِذِيّ: ولَم أَرَ مَن قالَ بِوُجُوبِ الاستِخارَة»[6]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 185.. - قوله: ثم ليقل: اللَّهم إني أستخيرك أي: أطلب منك أن توفقني وتسدد خطاي إلى خير الأمر، فأنت تعلمه، وأنا أجهله، «اللَّهُمَّ بِمَعْنَى: يَا أَلله»[7]لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح حديث المتن رقم 1، في شرح المفردة رقم 6..
وقال الباجي رحمه الله: «معناه اسْتَفعَلَ: يُسْتَعمل في لسان العرب، ويأتي على معانٍ: منها سؤال الفعل، فتقدير الكلام: أطلب منك الخَيْرَ والخِيْرَة فيما هممتُ به، والخيرُ هو كلُّ فعْلٍ سألَهُ العبدُ من اللهِ»[8]المسالك في شرح موطأ مالك، 3/ 488.. - قوله: بعلمك: الباء هنا للتعليل، أي لأنك أعلم، وكذا في قوله: بقدرتك، ويُحتمل أن تكون للاستعانة، كقوله: بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا [هود:41]، ويحتمل أن تكون للاستعطاف، كقوله: قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ [القصص:17].
- قوله: وأستقدرك: أي: أطلب منك أن تجعل لي على ذلك قدرة بتيسير الخير لي[9]انظر: فتح الباري، 12/ 211..
- قوله: بقدرتك: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَعِلْمُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ، وَقُدْرَتُهُ صِفَةٌ قَائِمَةٌ بِهِ... وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَإِنْ سَمَّى فِعْلًا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَهُوَ صِفَةٌ بِاعْتِبَارِ قِيَامِهِ بِالْمُتَكَلِّم»[10]مجموع الفتاوى، 17/ 152..
وقال العيني رحمه الله: «القدرة للَّه وحده»[11]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني، 23/ 11.، وقال رحمه الله في كتاب آخر: «أطلب منك القدرة على ما نويتُه، فإنك قادر على إقدارِي عليه، أو تقدر لي الخير بسبب قدرتك عليه، والباء للسببيّة في الموضعين»[12]شرح أبي داود للعيني، 5/ 450.. - قوله: وأسألك من فضلك العظيم: هذا إشارة إلى أن عطاء اللَّه محض فضل منه، وتمام جود على عبده، فليس لأحد على اللَّه حق في نعمه، وهو مذهب أهل السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَهَذَا السُّؤَالُ مِنْ جُودِهِ وَمَنِّهِ وَعَطَائِهِ وَإِحْسَانِهِ الَّذِي يَكُونُ بِمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَحَنَانِهِ»[13]مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 4/ 142..
- قوله: فإنك تقدر ولا أقدر: إشارة إلى أن العلم والقدرة للَّه وحده، وليس للعبد من ذلك إلا ما قدر اللَّه له، وكأنه قال: أنت يا رب تقدر قبل أن تخلق فيَّ القدرة، وعندما تخلقها فيَّ وبعدما تخلقها[14]شرح أبي داود للعيني، 5/ 450..
- قوله: وتعلم ولا أعلم، قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «أي: حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك، وليس عندي»[15]شفاء العليل، ص110..
- قوله: وأنت علام الغيوب أي: أنه لا يختص بمعرفة ما في الغيب إلا أنت، وأنت كذلك العليم بعواقب الأمور، ما هو النافع منها والضار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «فَغَيْبُهُ الَّذِي اخْتَصَّ بِهِ لَا يُظْهِرُ عَلَيْهِ أَحَدًا إلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ... وَأَمَّا مَا أَظْهَرَهُ لِعِبَادِهِ فَإِنَّهُ يُعَلِّمُهُ مَنْ شَاء، وَمَا تَتَحَدَّثُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ فَقَدْ تَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ بَعْضَهُ؛ لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ غَيْبِهِ وَعِلْمِ نَفْسِهِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ، بَلْ هَذَا قَدْ أَظْهَرَ عَلَيْهِ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ»[16]مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 14/ 197..
وقال السعدي رحمه الله: «عَلَّامُ الْغُيُوبِ: الذي يعلم ما تنطوي عليه القلوب من الوساوس والشبه، ويعلم ما يقابل ذلك ويدفعه من الحجج»[17]تفسير السعدي، ص682.. - قوله: اللَّهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر: هذا راجع إلى عدم علم العبد بعاقبة أمره، أما علم اللَّه فهو محيط بكل شيء[18]فقه الأدعية والأذكار، لعبدالرزاق عبدالمحسن البدر، ص178.، وقال ابن علان رحمه الله: «اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر، أي: الذي عزمت عليه»[19]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 205..
- قوله: ويسمي حاجته أي: أمر الزواج من فلانة، أو السفر إلى مكان كذا، أو غير ذلك مما يستخير من أجله من المباحات، قال القاري رحمه الله: «ويسمي حَاجته: أَي: فِي أثْنَاء الدُّعَاء عِنْد ذكرهَا بِالْكِنَايَةِ عَنْهَا فِي قَوْله: إِن كَانَ هَذَا الْأَمر»[20]عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 7/ 224..
وقال ابن الملقن رحمه الله: «أي: إما بلسانه أو بقلبه؛ لأنه من الدعاء والعمل الذي يتقرب به إلى اللَّه»[21]التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 159.. - قوله: خير لي في ديني: قدم الدين؛ لأنه الأهم والأجدر بالحرص عليه؛ فإذا صحّ دين الإنسان فقد فاز، وإن اختلّ فلا بركة في شيء بعد ذلك، قال ابن علان رحمه الله: «خير لي في ديني: بأن لا يترتب عليه نقص ديني ولا دنيوي»[22]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 3..
- قوله: ومعاشي: «بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ: حَيَاتِي، أَوْ مَا يُعَاشُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَسْطَلانِيُّ»[23]شرح مختصر خليل في الفقه المالكي، للخرشي، 1/ 37..
- قوله: وعاقبة أمري: قال العيني: «إن كان فيه خير يرجع لديني ولمعاشي وعاقبة أمري، وإنما ذكر عاقبة الأمر لأنه رُبّ شيء يهمّه الرجل يكون فيه خير في تلك الحال في الظاهر، ولكن لا يكون له خير في آخر الأمر، بل ينقلب إلى عكسه»[24]شرح أبي داود للعيني، 5/ 450..
- قوله: أَوْ قَالَ: عَاجِل أَمْرِي وآجله إلخ، أَيْ بَدَلَ قَوْلِهِ: فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي: يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْأَمْرِ الْحَيَاةُ، أَيْ: فِي حَيَاتِي الْعَاجِلَةِ، وَحَيَاتِي الْآجِلَةِ، أَيِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وَالْحَيَاةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَحْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ وَأَحْوَالُهُ الْأُخْرَوِيَّةُ[25]شرح مختصر خليل في الفقه المالكي، للخرشي، 1/ 37.، قال المباركفوري رحمه الله: «وعاجل الأمر يشمل الديني والدنيوي، والآجل يشملهما»[26]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 4/ 363..
- قوله: فاقدره لي: أي: فقدره، يقال: قدرت الشيء أقدره بالضم والكسر قدرا من التقدير. قال شهاب الدين القرافي في كتاب أنوار البروق: «يتعين أن يراد بالتقدير هنا التيسير، فمعناه: فيسره»[27]عمدة القاري، للعيني، 11/ 384..
- قوله: ثم يسره لي: يعني بذلك الأسباب التي هي علامات على تحصيل المطلوب، وفي رواية: يسره لي، وفي أخرى: وبارك فيه، ثم يسره لي[28]إتحاف السادة المتقين للزبيدي، 3/ 465، بترقيم الشاملة آليًّا..
قال الإمام ابن القيم: «ولما كان العبد يحتاج في فعل ما ينفعه في معاشه ومعاده إلى علم ما فيه من المصلحة، وقدرةٍ عليه، وتيسره له، وليس له من نفسه شيء من ذلك، بل علمه ممن علم الإنسان ما لم يعلم، وقدرته منه، فإن لم يقدره عليه وإلا فهو عاجز، وتيسيره منه، فإن لم ييسره عليه وإلا فهو متعسر عليه بعد أقداره؛ أرشده النبي إلى محض العبودية، وهو جلب الخيرة من العالم بعواقب الأمور وتفاصيلها وخيرها وشرها، وطلب القدرة منه، فإنه إن لم يقدره وإلا فهو عاجز، وطلب فضله منه؛ فإن لم ييسره له ويهيئه له وإلا فهو متعذر عليه، ثم إذا اختاره له بعلمه، وأعانه عليه بقدرته، ويسره له من فضله، فهو يحتاج إلى أن يبقيه عليه، ويديمه بالبركة التي يضعها فيه، والبركة تتضمن ثبوته ونموه، وهذا قدر زائد على إقداره عليه، وتيسيره له»[29]شفاء العليل، ص33.. - قوله: ثم بارك لي فيه: هذا متضمن لوقوع هذا الشيء، وثبوته ونموه، والانتفاع به، قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: «وإذا أنزل اللَّهُ البركةَ لشخص فيما أعطاه صار القليلُ منه كثيرًا، وإذا نُزعت البركةُ صار الكثيرُ قليلًا»[30]الشرح الممتع على زاد المستقنع، 4/ 26..
- قوله: وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني: قال الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله: «أي: حقيقة العلم بعواقب الأمور ومآلها والنافع منها والضار عندك، وليس عندي»[31]شفاء العليل، لابن قيم الجوزية، ص110..
- قَوله: وعاقِبَة أَمرِي أَو قالَ: فِي عاجِل أَمرِي وآجِله: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «هُو شَكّ مِنَ الرّاوِي، ولَم تَختَلِف الطُّرُق فِي ذَلِكَ، واقتَصَرَ فِي حَدِيث أَبِي سَعِيد عَلَى عاقِبَة أَمرِي، وكَذا فِي حَدِيث ابن مَسعُود، وهُو يُؤَيِّد أَحَد الاحتِمالَينِ فِي أَنَّ العاجِل والآجِل مَذكُورانِ بَدَل الأَلفاظ الثَّلاثَة: ديني ومعاشي وعاقبة أمري، أَو بَدَل الأَخِيرَينِ فَقَط: معاشي وعاقبة أمري، وعَلَى هَذا فَقَول الكرمانِيّ: لا يَكُون الدّاعِي جازِمًا بِما قالَ رَسُول اللَّه إِلَّا إِن دَعا ثَلاث مَرّات، يَقُول مَرَّة: فِي دِينِي ومَعاشِي وعاقِبَة أَمرِي، ومَرَّة: فِي عاجِل أَمرِي وآجِله، ومَرَّة: فِي دِينِي وعاجِل أَمرِي وآجِله»[32]فتح الباري، 11/ 186..
- قوله: وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعاشي، وعاقبة أمري، أو قال: عاجل أمري وآجله: قال المباركفوري رحمه الله: «أي: معادي، قال السندي: ينبغي أن يجعل الواو ههنا بمعنى أو، بخلاف قوله: «خير لي في كذا وكذا»، فإن هناك على بابها؛ لأن المطلوب حين تيسره أن يكون خيرًا من جميع الوجوه، وأما حين الصرف فيكفي أن يكون شرًّا من بعض الوجوه»[33]مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 4/ 363..
- قوله: فاصرفه عني واصرفني عنه: أي: حتى لا يبقى القلب متعلقًا به بعد صرف الأمر عنه، قال ابن حجر رحمه الله: «أَي: حَتَّى لا يَبقَى قَلبه بَعد صَرف الأَمر عَنهُ مُتَعَلِّقًا بِهِ، وفِيهِ دَلِيل لأَهلِ السُّنَّة أَنَّ الشَّرّ مِن تَقدِير اللَّه عَلَى العَبد؛ لأَنَّهُ [أي العبد] لَو كانَ يَقدِر عَلَى اختِراعه لَقَدَرَ عَلَى صَرفه، ولَم يَحتَج إِلَى طَلَب صَرفه عَنهُ»[34]فتح الباري، لابن حجر، 11/ 186..
- قوله: واقدر لي الخير حيث كان: قال ابن علان رحمه الله: «أي: ما فيه ثواب ورضا منك على فاعله حيث كان، أي: أقدرني على فعله في أيّ مكان وأي زمان حصل»[35]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 206..
- قوله: ثم رضني به: قال ابن علان رحمه الله: «حتى لا أزدري شيئًا من نعمك ولا أحسد أحدًا من خلقك، وحتى أندرج في سلك الراضين الممدوحين»[36]دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 206..
- قوله: ثم أرضني به: لأن المقدور يكتنفه أمران: الاستخارة قبل وقوعه، والرضا بعد وقوعه، ومن سعادة العبد أن يجمع بينهما[37]إغاثة اللَّهفان، لابن القيم، 1/ 28..
- ومعنى قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ [آل عمران:159]، أي: شاور يا محمد ذوي الرأي من أصحابك في الأمور المهمة، فإذا ترجح رأي فاعزم على تنفيذه متوكلًا على اللَّه، قال السعدي رحمه الله: «أي: الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر، فإن في الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره»[38]تفسير السعدي، ص154..
ما يستفاد من الحديث:
- يُشترط فيمن يُستشار أمور، منها:
- أن يكون معروفًا بسداد رأيه، وخبرته في هذه الأمور.
- أن يكون معروفًا عنه التأني في الرأي، وعدم التسرع.
- أن يكون ذا دين وصلاح.
- من فوائد الاستشارة، الأمور الآتية:
- أنها من العبادات التي يتقرب بها العبد إلى اللَّه؛ لقوله: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، وإن كان خطابًا للنبي ؛ فإن لنا فيه الأسوة والقدوة.
- أنها تطيب النفوس، وتجمع القلوب.
- أنها تنوِّر الأفكار، وتعمل العقول.
- إن من ثمرة المشورة صواب الرأي وسداده، قال ابن عطية: الشورى من قواعد الشريعة، وعزائم الأحكام.
- شفقة النبي على أمته، وتعليمهم جميع ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
- المؤمن يتبرأ من حوله وقوته إلى حول اللَّه وقوته؛ إذ لا حول ولا قوة إلا باللَّه.
- إثبات أن الخير والشر من تقدير اللَّه ، وأنه لا قدرة للعبد على جلب منفعة، أو دفع مضرة إلا باللَّه ، لكن الشر لا يُنسب إلى اللَّه؛ لأنه لا يأتي منه إلا الخير، وإنما يُنسب إلى مفعولاته، واللَّه خالق كل شيء، كما قال النبي : وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ[39]أخرجه مسلم، برقم 771، وتقدم تخريجه..
- تضمن هذا الدعاء أمورًا عظامًا: كالإقرار للَّه بالربوبية، والإقرار بصفات الكمال: في العلم، والقدرة، والإرادة، وغير ذلك.
- الاستخارة توكُّلٌ على اللَّه، وإحسان ظن من العبد بربه أنه يختار له الأنفع، وهذا من لوازم الرضا باللَّه تعالى.
- قطع هذا الدعاء كل طريق على أهل التطيُّرِ والتنجيم واختيار الطالع وقراءة الفنجان، أو ما يسميه الناس «حظك اليوم»، كما كان يفعل أهل الجاهلية، فهذا الدعاء الذي كله توحيد وافتقار وعبودية أعطاهم اللَّه إيّاه بدلًا من ذلك.
- لا فرق في صلاة الاستخارة بين الليل والنهار، ولا يشترط أن ينام المستخير بعدها أو أن يرى رؤيا، بل يعزم ويتوكل على اللَّه.
- لم يثبت شيء عن النبي في القراءة في صلاة الاستخارة، ومن قال: يقرأ في الأولى بـ«الكافرون» وفي الثانية بـ«الإخلاص» فهو مجرد اجتهاد منه، والثابت عن النبي القراءة بهاتين السورتين في السنة التي بعد صلاة المغرب[40]ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب، برقم 1166، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم … Continue reading، وركعتي الطواف[41]مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي في حديث جابر الطويل، برقم 1218.، وكذلك ركعتي الفجر التي قبل صلاة الفجر[42]مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ وَكَرَاهَةِ … Continue reading.
- لا بأس بتكرير الاستخارة، وقد فعل ذلك عبداللَّه بن الزبير في حريق البيت في زمن يزيد بن معاوية حيث قال: «إني مستخير ربي ثلاثًا ثم عازم على أمري»[43]مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، برقم 1333.، كما أن الاستخارة دعاء، وكان من هدي النبي أن يدعو ثلاثًا كما فعل في الاستسقاء بقوله : اللَّهم أغثنا قالها ثلاثًا[44]البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، برقم 1014..
- لا أعلم مستندًا صحيحًا لمن قال: إن هذا الدعاء في السجود أو عقب التشهد، إلا العمومات التي تفيد أن السجود وبعد التشهد مواطن دعاء، ولكن النص في دعاء الاستخارة صريح في كون الدعاء عقب الصلاة[45]انظر: فقه الدعاء للعدوي، 168..
- حديث أن النبي كان إذا أراد الأمر قال: اللَّهم خِرْ لي، واختر لي[46]الترمذي، كتاب الدعوات، باب 86 حدثنا محمد بن بشار، برقم 3516، والبيهقي في شعب الإيمان، 1/ 219، برقم 204، والبزار، 1/ … Continue reading، وكذلك حديث: يا أنس إذا هممت بأمر فاستخر ربك فيه سبع مرات، ثم انظر إلى الذي سبق إلى قلبك فإن الخير فيه[47]أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم 597، والديلمي في مسند الفردوس، 5/ 365، برقم 8451، وضعفه النووي في … Continue reading، وكذلك حديث: من سعادة ابن آدم استخارة اللَّه... الحديث، وفيه: ومن شقوة ابن آدم تركه استخارة اللَّه[48]أخرجه أحمد، 3/ 54، برقم 1444، والترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في الرضا بالقضاء، برقم 2151، وضعفه محققو المسند، 3/ 54، … Continue reading، كل هذه الأحاديث ذكر العلماء أنها ضعيفة لا يعتمد عليها[49]انظر في تخريج هذه الأحاديث: الأسطر السابقة في تخريجها..
| ^1 | النهاية في غريب الحديث والأثر، 2/ 91، مادة (خير). |
|---|---|
| ^2 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 29/ 324. |
| ^3 | انظر: فتح الباري، 11/ 210. |
| ^4, ^19 | دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 205. |
| ^5 | المسالك في شرح موطأ مالك، 3/ 135. |
| ^6 | فتح الباري، لابن حجر، 11/ 185. |
| ^7 | لسان العرب، 13/ 470، مادة (أله)، وتقدم شرحه في شرح حديث المتن رقم 1، في شرح المفردة رقم 6. |
| ^8 | المسالك في شرح موطأ مالك، 3/ 488. |
| ^9 | انظر: فتح الباري، 12/ 211. |
| ^10 | مجموع الفتاوى، 17/ 152. |
| ^11 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، للعيني، 23/ 11. |
| ^12, ^14, ^24 | شرح أبي داود للعيني، 5/ 450. |
| ^13 | مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 4/ 142. |
| ^15 | شفاء العليل، ص110. |
| ^16 | مجموع الفتاوى، لابن تيمية، 14/ 197. |
| ^17 | تفسير السعدي، ص682. |
| ^18 | فقه الأدعية والأذكار، لعبدالرزاق عبدالمحسن البدر، ص178. |
| ^20 | عمدة القاري شرح صحيح البخاري، 7/ 224. |
| ^21 | التوضيح لشرح الجامع الصحيح، 9/ 159. |
| ^22 | دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 6/ 3. |
| ^23, ^25 | شرح مختصر خليل في الفقه المالكي، للخرشي، 1/ 37. |
| ^26, ^33 | مرعاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، 4/ 363. |
| ^27 | عمدة القاري، للعيني، 11/ 384. |
| ^28 | إتحاف السادة المتقين للزبيدي، 3/ 465، بترقيم الشاملة آليًّا. |
| ^29 | شفاء العليل، ص33. |
| ^30 | الشرح الممتع على زاد المستقنع، 4/ 26. |
| ^31 | شفاء العليل، لابن قيم الجوزية، ص110. |
| ^32 | فتح الباري، 11/ 186. |
| ^34 | فتح الباري، لابن حجر، 11/ 186. |
| ^35, ^36 | دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين، 5/ 206. |
| ^37 | إغاثة اللَّهفان، لابن القيم، 1/ 28. |
| ^38 | تفسير السعدي، ص154. |
| ^39 | أخرجه مسلم، برقم 771، وتقدم تخريجه. |
| ^40 | ابن ماجه، كتاب الصلاة، باب ما يقرأ في الركعتين بعد المغرب، برقم 1166، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، برقم 3328. |
| ^41 | مسلم، كتاب الحج، باب حجة النبي في حديث جابر الطويل، برقم 1218. |
| ^42 | مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ بِرَكْعَتَيْنِ وَكَرَاهَةِ الْجُلُوسِ قَبْلَ صَلاَتِهِمَا وَأَنَّهَا مَشْرُوعَةٌ فِي جَمِيعِ الأَوْقَاتِ، برقم 714. |
| ^43 | مسلم، كتاب الحج، باب نقض الكعبة وبنائها، برقم 1333. |
| ^44 | البخاري، كتاب الاستسقاء، باب الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة، برقم 1014. |
| ^45 | انظر: فقه الدعاء للعدوي، 168. |
| ^46 | الترمذي، كتاب الدعوات، باب 86 حدثنا محمد بن بشار، برقم 3516، والبيهقي في شعب الإيمان، 1/ 219، برقم 204، والبزار، 1/ 129، برقم 59، وأبو يعلى، 1/ 45، برقم 44، والخرائطي في مكارم الأخلاق، 1/ 205، وضعفه الألباني في الضعيفة، برقم 1515. |
| ^47 | أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة، برقم 597، والديلمي في مسند الفردوس، 5/ 365، برقم 8451، وضعفه النووي في الأذكار برقم 305، وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، 11/ 187: «لَكِن سَنَده واهٍ جِدًّا»، وكذلك ضعفه الألباني في الكلم الطيب، ص71. |
| ^48 | أخرجه أحمد، 3/ 54، برقم 1444، والترمذي، كتاب القدر، باب ما جاء في الرضا بالقضاء، برقم 2151، وضعفه محققو المسند، 3/ 54، وقد ضعفه الألباني في ضعيف الجامع، برقم 5300. |
| ^49 | انظر في تخريج هذه الأحاديث: الأسطر السابقة في تخريجها. |
نمط النص
محاذاة النص
حجم الخط